|
|
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في تونس
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 22:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست الديموغرافيا علما محايدا ولا حقلا تقنيا منفصلا عن السياسة. منذ اللحظة التي بدأت فيها الدولة الحديثة تحصي السكان وتصنّفهم، تحوّلت الأجساد إلى موضوع للحكم، وصار عدد السكان، وتوزيعهم، وإيقاع تكاثرهم عناصر تدخل مباشرة في معادلة السلطة. فالسكان ليسوا أرقاما بريئة، بل قوة عمل، واحتياطيا اجتماعيا، ومادة خام للتنمية أو عبئا يجب ضبطه، بحسب موقع الطبقات الحاكمة من المجتمع ومن المستقبل. في تونس، لا يمكن قراءة التحولات الديموغرافية الراهنة ، من تراجع الخصوبة، وتسارع الشيخوخة، واتساع الهجرة ، باعتبارها تطورا طبيعيا أو ثقافيا محضا. إنها نتيجة تاريخ طويل من السياسات التي تعاملت مع الإنسان بوصفه متغيرا يجب التحكم فيه، لا بوصفه غاية المشروع الاجتماعي. وما يقدّم اليوم كـ«أزمة سكانية» ليس إلا الوجه الديموغرافي لأزمة أعمق: أزمة الدولة الاجتماعية وهزيمة العمل أمام رأس المال.
01/ الدولة الوطنية ومنطق الضبط السكاني: منذ بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، أُدرجت المسألة السكانية في صلب منطق الحكم. لم يكن السؤال المركزي هو: كيف نخلق مجتمعا عادلا قادرا على الحياة؟ بل: كيف نكيّف عدد السكان مع قدرات الدولة ومع نموذج التنمية المختار؟ في هذا الإطار، جاء برنامج تحديد النسل الذي أطلقه الحبيب بورڨيبة بوصفه تعبيرا مبكرا عن تبنّي رؤية مالتوسية، حتى وإن قدّم في خطاب حداثي تقدمي. توماس مالتوس لم يكن مجرد منظّر ديموغرافي، بل كان، في العمق، منظّرا اجتماعيا محافظا حين قال إن الفقر ليس نتيجة الظلم أو الاستغلال، بل نتيجة «التكاثر المفرط للفقراء». هذه الفكرة، التي تحوّل الضحية إلى سبب، شكّلت إحدى الركائز الإيديولوجية لتبرير الامتيازات الطبقية في أوروبا القرن التاسع عشر. وحين انتقلت إلى دول الجنوب، لم تنتقل كنظرية، بل كسياسة دولة. في الحالة التونسية، لم يطرح السؤال الجوهري: لماذا لا نغيّر علاقات الإنتاج؟ لماذا لا نوزّع الثروة؟ لماذا لا نكسر التبعية؟ بل جرى الالتفاف على هذه الأسئلة عبر نقل المسؤولية إلى الأجساد نفسها. صار «الانفجار السكاني» هو المشكلة، لا الفقر البنيوي. وهكذا تحوّل ضبط الولادات إلى بديل عن العدالة الاجتماعية.
02/ بين تحرير المرأة وضبط الجسد: لا يمكن إنكار أن سياسات تنظيم الأسرة ارتبطت بمكاسب فعلية للنساء، خاصة في مجالات الصحة والحقوق الفردية. لكن الإشكال الجذري يكمن في فصل هذه المكاسب عن مشروع اجتماعي شامل. فالمرأة التي طلب منها أن تنجب أقل لم تمنح، في المقابل، شغلا كريما، ولا حماية اجتماعية، ولا دولة رعاية تضمن لها استقلالا فعليا. هنا تحوّل الجسد النسائي إلى مجال لتوازنات الدولة المالية. لم يعد السؤال: كيف نحرّر النساء من علاقات الهيمنة؟ بل: كيف ندير الخصوبة بما يتلاءم مع ميزانية الدولة. وهكذا أُدخل الجسد الشعبي، منذ وقت مبكر، في منطق الحساب الاقتصادي، لا في أفق التحرر.
