أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....















المزيد.....

دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تروتسكي و1905: الثورة بوصفها سيرورة تاريخية قبل أن تكون انقساما فصائليا
قراءة ماركسية ثورية سريعة في المنشفية، السوفييت، والثورة الدائمة.

إن ثورة 1905 لا يمكن اختزالها في كونها “فشلا مبكرا” أو مجرد تمهيد تقني لثورة أكتوبر 1917، بل هي لحظة تاريخية كثيفة، متعددة الطبقات، شكّلت مختبرًا حقيقيا لإعادة صياغة الماركسية ذاتها في شروط عصر الإمبريالية. وفي قلب هذا المختبر تتحدد علاقة ليون تروتسكي بالثورة، لا كعلاقة منظّر لاحق بالأحداث، بل كعلاقة فاعل تاريخي استخلص من التجربة المباشرة قوانين حركة لم تكن قد تبلورت نظريا بعد.
لكن أي قراءة جدلية لـ1905 تقتضي شرطا أساسيا: تحريرها من الإسقاطات اللاحقة. فالتاريخ لا يقرأ من نهاياته، ولا يجوز تحويل ما ستؤول إليه التيارات بعد عقد أو عقدين إلى حكم أخلاقي أو سياسي على لحظة لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة. ومن هنا، فإن التعامل مع المنشفية في 1905 باعتبارها تيارا رجعيا أو إصلاحيا هو خطأ منهجي جسيم، لأنه يفرغ تلك اللحظة من طابعها الجدلي ويحوّلها إلى كاريكاتور صراعي مبسّط.

01: 1905: الماركسية في مواجهة واقع غير مسبوق:
دخلت روسيا ثورة 1905 وهي تشكّل حالة شاذة في التطور الرأسمالي: تخلف زراعي واسع، دولة استبدادية ما قبل برجوازية، إلى جانب جزر صناعية حديثة تتركز فيها طبقة عاملة فتية لكنها شديدة التنظيم والوعي. هذا ما وصفه تروتسكي لاحقا بـالتطور غير المتكافئ والمركّب، أي تراكب عناصر تاريخية مختلفة داخل بنية اجتماعية واحدة.
هذا الواقع لم يكن متوقعا في النماذج الكلاسيكية التي انطلقت منها الماركسية في القرن التاسع عشر. ماركس وإنجلز درسا الرأسمالية في لحظة صعودها التاريخي، حين كانت البرجوازية لا تزال قوة تقدمية، قادرة على تحطيم الإقطاع وبناء الدولة القومية. إنجلز كتب بوضوح أن البرجوازية كانت، في لحظة تاريخية معينة، “أكثر الطبقات ثورية في المجتمع”. هذا الحكم كان صحيحًا في سياقه، لكنه لم يعد صالحًا ميكانيكيًا في مطلع القرن العشرين.

02:المنشفية في 1905: ماركسيةكلاسيكية لا إصلاحية
المنشفية.
في 1905، لم تكن تيارا تصالحيا مع القيصرية، ولا جناحا يمينيا بالمعنى اللاحق. كانت تيارا ماركسيا صادقا، يستند إلى قراءة تاريخية تعتبر أن روسيا لم تنجز بعد مهام الثورة البرجوازية، وأن الاشتراكية لا يمكن أن تطرح إلا بعد تطور الرأسمالية، وتوسّع البروليتاريا، ونضج شروط الإنتاج.
هذا الموقف لم يكن خيانة، بل تطبيقا حرفيا تقريبا لما كتبه ماركس في نقد برنامج غوتا حين شدّد على أن «مرحلة من المجتمع لا يمكن تجاوزها إلا بعد استنفاد شروطها الموضوعية». كما أن المناشفة لم يرفضوا الثورة، ولم يعارضوا الإضرابات، ولم يقفوا ضد السوفييتات في نشأتها الأولى. على العكس، شارك كثير منهم في قيادتها، وكانوا جزء من الحركة الجماهيرية.
الخلاف إذن لم يكن بين ثوريين وإصلاحيين، بل بين قراءتين ماركسيتين: قراءة تفترض تعاقبا مرحليا صارما، وقراءة بدأت تلتقط أن هذا التعاقب نفسه قد اختلّ بفعل اندماج العالم في سوق رأسمالية واحدة.

03:تروتسكي: الثورة تسبق النظرية:
تميّز تروتسكي في 1905 بأنه لم يبدأ من نصوص مقدسة، بل من حركة الجماهير نفسها. قيادته لسوفييت بتروغراد وضعته في تماس مباشر مع سؤال السلطة، لا كسؤال نظري، بل كضرورة عملية. حين تنظم الطبقة العاملة الإضراب العام، وتنسّق الدفاع الذاتي، وتفرض ميزان قوى جديدًا في الشارع، فإن السؤال لم يعد: ما هي المرحلة؟ بل: من يحكم؟
السوفييت هنا لم يكن أداة ضغط على الدولة، بل نواة سلطة بديلة. هذا ما جعل 1905، في نظر تروتسكي، لحظة تجاوز عملي للمرحلية، لا بقرار إرادي، بل بقانون الحركة ذاته. روزا لوكسمبورغ عبّرت عن هذا المعنى حين قالت إن الإضراب الجماهيري «لا يُقرَّر، بل ينفجر من التناقضات العميقة للمجتمع».

