|
|
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثوري مستمر
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس ما يعيشه السودان سلسلة إخفاقات عرضية لثورات «غير مكتملة»، بل هو تعبير مكثّف عن صراع تاريخي لم يحسَم بعد بين مجتمع يسعى إلى انتزاع حقه في الحياة، ودولة بنيت منذ نشأتها كجهاز قهر ونهب. فالسؤال الحقيقي ليس لماذا تتعثر الانتفاضات، بل لماذا تتحول، في كل مرة، من لحظة أمل جماعي إلى تسوية هشة، ثم إلى عنف أعمى، وكأن النظام يعيد فرض منطقه بأدوات أكثر فتكا كلما فشل في احتواء الشارع سياسيا. الخطاب الذي يختزل المأزق في «الدولة العميقة» يفترض ضمنا وجود دولة طبيعية جرى تشويهها، بينما الواقع أن الدولة السودانية، في بنيتها التاريخية، لم تكن يوما محايدة. لقد تشكّلت كتحالف عضوي بين السلاح والريع والتجارة والوساطة، مهمته ضبط المجتمع لا تمثيله، واستخراج الفائض من الأطراف لا إعادة توزيعه. لذلك فإن مواجهة هذه الدولة عبر إصلاحات سياسية أو شراكات انتقالية لا تمسّ جوهر علاقات الإنتاج، تعني عمليا ترك مركز السلطة الاقتصادية والعسكرية في مأمن، بانتظار لحظة الانقضاض التالية. الانتفاضات السودانية، بما فيها ثورة ديسمبر، كشفت طاقة هائلة لدى الجماهير، لكنها كشفت في الوقت نفسه حدود الفعل السياسي حين يبقى أسير المدينة والطبقة الوسطى المدينية. فالهتاف الجامع يوحّد الغضب، لكنه لا يحسم الصراع. وحين يطرح سؤال الأرض، والموارد، والتنمية غير المتكافئة، وتاريخ الحروب في الهامش، يظهر التصدّع داخل المعسكر الثوري نفسه. هنا لا يكون الفشل تقنيا، بل طبقيا، لأن الفئات القائدة للانتفاضة تسعى إلى تحديث النظام القائم لا اقتلاعه من جذوره، وتخشى الذهاب بعيدا في الصدام مع البنية الاقتصادية التي تغذي العسكر وتمنحهم فائض القوة. ما يسمّى بالثورة المضادة ليس ردّ فعل متأخرا، بل هو الوجه الطبيعي لدولة تعرف أنها إن فقدت سيطرتها السياسية ستلجأ إلى العنف العاري لحماية امتيازاتها. لذلك لم يكن انقلاب 2021 سوى لحظة إعادة ترتيب داخل الطبقة الحاكمة نفسها. وحين تعذّر إعادة إنتاج الحكم عبر الانقلاب وحده، انفجرت التناقضات في شكل حرب، لا بوصفها انهيارا للدولة، بل استمرارا لها بمنطقها الأصلي: تفكيك المجتمع كي يبقى رأس المال المسلّح حيا. الحرب الجارية ليست قطيعة مع مسار الثورة، بل نتيجة مباشرة لعجز الانتفاضة عن التحول إلى ثورة اجتماعية منظمة. إنها التعبير الأكثر وحشية عن دولة لم تفكك، وعن اقتصاد لم يمسّ، وعن مركز لا يزال يتغذى على هامش يستنزف ثم يترك للدمار. في هذا السياق، تصبح التدخلات الإقليمية والدولية عامل تسريع لا سببا أصليا، لأنها تجد في البنية التابعة للدولة السودانية أرضا جاهزة للاستغلال والمساومة. الرهان على الزمن وحده، أو على «حتمية» انتصار الثورة، ليس سوى تعزية سياسية. التاريخ لا يتحرك تلقائيا لصالح المقهورين، بل يتحرك حين يمتلكون أداة واعية قادرة على تحويل غضبهم إلى قوة مادية. من دون تنظيم ثوري واضح، ومن دون برنامج يربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، ومن دون انحياز صريح للعمال والفلاحين وسكان الأطراف، ستظل كل انتفاضة عرضة لأن تختطف أو تغرق في الدم. المأزق السوداني ليس في نقص التضحيات، ولا في ضعف الشجاعة، بل في غياب القطيعة الجذرية مع منطق الدولة القديمة. فإسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط النظام نفسه، وتقاسم السلطة لا يعني تغيير طبيعتها. المطلوب ليس تحسين شروط الانتقال، بل إعادة تعريف معنى الدولة والوطن والسلطة، على أساس الملكية الاجتماعية للموارد، وتفكيك الاقتصاد العسكري، وإنهاء المركزية التي حوّلت السودان إلى أرخبيل من المظالم المتراكمة. ما لم يتحقق هذا التحول، سيظل المشهد يتكرر بأشكال مختلفة: انتفاضة تولد من رحم القهر، تسوية تعجز عن تلبية المطالب العميقة، ثم انفجار أعنف يعيد البلاد خطوات إلى الوراء. كسر هذه الحلقة ليس مسألة نوايا أو أخطاء إجرائية، بل مسألة صراع طبقي مفتوح، لا يمكن حسمه إلا ببناء قوة سياسية جديدة، تنطلق من تحت الركام، وتقول بوضوح إن الحرية لا تنفصل عن الخبز، وإن السلام لا يبنى دون عدالة اجتماعية، وإن الثورة التي لا تغيّر بنية الاقتصاد ستظل عالقة بين الشارع والثكنة. إذا كان ما سبق قد فكك حدود الانتفاضة والدولة والتنظيم، فإن التقدم خطوة أخرى يفرض تفكيك ما هو أقل وضوحا وأشدّ خطورة: كيفية إعادة إنتاج الهزيمة داخل المجتمع نفسه، حتى في لحظات المقاومة. فالنظام لا يعيش فقط في الثكنات والمؤسسات، بل يعيش أيضا في أنماط التفكير، وفي تصور الناس لما هو ممكن وما هو مستحيل، وفي الطريقة التي يفهم بها التغيير ذاته. أحد أخطر ما يميز التجربة السودانية هو أن العنف الطويل لم ينتج فقط خرابا ماديا، بل راكم ثقافة تكيّف مع الاستثناء. الحرب، القمع، الطوارئ، الانقلابات، لم تعد أحداثا صادمة، بل تحولت إلى ما يشبه الخلفية الدائمة للحياة. هذا التطبيع مع الكارثة لا يلغي الرغبة في التغيير، لكنه يفرغها من أفقها التاريخي، ويجعل أقصى الطموح هو النجاة لا التحرر، وتجنّب الأسوأ لا بناء الأفضل. في هذا السياق، تصبح الثورة لحظة انفجار نفسي جماعي أكثر منها مشروعا واعيا لإعادة تشكيل المجتمع. وهنا يتقاطع السياسي بالأنثروبولوجي: فالمجتمع الذي يعيش طويلا تحت منطق الطوارئ يتعلم أن يرى السلطة بوصفها قدرا، لا علاقة اجتماعية قابلة للتغيير. حتى حين تواجه السلطة، تواجه أخلاقيا لا تاريخيا؛ تدان ولا تحلّل؛ تلعن ولا تفكّك. هذا النمط من الوعي يجعل الغضب واسعا لكنه غير دقيق، ويجعل العدو حاضرا في الخطاب وغائبا في التحليل. من هنا نفهم لماذا تتقدم اللغة أحيانا أسرع من الفعل. ترفع شعارات عالية، تنتج خطابات متقدمة، لكن البنية الاجتماعية التي يفترض أن تحمل هذه الخطابات لا تتحول بالوتيرة نفسها. يحدث نوع من الانفصال بين الكلام الثوري والواقع الاجتماعي، فيتحول الأول إلى تعويض رمزي عن عجز مادي. ومع الوقت، يبدأ الخطاب نفسه في الدوران داخل فضائه، فاقدا قدرته على الإزعاج الحقيقي للسلطة. البعد الآخر الذي يحتاج تفكيكا أعمق هو علاقة الثورة بالمعرفة. في السياقات التابعة، تختزل السياسة غالبا في ردّ الفعل، بينما يترك إنتاج المعرفة للنخب الأكاديمية أو للمؤسسات الدولية أو لمراكز القرار الخارجية. هذا الفصل بين الفعل والمعرفة يضعف أي مشروع تحرري، لأن الثورة التي لا تنتج أدوات فهمها الخاصة، ستضطر دائما لاستعارة مفاهيم لا تنبع من تجربتها، ولا تخدم بالضرورة مصالحها. وهنا تتسلل مفردات مثل «الاستقرار»، «الانتقال السلس»، «إدارة التنوع»، لتغلف علاقات قهر حقيقية بلغة محايدة ظاهريا. في السودان، لم يكن غياب البرنامج مجرد نقص تنظيمي، بل كان أيضا غيابا لاقتصاد سياسي ثوري مكتوب من موقع المحرومين أنفسهم. لم تطرح أسئلة الإنتاج والعمل والملكية بوصفها أسئلة مركزية، بل جرى تأجيلها باسم التوافق أو الواقعية. هذا التأجيل لم يكن بريئا؛ لقد منح القوى المسيطرة وقتا ثمينا لإعادة ترتيب مواقعها، ولتحويل الخوف من الانهيار إلى أداة ابتزاز سياسي. أما الحرب، فقد عمّقت هذا المسار بوجه آخر: إذ أعادت تشكيل المجتمع على أساس البقاء الفردي والجماعي الضيق. في زمن الحرب، يتراجع السؤال السياسي الكبير أمام أسئلة الخبز والأمان والدواء. لكن الخطورة لا تكمن في هذا التراجع المؤقت، بل في تحوّله إلى بنية دائمة، حيث يعاد تعريف السياسة نفسها بوصفها إدارة للأزمات الإنسانية لا صراعا حول السلطة والثروة. بهذا المعنى، تصبح الإغاثة بديلا عن التغيير، والتكيّف بديلا عن المواجهة. ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يغلق الأفق، بل يعيد رسمه بشروط أكثر قسوة. فالحرب، رغم فظاعتها، كشفت حدود كل الحلول الوسط، وعرّت وهم الدولة المحايدة، ودفعت قطاعات واسعة إلى طرح أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل: لماذا يتكرر الخراب؟ من يستفيد منه؟ ولماذا يبدو السلام مستحيلا دون كسر بنية القوة ذاتها؟ هنا يظهر جيل جديد من الأسئلة، لا ينبع فقط من خيبة سياسية، بل من تجربة وجودية مباشرة مع العنف والفقدان. هذه الأسئلة، إن وجدت من يصوغها وينظمها، يمكن أن تشكل نواة وعي مختلف، أقل رومانسية، وأكثر صرامة. وعي لا يراهن على اللحظة، بل على المسار؛ لا يطلب الاعتراف من السلطة، بل يسعى إلى انتزاع القدرة منها. إن الانتقال من الانتفاضة إلى الثورة، في هذا المستوى، ليس انتقالا في الشعارات أو التحالفات فقط، بل في تصور السياسة نفسها. السياسة هنا ليست فن الممكن، بل فن توسيع الممكن عبر الصراع. ليست إدارة التوازنات، بل كسرها حين تصبح عائقا أمام الحياة. وليست انتظار نضج الظروف، بل العمل على تغييرها. بهذا المعنى، فإن بناء الأداة الثورية لا يعني فقط تنظيما حزبيا، بل إعادة وصل ما فصل: ربط الوعي بالممارسة، وربط الاقتصاد بالسياسة، وربط المركز بالهامش، وربط اللحظة بالزمن الطويل. من دون هذا الربط، ستظل الثورة السودانية تتحرك في دائرة الإرهاق، حيث يتقدم الوعي خطوة ويتراجع الواقع خطوتين. فالدفعة القادمة من الصراع، إن كتب لها أن تكون مختلفة، لن تأتي من تكرار التجربة ذاتها بأسماء جديدة، بل من قطيعة هادئة ولكن جذرية مع منطق الانتظار، ومع الخوف من تسمية الأشياء بأسمائها، ومع وهم أن الدولة يمكن أن تصلح دون أن تنتزع من أيدي من بنوها ضد المجتمع. في هذا الأفق فقط، يصبح الحديث عن المستقبل حديثا سياسيا لا أخلاقيا، وعن الأمل حديثا تنظيميا لا وجدانيا، وعن الثورة مسارا تاريخيا واعيا بذاته، لا انفجارا يعود في كل مرة إلى نقطة الصفر. و حين ننزل بالتحليل من مستوى البنى الكبرى إلى مستوى الحياة اليومية، يتضح أن مأزق الثورة السودانية لا يقاس فقط بما حدث في القصور أو في موائد التفاوض، بل بما جرى ويجري في تفاصيل العيش: في السوق، في الحي، في رحلة النزوح، في علاقة الناس ببعضهم وبالسلطة وبالزمن. هنا بالضبط تظهر السياسة في شكلها الأكثر صدقا، لا كشعارات، بل كخبرة معيشة. في المدن التي كانت مسرح الانتفاضات، تغيّرت العلاقة بين الناس والمدينة نفسها. الخرطوم، وأم درمان، وبحري، لم تعد فضاءات سياسية فقط، بل تحولت إلى أماكن هشّة، قابلة للانهيار في أي لحظة. المدينة التي كانت تمنح وهم المركز، صارت تذكيرا يوميا بأن الدولة ليست حامية، وأن البقاء فيها مخاطرة. هذا التحول العميق في الإحساس بالمكان له أثر سياسي بالغ: فحين تفقد المدينة وظيفتها كحاضنة اجتماعية، تفقد معها قدرتها على أن تكون مركزا مستقرا للفعل الثوري طويل النفس. في الريف والأطراف، لم تكن الصدمة مماثلة، لأن العنف ليس جديدا هناك. الجديد هو انتقال مركز الدمار إلى المدن، ما كشف للسكان في المركز جزء مما عاشه الهامش لعقود. لكن هذا الكشف لم يتحول تلقائيا إلى وعي سياسي موحّد، بل بقي غالبا في حدود التعاطف الإنساني. فالنازح من دارفور أو من الجزيرة لا يستقبل بوصفه حامل قضية سياسية، بل بوصفه حالة إنسانية طارئة، تحتاج إلى إغاثة لا إلى إعادة نظر جذرية في بنية الدولة التي أنتجت نزوحه. الاقتصاد اليومي، بدوره، يفضح جوهر السلطة أكثر من أي خطاب. في طوابير الخبز، وفي أسعار الوقود، وفي انهيار العملة، يتعلم الناس درسا سياسيا قاسيا: أن ما يسمّى «الدولة» حاضر بقوة حين يتعلق الأمر بالجباية والقمع، وغائب حين يتعلق الأمر بالحماية والخدمات. هذا التناقض لا ينتج بالضرورة وعيا ثوريا تلقائيا، لكنه يراكم شعورا عاما بأن النظام القائم لا يمكن إصلاحه من الداخل، حتى لو لم يصغ هذا الشعور بلغة نظرية. الحرب عمّقت هذا الإدراك، لكنها في الوقت نفسه كسرت الروابط الاجتماعية التي تحتاجها أي عملية تغيير. فالخوف الطويل لا يشلّ فقط، بل يعيد تشكيل العلاقات بين الناس: يقلّ التضامن، يعلو منطق العائلة والقبيلة والمنطقة، لا بوصفها خيارات أيديولوجية، بل كآليات بقاء. هنا يصبح تفكك النسيج الاجتماعي عقبة سياسية بحد ذاته، لأن الثورة لا تقوم فقط على الغضب، بل على الثقة المتبادلة، وهذه الأخيرة تستنزف في زمن الحرب. في هذا السياق، تتبدّى أزمة لجان المقاومة وغيرها من أشكال التنظيم القاعدي لا بوصفها فشلا أخلاقيا أو خيانة، بل بوصفها نتيجة مباشرة لانهيار شروط الفعل الجماعي المستقر. التنظيم الذي يولد في لحظة انتفاضية، ويعمل في فضاء مفتوح نسبيا، يجد نفسه فجأة في عالم من النزوح، والاختفاء القسري، والقتل العشوائي. الاستمرار هنا لا يكون مسألة إرادة فقط، بل مسألة شروط مادية قاسية. اللافت أن الحرب أعادت تشكيل علاقة الناس بالسياسة نفسها. لم تعد السياسة سؤال «من يحكم؟»، بل سؤال «كيف نعيش؟». هذا التحول خطير ومهم في آن. خطير لأنه قد يقود إلى انسحاب جماعي من الفعل السياسي، ومهم لأنه يكشف أن أي مشروع ثوري لا يضع شروط الحياة اليومية في قلبه، سيظل مشروعا معلّقا في الهواء. الديمقراطية، في هذا السياق، لا تقاس بعدد الأحزاب أو الدساتير، بل بقدرة الناس على الوصول إلى الماء، والغذاء، والعلاج، والعمل دون إذلال. من هنا، يصبح واضحا أن إعادة بناء الأفق الثوري في السودان لا يمكن أن تبدأ من القمم، ولا من النصوص الكبرى، بل من إعادة وصل السياسة بالمعيش. من تحويل تجربة النزوح إلى سؤال عن ملكية الأرض. من تحويل انهيار الخدمات إلى سؤال عن طبيعة الاقتصاد. من تحويل عسكرة الحياة اليومية إلى سؤال عن من يملك السلاح ولماذا. هذه الأسئلة، حين تطرح من داخل التجربة، لا تبقى مجرد تحليل، بل تتحول إلى مادة تنظيمية. الربط بين التجربة السودانية الملموسة والتحليل الثوري يغيّر كذلك صورة «الشباب». فالشباب ليسوا فقط وقود الشارع، بل هم الفئة التي عاشت الانتفاضة، ثم الهزيمة، ثم الحرب، في زمن واحد. هذا التراكم القاسي يمكن أن ينتج يأسا طويلا، لكنه يمكن أيضا، إن وجد إطارا سياسيا مختلفا، أن ينتج وعيا أقل سذاجة وأكثر صلابة. وعيا لا يثق في التسويات السريعة، ولا في الخطابات الفضفاضة، ولا في وعود الخارج. في النهاية، لا يمكن دفع الموضوع إلى الأمام دون الاعتراف بأن الثورة السودانية القادمة، إن جاءت، ستولد من قلب هذا الخراب، لا من خارجه. ستولد من تجربة النزوح لا من المنصات، من الاقتصاد المنهار لا من البرامج التلفزيونية، من ذاكرة الحرب لا من استعارات التاريخ البعيد. وهذا بالضبط ما يجعلها، رغم كل شيء، ممكنة: لأنها إن تشكّلت، ستتشكل من واقع لا يترك مجالا كبيرا للأوهام، ولا يسمح بتكرار التجربة نفسها بالشروط ذاتها. إذا كان الخراب قد أصبح المشهد العام، فإن ما يشتغل في العمق اليوم هو شيء أدقّ وأخطر: إعادة تشكيل المجتمع عبر منطق الحرب. فالحرب في السودان ليست فقط مواجهة عسكرية بين قوى مسلحة، بل نمط إنتاج كامل، يعيد ترتيب الاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، ومعنى العمل، وحتى معنى الحياة نفسها. في هذا السياق، لا يمكن فهم ما يجري بوصفه «توقفا للسياسة»، بل بوصفه انتقالها إلى مستوى آخر، أكثر فجاجة وأقل قابلية للتزييف. الاقتصاد الحربي لا يعيش على الهامش، بل يتغذى من قلب الحياة اليومية. الأسواق لا تختفي، بل تتبدل وظائفها. السلع لا تنقطع فقط، بل يعاد تسعيرها وفق منطق الندرة والخوف. العمل لا يختفي، بل يتحول إلى عمل غير مستقر، غير محمي، مرتبط بالبقاء لا بالتراكم. في هذا الاقتصاد، لا يكون السلاح مجرد أداة قتال، بل وسيلة تنظيم للحياة: من يملك القوة يحدد من يعبر، من يبيع، من يعمل، ومن يبقى حيًا. هذا النمط من الاقتصاد لا يحتاج إلى دولة قوية، بل إلى دولة مفككة قادرة على غضّ الطرف. لذلك، فإن الحرب لا تدمّر النظام القائم بقدر ما تكشف جوهره: نظام لا يرى في المجتمع سوى مورد يستنزف، وفي الأرض سوى غنيمة، وفي البشر سوى أرقام قابلة للاستبدال. من هنا يصبح النزوح جزء من آلية الإنتاج نفسها، لا نتيجة جانبية لها. فالنازح يفقد أرضه، وشبكته الاجتماعية، وقدرته على الاعتراض، ويتحول إلى كائن هشّ، سهل الإدماج في أي ترتيب جديد. لكن الاقتصاد الحربي لا يعيد تشكيل الحاضر فقط، بل يشتغل على الذاكرة. فمع تكرار الفقدان، يتغير موقع الماضي في وعي الناس. القرى المدمرة، الأحياء التي اختفت، البيوت التي لم يعد لها أثر، لا تبقى فقط كأماكن مفقودة، بل تتحول إلى فجوات في السرد الجماعي. وحين لا تصان الذاكرة، تصبح عرضة للاستغلال: يعاد سرد الحرب بعيون المنتصرين بالسلاح، لا بعيون الضحايا. الفقدان هنا ليس فقدان أشخاص فقط، بل فقدان استمرارية. جيل كامل يعيش دون نقطة مرجعية ثابتة: لا مدرسة مستقرة، لا عمل دائم، لا حيّ يمكن العودة إليه. هذا الانقطاع الزمني يضعف القدرة على تخيّل المستقبل، لأن التخيل يحتاج إلى حدّ أدنى من الاستقرار الرمزي. وحين يغيب هذا الاستقرار، يصبح الوطن فكرة باهتة، لا رابطا حيا بين الناس والأرض والتاريخ. في هذا السياق، تطرح مسألة «الوطن» من جديد، لا بوصفها شعارا، بل بوصفها سؤالا مؤلما. ماذا يعني الوطن لمن لم يعد له بيت؟ ماذا يعني الانتماء لمن يعيش بين مخيمات أو مدن مؤقتة؟ الخطير هنا أن مفهوم الوطن قد يختزل إلى خطاب تعبوي فارغ، أو يستبدل بهويات أصغر توفر حماية آنية، لكنها تعمّق التفكك على المدى الطويل. هذا ليس اختيارا حرا، بل استجابة قسرية لواقع يجبر الناس على الاحتماء بما هو أقرب. ومع ذلك، فإن هذه التجربة القاسية تحمل بذور وعي جديد. فالاقتصاد الحربي، رغم قسوته، يفضح كل الأكاذيب القديمة: أكذوبة الدولة الراعية، وأكذوبة الحياد، وأكذوبة التنمية من فوق. الناس يتعلمون، عبر التجربة المباشرة، أن السلطة ليست فكرة مجردة، بل علاقة قوة ملموسة، وأن العنف ليس انحرافا، بل أداة حكم. هذا التعلم لا يظهر فورا في شكل تنظيم، لكنه يتراكم كمعرفة صامتة، تنتظر لحظة التعبير. الذاكرة، هنا، تصبح ساحة صراع. إما أن تترك لتمحى أو تشوّه، أو أن تستعاد بوصفها مادة سياسية. استعادة الذاكرة لا تعني البكاء على الأطلال، بل ربط الفقدان بأسبابه، وتحويل الألم إلى سؤال: لماذا تكرّر هذا؟ من استفاد؟ ومن دفع الثمن؟ حين تطرح هذه الأسئلة من داخل التجربة، لا تعود مجرد تحليل، بل تصبح فعل مقاومة ضد التطبيع مع الكارثة. ربط الاقتصاد الحربي بالذاكرة يفتح أفقا جديدا للفعل الثوري. فالثورة المقبلة، إن جاءت، لن تبدأ فقط من مطلب إسقاط سلطة، بل من مطلب استعادة الحياة نفسها من منطق الحرب. من تفكيك الاقتصاد الذي يعيش على الدم، ومن إعادة بناء معنى الوطن كفضاء مشترك للحياة، لا كساحة تنازع دائم. هذا يتطلب سياسة مختلفة، لا تعد بالاستقرار السريع، بل تعمل على تفكيك شروط العنف واحدة تلو الأخرى. بهذا المعنى، لا يكون تجاوز المأزق السوداني ممكنا دون مواجهة مزدوجة: مواجهة الاقتصاد الذي يحوّل الحرب إلى ربح، ومواجهة النسيان الذي يحوّل الفقدان إلى قدر. بين هذين المستويين تتشكل مهمة سياسية جديدة، لا تبدأ من القمم، ولا تنتظر نهاية الحرب، بل تشتغل داخل الخراب نفسه، على إعادة وصل ما انقطع بين الناس، والأرض، والذاكرة، والمعنى. هنا فقط يمكن للثورة أن تغادر موقع ردّ الفعل، وتبدأ في إنتاج زمنها الخاص، لا بوصفه وعدا بعيدا، بل بوصفه ممارسة بطيئة، عنيدة، تعرف أن استعادة الوطن ليست مسالة عرضية، بل مسارا طويلا من انتزاع الحياة من قبضة العنف. الحرب الأهلية التي انفجرت في السودان ليست مجرد صراع شخصي بين البرهان وحميدتي، ولا هي نتاج لحظة انفعال أو طموح فردي. هي تتويج لتراكم طويل من التاريخ العسكري والسياسي والاقتصادي للبلاد، وهي انعكاس مباشر للطبيعة المركّبة للعسكر السوداني، للميليشيات، ولشبكات النفوذ التي أنشأها البشير وحافظت على نفسها بعده. الجيش السوداني، الذي ينظر إليه غالبا بوصفه الحامي التقليدي للدولة، ليس مؤسسة محايدة، ولا حتى كيانا اقتصاديا عاديا، بل هو مشروع دولة داخل الدولة، تكاملت فيه وظائف السياسة والقمع والربح الاقتصادي. احتكار الجيش للعنف المادي لم يكن مجرد أداة للحكم، بل شكل نموذجا لربط البيروقراطية العسكرية بالمال، وتحويل مواقع القوة إلى أدوات تراكم رأسمالي داخلي وخارجي، مما جعله لاعبا اقتصاديا مؤثرا في الزراعة، والثروة الحيوانية، والموانئ، والأسواق، حتى صار في قلب كل قرار سياسي، غير محتاج بالضرورة إلى سند شعبي. أما قوات الدعم السريع، فهي تطور مباشر لهذه الاستراتيجية. فالميليشيات التي تأسست لتكون وسيلة للسيطرة على الأطراف وفرض النظام العسكري، أُعيد تأهيلها لاحقا لتصبح قوة موازية، ذات ولاء شخصي، قادرة على تحدي المؤسسة العسكرية التقليدية، ومرتبطة بشبكات من المصالح المحلية والخارجية. الدعم السريع ليس مجرد قوة قتالية، بل أداة إعادة إنتاج لعلاقات القوة غير المتناظرة: قوة غير خاضعة لقواعد الدولة، تستند إلى الولاء المباشر لقائدها، وهي مدعومة بمنطق اقتصادي قائم على التحكم في الذهب، والأسواق السوداء، والمرتزقة، والحدود. هذا جعلها لاعبا لا يمكن تجاهله أو دمجه بسهولة في أي عملية سياسية أو تسوية. الصراع بين الجيش والدعم السريع، إذن، ليس صراعا شخصيا، بل صراعا بين شكلين من السلطة المسلحة داخل النظام نفسه: شكل يحاول إعادة احتكار الدولة للعنف والريع، وشكل يحاول توسيع دائرة التحكم الشخصي وتحويل العسكرة إلى استراتيجية اقتصادية وسياسية مستمرة. في هذا السياق، يظهر دور الفاعلين الخارجيين بوضوح، ويكشف أن الحرب لم تكن لتأخذ هذه الدرجة من التفجير لولا ما قدمته الإمبريالية والإقليم من غطاء، ومال، وسلاح، واستراتيجيات سياسية. الإمبريالية الأمريكية، على سبيل المثال، لم تهدف أبدا إلى دعم دولة سودانية مستقلة أو ديمقراطية بالمعنى الجذري. كل تدخلاتها، سواء بالضغط السياسي، أو التمويل، أو التدريب الأمني، كانت مرتبطة بأمن الموانئ، والسيطرة على البحر الأحمر، وفرض الاستقرار الذي يسمح بالوصول إلى الموارد، وإبقاء السودان في حالة ضعف نسبي. أي مشروع يهدد هذا الاستقرار القابل للإدارة ، أي مشروع يعيد توزيع القوة الحقيقية والموارد ، اعتبر تهديدا، ولم يحظ بأي دعم. في الواقع، دعم الولايات المتحدة كان غالبا متقلبا: تدعم حلا مؤقتا هنا، وتغض الطرف عن الانقلابات هناك، طالما أن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية محفوظة و قطع الطريق امام التواجد الصيني و الروسي في المنطقة تلك. الكيان الصهيوني، من جانبه، لم يكن مجرد مراقب أو مستفيد من الحالة المضطربة، بل دخل بعمق في الميدان الأمني والاستخباراتي. التطبيع لم يقتصر على الدبلوماسية أو التجارة، بل شمل تدريبا، وتقنيات مراقبة، واستغلالا للمعلومات الجغرافية والأمنية، وربطا استخباراتيا مع قوى محلية تضمن مصالحه الإقليمية. بالنسبة له، السودان المستقر ديمقراطيا كان يمثل تهديدا محتملا لأي نظام تابع أو متوافق معه في المنطقة، بينما السودان المفكك، المشغول بالفساد والعسكرة، كان حقلا خصبا للتحكم والمصالح. الإمارات العربية المتحدة اتبعت منطقا مشابها ولكن أكثر تجريبية وعملية: دعم مباشر للدعم السريع، استثمارات في الذهب والأراضي الزراعية والموانئ، وتجريب نموذج «المرتزقة والقوة المسلحة الخاصة» لضمان مصالحها في إفريقيا الشرقية. الحرب في هذا السياق أصبحت أداة اقتصادية بقدر ما هي أداة سياسية. استمرار النزاع يعني حماية الفرص الاستثمارية الخاصة للدول الفاعلة في الأزمة، بينما أي محاولة لإنهاء الحرب على أسس محلية وحقوقية حقيقية تهدد هذه المكاسب. أما دول الإقليم الأخرى، فقد دخلت على مستويات مختلفة، كل بطريقته، إما خوفا من انتشار النموذج الديمقراطي، أو طمعا في النفوذ المباشر، أو لموازنة مصالحها مع الإمارات والسعودية وتركيا و الكيان الصهيوني. النتيجة هي أن كل اللاعبين الخارجيين يشكلون شبكة متشابكة من التدخلات التي تعيد إنتاج الحرب، وتضمن أن أي تسوية محلية تكون دائما ناقصة، لا تعيد ترتيب القوى الاقتصادية والسياسية بطريقة جذرية. الأخطر من ذلك أن هذه الحرب، بدعم خارجي مستمر، تعمل على تصفية كل أشكال السياسة الشعبية، وخلق مجتمع يعاد تعريفه كل يوم عبر منطق العسكرة والتهديد. المواطن، بدل أن يكون فاعلا سياسيا، يحوّل إلى ضحية أو مجرد أداة اقتصادية. النسيج الاجتماعي نفسه يعاد تشكيله على أساس البقاء الفردي والجماعي الضيق، حيث يعلو منطق الأسرة أو القبيلة أو المنطقة على أي أفق سياسي أوسع. هذا الانقسام الاجتماعي يجعل أي مشروع ثوري صعبا، لأن الثورة، بطبيعتها، تحتاج إلى روابط متينة بين الناس، وإلى قدرة على التخطيط الجماعي والمستدام، وهو ما تكسره الحرب المستمرة والفوضى المدارة. تفكيك هذه الحرب يتطلب أكثر من مجرد مطالبة بوقف إطلاق النار أو إجراء محادثات سلام: إنه يتطلب فهما عميقا لدور كل طرف داخلي وخارجي، وتحليلا لكيفية إعادة إنتاج العسكرة والاقتصاد الريعي، وربطها بالهيمنة الإمبريالية، وبشبكات الولاءات الشخصية التي جعلت الدولة نفسها قابلة للانقسام المسلح. الفهم وحده لا يكفي، لكنه شرط لازم لأي استراتيجية مقاومة حقيقية، لأن كسر هذه الدائرة يعني استهداف العلاقات المادية للسلطة، وليس مجرد أسماء على القمم العسكرية. بمعنى آخر، أي أفق سياسي مستقبلي لا يمكن أن ينجح إذا لم يربط بين ثلاث مستويات متداخلة: المستوى المحلي، حيث يتم التحكم بالقوة والموارد؛ المستوى الإقليمي، حيث تدار المصالح والميول الاستراتيجية؛ والمستوى العالمي، حيث تدخل الإمبريالية في إعادة إنتاج الحرب والخضوع السياسي. بدون هذا الربط، ستظل أي محاولة لتجاوز الأزمة مجرد إعادة ترتيب الخراب، أو «تسوية» تمنح الطرف الأقوى فرصة جديدة لتكريس الهيمنة. و لفهم الحرب الدائرة اليوم، لا يكفي تفكيك المصالح والتمويل والتحالفات، بل يجب النزول إلى مستوى أعمق: كيف يفكّر السلاح حين يتحوّل إلى سياسة؟ فالجيوش والميليشيات لا تتحرك فقط بدافع المصلحة، بل أيضا وفق تصورات عن الدولة، والمجتمع، والسلطة، والعدو، والشرعية. في السودان، نحن أمام نموذجين عسكريين مختلفين ظاهريا، متشابهين جوهريا، خرجا من رحم واحد: دولة البشير. الجيش السوداني، بوصفه مؤسسة تاريخية، لم يتطوّر كجيش وطني حديث بالمعنى الكلاسيكي، بل كجهاز سلطة متداخل مع الدولة منذ الاستقلال. انقلابه على السياسة المدنية لم يكن طارئا، بل أصبح تقليدا مؤسسا. من عبود إلى نميري إلى البشير، تشكّلت داخل الجيش ثقافة ترى في نفسها «الوصي الطبيعي» على المجتمع، لا خادمه. هذه الثقافة لم تبن فقط على الانضباط العسكري، بل على تصور أبوي للسياسة: الشعب قاصر، الفوضى تهديد دائم، والديمقراطية رفاه لا يناسب بلدا “هشا”. هنا تتقاطع الذهنية العسكرية مع خطاب الدولة الأمنية، حيث تختزل الوطنية في الطاعة، والاستقرار في القمع، والسيادة في السيطرة على الداخل أكثر من مقاومة الخارج. في عهد البشير، حدث تحوّل نوعي داخل الجيش. لم يعد مجرد أداة انقلاب، بل أصبح فاعلا اقتصاديا مركزيا. الإسلام السياسي لم يكتفِ بتديين الخطاب، بل أعاد هندسة المؤسسة العسكرية عبر ربطها بالاقتصاد الريعي: شركات، أراض، صفقات، شراكات خارجية. هكذا، لم يعد الجيش يدافع عن الدولة فحسب، بل عن مصالحه الخاصة، وعن نمط حكم يقوم على العسكرة بوصفها أسلوب إدارة للمجتمع والموارد. هذا التحول جعل أي تفكير في «إصلاح الجيش» من الداخل شبه مستحيل، لأن المسألة لم تعد انحرافا وظيفيا، بل بنية متكاملة. في المقابل، نشأت قوات الدعم السريع خارج الإطار الكلاسيكي للدولة، لكنها لم تكن نقيضا للجيش، بل امتداده الأكثر توحشا. الجنجويد، ثم الدعم السريع، لم ينشأوا رغم الدولة، بل بأمرها. البشير لم يخطئ حين سلّحهم، بل كان واعيا تماما بما يفعل: خلق قوة لا تخضع للتقاليد العسكرية، لا تحكمها القوانين، ولا تنتمي إلى تصور الدولة الحديثة، بل إلى منطق الغلبة والولاء الشخصي. هذا المنطق سمح باستخدام العنف بأقصى درجاته في الأطراف، دون أن تتحمل الدولة الرسمية كلفته الأخلاقية أو السياسية. الفكر الذي يحكم الدعم السريع ليس أيديولوجيا مكتوبة، بل براغماتية عنيفة: القوة تخلق الشرعية، والمال يضمن الاستمرار، والهوية تستخدم عند الحاجة فقط. لا حديث عن وطن بالمعنى السياسي، بل عن أرض موارد، ومسارات تهريب، وحدود مفتوحة للاستثمار العسكري. هذه الذهنية تجعل الدعم السريع قابلا للتحالف مع أي قوة خارجية، طالما أنها توفر المال والسلاح والحماية السياسية. وهنا يكمن خطره: ليس فقط لأنه ميليشيا، بل لأنه نموذج مستقبلي لعسكرة بلا دولة. الصدام بين الجيش والدعم السريع، في جوهره، هو صدام بين عسكرة الدولة وخصخصة العنف. الجيش يريد إعادة ضبط اللعبة: احتكار العنف، احتكار الاقتصاد، احتكار التمثيل الخارجي. الدعم السريع يريد كسر هذا الاحتكار، لا لبناء دولة بديلة، بل لفرض شراكة قسرية أو هيمنة موازية. كلاهما لا يمثل مشروعا وطنيا، بل مشروع سلطة مسلحة. الفرق أن الجيش يتكئ على تاريخ الدولة وشكلها، بينما يتكئ الدعم السريع على تفككها. ما يجعل هذا الصراع دمويا إلى هذا الحد هو أن الطرفين يتشاركان نظرة عدائية للمجتمع المدني. الثورة السودانية، بلحظتها السلمية الواسعة، لم تهزم فقط بالقمع، بل بالاحتقار البنيوي الذي تكنّه النخب العسكرية للجماهير. في عقل هذه النخب، الشارع إما أداة ضغط مؤقتة أو خطر يجب كسره. لا مكان فيه لفاعل سياسي مستقل. لذلك، حين انفجرت الحرب، كان أول ضحاياها هو السياسة نفسها: الأحزاب، النقابات، لجان المقاومة، وكل أشكال التنظيم الشعبي. الارتباط بعهد البشير هنا حاسم. فالبشير لم يسقط نظامه فعليا، بل أعاد تدويره. كثير من ضباط الجيش، وكوادر الدعم السريع، ورجال الأعمال المرتبطين بهم، هم نتاج مباشر لتلك المرحلة. لم يحدث تفكيك حقيقي للدولة العميقة، بل إعادة توزيع للأدوار. الثورة أزاحت الرأس، لكنها لم تمس الجسد. وحين حاولت القوى المدنية التقدم، وجدت نفسها محاصرة بين مؤسستين مسلحتين، تتفاوضان معها لا باعتبارها شريكا، بل باعتبارها غطاء مؤقتا للشرعية. في هذا السياق، يصبح دور الإمبريالية والإقليم أكثر وضوحا: دعم توازن هش بين قوتين مسلحتين، لا ينتصر فيه أحد بالكامل، ولا تبنى فيه دولة حقيقية. هذا التوازن يخدم مصالح الخارج، لأنه يمنع تشكل مركز سيادي مستقل، ويبقي السودان في حالة اعتماد دائم. الحرب، هنا، ليست فشلا للسياسة الدولية، بل أحد منتجاتها. الأخطر أن الفكر العسكري السائد، لدى الطرفين، يعيد تعريف العدو. لم يعد العدو هو الاستعمار الجديد، أو النهب الاقتصادي، أو التبعية، بل «الآخر الداخلي»: المدني، الثائر، المختلف، الهامشي الذي يطالب بحقوقه. بهذا المعنى، تتحول الحرب الأهلية إلى حرب على إمكانية السياسة ذاتها. كلما طال أمدها، كلما أصبح تخيّل دولة مدنية أكثر صعوبة، لأن الأجيال الجديدة ستنشأ في فضاء يطبع العنف ويطبّعه. من هنا، لا يمكن لأي مشروع ثوري سوداني أن يكتفي برفض الحرب، أو بالدعوة إلى السلام المجرد. المطلوب هو تفكيك الفكر العسكري نفسه: نزع قدسيته، كشف جذوره الطبقية، فضح علاقاته الاقتصادية، وإعادة تعريف الوطنية خارج منطق السلاح. هذا عمل طويل، شاق، لكنه ضروري، لأن أي سلام لا يطال هذه البنية، سيكون مجرد هدنة بين جولات قتل. فلجان المقاومة لم تظهر في السودان كبديل جاهز عن الأحزاب، ولا كمجرّد أداة تعبئة ظرفية، بل ولدت من فراغ تاريخي صنعته الدولة العسكرية نفسها. حين انسحبت السياسة الرسمية من حياة الناس، وحين تحوّلت الأحزاب إلى هياكل مثقلة بالإرث والانقسامات والوصاية، وجد الشارع نفسه مضطرا إلى اختراع أدواته الخاصة. من هنا، لم تكن لجان المقاومة تنظيما فوق المجتمع، بل نبتة خرجت من تشققات الحياة اليومية: الأحياء، الأزقة، المدارس، أماكن العمل، والاحتجاجات الصغيرة التي سبقت الانفجار الكبير. الخصوصية الأولى لهذه اللجان تكمن في أنها لم تبدأ كسؤال سلطة، بل كسؤال حماية وتنظيم. كيف نحمي المتظاهرين؟ كيف ننسّق؟ كيف نكسر الحصار الإعلامي؟ كيف نضمن استمرار الفعل؟ هذا الأصل العملي جعلها أقرب إلى السياسة بوصفها ممارسة جماعية، لا بوصفها أيديولوجيا مكتملة. لذلك، حين حاول كثيرون تصنيفها مبكرا ، يسارية، ليبرالية، راديكالية، فوضوية ، أخطأوا جوهرها. لجان المقاومة هي قبل كل شيء شكل سياسي جديد، لم يمر عبر القوالب الكلاسيكية. ما ميّزها أيضا هو علاقتها بالسلطة: لم تطلب الاعتراف، ولم تنتظر الشرعية من أحد. شرعيتها جاءت من قدرتها على الفعل، وعلى الاستمرار رغم القمع. هنا اصطدمت مباشرة بالعسكر، لا لأن خطابها كان دائما ثوريا بالمعنى الأيديولوجي، بل لأنها سحبت منهم أخطر شيء: احتكار تمثيل المجتمع. فجأة، لم يعد الجيش أو الأحزاب قادرين على الادعاء بأنهم الصوت الوحيد للشعب. هذا ما جعل لجان المقاومة خطرا بنيويا، لا مجرد إزعاج سياسي. لكن هذه القوة نفسها حملت في داخلها تناقضا حادا. فغياب المركزية، الذي حمى اللجان من الاختراق السريع، جعل من الصعب عليها التحول إلى قوة قادرة على فرض بديل سياسي شامل. بقيت في كثير من الأحيان أسيرة منطق المبادرة المحلية، والفعل اللحظي، والرفض أكثر من البناء. لم يكن هذا ضعفا أخلاقيا، بل نتيجة طبيعية لكونها نشأت ضد الدولة لا بدلا عنها. الثورة سبقت النظرية، والممارسة سبقت البرنامج. عندما سقط البشير، وبدأت مرحلة التفاوض، ظهر هذا التناقض بوضوح. القوى المدنية التقليدية تعاملت مع اللجان كخزان ضغط، لا كشريك سياسي كامل. والعسكر رأوا فيها خطرا يجب احتواؤه أو تفتيته. أما الإمبريالية والوسطاء الدوليون، فتعاملوا معها كضجيج شعبي غير منضبط، لا يمكن إدخاله في غرف التفاوض. هكذا، وضعت لجان المقاومة خارج المعادلة الرسمية، رغم أنها كانت في قلب الشارع. اندلاع الحرب شكّل لحظة مفصلية. فجأة، انهار المجال الذي ولدت فيه اللجان: الشارع المفتوح، التظاهر الجماعي، الحشد السلمي. كثير من لجان المقاومة وجدت نفسها أمام سؤال وجودي: كيف نواصل السياسة حين تتحول المدينة إلى ساحة حرب؟ هنا حدث الانقسام غير المعلن: بعض اللجان انكفأت إلى العمل الإنساني، الإسعاف، الإغاثة، حماية المدنيين. بعضها الآخر شلّ بالكامل. وقلة قليلة بدأت تفكّر في أسئلة أكثر خطورة: ما معنى المقاومة في زمن الحرب؟ وهل يمكن أن تبقى سلمية في مواجهة عسكرة شاملة؟ ما يجب قوله بوضوح هو أن لجان المقاومة، رغم محدوديتها، شكّلت الضدّ التاريخي لمنطق العسكرة. في زمن تختزل فيه السياسة في السلاح، قدّمت نموذجا يقول إن التنظيم الشعبي، حتى وهو أعزل، يمكن أن يكون فاعلا. لكن هذا النموذج مهدد اليوم، لا فقط بالقصف والقتل، بل بإرهاق المعنى. فالحرب لا تدمّر الأجساد فقط، بل تنهك الأفق. ومع طول المأساة، يصبح السؤال: كيف نمنع تحوّل لجان المقاومة إلى مجرد ذكرى بطولية؟ الإجابة لا تكمن في تمجيد الماضي، بل في إعادة التفكير الجذري في دورها. لجان المقاومة، إن أرادت البقاء كقوة تاريخية، عليها أن تنتقل من ردّ الفعل إلى صياغة مشروع، ولو في حدوده الدنيا: تصور للدولة، للاقتصاد، للعلاقة بين المركز والهامش، ولمسألة السلاح نفسها. هذا لا يعني التحول إلى حزب تقليدي، بل تطوير أشكال تنسيق أوسع، وخلق مستويات جديدة من التنظيم تتجاوز الحي دون أن تقطع معه. التحدي الأكبر أمام اللجان اليوم هو خطر الاستيعاب: إما الاستيعاب الإنساني، حيث تختزل في العمل الإغاثي فقط، أو الاستيعاب السياسي، حيث تستخدم كشعار دون مضمون. كلاهما يفرغها من جوهرها الثوري. المطلوب هو الحفاظ على استقلالها، مع الاعتراف بأن الاستقلال لا يعني العزلة. بدون تحالفات اجتماعية واضحة ، مع العمال، المزارعين، النساء، المهمشين ، ستبقى اللجان صوتا أخلاقيا عاليا، لكنه غير قادر على كسر ميزان القوة. في مواجهة الجيش والدعم السريع، لا تملك لجان المقاومة سلاحا ماديا، لكنها تملك سلاحا أخطر: إمكانية إعادة تعريف السياسة خارج منطق العنف. هذه الإمكانية هي ما يحاول الجميع سحقه. لذلك، فإن الدفاع عن لجان المقاومة ليس دفاعا عن تنظيم بعينه، بل عن فكرة أن المجتمع قادر على إنتاج بدائله، حتى في أحلك الظروف. الحرب الحالية تحاول أن تقول للسودانيين: لا سياسة دون بندقية. ولجان المقاومة، بكل هشاشتها وعنادها، تقول العكس: لا شرعية لبندقية بلا مجتمع. الصراع بين هاتين الفكرتين هو، في العمق، الصراع الحقيقي الدائر اليوم، حتى لو غطته أصوات المدافع. و إذا كانت الحرب قد كشفت حدود السياسة التقليدية في السودان، فإنها كشفت، في الوقت نفسه، عمق المأزق الذي تعيشه لجان المقاومة بوصفها نتاجا مباشرا لانهيار الدولة لا بديلا مكتملا عنها. ما يفرض نفسه اليوم ليس سؤال: هل نجت لجان المقاومة؟ بل سؤال أشد قسوة: بأي شكل يمكن أن تعبر هذه اللجان زمن الحرب دون أن تتحول إلى ظلّ لما كانت عليه؟ العبور هنا لا يعني البقاء الفيزيائي، ولا حتى الاستمرار التنظيمي الضيق، بل الحفاظ على المعنى السياسي الذي جعلها ممكنة أصلا. الحرب، بطبيعتها، تدفع كل الفاعلين نحو التبسيط القسري: إما مع هذا المعسكر أو ذاك، إما سلاح أو صمت، إما انخراط في منطق القوة أو تهميش كامل. لجان المقاومة نشأت خارج هذا الثنائي القاتل، لكن استمرارها داخله مستحيل دون إعادة تعريف ذاتها. فهي لا تستطيع أن تكون طرفا عسكريا دون أن تنفي نفسها، ولا تستطيع الاكتفاء بدور إنساني محض دون أن تفقد بعدها السياسي. التحدي الأول إذن هو إعادة تسييس الحياة اليومية في زمن الحرب. العمل الإغاثي، حماية المدنيين، تنظيم الموارد، ليست أنشطة محايدة؛ يمكن أن تكون بذور سياسة بديلة إذا جرى ربطها بسؤال السلطة والعدالة. الخطر لا يكمن في التحول نحو الإغاثة، بل في فصلها عن جذورها الثورية. حين تصبح اللجان مجرد وسيط إنساني، فهي تنزع من موقع الفعل التاريخي وتعاد إلى موقع الخدمة، أي إلى الهامش الذي لطالما دفعت إليه الجماهير. لكن هذا العبور لا يمكن أن يتم دون مواجهة مسألة أعمق: العلاقة الطبقية الحقيقية للجان المقاومة. فهذه اللجان، رغم انفتاحها الاجتماعي، تشكّلت أساسا في الفضاءات الحضرية، وسط فئات شابة متعلمة، أو شبه متعلمة، تعيش التهميش السياسي لا الفقر البنيوي دائما. هذا لا ينفي انحيازها الأخلاقي للفقراء، لكنه يفسّر محدودية تجذّرها العضوي في الريف، في معسكرات النزوح، وفي مواقع الإنتاج الزراعي والرعوي. هنا تظهر المعضلة بوضوح: لا يمكن للجان المقاومة أن تتحول إلى قوة تغيير تاريخي دون أن تتجاوز كونها تعبيرا عن أزمة المدينة، لتصبح تعبيرا عن تناقضات المجتمع السوداني ككل. العلاقة مع العمال غير المستقرين، مع المزارعين المعدمين، مع النساء في اقتصاد البقاء، لا يمكن أن تبقى علاقة تضامن موسمي أو خطاب تمثيل. المطلوب هو بناء أشكال تنظيم مشتركة، حتى لو كانت بدائية، تسمح بتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية متراكمة. هذه المهمة تصطدم بعائق موضوعي: الحرب نفسها تعيد ترتيب الطبقات بالقوة. ملايين يقتلعون من أماكنهم، الاقتصاد يتحول إلى اقتصاد بقاء، والعلاقات الاجتماعية تفكك لصالح شبكات العنف والتهريب. في هذا السياق، يصبح التنظيم الشعبي أكثر صعوبة، لكنه أيضا أكثر إلحاحا. فكل فراغ تنظيمي تتركه القوى الثورية، تملؤه بالضرورة قوى السلاح، أو الزعامات الأهلية، أو السوق السوداء. من هنا، لا يمكن التفكير في مستقبل لجان المقاومة دون طرح السؤال الذي كان مؤجلا قبل الحرب: هل يمكن لثورة بلا مركز أن تستمر؟ التجربة السودانية قدّمت نموذجا نادرا للامركزية الراديكالية، حيث لا قيادة موحدة، ولا رأس يمكن قطعه. هذا ما أربك السلطة، لكنه ما أربك أيضا إمكان الانتقال من الاحتجاج إلى الحكم، ومن الرفض إلى البناء. اللامركزية كانت سلاحا في لحظة الصعود، لكنها تصبح عبئا في لحظة التأسيس. ليس لأن المركزية فضيلة بحد ذاتها، بل لأن الصراع مع دولة مسلحة، مدعومة إقليميا ودوليا، يتطلب حدا أدنى من التنسيق الإستراتيجي، ومن القدرة على اتخاذ قرار جماعي يتجاوز الحي والمدينة. السؤال ليس: هل نحتاج إلى مركز؟ بل: أي نوع من المركز يمكن أن يوجد دون أن يتحول إلى سلطة فوقية جديدة؟ الجواب لا يكمن في استنساخ الأحزاب القديمة، ولا في تقديس العفوية، بل في تخيّل بنى وسيطة: مجالس تنسيقية حقيقية، قابلة للعزل، مرتبطة بقاعدتها الاجتماعية، ومحصّنة نسبيا ضد الاحتواء. هذا الخيال التنظيمي هو الحلقة المفقودة في التجربة حتى الآن، وهو ما يجعل لجان المقاومة قوية في الهدم، ضعيفة في فرض البديل. الحرب، قد تفتح هذا الأفق. فحين تنهار الدولة، وتفشل النخب، وتفضح كل أوهام “الاستقرار”، يصبح السؤال عن شكل السلطة القادمة سؤالا شعبيا لا نخبويا. لكن هذا الاحتمال لن يتحقق تلقائيا. دون جهد واع، ودون انتقال من أخلاق الثورة إلى سياساتها الملموسة، ستظل اللجان محاصرة بين الحنين والخسارة. ما يجعل لجان المقاومة تجربة خطيرة ، بمعنى إيجابي ، هو أنها كسرت فكرة أن السياسة تمارس فقط من أعلى. لكنها لم تحسم بعد كيف يمكن لهذه السياسة أن تعاد صياغتها من أسفل، في بلد ممزق، مسلح، ومنهوب. هذا التوتر، بين الإمكان والعجز، هو جوهر اللحظة السودانية الراهنة. إذا كانت البنادق تتقاتل اليوم على أنقاض الدولة، فإن الصراع الأعمق يدور حول سؤال غير مطروح علنا: من يملك حق تخيّل السودان القادم؟ العسكر يملكون القوة، والإمبريالية تملك النفوذ، لكن لجان المقاومة ، وحدها تقريبا ، طرحت، ولو بشكل جنيني، فكرة أن المجتمع نفسه يمكن أن يكون صاحب هذا الحق. المعركة المقبلة، مهما طال أمد الحرب، لن تكون فقط على وقف إطلاق النار، بل على المعنى الذي سيملأ الفراغ بعده. إما عودة منقحة لنظام الهيمنة القديم، أو قطيعة حقيقية تولد من تحت الركام. في هذا المفترق، تقف لجان المقاومة لا كضامن للنصر، بل كإمكانية تاريخية مفتوحة: إمّا أن تتطور إلى أداة وعي وتنظيم طبقي واسع، أو أن تستهلك في طاحونة المأساة مثل كثير من اللحظات المضيئة التي عرفها السودان ثم ابتلعها الزمن. وما يزال السؤال معلقا، لا كخاتمة، بل كتكليف تاريخي: كيف نحول الشجاعة الأخلاقية إلى قوة مادية، والرفض الشعبي إلى مشروع، واللامركزية من دفاع إلى أفق؟ هنا فقط، يبدأ الخروج الحقيقي من زمن الانتفاضات المقطوعة إلى زمن الثورة الطويلة. و إذا كانت الحرب، والصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، قد كشفت هشاشة الدولة، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن فراغ استراتيجي تتكدس فيه الإمكانات الملموسة للتغيير المدني، لكن هذه الإمكانات لن تتحقق إلا من خلال إعادة بناء الفعل السياسي من أسس يسارية ثورية واضحة. فالدولة المدنية ليست مجرد مشروع دستوري أو خطاب شعبي، بل عملية صراع مستمر لإعادة صياغة السلطة على أساس العدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية والمشاركة الديمقراطية الحقيقية. وكل محاولة لإعادة إنتاج الدولة في غياب هذه الرؤية الثورية محكوم عليها بأن تكون نسخة ضعيفة، مكررة، أو مجرد غطاء لشبكات العسكرة والفساد. في هذا السياق، يصبح اليسار الثوري أكثر من مجرد قوة سياسية؛ إنه الرافعة التي يمكنها أن تربط بين المقاومة الشعبية والمشروع المدني الشامل. فاليسار الثوري، حين يتحرك في السودان، ليس مطالبا فقط بالدفاع عن الحريات، بل بمواجهة جذور التناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت العسكرة نفسها. أي مشروع دولة مدنية لا يمكن أن يكون مستقلا عن هذا التحليل الطبقي: العسكر يتحكمون بالثروة، ويحتكرون الأرض، ويستفيدون من اقتصاد الريع، والدعم السريع يحول الموارد إلى قوة شخصية، والنخبة التجارية المتحالفة مع الإمبريالية تتخذ من الخراب فرصة للسيطرة. بدون تدخل يساري ثوري قادر على تفكيك هذه العلاقات البنيوية، ستظل الدولة المدنية مجرد طموح نظري بلا قدرة على التحقق. اليسار الثوري في السودان يمكنه أن يؤدي دورا مزدوجا: تنظيم المقاومة الشعبية وبناء الوعي الاجتماعي من الأسفل، وفي الوقت نفسه تطوير مشروع متكامل للدولة المدنية من أعلى. من الأسفل، يعمل على ربط لجان المقاومة، والشباب، والفئات الحضرية والفلاحية، وعمّال المدن والأطراف، في شبكات تنظيمية قادرة على تعبئة المجتمع بشكل مستمر، وليس لمرة واحدة فقط في لحظة الانتفاضة. هذه الشبكات هي التي تمنع احتكار الجيش للسياسة، وتتيح للمواطنين أن يشاركوا في صياغة قراراتهم اليومية، وأن يصبحوا جزء من الدولة المدنية الملموسة، لا المكتوبة فقط على الورق. أما من الأعلى، فيقوم اليسار الثوري بصياغة برنامج واضح لإعادة توزيع السلطة والثروة والموارد. هذا البرنامج لا يكتفي بمطالب الحكم المدني أو الحرية السياسية، بل يشمل تأميم الموارد الإستراتيجية، إصلاح الأرض الزراعية، ضمان حقوق الشعوب المهمشة، فصل الدين عن الدولة، وتأسيس اقتصاد مستقل يضع مصلحة الشعب في مركزه. مثل هذا البرنامج لا يعالج الأعراض فحسب، بل يحاول قطع الطريق أمام عودة الدولة العسكرية أو الاحتكار العشائري أو النفوذ الإمبريالي. وهنا يظهر ارتباط اليسار باللجان المقاومة كعنصر محور في البناء المدني. فاللجان، بما تمتلكه من قدرة على التنظيم الشعبي والتواصل مع القاعدة، هي المادة الخام التي يمكن لليسار الثوري تحويلها إلى قوة سياسية فاعلة. لكنها تحتاج إلى توجيه استراتيجي، إلى أفق وطني شامل، وإلى تربية سياسية تتيح لها تجاوز الانقسام المحلي، والارتباط العضوي بالمناطق الطرفية، وضم الفلاحين، والرعاة، والعمال المهمشين، والنساء. هذا التحالف الاجتماعي هو الضامن الحقيقي لأي دولة مدنية بعد هذا القدر من العسكرة، لأنه يحول السياسة من امتداد للقوة إلى حق جماعي للمجتمع في تنظيم نفسه. لا يمكن أيضا تجاهل دور الإمبريالية والإقليم في هذه المعادلة. كل تدخل خارجي، من الدعم العسكري إلى التمويل السياسي، يحاول الحفاظ على هذا الانقسام، وعلى ضعف الدولة المدنية، لأنه يخدم مصالح الخارج أكثر من الداخل. هنا يأتي دور اليسار الثوري في كشف هذه العلاقات، فضحها، وتحويل الصراع إلى صراع داخلي-طبقي، بدل أن يبقى مجرد صراع بين معسكرات مسلحة متحالفة مع قوى أجنبية. العمق التاريخي للتجربة السودانية يجعل بناء الدولة المدنية أكثر صعوبة، لكنه في الوقت نفسه يعطي بعدا استراتيجيا فريدا. التجارب السابقة ، من انتفاضات 1964 و1985 وحتى ثورة ديسمبر ، أثبتت أن الجماهير السودانية ليست سلعة يمكن استغلالها، بل عامل فعال يمكنه فرض إرادته حين ينظّم وعيه. واليسار الثوري، إذا ما استطاع أن يربط هذه الخبرات، ويحوّلها إلى مشروع طبقي-وطني متكامل، سيكون قادرا على تقديم الدولة المدنية كحل ملموس، لا مجرد شعار سياسي. ختاما، الدولة المدنية بعد هذا التاريخ الطويل من العسكرة ليست احتمالا عابرا، ولا خيارا تقليديا، بل مسار طويل ومعقد يتطلب بناء قدرة تنظيمية شعبيّة، مشروعا طبقيا واضحا، تحالفات موسّعة، ووعيا ثوريا متصاعدا. في هذا المسار، تصبح لجان المقاومة ليس فقط أداة دفاع أو تنظيم محلي، بل النواة الحية لإعادة إنتاج الدولة، والضامن الأكثر واقعية لاستمرار السياسة المدنية في مواجهة العسكرة، الجيش، والدعم السريع، والنفوذ الإمبريالي. الدولة المدنية في السودان، بعد كل هذا، ليست حلما بعيدا، لكنها مهمة ثورية متواصلة، يتعين على اليسار الثوري، بالتحالف مع المجتمع، أن يرفعها من مجرد فكرة إلى مشروع تاريخي قادر على مواجهة العسكرة، واستعادة السيادة الشعبية، وتحويل التجربة السودانية من دورة من الانتفاضات والدمار إلى مسار متصاعد للحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية الحقيقية. فإعادة بناء الدولة المدنية في السودان بعد هذا التاريخ الطويل من الصراعات تتطلب فهما جديدا للسلطة، لا بوصفها امتدادا للمؤسسات القائمة، بل كإعادة إنتاج للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بأكملها. الدولة المدنية لن تكون مجرد إدارة مركزية أو هيكل تشريعي، بل نسقا متشابكا من المؤسسات، والقوانين، والممارسات، والثقافة السياسية التي تمكّن المجتمع من التحكم في مصيره. هذا النسق يحتاج إلى ثلاثة أبعاد مترابطة: التنظيم الشعبي، المشروع السياسي الطبقي، والمؤسسات القابلة للاستمرارية في مواجهة كل ضغوط العسكرة والإمبريالية. الأبعاد الأولى تتعلق بالعمود الشعبي للدولة المدنية. لجان المقاومة، في هذا الإطار، ليست فقط أداة لحماية المواطنين، بل مختبر لتجريب نماذج الحكم التشاركي وإدارة الموارد والمجتمع. إعادة تعريف أدوارها تتطلب الانتقال من دائرة العمل الطارئ والمحدود إلى شبكات دائمة للتنسيق الاجتماعي والسياسي، تشمل المدن والأرياف، وتربط مختلف الطبقات من العمال والفلاحين والنساء والفئات المهمشة. هذه الشبكات ليست هياكل بيروقراطية كلاسيكية، بل أدوات مرنة لإنتاج المعرفة السياسية، وتجريب السياسات، وحل المشكلات اليومية بطريقة تشاركية، بحيث تصبح السلطة المدنية متجذرة في حياة الناس اليومية، وليست مجرد سلطة معلقة على ورق الدستور أو القرارات الرسمية. البعد الثاني هو المشروع السياسي الطبقي. بناء الدولة المدنية في السودان لن ينجح دون أن يتعامل بشكل مباشر مع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية الموروثة: الأرض والموارد، التحكم في الاقتصاد، توزيع الثروة، هيمنة الجيش والدعم السريع، تأثير القوى الإقليمية والإمبريالية. اليسار الثوري هنا يلعب دورا استراتيجيا في تقديم رؤية متكاملة للعدالة الاجتماعية، وتأطير الصراع الطبقي ضمن برنامج محدد، وتحويل مقاومة الفئات الشعبية إلى قوة منظمة قادرة على فرض سياسات ملموسة. هذا المشروع لا يمكن اختزاله في مطالب سياسية فقط، بل يجب أن يشمل إعادة هيكلة الاقتصاد بطريقة تكسر منطق الريع والعسكرة، وتهيئة بيئة تسمح بتقوية القطاع المدني، وضمان تمثيل فعلي للفئات المهمشة. البعد الثالث يتعلق بالمؤسسات المدنية نفسها، التي يجب أن تكون مصممة لتقاوم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الخارجية. هذا لا يعني مجرد حماية من التدخل، بل بناء آليات شفافة، مرنة، متحركة، قابلة