|
|
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار والعمل والوعي.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 12:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الصراع الطبقي ليس سردية منتهية ولا أطروحة مدرسية تحفظ ثم تنسى، بل هو الحركة العميقة للتاريخ، منطقه المادي الذي يعمل بصمت تحت ضجيج الأيديولوجيا. كل مجتمع طبقيّ هو ساحة صراع، سواء اعترف بذلك أم أنكره، وسواء عبّر عنه بوضوح أو أخفاه خلف مفردات “الوطن”، “الاستقرار”، “التنمية”، و“الإصلاح”. فالاستغلال لا يحتاج إلى اعتراف، كما أن الظلم لا يزول بإنكاره. منذ اللحظة التي ظهر فيها الفائض الاجتماعي، لم يعد الإنتاج مسألة بقاء فقط، بل صار مسألة سلطة. من يملك الفائض يملك الزمن، ويملك الآخرين. هنا يبدأ التاريخ بمعناه الطبقي. ليس التاريخ تاريخ أفكار عظيمة، بل تاريخ علاقات اجتماعية متناقضة، تتغيّر أشكالها وتبقى جوهرها: السيطرة على العمل الحيّ. في المجتمعات المشاعية الأولى، حيث كان الإنتاج محدودا، لم يكن الصراع الطبقي قد تبلور، لأن شروطه المادية لم تنضج بعد. لكن ما إن تطورت أدوات العمل، وبدأ الإنسان ينتج أكثر مما يستهلك، حتى تحوّل الفائض إلى لعنة تاريخية. لم يعد يوزّع جماعيا، بل صودر. وهنا، كما يقول إنجلز، “تبدأ كل أشكال عدم المساواة، ليس من الأخلاق، بل من الاقتصاد”. العبودية لم تكن انحرافا أخلاقيا، بل نظام إنتاج كامل. العبد لم يكن ضحية سادية سيده فقط، بل حجر الأساس لاقتصاد إمبراطوري. ثورات العبيد لم تكن احتجاجات يائسة، بل تعبيرا عن تناقض لا يمكن احتواؤه. فمجتمع يقوم على نفي إنسانية الأغلبية لا يستطيع أن يستمر إلى ما لا نهاية. سقوط روما لم يكن فقط بفعل الغزوات، بل بفعل تفسّخ علاقاتها الاجتماعية. الإقطاع بدوره لم يلغ الصراع، بل أعاد هندسته. الفلاح صار “تابعا”، مرتبطا بالأرض لا بالسوط، مقهورا باسم العرف والدين. هنا بلغت الأيديولوجيا ذروتها: الكنيسة لم تكن مجرد مؤسسة روحية، بل جهازا أيديولوجيا يشرعن الاستغلال. كما قال ماركس بوضوح قاس: “الدين زفرة المخلوق المقهور… وهو أفيون الشعوب”. ليس لأنه يخدعهم فحسب، بل لأنه يقدّم العزاء بدل التغيير. الرأسمالية جاءت كقوة تحطيم تاريخية. حطّمت الإقطاع، لا لأنها أكثر عدلا، بل لأنها أكثر قدرة على استخراج فائض القيمة. إنها، كما وصفها البيان الشيوعي، “قوّة ثورية دائمة”، لكنها ثورية في الهدم لا في التحرير. فصلت المنتج عن وسائل الإنتاج، وحوّلت العمل إلى سلعة. العامل لم يعد عبدا لشخص، بل عبدًا للسوق، وهو شكل أرقى وأقسى من العبودية. “ليس العامل من يشتري العمل، بل الرأسمالي من يشتري قوة العمل”، يقول ماركس، وهنا تكمن الخدعة الكبرى. الأجر لا يدفع قيمة العمل، بل تكلفة إعادة إنتاج العامل ككائن حيّ. أما القيمة التي ينتجها، فتنهب تحت اسم الربح. هذا هو جوهر الاستغلال الرأسمالي، الذي لا يحتاج إلى عنف مباشر، لأنه مدمج في القانون ذاته. الدولة الحديثة، خلافا لكل الأوهام الليبرالية، ليست حكما بين الطبقات، بل أداة تنظيم لهيمنة الطبقة السائدة. كما كتب