أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - فنزويلا في قلب الصراع العالمي















المزيد.....

فنزويلا في قلب الصراع العالمي


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8543 - 2025 / 12 / 1 - 01:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد فنزويلا اليوم دولة عادية في أميركا اللاتينية، ولا مجرد بلد نفطي يعيش أزمة سياسية داخلية. إن ما يجري حولها، وفي داخلها، هو في جوهره اشتباك عالمي مفتوح بين مشروعين تاريخيين كبيرين:
المشروع الإمبراطوري الأمريكي الذي يسعى لتثبيت أحاديته العالمية، والمشروع البوليفاري الذي انطلق منذ نهاية التسعينيات ليعلن بأن ثروات الجنوب ليست ملكًا للشمال، وأن زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى.
فنزويلا تقف اليوم في نقطة توتّر جيوسياسي لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ عقود، حيث تتقاطع فيها مصالح القوى العظمى: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، إيران، كوريا الشمالية، تركيا، والاتحاد الأوروبي بدرجات مختلفة. وفي داخل هذا الاشتباك، تلعب فنزويلا دورًا أكبر من حجمها الجغرافي، لأنها تمثّل نموذجًا لما يمكن أن يفعله شعبٌ فقير بالثروة عندما يقرّر أن يستعيد سيادته بالكامل.
ولهذا تحوّلت فنزويلا، خلال السنوات الأخيرة، إلى قلب الصراع العالمي، وتحوّلت أزمة داخلية إلى معركة كونية كبرى تُعيد رسم ملامح النظام الدولي الجديد.

أولا: جذور الصراع ، النفط كلعنة جيوسياسية منذ 1914.

بدأت حكاية فنزويلا مع النفط عام 1914 باكتشاف أول بئر تجاري، لتتحوّل الدولة الريفية الصغيرة خلال سنوات قليلة إلى أكبر مصدّر للنفط في العالم بحلول 1928.
عند هذه اللحظة بالذات، أدركت الولايات المتحدة أنّ هذه الأرض التي تشبه الجنة الاستوائية، تحمل في باطنها ما يكفي لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي:
احتياطي يفوق 300 مليار برميل، الأكبر عالميا، يتجاوز احتياطي السعودية والعراق مجتمعين.
هكذا بدأ التغلغل الأمريكي المبكر:
-دخول شركات النفط الأمريكية الكبرى بكثافة
-دعم النخب المحلية الموالية لواشنطن
-بناء اقتصاد تابع، يعتمد على العائدات النفطية ويخدم الشركات العابرة للقارات
-تحويل الدولة إلى نموذج “الاستقرار الزائف” القائم على الاستغلال الخارجي والفقر الداخلي
لذلك، لم يكن غريبا أن يكون النفط ، منذ البداية ، نقطة مركزية في كل الصراعات القادمة.

ثانيا: الثورة البوليفارية ، عندما قال تشافيز لا لأول مرة.

عام 1999، وصل الملازم المظلي هوغو تشافيز إلى الحكم بدعم شعبي هائل. كان الرجل يحمل مشروعا جديدا، سمّي بالثورة البوليفارية، نسبة إلى سيمون بوليفار، محرّر أميركا اللاتينية من الاستعمار الإسباني في القرن 19.
🕳️ما هي البوليفارية؟:
البوليفارية ليست مجرد نظرية سياسية، بل مشروع تاريخي للتحرر الوطني، يتأسس على مبادئ واضحة:
-السيادة الوطنية الكاملة على الموارد، خصوصا النفط والذهب.
-العدالة الاجتماعية عبر توزيع الثروة على العمال والفلاحين والفقراء.
-دمقرطة الدولة والمجتمع وفتح المجال أمام المشاركة الشعبية.
-بناء اقتصاد مستقل غير تابع للمؤسسات المالية الغربية.
-التكامل اللاتيني ورفض الهيمنة الأمريكية.
-السياسة الخارجية المناهضة للإمبريالية
تشييدا على ذلك، قام تشافيز بـ:
+تأميم قطاعات النفط والطاقة.
+طرد العديد من الشركات الأمريكية.
+دعم كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا في مشاريع الاستقلال الاقتصادي.
+بناء تحالف “ألبا ALBA” المناهض للنفوذ الأمريكي في القارة.
+التوجّه شرقا نحو روسيا والصين وإيران.
وقد شكّل هذا التحوّل أكبر ضربة استراتيجية لهيمنة واشنطن في أميركا الجنوبية منذ الحرب الباردة.

