أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي















المزيد.....

الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 09:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تعيش الحركة النقابية اليوم أزمة تقنية في التسيير، ولا مجرد خلافات داخلية قابلة للاحتواء، بل تواجه امتحانا تاريخيا قاسيا: هل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها الأصلية في عالم تغيّرت فيه أشكال الاستغلال، وتحوّلت فيه السلطة من دولة وطنية إلى شبكة مصالح مالية عابرة للحدود؟ داخل هذا الامتحان، يقف الاتحاد العام التونسي للشغل في وضع حرج، لا بسبب ضعفه العددي أو تراجع حضوره الاجتماعي، بل بسبب انفصام عميق بين ما يملكه من قوة كامنة وما تنتجه قيادته من عجز.
العالم الذي ولد فيه الاتحاد لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. الرأسمالية بلغت طورا متقدما من التوحش، حيث لم يعد الإنسان مجرد مستغل في موقع الإنتاج، بل مادة خام يعاد تشكيلها، فرزها، وإقصاؤها وفق منطق السوق والخوارزميات. الحروب تدار بأدوات اقتصادية ومالية، والإبادة تسوّق أخلاقيا وإعلاميا، والحقوق الاجتماعية تقدّم كامتيازات قابلة للسحب. في مثل هذا السياق، لا تكون النقابة جهازا اجتماعيا، بل شرط بقاء، أو لا تكون.
ومع ذلك، لم ينجز الاتحاد المراجعة الضرورية لدوره وأدواته. لم يطرح بجدية معنى العمل في زمن الذكاء الاصطناعي، ولا مصير العامل في اقتصاد المنصات، ولا نزيف الكفاءات من الجنوب نحو مراكز الرأسمال، ولا إعادة تشكيل سوق الشغل بما يحوّل قطاعات واسعة إلى هامش دائم. بقي الخطاب النقابي متأخرا عن الواقع، فيما انكفأت القيادة إلى إدارة التوازنات الداخلية بدل خوض معركة العصر.
المفارقة أن الاتحاد لم يتراجع عدديا، بل توسّع. آلاف العمال وفئات من الطبقة الوسطى لجؤوا إليه بحثا عن حماية جماعية في زمن الانهيارات. لكن هذا الزخم لم يتحول إلى قوة نضالية منظمة، لأن القيادة تعاملت معه ككتلة صامتة لا كطاقة تغيير. لم تبن ثقافة نقابية جديدة، ولم تخض معركة الوعي داخل المنظمة، فصار الاتحاد هشا من الداخل، قابلا للاختراق، وسهل التوظيف في اتجاهات تناقض جوهره الطبقي.
في هذا الفراغ، تسللت إلى الهياكل قوى لا تؤمن أصلا بالعمل النقابي، أو تعتبره مجرد وسيلة للتموقع، أو ساحة لتصفية حسابات سياسية. ومع غياب الشفافية في المعطيات والانخراطات، وتحول المؤتمرات إلى طقوس شكلية، أُعيد إنتاج نفس النخب البيروقراطية عبر شبكات الولاء والمقايضة، لا عبر التفويض القاعدي والمحاسبة. لم تعد القيادة تفرز من القواعد، بل تصنّع فوقها.