ماركس في الثامن عشر من برومير: “السلطة التنفيذية ليست سوى لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية”. كل حياد مزعوم للدولة ينهار لحظة تهديد الملكية الخاصة. عندها تظهر الشرطة، المحاكم، الجيش، لا كضمان للقانون، بل كحراس للنظام الطبقي. ومع تطور الرأسمالية، لم يتلاش الصراع الطبقي، بل تعقّد. القرن العشرون شهد محاولات لاحتوائه: دولة الرفاه، النقابات المدجّنة، الديمقراطية التمثيلية. لكن هذه ليست حلولا، بل إدارات للأزمة. حين تتراجع الأرباح، تسحب التنازلات. هكذا ولد النيوليبرال: كإعلان حرب مفتوحة على الطبقات العاملة، باسم “الواقعية الاقتصادية”. اليوم، يراد للصراع الطبقي أن يدفن تحت ركام الهويات المجزأة. يقال للعامل: مشكلتك ليست الاستغلال، بل المهاجر، أو المختلف ثقافيا، أو “الكسول” الذي يعيش على الإعانات. هذه ليست صدفة، بل استراتيجية. فالبرجوازية، التي تمارس صراعها بوعي طبقي حاد، تحتاج إلى عمال بلا وعي، مشتتين، يقتتلون أفقيا بدل أن يواجهوا عموديا. لينين حسم هذه المسألة بوضوح: “بدون نظرية ثورية، لا يمكن أن تكون هناك حركة ثورية”. الوعي الطبقي لا يولد تلقائيا من المعاناة، بل من التنظيم، من الربط بين التجربة اليومية والبنية الكلية للنظام. الإضراب وحده لا يكفي، كما أن الغضب وحده لا يحرر. المطلوب هو تحويل الصراع الاقتصادي إلى صراع سياسي، أي إلى صراع على السلطة. محاولات إعلان “نهاية الصراع الطبقي” ليست سوى اعتراف بالعجز عن احتوائه. فالأزمات الدورية، تركز الثروة، تحطيم الخدمات العمومية، وتعميم الهشاشة، كلها شواهد حية على أن التناقض يتعمّق. الرأسمالية لا تحل أزماتها، بل تؤجلها وتصدّرها، حتى تنفجر في شكل حروب، فاشيات جديدة، أو كوارث اجتماعية. الصراع الطبقي ليس مسألة أخلاقية ولا نقاشا ثقافيا. إنه تناقض مادي بين العمل ورأس المال، بين الحياة كقيمة والاستغلال كنظام. كل يسار يتخلى عن هذا الجوهر، ويتحول إلى خطاب إصلاحي بلا أفق، إنما يخدم استقرار النظام الذي يدّعي نقده. كما قال روزا لوكسمبورغ: “من لا يتحرك، لا يشعر بسلاسله”. التاريخ لا يتقدم بالوعظ، بل بالصراع. والطبقات لا تتحرر بالنيات، بل بكسر علاقات الهيمنة. الصراع الطبقي ليس قدرا أبديا، لكنه واقع تاريخي لا يلغى إلا بإلغاء شروطه. وما دامت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج قائمة، وما دام العمل يستغل، فإن الصراع سيبقى، وسيبحث عن أشكاله، وعن لغته، وعن قواه القادرة على حمله. هذا النص ليس تأريخا محايدا، بل انحيازا واعيا. لأن الحياد في مجتمع طبقي هو انحياز للأقوى. الصراع الطبقي ليس ما نختاره أن نؤمن به، بل ما نجبر على عيشه. والسؤال ليس هل يوجد، بل: هل نمتلك الجرأة على تسميته، وفهمه، وتنظيم أنفسنا على أساسه؟ التاريخ لم يغلق. والطبقة العاملة، مهما جرى تفتيتها، ما زالت القوة الوحيدة القادرة على فتحه من جديد. لم يدخل الصراع الطبقي القرن الحادي والعشرين متأخرا أو منهكا، بل دخل وقد غيّر جلده، كما تفعل الرأسمالية دائما حين تشعر بالخطر. لم يعد الاستغلال مشهدا فظا في مصنع، ولا علاقة مباشرة بين سيّد وعامل، بل صار علاقة مجرّدة، موزّعة، مموّهة، تدار بالخوارزميات وتقاس بالبيانات وتشرعن بلغة “المرونة” و“الفرص” و“الاقتصاد الجديد”. لكن خلف هذا القناع التقني، تستمر الحقيقة ذاتها: رأس مال يبحث عن تعظيم فائض القيمة، وعمل يستنزف حتى آخر قطرة زمن. كما قال ماركس منذ القرن التاسع عشر: “الرأسمالية لا تهتم بطول حياة العامل، بل بطول يوم عمله.” وفي القرن الحادي والعشرين، لم يعد يوم العمل محددا بزمن، بل صار ممتدا على كامل الحياة. نحن نعيش اليوم في طور يمكن وصفه بدقة بـالرأسمالية الخوارزمية، حيث لم يعد ربّ العمل شخصا، بل نظاما. الخوارزمية لا تصرخ، لا تهدد، لا تعاقب علنا، لكنها تقصي، تنقص الأجر، تخفض التقييم، وتغلق الحساب. إنها سلطة بلا وجه، وهذا ما يجعلها أكثر فعالية. فكما نبّه ميشيل فوكو: “السلطة الأكثر نجاحا هي التي لا ترى.” العامل في هذا النظام لا يستغل فقط في عمله، بل في انتظاره، في توفّره الدائم، في قلقه المستمر من السقوط خارج المنصة. الزمن الذي كان يُسمّى سابقا “فراغا” صار زمنا احتياطيا للرأسمال. الحياة نفسها تحوّلت إلى ملحق بالإنتاج. كثيرون يتحدثون عن “طبقات جديدة” وكأن الصراع الطبقي قد ذاب في المجتمع الرقمي. لكن هذا الوصف يخفي أكثر مما يكشف. ما نشهده ليس تشكّل طبقات خارج منطق الصراع، بل تفكيكا متعمّدا للطبقة العاملة إلى شظايا: عامل حرّ، عامل مؤقت، عامل عن بعد، عامل بلا عقد، عامل مهاجر، عامل عاطل. هذا التفكيك ليس نتيجة طبيعية للتقدم التقني، بل سياسة واعية. فكما قال أنطونيو غرامشي: “الهيمنة لا تمارس بالقوة وحدها، بل بتفكيك القدرة على المقاومة.” العمال الهامشيون ليسوا هامش التاريخ، بل مختبره. فيهم تختبر الرأسمالية أشد أشكال الاستغلال تطرفا: أجر متقلب، حقوق معدومة، حماية اجتماعية منعدمة. إنهم ليسوا “استثناء”، بل نموذجا لما يراد تعميمه. الهشاشة ليست أزمة عابرة، بل أفقا يفرض. أما البطالة، التي طالما قدّمت كفشل فردي، فهي في الواقع ركن بنيوي من النظام. ماركس سمّاها بوضوح: الجيش الاحتياطي للعمل. وجود العاطلين ليس خطأ في الحسابات، بل أداة ضغط دائمة على العاملين. العاطل يستخدم لإخضاع العامل، والعامل يستخدم لتأديب العاطل. هكذا يدار الخوف، ويعاد إنتاج الطاعة. المهاجر، في هذا السياق، هو الشكل الأقصى للعامل المجرّد من الحماية. يستغل اقتصاديا، ويستخدم سياسيا كفزاعة. تلقى عليه مسؤولية البطالة، الضغط على الأجور، انهيار الخدمات، بينما هو في الحقيقة ضحية النظام ذاته. وكما كتب إيمانويل والرشتاين: “الرأسمالية نظام عالمي، لكنها تنتج تفاوتا منظّما بين المركز والهامش.” الهجرة ليست أزمة أخلاقية، بل نتيجة حتمية لهذا التفاوت. في هذا العالم، يقال لنا إن النقابات فقدت دورها. هذا صحيح جزئيا، لكنه مضلِّل إن قدّم كحقيقة نهائية. النقابات لم تفقد ضرورتها، بل فقدت قدرتها على تمثيل الواقع الجديد. لقد نشأت في زمن المصنع، حيث كان العمال مجتمعين في مكان واحد، يتقاسمون شروطا متشابهة. اليوم، العامل موزّع، معزول، يدار فرديا. الشكل القديم للتنظيم لم يعد