ثالثا: التحليل الطبقي البوليفاري الداخلي ، الفقراء والعمال في قلب المقاومة.

في قلب الثورة البوليفارية يكمن التحليل الطبقي العميق لفنزويلا، حيث تُظهر التجربة أن الفئات الشعبية هي الركيزة الحقيقية للدولة والسيادة الوطنية. إذ يمكن تقسيم المشهد الاجتماعي إلى ثلاث طبقات رئيسية:
+الطبقة العاملة والفلاحون والفقراء:
-يشكلون العمود الفقري للثورة البوليفارية.
-هم المنتجون الرئيسيون للثروة، سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي أو الخدمات.
-رغم الحصار الاقتصادي والعقوبات الدولية، هم الذين يضمنون استمرار الإنتاج الغذائي وحركة السوق المحلية.
-مشاركتهم في الميليشيات الشعبية، والدفاع عن المنشآت الحيوية، وحماية المجتمع المحلي، يجعل منهم قوة مقاومة يومية لا تقهر بسهولة.
+الطبقة الوسطى والموالية جزئيا:
-تواجه ضغوطا اقتصادية كبيرة نتيجة التضخم والعقوبات.
-بعض شرائحها تميل إلى معارضة السياسات البوليفارية، خاصة بسبب الصعوبات الاقتصادية اليومية.
ومع ذلك، تبقى جزء من المجتمع الذي يتأثر مباشرة ببرامج تشافيز ومادورو الاجتماعية، من رعاية صحية وتعليم وإسكان.
+الطبقة العليا والأوليغارشيا المحلية:
-تاريخيا، كانت متحالفة مع واشنطن.
-تهيمن على جزء من الاقتصاد وتمثل قناة الهيمنة الإمبراطورية.
-تشكّل قوة مقاومة لأي مشروع تحرر حقيقي، وهي محور دعم المعارضة الداخلية التي تتعاون مع الضغط الخارجي.
+الدور المركزي للفقراء والعمال:
-هم الذين يثبتون يوميا أن السيادة لا تفرض بالقوة فقط، بل بالممارسة اليومية للحياة الحرة.
-كل قارب صيد لا يهاجم، وكل مصنع يستمر بالإنتاج، وكل مشروع اجتماعي ينجح، هو صاروخ مقاومة ضد الهيمنة الأمريكية.
-من خلال تعليمهم، برامجهم الصحية، مشاركتهم في الدفاع الشعبي، يصبح هؤلاء المواطنون الطبقيون محور الاستمرارية البوليفارية.
يمكن القول إن الثورة البوليفارية ليست مجرد مشروع سياسي، بل مشروع حياة يومي: كرامة، إنتاج، مقاومة، وحماية المجتمع، وهو ما يجعل الصراع في فنزويلا صراعا طبقيا داخليا يلتقي فيه مع الصراع الدولي.

رابعا: المواجهة المباشرة مع واشنطن ، الانقلابات والحصار والحرب الاقتصادية.

لم تنتظر الولايات المتحدة طويلا.
عام 2002 دعمت انقلابا عسكريا أطاح بتشافيز لساعات قبل أن يعيده الشعب والجيش الشعبي مجددا. ثم بدأت سنوات الحصار المالي، العقوبات التجارية، تجفيف السيولة، محاولة إسقاط الاقتصاد الوطني، ثم:
-تمويل المعارضة اليمينية.
-دعم النخب الاقتصادية.
-حرب إعلامية عالمية.
-عقوبات على الذهب.
-حصار على النفط.
-تجميد الأصول الفنزويلية في الخارج.
-مصادرة شركة “CITGO” النفطية التابعة لفنزويلا داخل أمريكا.
كل ذلك لأن تشافيز قال ببساطة:
النفط للفنزويليين، وليس للأمريكيين.