للمساءلة الشعبية، يمكنها التكيف مع الأزمات دون أن تفقد شرعيتها أو قدرتها على الإدارة. المؤسسات المدنية في هذا الطرح ليست نسخة من الدولة العسكرية السابقة، بل هي نسق حي يربط الحي بالريف، والعاصمة بالمناطق الطرفية، ويضمن مشاركة الشعب في اتخاذ القرار على جميع المستويات. الربط بين هذه الأبعاد الثلاثة هو الذي يعطي الدولة المدنية السودانية الجديدة إمكانية الصمود: شبكات اللجان المقاومة تمنح العمود الشعبي الحيوية، واليسار الثوري يمنح المشروع السياسي الوضوح والقدرة على الهيكلة، والمؤسسات المدنية تمنح الاستمرارية والقدرة على التكيف. هذه الوحدة بين الفعل الشعبي، الرؤية الطبقية، والبنية المؤسسية هي ما يمكن أن يحول السودان من حالة فوضى وعسكرة مستمرة إلى تجربة مدنية مستدامة. من دون هذا التكامل، ستظل الدولة المدنية حلما، قابلا للتقويض من أي انقلاب جديد، أو صراع داخلي، أو تدخل خارجي. ولكن مع هذا التكامل، تصبح الدولة المدنية ساحة جديدة للصراع التاريخي، ولكن على قواعد مدنية واضحة، حيث يكون القرار السياسي تحت سيطرة الشعب وليس تحت تهديد السلاح أو التنازل للضغوط الخارجية. وأخيرا، إعادة إنتاج الدولة المدنية بهذه الصيغة تعني تحويل الشجاعة والوعي الجماعي المكتسب من الثورة واللجان المقاومة إلى قوة منظمة، قادرة على الصمود، وعلى تطوير سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية تضمن استدامة الحرية، العدالة، والمشاركة الشعبية، بعيدا عن قيود العسكرة والنفوذ الخارجي، وموهبة الانقسام الداخلي. الدولة المدنية بهذا المعنى ليست مجرد هدف، بل عملية ثورية متواصلة، تجربة نعيشها، ونصنعها كل يوم في الصراع مع الماضي القائم، ومع تحديات الحاضر، ومع إمكانات المستقبل. و في هذا الاطار ، إعادة بناء الدولة المدنية في السودان بعد هذا التاريخ الطويل من العسكرة تتطلب فهما جديدا للسلطة ليس كامتداد للمؤسسات القائمة، بل كعملية متكاملة لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الدولة المدنية ليست مجرد إدارة مركزية أو هيئة تشريعية، بل نسق حي من الممارسات، المؤسسات، والقوانين التي تمكّن المجتمع من التحكم في مصيره والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، وهذا يتطلب قدرة على الصمود أمام كل أشكال الضغط العسكري والسياسي والإقليمي. لجان المقاومة، في هذا الإطار، ليست مجرد أدوات للدفاع عن المدنيين أو شبكات مؤقتة للاحتجاج، بل مختبرات لتجريب نماذج الحكم التشاركي وإدارة الموارد بشكل مستمر. مهمتها الآن تتجاوز الإدارة الطارئة للاحتياجات اليومية لتصبح بنية دائمة للتنظيم الشعبي، تجمع بين الشباب، النساء، الفئات الحضرية والفلاحية، والعمال في المدن والأرياف، بحيث تصبح السلطة المدنية جزء من حياة الناس اليومية وليس مجرد شعار مكتوب في الدستور أو القرارات الرسمية. اليسار الثوري في هذه المرحلة يشكل البعد الفكري والاستراتيجي للدولة المدنية. دوره ليس الدفاع عن الحرية أو الحريات السياسية فقط، بل صياغة برنامج اقتصادي واجتماعي واضح يعالج جذور التناقضات البنيوية: الأرض والموارد، الهيمنة العسكرية، اقتصاد الريع، وتأثير القوى الخارجية. هذا البرنامج يحول المقاومة الشعبية إلى قوة منظمة قادرة على فرض سياسات ملموسة على الأرض، ويتيح لها الانتقال من مجرد احتجاج عاطفي أو لحظي إلى ممارسة فعلية للسلطة، بما يضمن العدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية. المؤسسات المدنية الجديدة يجب أن تكون مصممة لتقاوم الاحتواء العسكري والسياسي والإمبريالي، بحيث توفر شفافية، مساءلة شعبية، مرونة، وقدرة على التكيف مع الأزمات دون فقدان شرعيتها. هذه المؤسسات ترتبط بشكل عضوي بالشبكات الشعبية، فتربط الأحياء بالريف، العاصمة بالمناطق الطرفية، وتضمن مشاركة الفئات المهمشة في صياغة القرارات السياسية، بما يحول الدولة المدنية إلى واقع ملموس، قائم على مشاركة المواطنين في جميع المستويات. إعادة إنتاج الدولة المدنية تعتمد على تكامل ثلاثة عناصر: الشبكات الشعبية، المشروع السياسي الطبقي، والمؤسسات المدنية. الشبكات الشعبية تمنح الدولة الحيوية والقدرة على التجربة العملية، واليسار الثوري يوفر التوجيه الاستراتيجي والبرنامج الواضح لإدارة الدولة، بينما المؤسسات المدنية تمنحها الاستمرارية والقابلية للصمود أمام كل الضغوط. هذا التكامل يمنع احتكار السلطة ويحول السياسة من امتداد للقوة إلى ممارسة جماعية حقيقية. آليات حماية الدولة المدنية تشمل توحيد القوى الشعبية حول برنامج واضح، إنشاء هيئات رقابية مستقلة لمراقبة الجيش وأجهزة الأمن، وتنويع مصادر التمويل والإنتاج الاقتصادي لتقليل الاعتماد على الخارج، وضمان الاستقلالية عن النفوذ الإمبريالي والإقليمي. هذا يتيح بناء شبكة متصلة من القوى الشعبية عبر كل التراب الوطني، بما يضمن أن يكون للريف، المدن الطرفية، المزارعين، الرعاة، والطبقات العاملة صوت وتأثير حقيقي في القرارات. هذا الربط يخلق قاعدة قوية لتطبيق السياسات، ويحول الدولة المدنية إلى قوة قادرة على فرض نفسها في مواجهة العسكرة والصراعات الداخلية والخارجية. المراحل العملية لإعادة إنتاج الدولة المدنية تبدأ بالتنظيم المحلي عبر تعزيز لجان المقاومة وشبكات الأحياء والجمعيات وربطها بالريف والمناطق الطرفية، مع تدريب على الإدارة المحلية والتواصل السياسي. تليها مرحلة بناء التحالفات والبرنامج الوطني الذي يوحد اليسار الثوري والفئات الشعبية حول رؤية واضحة للأهداف المرحلية والاستراتيجية. وفي المرحلة النهائية يتم إطلاق مؤسسات الدولة المدنية الجديدة، مع ضمان استقلالها وارتباطها بالقاعدة الشعبية، بحيث تصبح الدولة أداة تنظيمية ديمقراطية حقيقية ومستدامة، قادرة على مواجهة أي محاولات للاستيلاء العسكري أو النفوذ الخارجي. نجاح هذا المشروع يعتمد على التوازن الدائم بين المركزية المرنة واللامركزية الشعبية، بين التنظيم الطبقي الثوري والقدرة على إدارة الدولة، وبين بناء السلطة الداخلية وحماية السيادة من التدخل الخارجي. الدولة المدنية في السودان بعد كل هذا التاريخ من الصراعات والعسكرة ليست مجرد حلم، بل عملية ثورية متواصلة تتطلب تحويل الشجاعة والوعي الجماعي المكتسب من الثورة واللجان المقاومة إلى قوة منظمة قادرة على الصمود، على تطوير سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وضمان استدامة الحرية والعدالة والمشاركة الشعبية الحقيقية. في هذا المسار، تتحول لجان المقاومة من أدوات حماية مؤقتة إلى نواة حية لإعادة إنتاج الدولة المدنية، واليسار الثوري من قوة معارضة إلى حارس للبرنامج السياسي والموجه للوعي الشعبي، بحيث يصبح السودان قادرا على تجاوز دورة الانتفاضات والفشل، والانتقال إلى تجربة مدنية مستمرة، متدرجة، وقادرة على الصمود أمام كل التحديات الداخلية والخارجية. فلتحويل الدولة المدنية في السودان من فكرة إلى واقع عملي مستدام، لا يكفي بناء المؤسسات أو صياغة البرنامج السياسي، بل يتطلب تطوير أدوات ملموسة لقياس التقدم، وضمان فعالية كل مكون من مكونات المشروع المدني. هذه الأدوات تمثل آليات تتبع مستمرة، قدرة على التعلم من التجربة، ووسائل لإشراك المجتمع في الرقابة والإدارة اليومية. يمكن التفكير في هذه الأدوات على أنها شبكة مترابطة من الوظائف الميدانية والسياسية والاجتماعية التي تجعل الدولة المدنية أكثر من مجرد شعار، بحيث تصبح عملية واقعية يلمسها المواطنون يوميا. أول هذه الأدوات هي أنظمة تقييم الأداء الشعبي، التي تتجاوز مجرد مؤشرات بيروقراطية جامدة، لتقيس بشكل مباشر مدى استجابة المؤسسات المدنية لاحتياجات السكان في المدن والأرياف على حد سواء. يمكن لهذه الأنظمة أن تشمل مؤشرات على قدرة لجان المقاومة في التنسيق المحلي، توزيع الموارد بكفاءة، حل النزاعات الصغيرة، وضمان توفير الخدمات الأساسية، كما تشمل متابعة قدرة الفئات الشعبية على التأثير في اتخاذ القرار، والمشاركة الفعلية في تصميم السياسات المحلية. هذه العملية لا تعتمد على التقييم الخارجي فقط، بل على الرقابة المتبادلة بين السكان أنفسهم، وتغذية مستمرة للمؤسسات لتطوير قدرتها على الأداء. ثاني الأدوات هي مؤشرات الشفافية والمساءلة، التي تسمح بتفكيك