3/ من المالتوسية المعلنة إلى المالتوسية الصامتة: مع مرور العقود، تغيّر شكل التدخل، لكن جوهره لم يتبدّل. حين جاءت برامج التكييف الهيكلي، ثم تعمّق الخيار النيوليبرالي، انسحبت الدولة من الشغل، وقلّصت الخدمات، وخصخصت الحماية الاجتماعية. لم تعد بحاجة إلى خطاب مباشر حول تحديد النسل، لأن السوق تولّى هذه المهمة. صار الإنجاب قرارا اقتصاديا محفوفا بالمخاطر. صار الطفل تكلفة. وصار المستقبل دينا مؤجّلا. هنا تتحقق ما يمكن تسميته «المالتوسية الصامتة»: لم يعد يقال للفقراء أن ينجبوا أقل، بل جعل الإنجاب نفسه شبه مستحيل. في هذا السياق، تكتسب مقولة ماركس معناها الكامل حين قال إن «الرأسمالية لا تنتج الفقر فقط، بل تعيد إنتاجه كشرط لاستمرارها». ففي تونس، أعادت الرأسمالية التابعة إنتاج الفقر بوصفه آلية ضبط سكاني. من لا يملك شغلا مستقرا لا ينجب، ومن لا يرى أفقا لا يستثمر في المستقبل، ومن يستنزف يوميا يختار الرحيل.
04/ الشيخوخة والهجرة: وجهان لهزيمة واحدة: إن تسارع الشيخوخة السكانية لا يعكس فقط تحسنا في متوسط العمر، بل يعكس، في العمق، نزيف الفئات الشابة والفاعلة. الشيخوخة هنا ليست مسألة أعمار، بل نتيجة مباشرة لهزيمة اجتماعية. جيل يعمل دون أمان، ويدفع دون مقابل، ويُطلب منه أن يمول نظاما لن يستفيد منه. أما الهجرة، فهي ليست خيارا فرديا ولا خللا جانبيا، بل سياسة غير معلنة. إنها إعادة توزيع قسري للسكان وفق حاجات السوق العالمية. تونس تصدّر قوة عملها المؤهلة بعد أن موّلت تعليمها، وتترك بفراغ اجتماعي واقتصادي متزايد. هنا تستحضر مقولة أنطونيو غرامشي معناها الكامل: «الأزمة هي حين يموت القديم ولا يولد الجديد». في تونس، يموت النموذج الاجتماعي القديم، لكن الجديد يمنع من الولادة، اقتصاديا وسياسيا. لا يولد فقط مشروع اجتماعي بديل، بل يمنع حتى الجيل الجديد من أن يرى النور.
05/ مأزق الدولة وسؤال البديل: حين تعبّر الدولة اليوم عن قلقها من تراجع الخصوبة، فإنها تمارس تناقضا صارخا. فهي ترفض الاستثمار في شروط الحياة، لكنها تطالب المجتمع بإعادة إنتاج نفسه. وهي تعود، بشكل مقلوب، إلى منطق مالتوسي قديم: المشكلة ليست في النظام، بل في سلوك الناس. غير أن الديموغرافيا ليست مسألة أعداد، بل مسألة أفق. لا ينجب الناس لأن السلطة تطلب منهم ذلك، بل لأنهم يرون معنى في الاستمرار. ومن هنا، فإن أي مشروع يساري جذري مطالب بأن يستعيد المسألة السكانية بوصفها جزء من الصراع الطبقي، لا ملفا تقنيا معزولا. الدفاع عن الحق في الإنجاب يمرّ عبر الدفاع عن الحق في الشغل، والسكن، والصحة، والزمن الاجتماعي غير المبتور. ومن دون قطيعة واضحة مع المالتوسية القديمة والجديدة، ستظل السياسات السكانية أدوات لإدارة الأزمة لا لتجاوزها. فالديموغرافيا، في النهاية، ليست قدرا طبيعيا، بل نتاج ميزان قوى. وحين يختل هذا الميزان لصالح رأس المال، لا يشيخ المجتمع فقط، بل يصادر مستقبله.