خامسا: مادورو ، الاستمرار في الطريق الأصعب.

بعد وفاة تشافيز سنة 2013، تولّى الرئيس نيكولاس مادورو الحكم، وسط ظروف دولية وإقليمية شديدة التعقيد. مادورو لم يغيّر الخط السياسي، بل عمّق الخط البوليفاري عبر:
-تعزيز التحالف مع الصين (قروض، استثمارات، تكنولوجيا، اتصالات، فضاء).
-توقيع اتفاقات عسكرية واقتصادية مع روسيا.
-التعاون في مجالات الطاقة والبتروكيماويات مع إيران.
-تطوير العلاقات الاستراتيجية مع كوريا الشمالية.
-تعزيز التكامل اللاتيني مع كوبا وبوليفيا ونيكاراغوا.
-دعم القضية الفلسطينية بشكل استراتيجي.
-مواجهة الحصار الأمريكي بسياسات صمود وبدائل مالية وتجارية.
وفي ظل هذه السياسات، واجه مادورو:
🔸محاولة انقلاب عسكري.
🔸محاولة اغتيال بالطائرات المسيّرة.
🔸انقلاب غوايدو “رئيس الفيسبوك” الذي اعترفت به واشنطن.
🔸حصار نفطي كامل.
🔸مصادرة الأصول.
🔸محاولات تدخل عسكري عبر الحدود الكولومبية والبرازيلية.
ومع ذلك، بقي النظام البوليفاري ثابتًا، بفضل تلاحم الجيش والشعب والميليشيات الشعبية.

سادسا: التحضيرات العسكرية الفنزويلية ، ردع الغزو الأمريكي.

التهديد بالغزو ليس جديدا. ترامب كان أول من لوّح علنا بـ:
-غزو برّي مباشر.
-حصار بحري.
-هجوم جوي واسع.
-اغتيال الرئيس.
وفي المكالمة التي سرّبتها الصحف الأمريكية، طلب ترامب من مادورو “التنازل عن السلطة مقابل العفو”، وإلا فـ“القوة العسكرية جاهزة”.
مادورو رفض، وأمر بالآتي:
+نشر أنظمة دفاع جوي روسية الصنع (إس-300).
+تعزيز الدفاعات الساحلية بصواريخ مضادة للسفن.
+انتشار قوات خاصة على طول السواحل.
+إعلان التعبئة الجزئية للجيش.
+تدريب الميليشيات الشعبية (أكثر من 3 ملايين متطوع).
+إنشاء وحدات دفاع عمالي في المصانع.
+تفعيل نظام الإنذار الإقليمي.
+إنشاء “قوات المقاومة الشعبية البوليفارية”.
اليوم، فنزويلا تعدّ أحد أكثر الدول تحصينا دفاعيا في أميركا الجنوبية.

سابعا: فنزويلا داخل شبكة التحالفات اللاتينية.

الولايات المتحدة لا تواجه فقط دولة، بل قاعدة صلبة من التحالفات اللاتينية التي تعود إلى عهد تشافيز:
1. البرازيل (وفق الحكومات اليسارية):
عندما يكون اليسار في السلطة (كما اليوم)، تتعزّز العلاقات التجارية والسياسية. البرازيل تحتاج نفط فنزويلا وغازها، وفنزويلا تحتاج كتلة اقتصادية بحجم البرازيل.
2. بوليفيا:
حليف استراتيجي، خاصة مع عودة الاشتراكيين إلى الحكم. الغاز البوليفي + النفط الفنزويلي = معادلة طاقة قادرة على تغيير موازين أميركا الجنوبية.
3. كوبا:
قلب التحالفات البوليفارية. تعاون طبي، عسكري، استخباراتي، لوجستي.
4. نيكاراغوا:
جزء من جبهة المقاومة ضد النفوذ الأمريكي.
5. تشيلي والأرجنتين وكولومبيا (بحسب تغير الحكومات).
عندما يكون اليسار في الحكم، تنفتح أبواب التنسيق السياسي والاقتصادي.