كافيا، لكنه لم يصبح عديم القيمة. المشكلة ليست في النقابة كفكرة، بل في تحوّلها إلى جهاز: بيروقراطي، تفاوضي، مرتبط بالدولة، يطلب تحسين شروط الاستغلال بدل التشكيك فيه. هنا تتحقق مقولة روزا لوكسمبورغ القاسية: “من يكتفي بالإصلاح داخل النظام، يساهم في إطالة عمره.” تطوير التنظيم العمالي اليوم لا يكون بالحنين، بل بالقطيعة النقدية. أولا، يجب توسيع مفهوم العامل. العامل ليس فقط من يعمل، بل أيضا من يقصى عن العمل قسرا. ثانيا، لا تنظيم طبقي دون إدماج العمال الهامشيين والمهاجرين والعاطلين. كل تنظيم يستثنيهم هو تنظيم قابل للاختراق. ثالثا، يجب استخدام أدوات العصر دون الوقوع في وهمها: التنظيم الرقمي وسيلة، لا بديلا عن الفعل الجماعي. رابعا، الاستقلال الطبقي شرط وجود، لا شعار. النقابة التي تذوب في الدولة تفقد روحها. خامسا، لا بد من الربط الدائم بين النضال الاقتصادي والأفق السياسي. كما قال لينين: “الاقتصادوية تبقي العامل في حدود العبودية، والسياسة تفتح أفق التحرر.” الصراع الطبقي في القرن الحادي والعشرين لم يختفِ، بل صار أكثر عالمية وأقل وضوحا. رأس المال يعبر الحدود بلا قيود، بينما يلاحق العمل بالجوازات والأسلاك والخوف. هذه المفارقة ليست عرضية، بل جوهر النظام. وكما كتب ديفيد هارفي: “الرأسمالية تحل أزماتها بإنتاج أزمات أكبر.” اليسار اليوم أمام امتحان تاريخي: إما أن يفهم تحولات الصراع الطبقي، أو يتحول إلى خطاب ثقافي بلا أنياب. لا يكفي أن نلعن الخوارزميات، بل يجب أن نكشف علاقات الملكية التي تقف خلفها. لا يكفي أن ندافع عن العمال “التقليديين”، بل يجب أن نعيد بناء مفهوم الطبقة ذاته. الصراع الطبقي في زمن الخوارزميات هو صراع على الزمن، على الحياة، على المعنى. وهو لم يعد صراع فئة واحدة، بل صراع كل من تحوّل إلى فائض عن الحاجة في نظام لا يرى في الإنسان إلا موردا مؤقتا. وكما قال والتر بنيامين: “كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة بربرية.” هذا النص ليس تشخيصا محايدا، بل موقف. لأن الحياد في زمن الاستغلال المجرّد هو شكل من أشكال التواطؤ. الصراع الطبقي لم يمت، ولم يشيخ، ولم يتأخر عن موعده. هو هنا، الآن، يعمل بصمت، وينتظر من يسمّيه، وينظّمه، ويمنحه أفقا يتجاوز إدارة البؤس إلى كسر شروطه. لم يعد الصراع الطبقي اليوم محصورا في موقع العمل أو في معادلة الأجر والربح فقط، بل تمدّد، تشظّى، وتغلغل في كل ساحات الصراع المعاصر. من يظنّ أن النضال البيئي، أو الثقافي، أو الرقمي، أو النسوي، يمكن فهمه خارج البنية الطبقية، إنما يعيد إنتاج الوهم الليبرالي نفسه: فصل القضايا عن جذورها المادية. فالرأسمالية لا تستغل العمل فقط، بل تستنزف الطبيعة، وتستولي على المعنى، وتؤنث القهر، وتخضع المعرفة، وتحول التكنولوجيا إلى أداة ضبط. الصراع الطبقي، هنا، ليس “قضية بين قضايا”، بل هو الإطار الذي يربطها جميعا ويمنحها معناها التاريخي. في النضال البيئي، تقدّم الأزمة المناخية غالبا كمسألة أخلاقية أو تقنية: سلوكيات فردية، استهلاك مسؤول، انتقال طاقي “أخضر”. لكن هذا الخطاب يخفي الحقيقة