06/ البعد المقارن (مصر، المغرب، الهند): ولا ينبغي النظر إلى التجربة التونسية كحالة منفردة أو استثناء محلي، بل كجزء من مناخ أوسع عرفته دول الجنوب ما بعد الاستعمار، حيث أُدرجت السياسات السكانية ضمن استراتيجيات التحكم الاجتماعي والاقتصادي. في مصر، على سبيل المثال، حين اصطدمت الدولة بمحدودية قدرتها على التوظيف والصناعة، لم ينظر إلى الأزمات المتراكمة كنتاج لعلاقات الإنتاج المختلة أو التوزيع غير العادل للثروة، بل صارت تعزى تلقائيا إلى «الانفجار السكاني»، فتولّدت مقولات عامة تصوّر الفقراء كتهديد ذاتي للنظام، وليس كضحايا لهيمنة نخبوية. وهذا التفسير لم يقتصر على خطاب الدولة الرسمي، بل امتد إلى مخيال المجتمع نفسه، حيث صار التعدد السكاني يحكم أخلاقيا على الفئات الشعبية، ويصبح معيارا لتقييم المسؤولية الفردية بدل تقييم النظام. في المغرب، أخذ المنطق نفسا مختلفا، أقل صخبا، لكنه لا يقل فاعلية. فقد أُدمج تنظيم الأسرة في سياسات التنمية البشرية، وأُبرز كخيار عقلاني لمواجهة الفقر والهشاشة، بينما بقيت البنى الاقتصادية الريعية والتفاوتات الجهوية خارج دائرة النقاش. وهكذا جرى ضبط الخصوبة بوصفه أداة لإدارة المجتمع، بدل أن يكون وسيلة لتحريره من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية. النتيجة كانت واضحة: تقلص الإنجاب في بعض المناطق، هجرة الشباب نحو المدن الكبرى، وشيخوخة المناطق الداخلية، كلها نتائج لم يعالج أصلها، وهو عجز الدولة عن توفير العدالة الاجتماعية. أما الهند، فقد مثّلت تجربة المبالغة في تحويل المالتوسية إلى أداة سلطة صريحة. في سبعينيات القرن الماضي، ومع الحملات القسرية للتعقيم، لم يترك للأفراد خيار سوى الانصياع، وغدا الجسد الشعبي هدفا مباشرا للسياسة، وتحوّل الفقر إلى سبب مباشر لإخضاع الإنسان لسلطة الدولة. وبعد التراجع عن القسر الصريح، ظل المنطق قائما: إدارة السكان بدل إدارة الهياكل الاقتصادية، وتحويل المجتمع نفسه إلى أداة لضبط الأزمة، فيما ظل التفاوت الطبقي نفسه قائما، بل متزايدا بفعل الليبرالية الاقتصادية. ما يجمع هذه التجارب كلها، من مصر إلى المغرب ثم الهند، هو أن السيطرة على السكان لم تعد مجرد سياسة حكومية تقنية، بل صارت ثقافة مجتمعية وعقلا اجتماعيا متداخلا مع الفرد نفسه. في كل مكان، صار الفقير يبرر فقره بعدم الإنجاب، والطبقة الوسطى ترى في الحد من التكاثر وسيلة لتقليل العبء على نفسها، والنخبة تفسر انسداد الأفق السياسي بزيادة الأعداد، لا بانسداد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. بهذا يتحوّل الضبط الديموغرافي إلى أقصى درجات فعاليته حين يستبطن، أي حين يصبح جزء من تصورات الناس لأنفسهم ولغيرهم، ويصبح المجتمع نفسه شريكا غير واع في إعادة إنتاج منطق المالتوسية. وبذلك، فإن ما نشهده في تونس اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق المقارن. التجربة التونسية، رغم خصوصيتها في تبنّي المالتوسية المبكرة وبرامج تنظيم الأسرة بشكل حداثي، ليست استثناء؛ بل هي امتداد لنمط عالمي في الجنوب حيث تدار الأزمة عبر ضبط البشر بدل ضبط الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. ويظل الجوهر واحدا: السكان ينظر إليهم كمتغير يجب التحكم فيه، لا كقوة تاريخية يمكن تحرير شروط وجودها. وهنا يكتسب النصيب الأكبر من الأزمة الديموغرافية بعدا ثقافيا وفكريا، إذ لا يتوقف الضبط عند حدود السياسة أو القانون، بل يتعدّاها ليصبح جزء من الخيال الاجتماعي، حيث المستقبل خطر، والتمدد البشري عبء، والحياة يجب أن تدار بحذر بدل أن تنمي أو توسّع.
