|
|
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائمة، تاريخ إنساني طويل ضد الاغتراب.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 22:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست الاشتراكية ابنة قرن بعينه، ولا ثمرة عقل أوروبيّ صرف، ولا استثناء روسيا في مجرى التاريخ، بل هي الخيط الأحمر الطويل الذي يمتد من الإنسان الأول، حين واجه الطبيعة جماعيا كي يبقى حيا، إلى العامل المعاصر الذي يواجه الرأسمال المعولم كي يبقى إنسانا. إن الاشتراكية، قبل أن تكون نظرية أو برنامجا أو دولة، هي نزوع إنساني عميق نحو المشترك، نحو العدل، ونحو نفي الهيمنة. وكل محاولة لحصرها في جغرافيا أو زمن ليست سوى محاولة لقطع هذا الخيط، وإخراجها من التاريخ الحي. منذ الإنسان الأول، لم يكن الوجود ممكنا إلا عبر الجماعة. الصيد، الحماية، تقاسم الغذاء، تربية الأطفال، كلها كانت مشاعات طبيعية. لم يكن ذلك “وعيا اشتراكيا”، لكنه كان شرط البقاء. الملكية الخاصة لم تكن أصلا، بل طارئا تاريخيا. ومع تشكّل الفائض، بدأت أولى الانقسامات، وبدأ الصراع بين من يسيطر على الفائض ومن ينتجه. من هنا، لم يبدأ تاريخ الطبقات مع الرأسمالية، بل معها بلغ أقصى درجاته تعميما وتجريدا. في الحضارات القديمة، ورغم الطابع الطبقي الواضح، نجد دوما أشكال مقاومة كامنة لفكرة التملك المطلق. في بلاد الرافدين، كان للأراضي المشتركة حضور، وفي مصر القديمة ارتبطت الأرض بالنيل لا بالمالك الفرد، وفي الصين الكونفوشية كانت الجماعة أساس الاستقرار، وفي الهند القديمة ظهرت أفكار ترفض التكديس والاغتناء الفردي. هذه ليست اشتراكية، لكنها ذاكرة تاريخية للمشاع، ذاكرة لم تختفِ بل أُعيد قمعها مرارًا. حتى في الفلسفة اليونانية، التي كثيرا ما تستدعى لتبرير “أوروبا العقل”، نجد أفلاطون في “الجمهورية” يقترح إلغاء الملكية الخاصة للحكام والحراس، لا حبا بالمساواة، بل خوفا من الفساد. إنها اشتراكية نخبوية، طوباوية، لكنها تكشف أن فكرة الربط بين الملكية والظلم قديمة قدم التفكير السياسي نفسه. وفي المقابل، كانت ثورات العبيد، وانتفاضات الفلاحين، والهرطقات الدينية، كلها أشكالا بدائية من الصراع الاجتماعي، بلا نظرية جامعة، لكنها بلا وهم المصالحة. في العصور الوسطى، حيث تزاوجت الإقطاعية مع اللاهوت، لم تختف النزعة الاشتراكية، بل لبست ثوبا دينيا: حركات مساواتية، دعوات إلى الفقر الطوعي، نقد للاكتناز، وتمرد على سلطة الأرض والكنيسة معا. هذه الحركات كانت طوباوية، لأنها حلمت بالعدل دون أن تمتلك أدوات تغييره، لكنها كانت أيضا ثورية في نفيها للنظام القائم. الطوباوية هنا ليست شتيمة، بل مرحلة تاريخية للفكر الإنساني، حيث يسبق الحلم العلم. ومع بزوغ الرأسمالية، وانفجار المدن، وتحطيم البنى التقليدية، انتقلت الاشتراكية من الحلم الأخلاقي إلى سؤال اجتماعي ملحّ. الاشتراكيون الطوباويون في القرن التاسع عشر ، سان سيمون، فورييه، أوين ، لم يكونوا سذّجا، بل أبناء عصرهم. رأوا بوضوح بؤس العامل، ووحشية المصنع، ولاعقلانية السوق، فحلموا بمجتمعات بديلة، متناغمة، عقلانية. غير أن طوباويتهم لم تكن في الهدف، بل في غياب تحليل علمي للبنية التي ينتقدونها. لقد أرادوا إصلاح المجتمع دون كسر علاقات الإنتاج التي تنتج بؤسه. هنا، حدث التحول النوعي مع ماركس وإنجلز. الاشتراكية خرجت من دائرة النوايا الحسنة إلى ساحة العلم والصراع. لم يعد السؤال: كيف يجب أن يكون المجتمع؟ بل: لماذا هو على ما هو عليه؟ وكيف يتحرك؟ وما تناقضاته الداخلية؟ الماركسية لم تلغ الطوباوية بوصفها حلما، بل أعادت ربط الحلم بالتاريخ. الاشتراكية العلمية ليست نفيا للأخلاق، بل نفي لوهم تحقيقها خارج الصراع الطبقي. وكما كتب إنجلز: «الاشتراكية لم تعد اختراع هذا أو ذاك العبقري، بل التعبير النظري عن حركة تاريخية واقعية». منذ تلك اللحظة، لم تعد الاشتراكية فكرة عن المستقبل فقط، بل تحليلا للحاضر ونقدا للماضي معا. لم تعد تبحث عن “مجتمع فاضل”، بل عن شروط تحرير العمل من الاغتراب. ومع ذلك، لم تنقطع عن جذورها القديمة، بل أعادت قراءتها: المشاع الأول، الجماعة، التكافل، كلها عادت ولكن على مستوى تاريخي أعلى، لا كعودة إلى الوراء، بل كـتجاوز جدلي. روسيا، ثم الصين، ثم العالم المستعمر، لم “تستورد” الاشتراكية، بل التقت بها تاريخيا. فحيث تتكثف التناقضات، وحيث تنسدّ آفاق الإصلاح، وحيث تصبح الدولة أداة نهب، تعود الاشتراكية كضرورة. لكن كل تجربة، حين تحوّلت إلى نموذج مغلق، أو حين جمّدت في جهاز، خانت هذا التاريخ الطويل، وقطعت صلتها بجذورها الإنسانية. إن الاشتراكية، في معناها العميق، ليست مجرد نفي للرأسمالية، بل نفي لمسار كامل من تشييء الإنسان. هي استعادة للتاريخ بوصفه صنعا جماعيا، لا مسرحا لقلة مالكة. وهي، بهذا المعنى، تجمع بين الطوباوي والعلمي: الطوباوي لأنها ترفض العالم كما هو، والعلمي لأنها تفهم لماذا هو كذلك وكيف يمكن تغييره. من الإنسان الأول الذي تقاسم النار، إلى العبد الذي كسر القيود، إلى الفلاح الذي دافع عن أرضه، إلى العامل الذي باع قوته ليعيش، تمتد الاشتراكية كتاريخ غير مكتوب، تارة حلما، وتارة علما، لكنها دائما فعل مقاومة ضد تحويل الحياة إلى سلعة. الاشتراكية ليست وعدا نهائيا، بل ذاكرة إنسانية طويلة وأفقا مفتوحا، يذكّرنا أن ما صنع تاريخيا يمكن أن يغيّر تاريخيا، وأن الإنسان، مهما اغترب، لم يكفّ يوما عن الحلم بعالم يكون فيه شريكا لا مملوكا. فإذا كانت الاشتراكية قد ظهرت بوصفها خيطا تاريخيا طويلا يمتد من المشاع الأول إلى الاشتراكية العلمية، فإن الثورة الدائمة تمثّل بعدها الحركي، ذلك البعد الذي يمنعها من التحول إلى عقيدة مغلقة أو إلى نظام يكتفي بذاته. فالثورة الدائمة ليست إضافة خارجية على الاشتراكية، ولا مدرسة معزولة داخلها، بل هي التعبير الأوضح عن حقيقتها كعملية تاريخية لا تعرف الاكتمال. منذ أن وجد الاستغلال، وجدت المقاومة. لكن هذه المقاومة، في أغلب أطوار التاريخ، كانت تتخذ شكل الانفجار ثم الخمود. ثورات العبيد، انتفاضات الفلاحين، الحركات المساواتية الدينية، كلها كانت لحظات نفي للنظام القائم، لكنها كانت تفتقر إلى الاستمرارية، وإلى الربط بين التحرر الاجتماعي والتحول الشامل في بنية السلطة. الثورة الدائمة، في معناها العميق، هي القطيعة مع منطق اللحظة المعزولة، ومع وهم “الثورة الواحدة” التي تنجز كل شيء دفعة واحدة. حين دخلت الاشتراكية طورها العلمي مع ماركس، لم تطرح الثورة بوصفها مسألة تقنية، بل بوصفها مرحلة في صراع طويل. ماركس نفسه لم يتحدث عن الاشتراكية كنهاية للتاريخ، بل كنفي جدلي للرأسمالية، يحمل في داخله تناقضاته الخاصة. ولهذا كتب في “الثامن عشر من برومير”: «يصنع الناس تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون، بل في ظروف معطاة وموروثة من الماضي». هنا تكمن بذرة فكرة الثورة