04:لا تخوين، بل تجاوز جدلي:
من المهم التأكيد أن تروتسكي لم يصل إلى استنتاجاته عبر تخوين المنشفية أو نفي طابعها الثوري في 1905. بل إن خلافه معها كان تاريخيا لا أخلاقيا. فقد رأى أن المنشفية أسيرة نموذج تاريخي لم يعد موجودا، نموذج البرجوازية الصاعدة. بينما الواقع الروسي أظهر أن البرجوازية، المرتبطة بالرأسمال المالي العالمي، خائفة من الثورة أكثر من خوفها من القيصرية.
لينين نفسه سيقترب من هذا التحليل لاحقا، خصوصا بعد بلورة نظرية الإمبريالية. ففي الدولة والثورة سيؤكد أن الدولة ليست أداة حيادية، وأن البرجوازية، حتى في صيغها “الديمقراطية”، لا يمكن أن تكون حليفا استراتيجيا للبروليتاريا. لكن في 1905، لم يكن هذا الوعي قد نضج بعد بشكل كامل داخل الحركة البلشفية نفسها.

05:الثورة الدائمة: قانون حركة لا شعار
نظرية الثورة الدائمة، كما ولدت من 1905، لا تقول إن الاشتراكية ممكنة بقرار ذاتي في أي ظرف، بل تقول إن المهام الديمقراطية نفسها لا يمكن إنجازها إلا بقيادة الطبقة العاملة، وأن هذه القيادة، بحكم موقعها، لا تستطيع التوقف عند حدود الملكية البرجوازية. هنا تتقاطع النظرية مع مقولة ماركس في الصراع الطبقي في فرنسا: «كل ثورة تدفع الطبقات إلى تجاوز أهدافها الأولية».
“الدائمة” تعني أن الثورة لا تجزّأ زمنيا وفق مخطط مدرسي، بل تتطور وفق توازن القوى الطبقية، ووفق موقع البلد داخل النظام العالمي. كما تعني أن أي ثورة معزولة محكوم عليها بالاختناق، وهو ما يربط مباشرة بين 1905 والأممية، بين المحلي والعالمي.

06: 1905 كلحظة فرز داخل الماركسية.
إن القيمة التاريخية الكبرى لثورة 1905 تكمن في كونها لحظة فرز داخل الماركسية نفسها. لم تفرز بعد بين ثورة وثورة مضادة، بل بين ماركسية القرن التاسع عشر وماركسية القرن العشرين. المنشفية كانت التعبير الأكثر اتساقًا عن الأولى، وتروتسكي كان الجسر نحو الثانية.
ولهذا فإن إنصاف المنشفية في 1905 ليس مسألة نوستالجيا أو مصالحة تاريخية، بل ضرورة نظرية. لأنه يعلّمنا أن التيارات لا تولد مكتملة، وأن الثورة نفسها هي التي تدفع الفكر إلى تجاوز حدوده السابقة. وكما قال لينين: «النظرية تصبح قوة مادية حين تتجسد في الجماهير». و1905 كانت اللحظة التي بدأت فيها هذه القوة تتشكّل، بتناقضاتها، بأخطائها، وبعبقريتها أيضا.
بهذا المعنى، فإن تروتسكي و1905 لا يمثلان فقط فصلا في التاريخ الروسي، بل لحظة كونية في تطور الفكر الثوري، لحظة تقول إن الثورة لا تنتظر اكتمال الخرائط، بل ترسم خرائطها الخاصة في النار، وأن الماركسية، إن لم تتجدّد في قلب الصراع، تتحول من منهج تحرر إلى عقيدة جامدة.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ...
- الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث ...
- الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة ...
- القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا ...
- الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ ...
- تونس الآن الآن ..
- فنزويلا في قلب الصراع العالمي
- الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا ...
- قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال ...
- أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا ...
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ...
- بعد غزة… الضفة الغربية على صفيح النار: التهجير القسري والاست ...
- الدّولة البوليسية المعاصرة
- من مانهاتن إلى القصبة: حين تتكلم الأزمات بلغتين


المزيد.....




- انفجار كبير يهزّ وسط مدينة أوتريخت الهولندية: انهيار عدة مبا ...
- -خطوة في الاتجاه الصحيح-.. حماس تدعم تشكيل لجنة تكنوقراط في ...
- ما الدور الذي يلعبه -الموساد- في اضطرابات إيران؟
- كحل العيون... كيف صمد هذا التراث لآلاف السنين؟
- كلمة -انتفاضة- تقود ناشطا فرنسيا إلى المحاكمة
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين: ترامب طلب تجهيز ...
- إثيوبيا تصادر آلاف الطلقات وتتهم إريتريا بتسليح متمردين في أ ...
- وزير باكستاني: ترتيبات جارية لاتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا ...
- أرعدت الامبريالية الأمريكية في كاراكاس فهل تزبد في طهران؟
- مسؤول خليجي لـCNN: أربع دول عربية ساعدت في خفض التوتر بين أم ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....