أي محاولات للاحتكار العسكري أو السياسي، وتضع اليسار الثوري في دور الرقيب والموجه للسياسات. يتم قياس الشفافية عبر إمكانية الوصول إلى البيانات المالية، استخدام الموارد، قرارات التعيين، ومشاركة الجمهور في وضع السياسات. المساءلة هنا ليست شكلية، بل آلية عملية يمكن من خلالها منع أي شخصية أو هيئة من تحويل السلطة إلى امتياز شخصي، سواء كانت عسكرية أو مدنية. هذه الآلية تحافظ على تماسك المشروع المدني، وتخلق ثقافة سياسية جديدة تعتمد على المسؤولية الجماعية والوعي العملي للحقوق والواجبات. ثالث الأدوات تتعلق بقدرة المؤسسات على الاستمرارية والتكيف. أي مشروع دولة مدنية يجب أن يكون قادرا على مواجهة الأزمات المفاجئة، سواء كانت نزاعا مسلحا محليا، تدخلا خارجيا، أو انهيارا اقتصاديا مفاجئا. يمكن قياس هذه القدرة من خلال اختبار أنظمة الطوارئ، شبكات التواصل، وتوزيع السلطة بين مستويات مختلفة من التنظيم الشعبي والمؤسسات المركزية. كلما كانت هذه الشبكات أكثر مرونة وارتباطا بالقاعدة الشعبية، كلما زادت قدرة الدولة المدنية على الصمود والاستمرار. رابع الأدوات هي مؤشرات الدمج الاجتماعي والسياسي للطبقات الشعبية. نجاح الدولة المدنية يعتمد على مشاركة الفئات المهمشة، الفلاحين، الرعاة، العمال، النساء، والشباب في كل مستوى من مستويات الإدارة. يتم قياس هذه المشاركة عبر مدى تمثيلهم في المجالس المحلية، قدرتهم على تقديم المقترحات والمبادرات، ومدى استجابة السلطات لهذه المقترحات. هذا الدمج يحوّل الدولة المدنية إلى قوة حقيقية، وليس مجرد هيكل شكلي، ويضمن أن تكون السياسات متوافقة مع مصالح الأغلبية الشعبية، لا مع احتكار نخب معينة أو مصالح خارجية. خامس الأدوات هي آليات تقييم الوعي والتنشئة السياسية المستمرة. اليسار الثوري هنا يلعب دورا مزدوجا: من جهة، يضمن أن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية واضحة وشفافة، ومن جهة أخرى، يرفع مستوى الفهم الشعبي لدور الدولة المدنية، كيفية عملها، وطرق المشاركة فيها. يمكن قياس نجاح هذه الآليات من خلال استطلاعات الرأي المحلية، ورصد مستوى مشاركة المواطنين في النقاشات العامة، ووعيهم بحقوقهم والتزاماتهم. سادس الأدوات تتعلق بتقييم الروابط بين المركز والمناطق الطرفية، بحيث تكون الدولة المدنية قادرة على توحيد السياسات الوطنية مع مراعاة الاحتياجات المحلية المختلفة. تقاس هذه الروابط عبر جودة التنسيق بين المدن والريف، قدرة المؤسسات على استيعاب التنوع العرقي والثقافي، ومدى تنفيذ المشاريع التي تلبي الاحتياجات المحلية بشكل متوازن. هذا يضمن أن الدولة المدنية ليست مجرد نسخة مركزية، بل شبكة حقيقية تربط كل جزء من المجتمع بالقرار الوطني. وأخيرا، النجاح في بناء الدولة المدنية يتطلب شبكة مستمرة للتغذية الراجعة والتطوير التدريجي، حيث يكون كل مكون من مكونات المشروع قابلا للتحسين المستمر، مع مشاركة كل الفاعلين: لجان المقاومة، اليسار الثوري، الفئات الشعبية، والمؤسسات المدنية. كل خطوة عملية، كل مشروع صغير يطبق على الأرض، وكل تجربة إدارية تصبح مصدرا للمعرفة، مما يخلق ثقافة دولة مدنية حية، مستدامة، وواقعية، قادرة على الصمود أمام كل التحديات، بما في ذلك العسكرة، التدخل الخارجي، والانقسامات الداخلية. في النهاية، تتحول الدولة المدنية في هذا التصور إلى عملية متدرجة ومرنة ومقاسة، وليست شعارا، بل تجربة يومية تدمج الفعل الشعبي، التوجه الثوري الطبقي، والمؤسسات القادرة على الاستمرار، بحيث تصبح السودان نموذجا ممكنا للدولة المدنية القادرة على الصمود والتحول الاجتماعي العميق. فالحديث عن الدولة المدنية في السودان بعد كل هذا التاريخ من الصراعات، العسكرة، والانقسامات ليس مجرد نقاش نظري، بل محاولة لتصور مستقبل قابل للتحقيق، يربط بين الخبرة الشعبية، الوعي السياسي، والتنظيم المستدام. الخاتمة هنا ليست استنتاجا نهائيا، بل دعوة للتفكير في المسار كعملية مستمرة، ديناميكية، وقابلة للتطور، حيث يصبح كل مكون من مكونات المجتمع شريكا فاعلا في صياغة الواقع الجديد. فالدولة المدنية ليست مجرد هدف يعلن، بل مسار يتشكل عبر تجارب يومية، ممارسات فعلية، واختبارات مستمرة لقدرة المجتمع على إدارة نفسه دون وسيط عسكرة أو نفوذ خارجي. في قلب هذا المسار يكمن السؤال الأكبر: كيف يمكن للمجتمع أن يحول الصراعات التاريخية، والإحباطات المتكررة، إلى طاقة إنتاجية لإعادة بناء المؤسسات، وإعادة رسم علاقات القوة بشكل يضمن مشاركة الجميع؟ الجواب لا يكمن في أي خطة مكتوبة أو نموذج مستورد، بل في قدرة المجتمع السوداني على ترجمة خبرته الذاتية إلى أدوات عمل، بناء شبكات للتنظيم والتواصل، وتطوير الوعي الجماعي الذي يجعل السلطة تجربة يومية متاحة لكل فرد. الدولة المدنية بهذا المعنى تصبح مشروعا حيا، ليست ملكا لأي نخبة، بل ملكا لكل من يشارك في صناعة القرارات، ويشترك في حماية مكتسباته، ويصنع التوازن بين الطموحات الفردية والحقوق الجماعية. كما أن الدولة المدنية لا يمكن أن تتخيل بمعزل عن التوازن بين الطموح الاجتماعي والسيادة الوطنية. فهي مسعى لإعادة التوزيع العادل للموارد، لحماية الأرض والمياه والموارد الحيوية، ولتأمين فرص الحياة الكريمة لكل فئات المجتمع دون استثناء. وهذا التوازن لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قدرة على المقاومة المستمرة لكل أشكال السيطرة الخارجية، والاحتواء الداخلي، والانقسامات التي يمكن أن تعيد إنتاج نماذج السلطة القديمة في ثوب جديد. وأكثر من ذلك، فإن المشروع المدني في السودان لا يختصر على المؤسسات أو القوانين، بل يمتد ليصبح فضاء للابتكار السياسي والاجتماعي، منصة للتجريب، وأداة لصياغة سياسات تتجاوب مع التحديات الواقعية للأفراد والجماعات. كل تجربة، كل مبادرة محلية، كل شبكة تنظم المجتمع وتربط بين المناطق المختلفة، تصبح حجر أساس في بناء الدولة، وتعيد تعريف معنى المشاركة والمسؤولية. ختاما، يمكن النظر إلى الدولة المدنية ليس كنهاية تاريخية، بل كمسار مستمر ومفتوح، يتشكل مع كل فعل شعبي، وكل قرار سياسي، وكل تجربة اجتماعية. نجاحها يقاس بمدى قدرة المجتمع على حماية ذاته، تطوير أدواته الداخلية، تمكين كل فرد من التأثير على مسار الحياة العامة، وإنتاج حلول جماعية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. في هذا المسار، تصبح الدولة المدنية في السودان تجربة حية، متجددة، قادرة على الصمود، وتؤسس لفهم جديد للسلطة لا يعتمد على القوة العسكرية أو النفوذ الخارجي، بل على المشاركة المستمرة، الوعي العميق، والقدرة الحقيقية على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تشكيل المجتمع بأكمله من الداخل.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
-
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم
...
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
-
بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي
...
-
الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات
...
-
الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك
...
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
-
الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث
...
-
الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة
...
المزيد.....
-
-سنضرب قلب تل أبيب-.. إيران تُسقط فرضية -الضربة المحدودة- وت
...
-
غضب في بغداد بعد تصريحات ترامب وتحرك احتجاجي قرب السفارة الأ
...
-
هل تستسلم طهران لشروط واشنطن أم تفضل المواجهة العسكرية؟
-
-مسار الأحداث- يستعرض التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني وسين
...
-
دعوات لضم فلسطين في مسابقة الأغنية الأوروبية -يوروفيجن-
-
مينيابوليس تتحول إلى ساحة مواجهة حول الهجرة والسيادة
-
بعد تصريحات فيصل بن فرحان عن الإمارات.. وزير سعودي: طحنون بن
...
-
حاكم المركزي الكندي: ولَّى زمن العلاقات التجارية القائمة على
...
-
إطلاق النار على -المسيح ومريم العذراء- يتسبب في تغريم سياسية
...
-
روته: أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها وحدها
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|