الدائمة: التاريخ لا يقف، والتناقضات لا تحل مرة واحدة، والتحرر لا يتحقق بمرسوم. ومع تطور الرأسمالية إلى نظام عالمي، صار من المستحيل تصور ثورة “مكتفية بذاتها”، معزولة عن محيطها، أو قادرة على تثبيت نفسها دون أن تواجه ضغط السوق العالمية، والحصار، والحرب، والارتداد الداخلي. الثورة الدائمة، كما بلورها تروتسكي في سياق الثورة الروسية (1905–1917)، لم تكن نظرية مجرّدة، بل قراءة لتناقض واقع محدد: برجوازية عاجزة عن إنجاز مهامها التاريخية، وطبقة عاملة مضطرة إلى حمل مهام ديمقراطية واجتماعية في آن واحد. لكن أهمية هذه الفكرة لا تكمن في سياقها الروسي فقط، بل في قانونيتها التاريخية العامة: كلما توقفت الثورة عند حدّ، أعادت القوى القديمة تنظيم نفسها، وكلما جمّدت التحولات الاجتماعية باسم “الاستقرار”، تحولت الدولة إلى قوة محافظة. إن الاشتراكية التي تفصل بين المراحل فصلا ميكانيكيا، وتؤجل العدالة الاجتماعية باسم “النضج”، تقع في فخ خطير: فخ تحويل الزمن إلى أداة للسلطة. الثورة الدائمة، في المقابل، تقول إن التحرر الوطني لا يكتمل دون تحرر اجتماعي، وإن الديمقراطية الشكلية لا معنى لها دون تفكيك علاقات الإنتاج، وإن السيادة السياسية وهم إن بقي الاقتصاد تابعا. بهذا المعنى، فإن الثورة الدائمة ليست تطرفا، بل واقعية تاريخية. و الثورة الدائمة لا تعني الفوضى ولا الاحتراق المستمر، بل تعني أن الاشتراكية لا يمكن أن تتحول إلى حالة ثابتة. إنها تعني النقد الدائم، والمراجعة الدائمة، وتوسيع المشاركة الشعبية، وربط السلطة بالمجتمع لا فصلهما. حين تتوقف الثورة، لا يتوقف التاريخ، بل يعمل ضدها. وحين تقمع الحركة باسم الحفاظ على “المكتسبات”، تتحول هذه المكتسبات نفسها إلى امتيازات طبقية جديدة. في هذا السياق، يمكن فهم كثير من أزمات التجارب الاشتراكية في القرن العشرين. لم يكن الفشل حتميا، ولم يكن سببه “الاشتراكية” بوصفها فكرة، بل انفصالها عن حركتها. حين تحولت الدولة إلى غاية، والحزب إلى وصي، والجماهير إلى موضوع تعبئة لا فاعل تاريخ، انكسر الرابط العضوي بين الاشتراكية والثورة. وهنا، لم تعد الاشتراكية مشروع تحرر، بل إدارة ندرة، أو دفاعا بيروقراطيا عن واقع قائم. في الجنوب العالمي، تأخذ الثورة الدائمة مضمونا أوسع. فهناك، لا يمكن فصل الصراع ضد الإمبريالية عن الصراع ضد الطبقات المحلية التابعة لها. ولا يمكن بناء اشتراكية “هادئة” في محيط رأسمالي عدواني. كل تجربة حاولت تجميد الثورة داخل حدود الدولة، دون توسيعها اجتماعيا وأمميا، وجدت نفسها إما محاصرة أو منقلبة على ذاتها. ولهذا، فإن الثورة الدائمة ليست خيارا أيديولوجيا، بل شرط بقاء. إن العلاقة بين الاشتراكية والثورة الدائمة هي علاقة الجوهر بالحركة. الاشتراكية هي الهدف، لكن الهدف نفسه يتغير ويتعمق مع التقدم. والثورة الدائمة هي الوعي بأن هذا الهدف لا يختزل في دستور، ولا في ملكية قانونية، ولا في جهاز دولة، بل في تحول مستمر لعلاقات القوة والإنتاج والوعي. الاشتراكية التي تخاف الحركة تتحول إلى ماض متحجّر، والثورة التي تنسى الهدف تتحول إلى انفجار أعمى. بينهما، تقوم الاشتراكية الحية: ذاكرة تاريخية طويلة، وحركة لا تتوقف، تدرك أن التحرر ليس لحظة، بل مسارا إنسانيا مفتوحا ما دام الظلم قائما، وما دام التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فبين الاشتراكية بوصفها حركة تاريخية لا تكتمل، كما تجلّت في مفهوم