ثامنا: تحالفات فنزويلا العالمية ، المعسكر المناهض لأميركا.

🕳️روسيا: الحليف العسكري الأول:
-تزويد فنزويلا بالأسلحة.
-دعم سياسي في مجلس الأمن.
-اتفاقيات طاقة وبنى تحتية.
-تدريبات عسكرية مشتركة.
🕳️الصين: الحليف الاقتصادي الأضخم:
-خطوط ائتمان بعشرات المليارات.
-مشاريع تكنولوجيا واتصالات.
-شراء النفط رغم الحصار.
-دعم دبلوماسي مستمر.
🕳️إيران: شراكة استراتيجية:
-إرسال ناقلات نفط كسرت الحصار الأمريكي.
-تبادل تقني وصناعي.
-إعادة تشغيل مصافي النفط الفنزويلية.
-تحالف سياسي واضح ضد الهيمنة الأمريكية.
🕳️كوريا الشمالية: تقارب عسكري وأمني:
-تعاون تكنولوجي دفاعي.
-تنسيق سياسي ضد واشنطن.

تاسعا: لماذا أصبحت فنزويلا “قلب الصراع العالمي”؟

لأنها تمثل نقطة التقاء أربعة صراعات كبرى:
1. الصراع الأمريكي–الصيني:
أمريكا تريد النفط الفنزويلي لضمان استعدادها لمواجهة الصين.
الصين تريد النفط لضمان أمنها الطاقي.
من يفوز بفنزويلا يكسب جزء من معركة القرن.
2. الصراع الأمريكي–الروسي:
فنزويلا قاعدة روسية مهمة في نصف الكرة الغربي، قريبة من فلوريدا.
وجود روسيا في فنزويلا هو “كوبا جديدة”.
3. الصراع الأمريكي–الإيراني:
إيران كسرت الحصار النفطي على فنزويلا.
التحالف بينهما يربك واشنطن ويفتح محورا جديدا ضدها.
4. الصراع الطبقي العالمي بين الشمال والجنوب:
فنزويلا هي مثال للجنوب الذي قرّر أن يتحرّر.
واشنطن تريد معرفة:
هل يمكن لأمة فقيرة أن تستعيد ثرواتها وتعيد توزيعها على شعبها؟
إذا نجحت فنزويلا، يمكن لبلدان كثيرة أن تتبعها.

عاشرا: فنزويلا اليوم ، خط الدفاع الأول عن عالم متعدّد الأقطاب.

فنزويلا ليست مجرد دولة غنية بالنفط، بل نموذج سياسي متمرّد يهدد أسس الإمبراطورية الأميركية في نصف الكرة الغربي.
إنها:
-خط النار الأول بين الشرق والغرب.
-مختبر عالمي لمعادلة “الجنوب ضد الإمبراطورية”.
-نموذج للسيادة الاقتصادية.
-عقدة استراتيجية في التحالفات الدولية المناهضة لأمريكا.
-شريان طاقة يمكنه أن يعطّل أو يعيد تشكيل موازين القوى العالمية.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد تهديد أو حصار أو مناوشات دبلوماسية.
إنه صراع على مستقبل العالم نفسه:
هل سيظل أحاديا تحت الهيمنة الأمريكية؟
أم سيصبح متعدد الأقطاب كما تريد الصين وروسيا وإيران ودول أميركا الجنوبية؟.