الجوهرية: التدمير البيئي هو نتيجة مباشرة لمنطق التراكم الرأسمالي. كما كتب ماركس في رأس المال عن “الصدع الأيضي” بين الإنسان والطبيعة، فإن الرأسمالية تفصل الإنتاج عن شروط استدامته، وتتعامل مع الأرض كما تتعامل مع العامل: موردًا يُستنزف ثم يرمى. الأكثر تلوثا ليس الفقير، بل الصناعات الكبرى. الأكثر تضررا من الكوارث البيئية ليس من يربح منها، بل الطبقات الشعبية. هنا يتجلّى البعد الطبقي للأزمة البيئية بوضوح: من يدفع الثمن ليس من اتخذ القرار. كما قالت نعومي كلاين: “الرأسمالية لا تحل أزمة المناخ لأنها هي سببها.” النضال البيئي الذي لا يضع الصراع الطبقي في قلبه، يتحول إلى زينة خضراء لنظام أسود في جوهره. في النضال الثقافي، يبدو الصراع أقل مباشرة، لكنه لا يقل حدّة. الثقافة ليست حيّزا محايدا للإبداع، بل مجال صراع على المعنى. من يملك وسائل الإنتاج الثقافي ،المنصات، دور النشر، الإعلام، الخوارزميات ،يملك القدرة على تحديد ما يرى، وما يسمع، وما يعتبر “طبيعيا”. غرامشي فهم هذا مبكرا حين ربط الهيمنة بالثقافة، وقال إن الطبقة السائدة لا تحكم بالقمع فقط، بل بـ“القبول”. الثقافة السائدة ليست انعكاسا تلقائيا للمجتمع، بل بناء يخدم مصالح طبقية محددة. المثقف، في هذا السياق، ليس خارج الصراع، حتى حين يدّعي الحياد. إما أن يكون مثقفا عضويا مرتبطا بالطبقات الشعبية، أو يتحول إلى خادم ناعم للهيمنة. كما كتب بيير بورديو: “الحياد الثقافي وهم، لأن كل خطاب ينتج داخل علاقات قوة.” النضال الثقافي، إن لم يكن متصلا بالصراع الطبقي، يتحول إلى لعبة رمزية داخل صالونات مغلقة. أما النضال الرقمي، الذي يقدّم كفضاء تحرر مفتوح، فهو بدوره ساحة صراع طبقي مكتملة. الإنترنت لم يلغ السيطرة، بل أعاد تنظيمها. المنصات الرقمية ليست ساحات عامة، بل ملكيات خاصة تدار بمنطق الربح. البيانات هي شكل جديد من فائض القيمة، والمستخدم ليس “زبونا” فقط، بل عامل غير مدفوع الأجر ينتج المحتوى، والانتباه، والسلوكيات القابلة للبيع. كما قال شوشانا زوبوف في تحليلها لـ“رأسمالية المراقبة”: “التجربة الإنسانية نفسها صارت مادة خام.” الصراع الطبقي هنا يدور حول من يملك الخوارزمية، ومن يختزل إلى بيانات. النضال الرقمي الحقيقي ليس في حرية التعبير المجردة فقط، بل في معركة السيطرة على البنية التحتية للمعرفة والتواصل. في النضال النسوي، يتجلّى الصراع الطبقي بشكل مزدوج. اضطهاد النساء ليس فقط مسألة ثقافة أبوية، بل مرتبط ارتباطا عميقا ببنية الإنتاج. العمل المنزلي غير المدفوع، الرعاية، إعادة إنتاج قوة العمل، كلها أركان أساسية للنظام الرأسمالي. كما كتبت سيلفيا فيديريتشي: “الرأسمالية بنيت على جسد المرأة.” النسوية التي تفصل الجندر عن الطبقة تنتهي إلى تمثيل نخبوي: نساء في مواقع سلطة داخل نظام استغلالي لا يمسّ جوهر القهر. المرأة العاملة، المهاجرة، المعطّلة، تعيش اضطهادا مركّبا: كعاملة، وكامرأة، وكفرد بلا حماية. هنا لا يكون الحل في “تمكين فردي”، بل في تفكيك البنية التي تحتاج هذا الاضطهاد لتستمر. النسوية الطبقية لا ترى الصراع بين الرجال والنساء بمعزل عن الصراع بين العمل ورأس المال، بل تراه متداخلا ومترابطا. حتى النضالات التي تبدو “خاصة” أو “جزئية” ، كالحق في السكن، الصحة، التعليم، الجسد ، هي في جوهرها نضالات طبقية. من يحرم من السكن اللائق؟ من يترك للمستشفيات المنهارة؟ من يقصى من المعرفة؟ الإجابة واحدة، بأشكال مختلفة. كما قال ماركس في الأطروحات على فيورباخ: “المشكلة ليست في تفسير العالم، بل في تغييره.” وتغيير العالم لا يتم عبر نضالات معزولة، بل عبر وعي بوحدتها في إطار صراع واحد متعدد الوجوه. الصراع الطبقي اليوم ليس نقيضا للنضالات الأخرى، بل شرط تحررها من الاحتواء. من دونه، يتحول النضال البيئي إلى استثمار أخضر، والثقافي إلى استعراض، والرقمي إلى فقاعة، والنسوي إلى ترقية داخل الهرم ذاته. معه، تصبح هذه النضالات قوى متقاطعة تضرب في العمق. فاضافة مثل هذه “مواضيع” إلى الصراع الطبقي، تكشف امتداده الشامل. الصراع لم يعد فقط على المصنع، بل على الأرض، واللغة، والبيانات، والجسد، والزمن. وكل محاولة لفصل هذه الساحات عن جذورها المادية ليست سوى شكل جديد من أشكال نزع السلاح. الصراع الطبقي، اليوم، هو الاسم الحقيقي لوحدة هذه النضالات. ومن لا يراه كذلك، إنما يرى الأشجار ويعجز عن رؤية الغابة. في عالم يتفكك ظاهريا إلى قضايا متجاورة ونضالات متوازية، ويقدّم لنا كفسيفساء بلا مركز، يعود التحليل بمنطق الصراع الطبقي لا كحنين نظري، بل كضرورة تاريخية. لم يعد هذا التحليل مجرد أداة تفسير بين أدوات أخرى، بل صار النبراس الوحيد القادر على إضاءة هذا التشابك، والبوصلة التي تمنع الثوريين من الضياع في متاهة التفاصيل المعزولة. فحين تتكاثر المعارك، ويختلط العدو بالقناع، لا يبقى من معيار سوى السؤال الجوهري: من يملك؟ من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟ التحليل الطبقي اليوم لم يعد انتماء أيديولوجيا جامدا، بل شرطا للوضوح. بدونه، يتحول النضال البيئي إلى خطاب أخلاقي بلا أنياب، والنسوي إلى تمثيل نخبوي داخل هرم قائم، والرقمي إلى وهم تحرر تحت سيطرة المنصات، والثقافي إلى لعبة رمزية تدور داخل حدود الهيمنة. معه، تستعاد وحدة المعركة: تدمير الطبيعة، تسليع الجسد، نهب البيانات، تفكيك العمل، كلها وجوه لعملية واحدة هي إعادة إنتاج السيطرة الطبقية بأدوات متجددة. كما قال ماركس: “الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون، بل في ظروف معطاة.” هذه الظروف اليوم أكثر تعقيدا، لكنها أكثر فجاجة في آن. الرأسمالية لم تعد تخفي تناقضاتها، بل تعمّمها وتطلب منا التعايش معها. وهنا بالضبط يصبح الصراع الطبقي ليس مجرد توصيف، بل موقفا، واختيارا، وانحيازا واعيا. الثوري في القرن الحادي والعشرين ليس من يرفع كل الشعارات، بل من يمتلك القدرة على الربط. من يرى في العامل الهشّ، والمرأة المقهورة، والمهاجر المطارد، والبيئة المنهوبة، والمثقف المستلب، تعبيرات مختلفة عن تناقض واحد. هذا الربط لا يضعف النضالات الخاصة، بل يحميها من الاحتواء، ويمنحها أفقا يتجاوز إدارة الألم نحو كسر شروطه. كما نبّه أنطونيو غرامشي: “الأزمة