الثورة الدائمة، وبين الاشتراكية بوصفها جوابا جذريا على أزمات إنسان القرن الحادي والعشرين، تقوم ضرورة النضال الأممي لا كخيار أخلاقي، بل كقانون واقعي للصراع. فالإمبريالية اليوم لم تعد مجرد سيطرة عسكرية مباشرة، بل منظومة متكاملة: رأسمال مالي عابر للقارات، مؤسسات دولية تدير الإفقار باسم “الإصلاح”، حروب بالوكالة، وعنف صهيوني استيطاني يشكّل رأس حربة الرأسمالية المتوحشة في منطقتنا. أمام هذا البناء العالمي للاستغلال، لا يمكن لأي ثورة أن تعيش في عزلة، ولا لأي اشتراكية أن تحمي نفسها داخل حدود وطنية ضيقة. هنا تتبدّى الثورة الدائمة لا كإرث نظري من القرن العشرين، بل كـمنطق راهن للصراع الأممي. فالإمبريالية لا تتوقف عند هزيمة، ولا تعترف بـ“مراحل منتهية”، بل تعيد إنتاج ذاتها بأشكال جديدة: حصار اقتصادي بدل الاحتلال، ديون بدل المدافع، تطبيع بدل الحرب المباشرة. ولذلك فإن أي توقف للثورة، وأي تجميد للصراع الطبقي باسم الاستقرار أو السيادة الشكلية، يتحول موضوعيا إلى فرصة للارتداد الإمبريالي والصهيوني. الثورة الدائمة، بهذا المعنى، ليست دعوة إلى التصعيد الأعمى، بل وعي بأن التحرر الوطني والاجتماعي والديمقراطي مسار واحد غير قابل للتجزئة. في القرن الحادي والعشرين، حيث تتشابك سلاسل الإنتاج، وتتوحّد أدوات القمع، وتتقاطع معاناة العامل في المنصة الرقمية مع معاناة الفلاح المنزوع الأرض ومع شعب محتلّ، يصبح النضال الأممي هو الشكل الواقعي الوحيد لمواجهة الرأسمالية المتوحشة. إن فلسطين، في هذا السياق، ليست قضية “خاصة”، بل مرآة النظام العالمي كله: استعمار استيطاني مدعوم ماليا وعسكريا وإيديولوجيا من المركز الإمبريالي. والدفاع عنها، كما عن كل شعوب الجنوب، ليس تضامنا أخلاقيا، بل دفاع عن إمكانية المستقبل الإنساني نفسه. من هنا، تشكّل الثورة الدائمة الجسر الحي بين اشتراكية الحركة واشتراكية العصر: فهي التي تمنع تحويل التجارب إلى نماذج مغلقة، وتمنع اختزال النضال في حدود الدولة، وتربط كل معركة محلية بأفقها العالمي. وهي التي تقول لإنسان القرن الحادي والعشرين إن الإجابات ما تزال ممكنة، لا في التكيّف مع الهمجية، بل في توسيع الصراع ضدها، أمميا، ديمقراطيا، وجذريا. فكما أن الرأسمالية اليوم عالمية في توحشها، فإن الاشتراكية لا يمكن إلا أن تكون عالمية في مقاومتها، والثورة، ما دامت تحمل هذا الأفق، تظل دائمة، لأن الأسئلة التي تطرحها الإمبريالية والصهيونية لم تغلق بعد، ولأن الإنسان، ما دام يستغل ويقهر، لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فالاشتراكية اليوم تستمد قوتها من تاريخ طويل من الحركة الإنسانية ضد الاستغلال والاغتراب، ومن وعي الثورة الدائمة التي جعلت من النضال الاجتماعي لا قضية وطنية فحسب، بل قضية أممية مرتبطة بكل صراع ضد الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية. فإذا كانت الثورة الدائمة تربط بين التجارب المحلية وتضعها في إطار عالمي، فإن الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين تتخذ هذا المنطق بوصفه شرط البقاء والفعل الجذري. إن عالم اليوم يعيش أزمات متعددة الأوجه: اقتصاديات تنهار أمام تراكم الثروات في أيدي أقلية، طبيعة تتدمّر بفعل نمو لا محدود، مجتمعات تنهار أمام فوضى التكنولوجيا الرقمية، وديمقراطيات تتحول إلى واجهات رمزية بلا سلطة فعلية للشعوب. كل هذه الأزمات، المتشابكة بين المركز والهوامش، تجعل