07/ أبعاد إضافية: الزمن الاجتماعي، الدولة والثقافة، الفقر الهيكلي، دور الهجرة، وأفق المقاومة الطبقية: إن أحد أبعاد الأزمة الديموغرافية الذي نادرا ما يناقش بشكل مباشر، هو زمن الحياة نفسه. فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحرم الأفراد من أمان العمل والسكن والخدمات العامة لا تدمر فقط القدرة على الإنجاب، بل تقطع الزمن الاجتماعي الضروري للنمو الشخصي والاجتماعي. المجتمع يُطلب منه أن يعيش في حالة تأجيل مستمرة: تأجيل الزواج، تأجيل الإنجاب، تأجيل المشروع، حتى تأجيل الحلم. هذا الزمن المقطوع يجعل الفرد يعيش دائما في حالة قلق، ولا يترك له فرصة للتفكير في المشاركة الجماعية أو في بناء روابط اجتماعية قوية، مما يزيد من هشاشة المجتمع ويعمّق فجوة القوة بين الدولة والسكان. هناك بعد آخر، وهو الدور الثقافي والدلالي للديموغرافيا. حين تتحول الأرقام السكانية إلى مؤشر نجاح أو فشل للسياسات، تصبح الثقافة نفسها أداة للسيطرة. الحديث عن «الانفجار السكاني» أو «تراجع الخصوبة» لم يعد مجرد وصف، بل صار وسيلة لإعادة تشكيل القيم، لتبرير التفاوت، ولإضفاء الشرعية على الهشاشة. الثقافة الشعبية، التعليم، الإعلام، وحتى المناهج الأكاديمية، غالبا ما تتوافق مع هذا المنطق، فتتحوّل الديموغرافيا من مسألة بيولوجية أو اجتماعية إلى أداة رمزية للتحكم في وعي الناس، لتصبح جزء من جهاز السلطة غير المرئي. لا يمكن أيضا تجاهل البعد الطبقي للهجرة. فالشباب الذين يهاجرون، سواء داخليا إلى المدن الكبرى أو خارجيا إلى الخارج، لا يغادرون فقط لأسباب شخصية، بل لأن الهياكل الاقتصادية لا تسمح لهم بالاستقرار. الهجرة هنا ليست اختيارا فرديا، بل استجابة بنيوية: نظام الإنتاج لا يوفر فرصا متساوية، والسوق يفرض على الفقراء أن يتركوا أماكنهم الطبيعية، فتتراجع كثافة السكان المحليين ويزداد تفريغ المجتمع من فاعليته الطبقية والسياسية. بهذا الشكل، تتحول الهجرة إلى امتداد طبيعي لسياسات التحكم الديموغرافي، لكنها أيضا عنصر مركزي في إعادة تشكيل العلاقات الطبقية داخل المجتمع. من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الفقر الهيكلي كعامل أساسي في ضبط المجتمعات. الفقر لا يقاس فقط بالدخل، بل بإمكانات الإنسان على المشاركة في الحياة العامة، في الحقوق، وفي القرار الاجتماعي. عندما تدمّر البنية الاقتصادية بطريقة تجعل الموارد محدودة، يصبح التحكم في السكان أداة للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم. الفقر الهيكلي إذن ليس مجرد نتيجة لسياسات خاطئة، بل أداة للقمع غير المباشر، إذ يجعل السكان يعتمدون على الدولة والبنية الاقتصادية الراهنة، ويُضعف قدرتهم على المقاومة الجماعية. وأخيرا، لا بد من التطرق إلى أفق المقاومة الطبقية والديموغرافية التحررية. رغم كل القيود، هناك دوما إمكانية لإعادة التفكير في العلاقة بين السكان والدولة، بين الإنجاب والحقوق، بين الفرد والمجتمع. هذه المقاومة لا تعني فقط رفض السياسات السكانية، بل إعادة تأسيس مفهوم المجتمع نفسه: مجتمع يضمن للفقراء القدرة على الإنجاب، على النمو، على المشاركة، وعلى الزمن الاجتماعي الكامل. إنها رؤية يسارية جذريّة تجعل من الديموغرافيا مسألة حياة وحرية، لا أرقامًا تُدار باسم المنطق الاقتصادي أو الحسابات النيوليبرالية.