تكمن في أن القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد بعد.” وفي هذا الفراغ، تنتشر الأوهام، الشعبويات، والهويات القاتلة. وحده التحليل الطبقي الصارم يمنح الثوريين أرضا صلبة يقفون عليها، لا ليحنّوا إلى الماضي، بل ليصوغوا المستقبل بأدوات العصر ووعي التاريخ. الصراع الطبقي اليوم ليس شعارا جامعا، بل منهجا شاملا. إنه ما يسمح بتمييز الجوهري من العرضي، والبنيوي من الظرفي، والتحرري من الإصلاحي. إنه ما يحوّل الغضب إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة تاريخية قادرة على الفعل. لهذا، فإن التحليل بمنطق الصراع الطبقي أضحى النبراس الذي يضيء الطريق، والبوصلة التي تحدد الاتجاه، في زمن تتكاثر فيه الطرق الوهمية. ليس لأنه يقدّم إجابات جاهزة، بل لأنه يطرح السؤال الصحيح دائما. ومن يملك السؤال الصحيح، يملك بداية الخروج من التيه، وبداية الفعل الثوري الحقيقي.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
-
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم
...
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
-
بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي
...
-
الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات
...
-
الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك
...
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
-
الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث
...
-
الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة
...
-
القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا
...
-
الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ
...
-
تونس الآن الآن ..
-
فنزويلا في قلب الصراع العالمي
-
الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا
...
-
قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال
...
-
أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا
...
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
-
بعد غزة… الضفة الغربية على صفيح النار: التهجير القسري والاست
...
-
الدّولة البوليسية المعاصرة
المزيد.....
-
استطلاع لـCNN يكشف عن موقف الأمريكيين من مساعي ترامب للتدخل
...
-
دول أوروبية ترسل قوات إضافية إلى غرينلاند مع تصاعد تهديدات ا
...
-
ما بين النعومة والتمرّد.. كيف عبّرت نجمات غولدن غلوب 2026 عن
...
-
بوتين يجري اتصالا هاتفيا مع نتنياهو وبيان يكشف ما بحثاه بشأن
...
-
بكين تعارض الاتفاق التجاري الأمريكي مع تايوان وتدعو إلى الال
...
-
أخبار اليوم: الشرع يزور ألمانيا الثلاثاء ويلتقي شتاينماير
-
ماذا نعرف عن الوجود العسكري الأمريكي والأوروبي في غرينلاند؟
...
-
حماس تدعم تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة.. ماذا عن سل
...
-
قطاع غزة: ترامب يعلن تشكيل مجلس السلام ودعمه لحكومة التكنوقر
...
-
استقالة رئيس الوزراء اليمني ومجلس القيادة الرئاسي يعين وزير
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|