من النضال الأممي ضرورة حتمية. فالاستغلال اليوم ليس محليا، بل عالميا: رأس المال المالي، المنصات الرقمية، الحروب بالوكالة، التهجير القسري، الاستيطان الصهيوني، كلها أدوات منظومة واحدة تتطلب ردا أمميا متصلا، متواصلا، ودائم الحركة. في هذا السياق، لا تعود الاشتراكية مجرد أفق اقتصادي، بل تصبح مشروعا لإعادة تنظيم العالم على أساس العدالة والمشاركة والديمقراطية الحقيقية. الاشتراكية الحديثة تواجه تحديات جديدة: الملكية الاجتماعية للمعرفة والتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، مواجهة الرأسمالية الرقمية التي تختزل الإنسان إلى بيانات، وإعادة النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة التي باتت مهددة بأزمات مناخية وبيئية غير مسبوقة. كل هذه الملفات تؤكد أن الاشتراكية في هذا العصر ليست رفاها فكريا، بل شرط حياة للبشرية نفسها. سياسيا، يتضح أن الديمقراطية الشكلية غير كافية لمواجهة سيطرة رأس المال والسلطة المتشابكة مع الإمبريالية والصهيونية. الاشتراكية الحديثة، من هذا المنطلق، تتطلب إعادة بناء الديمقراطية من الأسفل، وربط السلطة بالمجتمع، وربط النضال الوطني بالنضال الأممي. الثورة الدائمة، في هذا الإطار، ليست شعارا أو نظرية قديمة، بل منطق راهن يفرض أن كل نضال محلي يتصل بصراع عالمي، وأن أي توقف أو تجميد للثورات المحلية يمكّن الإمبريالية من إعادة تنظيم نفسها وفرض سيطرتها. أما على مستوى الفرد والمجتمع، فإن اغتراب الإنسان في هذا القرن متعدد الطبقات: اغتراب عن العمل، عن الوقت، عن الذات، عن المستقبل، وعن المجتمع نفسه. هذه الأعراض ليست فردية بل نتاج النظام الرأسمالي المعولم، الذي يحوّل الإنسان إلى سلعة، ويقنن الحرمان باسم الربح. وهنا تكمن جدوى الاشتراكية كإطار جذري للفكر والعمل: إعادة الإنسان إلى مركز التاريخ، وإعادة تنظيم الإنتاج والعلاقات الاجتماعية بحيث تصبح الحياة مشتركة، والقرار ديمقراطيًا، والمعنى حاضرا. وفي الجنوب العالمي، حيث تتكثف التبعية والاستغلال، تصبح الاشتراكية بوصفها أفقا واقعيا مسألة بقاء لا رفاه فكري. الهشاشة الاجتماعية، البطالة البنيوية، نهب الموارد، الحروب بالوكالة، كلها تؤكد أن الاشتراكية الحديثة لا يمكن أن تفهم بمعزل عن النضال الأممي، ولا عن الثورة الدائمة التي تربط بين المقاومة المحلية ومقاومة الإمبريالية العالمية. إن اشتراكية القرن الحادي والعشرين، إذا، ليست نسخة من الماضي، بل تجاوز نقدي له، وأفقا جديدا يستوعب دروس التجارب السابقة ويواجه أزمات العصر. هي أقل طوباوية من الرأسمالية نفسها، لأنها تعترف بحدود العالم وكرامة الإنسان، وأشد جدية، لأنها تربط كل نضال محلي بضرورة الفعل الأممي المستمر. الاشتراكية اليوم، مدعومة بمنطق الثورة الدائمة، تظل الأفق الذي يربط بين الحركة التاريخية الإنسانية، وبين الإجابة الجذرية عن أزمات القرن الحادي والعشرين، وعن الإمبريالية والصهيونية الرأسمالية المتوحشة. إنها دعوة للمقاومة، للحركة، وللإبداع الاجتماعي والسياسي، لكي يكون الإنسان، في هذا العصر المضطرب، فاعلا لا مفعولا به، وصانعا لمصيره ومصير الإنسانية جمعاء. و في الخلاصة ، من الإنسان الأول الذي تقاسم النار والأرض، إلى الفلاح الذي دافع عن أرضه، إلى العامل في المصانع والمدن الرقمية، مرورا بالثورات التاريخية والاشتراكية العلمية، ووصولا إلى إنسان القرن الحادي والعشرين، تتكشف الاشتراكية