08/ الخيال الاجتماعي والزمن: إن الخيال الاجتماعي لا يقل أهمية عن السياسات الاقتصادية أو الديموغرافية في فهم أزمة المجتمع المعاصر. فالخيال الاجتماعي هو الإطار الذي يفسّر الناس أنفسهم، ويحوّل تجاربهم اليومية إلى معاني وقيم قابلة للتداول. في تونس، كما في تجارب مشابهة في الجنوب، لم يعد الخيال الاجتماعي يقتصر على تصورات الأفراد لمستقبلهم، بل أصبح مرآة لتجربة السلطة نفسها، انعكاسا للضغوط الاقتصادية والسياسية. الأجيال الجديدة تنشأ على إدراك ضمني بأن الحياة نفسها محدودة، وأن الزمن ينبغي أن يدار بحذر شديد، وأن أي توسّع شخصي أو جماعي يحمل في طياته المخاطر. هنا يتحول الزمن الاجتماعي من أفق للتحرر إلى أداة قسرية: يفرض على الفرد أن يؤجل مشاريعه الكبرى، أن يؤجل الزواج، أن يؤجل الإنجاب، حتى أن يؤجل المشاركة في المجتمع المدني والسياسي. تصبح الأيام والأشهر والسنوات وحدات للانتظار والمراوحة، لا أدوات لإنتاج الحياة أو الثقافة أو التاريخ. هذا الزمن المقطوع يجعل من الصعب تخيّل بدائل حقيقية، لأنه يغرس في الأفراد والطبقات الاجتماعية فكرة أن المستقبل محكوم بالقيود المفروضة عليهم، وأن قدرتهم على التغيير محدودة. فالخيال الاجتماعي هنا ليس مجرد وهم أو تصوّر نفسي، بل جهاز تنظيمي غير مرئي يتحكم في السلوك اليومي، ويحدّد أولويات الناس وفق معايير البقاء وليس الازدهار. الفرد يعي تماما أن أي خطوة خارج هذا الإطار قد تكون مكلفة، اجتماعيا أو اقتصاديا، ويبدأ في ضبط ذاته مسبقا، فتصبح السيطرة على الزمن داخليا، قبل أن تكون سيطرة خارجية. وبهذا المعنى، لا ينظر إلى الزمن فقط كامتداد خطي من الماضي إلى المستقبل، بل كمساحة تتقاطع فيها السلطة، الثقافة، والاقتصاد لتشكيل تصورات الناس عن الحياة نفسها. وهو زمن مقطوع من التاريخ التحرري، من المشروع الاجتماعي الجماعي، ومن الأفق السياسي الممكن. ولأن الخيال الاجتماعي يتغذى من هذه الهياكل، فهو يكرّس القبول الضمني بالقيود، ويحوّل الضغوط البنيوية إلى قواعد طبيعية للحياة، حتى يصبح المجتمع، في وعيه وذكرياته، مشاركا في إعادة إنتاج الضبط الاجتماعي والديموغرافي، دون الحاجة إلى فرضات واضحة أو قوانين معلنة. لكن الخيال الاجتماعي ليس محكوما بالسلطة وحدها، فهو أيضا أرضية للمقاومة وإعادة صياغة الزمن الاجتماعي. حين يبدأ المجتمع في تخيل إمكانيات مختلفة للحياة، تتغير معه العلاقة بين الفرد والمستقبل، بين الزمن الشخصي والزمن الجماعي، بين الواقع المفروض والخيال الممكن. يصبح الزمن أفقا للتحرر، لا مجرد أداة للانتظار أو التأجيل. الشباب الذين يهاجرون أو يضطرون لتأجيل مشاريعهم يجدون في التخيل قدرة على إعادة ترتيب أولوياتهم، على بناء مساحات صغيرة من الاستقلالية، وعلى خلق حلقات بديلة للمعرفة والممارسة الاجتماعية التي لا تتوافق مع شروط السوق والدولة. الخيال الاجتماعي، في هذه الحالة، يخلق توازيا بين الواقع والاحتمال: بين ما هو مفروض وما يمكن أن يكون، بين الزمن المتقطع والزمن الممتد الذي يسمح بإنتاج مشروع جماعي. وهنا تتجلى إمكانيات السياسة التحررية: ليس فقط في رفض القيود المفروضة على الإنجاب أو على الموارد، بل في إعادة تخيل المجتمعات نفسها. فالخيال الاجتماعي التحرري يسمح بتمديد الزمن من لحظة البقاء الضيق إلى أفق تاريخي، حيث يمكن للطبقات الشعبية أن تستعيد السيطرة على مشروعها في الحياة، على العمل، على السكن، وعلى الوقت الذي يتحكمون فيه. بهذا المعنى، يصبح الزمن الاجتماعي قوة، لا عبئًا، والخيال الاجتماعي أداة لتجاوز الضغوط البنيوية والسياسات القسرية، لإنتاج علاقة جديدة بين الإنسان والمستقبل، بين الفرد والجماعة، وبين المجتمع والسلطة. فحين يتحرر الخيال، يعيد المجتمع تعريف ما هو ممكن، ويخلق الفرصة لتشكيل زمن مختلف، زمن يمكن أن يكون أرضا للنمو، لا مجرد ممر للبقاء.