فنزويلا اليوم ليست مجرد دولة في أمريكا اللاتينية، بل رمز عالمي للصراع بين سيادة الشعوب واستغلال الإمبراطورية. من لحظة اكتشاف النفط عام 1914، مرورا بالسيطرة الأمريكية على الشركات والفقراء الذين ظلوا محرومين من ثرواتهم، وصولا إلى الثورة البوليفارية بقيادة تشافيز واستمرارها تحت مادورو، يظهر التاريخ أن الصراع صراع طويل الأمد بين الاستقلال الوطني والهيمنة الإمبريالية.
إن المقاومة البوليفارية ليست مجرد شعارات سياسية أو اقتصادية، بل مشروع حياة يومي للشعب الفنزويلي. كل فلاح يزرع الأرض، كل صياد يخرج إلى البحر، كل عامل يحافظ على إنتاجه، وكل مجتمع محلي يشارك في الدفاع عن منشآته الحيوية، كلها أفعال ثورية ملموسة تشكل الخط الأمامي في مواجهة الهيمنة الأمريكية. هذا التحليل الطبقي الداخلي يوضح أن الفقراء والعمال ليسوا مجرد ضحايا للحصار والعقوبات، بل هم قوة إنتاجية وسياسية مركزية، يثبتون يوميا أن الثورة البوليفارية هي فعل جماهيري مستمر لا يمكن اختزاله في مؤسسات الدولة أو سياسات الحكومة وحدها.
على المستوى الإقليمي، تؤكد التحالفات مع دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، المكسيك، وكولومبيا الجديدة أن فنزويلا ليست وحيدة في مواجهة الإمبراطورية. هذه الدول تشكل شبكة دعم متبادلة، تمنح الجنوب القدرة على فرض إرادته وتوازن القوى داخليا وخارجيا. وقد أثبتت هذه التحالفات أن التضامن الإقليمي هو استراتيجية عملية، وليس مجرد موقف رمزي، يمكن أن يخلق توازنًا ضد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية.
أما على المستوى الدولي، فتدخل قوى مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية يعكس أن الصراع في فنزويلا أصبح جزء من صراع عالمي على التعددية القطبية والنظام الدولي الجديد. الصين توفر استثمارات بنيوية وتجارية تقلل الاعتماد على الدولار، وروسيا تقدم دعما عسكريا وتقنيا في الدفاع الجوي والتدريب العسكري، وإيران وكوريا الشمالية تضيف بعدا استراتيجيا وتقنيا إضافيا، مما يجعل أي تهديد أمريكي مكلفا سياسيا وعسكريا، ويعكس قدرة الجنوب على الدفاع عن سيادته.
النفط والغاز والذهب والمياه العذبة ليست مجرد موارد اقتصادية، بل أدوات استراتيجية تمثل محور الصراع بين الهيمنة والاستقلال. الحصار الاقتصادي، العقوبات، العمليات العسكرية الموجهة ضد الصيادين والمزارعين، والحملات الإعلامية العالمية، كلها أدوات لإضعاف الدولة، وخلق ضغوط يومية على الفئات الشعبية، وفرض شروط الهيمنة الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته تكشف حقيقة أن السيطرة لا تتحقق إلا بالقهر، وأن الفقراء والعمال يمكنهم، رغم كل العقبات، أن يشكلوا صمام أمان لاستمرارية الدولة والسيادة الوطنية.
إن تجربة فنزويلا البوليفارية تظهر أن المقاومة مشروعا طويل الأمد، يمتد من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الأرض إلى البحر والسماء، ويغطي كل أبعاد الحياة اليومية. كما أنها تعطي دروسا للجنوب العالمي بأسره: أن السيادة الوطنية والكرامة الشعبية لا تكتسب إلا بالمقاومة المستمرة، وأن التضامن بين الشعوب يمكن أن يكون قوة استراتيجية حقيقية. المقاومة البوليفارية تثبت أن الجنوب قادر على الدفاع عن ثرواته الطبيعية، حماية شعبه، والحفاظ على استقلال قراره السياسي والاقتصادي.