كخيط متصل يجمع بين الحرية والعدالة والديمقراطية. لم تكن يوما مجرد فكرة، ولا نظاما جاهزا، بل حركة مستمرة، صراعا دائما، ووعيا يتطور مع التاريخ نفسه. الثورة الدائمة تعلمنا أن التحرر لا يكتسب دفعة واحدة، وأن أي توقف أو تجميد يتحول إلى فرصة للقوى الاستغلالية لإعادة إنتاج نفسها. النضال الأممي، اليوم، هو الضامن لهذا الاستمرار، لأنه يربط بين مقاومة الإمبريالية والصهيونية والرأسمالية المتوحشة، وبين حماية حقوق الإنسان، والبيئة، والحياة المشتركة على كوكب محدود الموارد. إن الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين، إذا ما أحسنا قراءتها وفهمها، تظل جوابا جذريا على الانهيارات الشاملة التي يعيشها العالم: جوابا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، الفرد بالمجتمع، المحلي بالعالمي. وهي تدعونا إلى تحمل المسؤولية التاريخية، والمثابرة في النضال، وعدم الاستسلام لأي قوة تحاول قمع إرادتنا المشتركة. الاشتراكية ليست ماض نعود إليه، ولا حلما بعيد المنال، بل أفق حي يعلّمنا كيف نعيد بناء عالم يكرّم الإنسان ويستعيد الأرض ويجعل المستقبل ممكنا للجميع. وهكذا، تبقى الاشتراكية حركة متجددة، وثورة دائمة، ونضالا أمميا، لأنها ببساطة الجواب الذي يحتاجه الإنسان منذ نشأته، وسيظل بحاجة إليه ما دام الظلم قائما والحياة معرضة للخطر.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
-
بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي
...
-
الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات
...
-
الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك
...
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
-
الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث
...
-
الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة
...
-
القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا
...
-
الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ
...
-
تونس الآن الآن ..
-
فنزويلا في قلب الصراع العالمي
-
الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا
...
-
قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال
...
-
أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا
...
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
-
بعد غزة… الضفة الغربية على صفيح النار: التهجير القسري والاست
...
-
الدّولة البوليسية المعاصرة
-
من مانهاتن إلى القصبة: حين تتكلم الأزمات بلغتين
-
السّرياليّة والسّرياليّة الثوريّة. من الحلم إلى التمرّد: في
...
المزيد.....
-
مسؤول خليجي لـCNN: أربع دول عربية ساعدت في خفض التوتر بين أم
...
-
-آي ويوي- يفتتح أول معرض فردي له في الهند
-
الولايات المتحدة: محكمة استئناف تلغي قرار إخلاء سبيل الناشط
...
-
هل تُصنع -لابوبو- على حساب الطفولة؟
-
-الصمود القطبي-.. خطوة أوروبية تواجه تصعيدا أميركيا في غرينل
...
-
اختراق كبير.. الجزيرة تنفرد بنشر تسريبات خطيرة لفلول الأسد
-
حرب أم استنزاف؟ قراءة عسكرية في التصعيد الإسرائيلي بلبنان
-
عاجل | نيويورك تايمز عن دبلوماسيين: دول عربية ضغطت على إدارة
...
-
أطباء وناشطون يدعون من أمام الكونغرس لإنقاذ غزة
-
عاجل | مصادر فلسطينية للجزيرة: اغتيال القيادي في كتائب القسا
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|