09/ المالتوسية الجديدة في زمن الأزمات المناخية: في زمن الأزمات المناخية، تتخذ المالتوسية أبعادا جديدة وأكثر تعقيدا، إذ لم تعد تتعلق فقط بعدد السكان أو بإدارة الفقر، بل بصياغة علاقة الإنسان مع الطبيعة، والموارد، والزمن البيئي نفسه. ما كان يفهم في الماضي على أنه «ضغط سكاني» صار اليوم يقرأ بوصفه خطرا على استدامة الكوكب، لكن التحليل العميق يظهر أن هذه القراءة غالبا ما تخفي استمرار هيمنة الطبقات الغنية والرأسمالية العالمية. إذ يتم توجيه خطاب الأزمة البيئية دائما نحو المجتمعات الفقيرة أو الجنوب العالمي، لتصبح مسؤولة عن الفقر البيئي، عن الهدر، وعن النمو السكاني، بينما تستثنى النخب الاقتصادية الكبرى من المحاسبة على استهلاكها غير المحدود للموارد والانبعاثات الصناعية. في هذا الإطار، لم تعد المالتوسية قاصرة على ضبط الإنجاب أو السكان، بل تمددت لتشمل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وتحوّل الفقراء إلى عناصر خطر يضبط، بينما يستمر السوق العالمي في استغلال الموارد كما يشاء. هنا يظهر الوجه الجديد للمالتوسية: ليست فرضا مباشرا على الأجساد، بل نظاما بيئيا–اقتصاديا يفرض قيودا قسرية على الطبقات الشعبية، ويحوّل البقاء إلى مسألة فردية، ويحرف الخيال الاجتماعي من أفق التحرر إلى أفق إدارة الخطر. ومع الأزمات المناخية المتسارعة، يصبح الزمن الاجتماعي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة والتهجير القسري بسبب الكوارث البيئية، كلها عوامل تجعل المجتمع يعيش في حالة طوارئ مستمرة، حيث تصبح كل خطوة للتخطيط الشخصي أو الاجتماعي محفوفة بالمخاطر. في هذا السياق، يفرض على الفقراء إدارة حياتهم وفق حسابات ضيقة للموارد المتاحة، في حين أن القدرة على الاستثمار في المستقبل أو التفكير في المشاريع الكبرى تصبح نعيما لا يمكن تحمله. الزمن هنا يتحول من أداة للتخطيط والتنمية إلى سلسلة من أزمات يومية تتطلب البقاء فقط، وهو امتداد طبيعي للمالتوسية الصامتة التي أشرنا إليها سابقا. في الوقت نفسه، يبرز الخيال الاجتماعي بوصفه ساحة المواجهة المحتملة. إذ يمكن أن يتحول الخيال إلى أداة لتحرير الزمن الاجتماعي، وإعادة تصور المجتمع، وإعادة بناء علاقة الإنسان مع الطبيعة بطريقة لا تحوّله إلى عبء، بل إلى شريك في إنتاج المستقبل. هذا الخيال التحرري يصبح أكثر أهمية في مواجهة «المالتوسية الجديدة»، لأنه يتيح للطبقات الشعبية رؤية أن الأزمات المناخية ليست مجرد مصائر طبيعية، بل نتائج لعلاقات القوة، ولتحكم رأس المال في الموارد، ولغياب العدالة الاجتماعية. حين يتم تحرير الخيال، يصبح المجتمع قادرا على مقاومة التوظيف السياسي للمآسي البيئية، وإنتاج أساليب حياة جديدة أكثر عدالة واستدامة. ومن زاوية أخرى، يظهر البعد الطبقي للمالتوسية المناخية بشكل واضح. الفقراء يحمّلون مسؤولية