ختاما، فنزويلا اليوم هي رمز عالمي للتحدي ضد الإمبراطورية، نموذج حي يثبت أن القوة الحقيقية ليست في أسلحة الهيمنة أو العقوبات الاقتصادية، بل في الإرادة الجماهيرية للشعب الذي يرفض الانكسار. التاريخ المستمر للبوليفارية من تشافيز إلى مادورو، من سياسات التأميم إلى التحالفات الدولية، ومن الدفاع الشعبي إلى المقاومة اليومية للعمال والفلاحين، يشكل رسالة واضحة لكل شعوب الجنوب: لن نركع، لن نسمح لثرواتنا أو كرامتنا أو إرادتنا أن تسرق، وسنظل صامدين في مواجهة أي محاولة للهيمنة أو السيطرة.
فنزويلا ليست مجرد دولة؛ إنها قلب الصراع العالمي، مركز المقاومة، ودليل على أن الجنوب قادر على كتابة تاريخه، وحماية ثرواته، وتحقيق سيادته بوسائل جماهيرية حقيقية ومستمرة. كل قارب صيد يخرج، كل حقل نفط يحافظ عليه، كل مشروع اجتماعي يستمر، وكل تحرك شعبي في الشوارع والمدن والقرى، هو صاروخ مقاومة يوجه رسالة واضحة للعالم: الحرية والسيادة والشعوب الحية قوة لا تقهر، مهما بلغت الإمبراطورية من جبروتها، ومهما حاولت من مؤامرات وحصار وتدخلات.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا ...
- قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال ...
- أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا ...
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ...
- بعد غزة… الضفة الغربية على صفيح النار: التهجير القسري والاست ...
- الدّولة البوليسية المعاصرة
- من مانهاتن إلى القصبة: حين تتكلم الأزمات بلغتين
- السّرياليّة والسّرياليّة الثوريّة. من الحلم إلى التمرّد: في ...
- النضال البيئي بين العفوية والتنظّم في تونس: الواقع والآفاق.
- بين تاريخ الوصاية وإغراءات «الإعمار»: ما يقترَح اليوم ليس مج ...
- مشروع قانون المالية لسنة 2026: بين الوهم الاجتماعي وتكريس ال ...
- الديني و الماركسي في خندق المقاومة وحدود الالتقاء: من طهران ...
- اتفاق شرم الشيخ: عودة الانتداب بثوب أمريكي – قراءة في مشروع ...
- غزة والمقاومة: غنيمة التّاريخ وبوصلة الأحرار
- من -الشعب يريد- إلى -النهضة تقرر- إلى -الرئيس يقرر
- الأفقية والقاعدية: تفكيك مفاهيمي وتحليل تطبيقي.
- البناء القاعدي والتسيير الذاتي: بين النظرية، التجارب، والتحو ...
- السلاح ، المخدرات و الادوية ، اسلحة للثراء و اخضاع الشعوب.
- تحليل مقتضب للنرجسية الفردية و السّلطة والشعبوية.
- الاعتراف بالدولة الفلسطينية: خطوة ناقصة في معركة طويلة ضد ال ...


المزيد.....




- مدغشقر.. ساحة تنافس جديدة بين باريس وموسكو؟
- تقدم بين الأوكرانيين والأمريكيين .. لكن هناك حاجة لـ-مزيد من ...
- مستوطنون يقتحمون الأقصى وقوات الاحتلال تواصل هدم منازل بالضف ...
- قوات الاحتلال تعلن قتل 40 مقاوما في رفح خلال أيام
- 26 ضحية جديدة في موجة الخطف الجماعي بنيجيريا
- محللون: قرار ترامب ضد فنزويلا مغامرة كبيرة وهذه أهدافه الحقي ...
- حلفاء جباروف يكتسحون الانتخابات البرلمانية في قرغيزستان
- خبير عسكري: معركة بوكروفسك تحدد مصير شرق أوكرانيا
- مسؤولة أميركية: المتهم بهجوم واشنطن اتجه للتطرف بعد قدومه لل ...
- كاتب إسرائيلي: موقف الحزب الديمقراطي الأميركي منا لم يعد كما ...


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - فنزويلا في قلب الصراع العالمي