التكيف مع التغير المناخي، من خلال قيود على الإنجاب، أو تقليل الاستهلاك، أو الهجرة، بينما تتحكم النخب في السياسات الكبرى، في رأس المال، وفي توزيع الموارد الطبيعية، وتستمر في إنتاج المخاطر على الطبقات الدنيا. بهذا، تتحول الأزمات البيئية إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، حيث يصبح التحكم في السكان وسيلة للتحكم في الموارد، ويصبح الزمن الاجتماعي، كما الخيال، أداة للسلطة والامتثال. وهنا تكمن أهمية الرؤية التحررية: مواجهة المالتوسية الجديدة لا تكون فقط في رفض التحكم في الإنجاب أو التدخل في المجتمعات الفقيرة، بل في تغيير شروط علاقة البشر مع البيئة نفسها، مع الزمن، ومع السلطة. الدفاع عن الحق في الحياة في زمن الأزمات المناخية يعني الدفاع عن الحق في الموارد، في الشغل، في السكن، في التعليم، وفي المشاركة في صنع القرار. إنه جعل الخيال الاجتماعي والمستقبل المفتوح أدوات للتحدي الطبقي والسياسي، لا مجرد وسيلة للتكيف مع الخطر. في النهاية، المالتوسية الجديدة في زمن الأزمات المناخية تذكّرنا بأن الأزمة الديموغرافية والبيئية ليست قضايا فردية أو طبيعية، بل نتيجة تراكمية لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وأي مشروع يساري جذري في هذا العصر يجب أن يربط بين الديموغرافيا، والبيئة، والزمن الاجتماعي، والخيال التحرري، والعدالة الطبقية، لكي يحوّل التحدي إلى فرصة لإعادة بناء المجتمعات على أسس حياة حرة ومستدامة.
خاتمة: نحو زمن ديموغرافي تحرري: إن ما كشفه هذا التحليل ليس مجرد سرد لتجارب تونس أو بلدان الجنوب الأخرى، ولا مجرد تشخيص لسياسات المالتوسية القديمة والجديدة، بل هو استدعاء لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان، الدولة، والزمان، وفي الطريقة التي تدار بها حياتنا. ما نراه اليوم من تراجع الخصوبة، شيخوخة السكان، هجرة الشباب، وأزمات بيئية، ليست مسالة طبيعية ولا نتيجة حتمية للثقافة أو التكنولوجيا، بل نتاج تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية أعادت إنتاج الهشاشة والاعتماد على الدولة والسوق، وحوّلت الزمن الاجتماعي إلى سلسلة من الانتظار والتأجيل، وحوّلت الخيال الاجتماعي إلى تقبل ضمني للقيود، بدل أفق للتحرر والخيال البديل. الخطر الأكبر في هذا السياق ليس في الأرقام نفسها، بل في القبول المجتمعي الصامت بالقيود المفروضة، وفي تحويل الفقر والهشاشة إلى أدوات ضبط سكاني، وفي جعل الزمن الاجتماعي خاضعا للانتظار والمحدودية، بدل أن يكون أداة للتخطيط والنمو. كل هذه العمليات تحوّل المجتمع إلى متلق، بدل أن يكون فاعلا، وتجعل المستقبل مشروعا للطبقات المسيطرة لا للشعوب نفسها. لكن، من هذا المنظور، يظهر بوضوح أن هناك إمكانيات للتحرر، وأن الزمن والخيال الاجتماعي يمكن أن يتحولا إلى أدوات للتغيير. فالخيال ليس مجرد وهم، بل قدرة على تصور بدائل، على إعادة بناء العلاقة مع المستقبل، على تجاوز قيود السوق والدولة، على استعادة الزمن الاجتماعي المفقود، وإعادة صياغة المجتمعات بطريقة تجعل الإنسان، لا الرقم، محور الاهتمام. وعندما يتحرر الخيال الاجتماعي، يمكن للمجتمع أن يرفض المالتوسية القديمة والجديدة، سواء في شكلها الكلاسيكي على السكان أو في شكلها البيئي على الموارد، ويعيد إنتاج الزمن بوصفه أفقا للتحرر، لا أداة للبقاء فقط. في هذا السياق، يصبح الدفاع عن الحق في الحياة، والحق في الموارد، والحق في الزمن الاجتماعي، والحق في الخيال الجماعي، مشروعا سياسيا طبقيا أساسيا. فالنضال من أجل العدالة الديموغرافية لا يمكن فصله عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية، ولا عن النضال البيئي، ولا عن إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية. أي مشروع يساري جذري في القرن الحادي والعشرين يجب أن يربط بين كل هذه الأبعاد: السكان، الزمن، الخيال الاجتماعي، البيئة، والطبقات الاجتماعية. إن تجاوز أزمة الديموغرافيا والمالتوسية لا يعني مجرد رفع معدل الولادات أو الحد منها، بل يعني إعادة تعريف المجتمع نفسه، وإعادة بناء الزمن الاجتماعي، واستعادة قدرة الشعوب على تخيل مستقبل حقيقي يمكن أن يتحقق. وهذا هو التحدي الحقيقي: تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة إنتاج المجتمعات على أسس الحرية، والمساواة، والاستدامة. فقط حين يتحرر الخيال الاجتماعي، ويصبح الزمن الاجتماعي ممتدا وليس مقطوعا، ويصبح المجتمع فاعلا لا مجرد متلق، يمكن أن تتجاوز الشعوب قيود المالتوسية، القديمة والجديدة، وأن تفتح أفقا جديدا لحياة جماعية عادلة، كريمة، ومستدامة. في النهاية، هذه الخاتمة ليست مجرد نهاية للنص، بل دعوة مستمرة للتفكير والعمل: لكسر قيود الزمن المفروض، لإعادة بناء الخيال الاجتماعي، ولجعل الديموغرافيا، البيئة، والعدالة الطبقية أدوات للتحرر، لا أدوات للسيطرة أو الانتظار.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
-
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم
...
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
-
بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي
...
-
الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات
...
-
الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك
...
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
-
الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث
...
-
الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة
...
-
القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا
...
-
الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ
...
-
تونس الآن الآن ..
-
فنزويلا في قلب الصراع العالمي
-
الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا
...
المزيد.....
-
العثور على جثة فتاة محاطة بكلاب برية على شاطىء سياحي في أستر
...
-
بعد مرور أسبوعين من قضائه كامل عقوبته .. جنايات بدر تأمر بحب
...
-
أذربيجان تحيي ذكرى ضحايا القمع السوفيتي في 20 يناير 1990
-
ملياردير من الدائرة الضيقة.. كيف مهّد رونالد لودر طريق ترامب
...
-
ألمانيا: مخاوف من تجسس الصين عبر السيارات الكهربائية
-
وزير الإعلام اليمني: السجون التي كشفناها خارج سلطة القانون
-
دمشق تعلن وقفا لإطلاق النار 4 أيام مع الأكراد عقب تفاهم جديد
...
-
كيف دفعت اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى تهميش الدبلو
...
-
دليل التوفير المنزلي: حيل بسيطة لتقليص نفقات الغسيل بنسبة 50
...
-
إضافات تفسد المذاق والفائدة: كيف تجعل قهوتك صحية دون أن تخسر
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|