وكان مؤتمر جويلية 2021 محطة فاصلة في هذا المسار. حين تعدّل القوانين لضمان الاستمرارية، ويفرغ التداول الديمقراطي من محتواه، تتحول المنظمة من أداة جماعية إلى جهاز مغلق. منذ ذلك التاريخ، دخل الاتحاد مرحلة ارتباك مزمن، فقد خلالها قدرته على المبادرة، وصار يتحدث بأصوات متعددة، ويصدر مواقف متناقضة، ويستهلك طاقته في صراعات داخلية منفصلة عن معاناة العمال اليومية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال أزمة الاتحاد في الهجوم الخارجي وحده. فالهجوم لا ينجح إلا حين يجد داخل المنظمة قابلية للانقسام، وخوفا من القواعد، وقيادة فقدت ثقتها في العمال وفي قدرتهم على خوض معركة حقيقية. القيادة الحالية، وفي مقدمتها أمينها العام، لم تعد تعبر عن لحظة تاريخية صاعدة، بل عن مرحلة دفاعية متآكلة، تخلط بين الحفاظ على المنظمة والحفاظ على المواقع، وتتعامل مع أي نقد باعتباره تهديدا لا فرصة للتصحيح. وقد بلغ هذا المنحى ذروته في ما بات يعرف داخل الأوساط العمالية بمسرحية الاستقالة: إعلان الأمين العام وأحد مساعديه الاستقالة قبيل انتهاء آجال إمضاء برقية الإضراب العام المقرر ليوم 21 جانفي، ثم التراجع عنها بعد انقضاء الآجال القانونية، في مشهد سمج يكشف استخفافا بإرادة الهياكل وبذكاء العمال. لم تكن تلك الخطوة فعل مسؤولية ولا تعبيرا عن أزمة ضمير، بل مناورة محسوبة لإجهاض إضراب عام أقرّته الهيئة الإدارية الوطنية، وتحويل قرار سيادي إلى ورقة تفاوض في الكواليس. هذه الواقعة، بما حملته من تلاعب بالآجال وبالشرعية الداخلية، كشفت عن صفقة نتنة أُبرمت مع السلطة لتحييد الاتحاد في لحظة اجتماعية حرجة، وكسر أداة الضغط العمالي الجماعي، مقابل ضمانات لا علاقة لها لا بمصالح العمال ولا بكرامتهم.
هذا الانحراف لم يبق دون كلفة. فقد استثمرته السلطة الشعبوية لمحاصرة الاتحاد وتحييده، كما استثمرته منظومة إعلامية خاضعة لرأس المال لشيطنة النقابات وتقديمها كعائق أمام “الاستقرار”، في حين أن هذا الاستقرار ليس سوى استقرار الاستغلال. لكن المسؤولية الأولى تبقى داخلية، لأن القيادة التي تخشى القواعد وتساوم على قراراتها، تفقد تلقائيا قدرتها على المواجهة.
ومع ذلك، لم يستنفد الاتحاد بعد. لأنه ليس بناية ولا قيادة ولا نصوصا قانونية، بل علاقة اجتماعية حية وتجربة تاريخية وفكرة تضامن. استعادته تمر حتما عبر القطيعة مع البيروقراطية، وإعادة الاعتبار للديمقراطية من أسفل، وربط النضال النقابي بمعارك السيادة والعدالة الاجتماعية والحرية. فالاتحاد إما أن يعود أداة في يد العمال، أو سيتحول إلى عبء عليهم.
التاريخ لا ينتظر المترددين.
والنقابة التي تتصالح مع العبث، تدفع ثمنه مضاعفا.
و في هذا الجو المشحون مطروح انجاز المؤتمر القادم للاتحاد العام التونسي للشغل لا كمحطة تنظيمية عادية، ولا استحقاقا دوريا يمكن التعامل معه بمنطق الإجراءات والروزنامات، بل هو ساحة صراع مفتوحة على مصير المنظمة نفسها: إمّا اتحاد مستقلّ، أو جهاز ملحق بالسلطة؛ إمّا أداة صراع اجتماعي، أو إدارة عمومية بلا أسنان.
هذا المؤتمر سيدخله الأمين العام المستقيل/الراجع، لا باعتباره قائدا مهزوما أو معزولا، بل مسلحا بما تبقّى من صفقة ضرب الاتحاد من الداخل. صفقة لم تغلق فصولها بعد، بل يجري استكمالها عبر أخطر آليات التدجين: إنتاج قيادة مهجّنة، لا تنتمي فعليا إلى الحركة العمالية، ولا تملك جرأة القطيعة مع السلطة، قيادة تقدّم في الخطاب كـ“توافقية” و“عاقلة”، لكنها في الجوهر وظيفية، مهمتها الأساسية سحب الاتحاد من موقعه التاريخي وإدخاله إلى حضيرة الحكم.
الرهان لم يعد على إسكات الاتحاد فقط، بل على إعادة تشكيله. سلطة اليوم لا تريد اتحادا معاديا، ولا حتى اتحادا قويا، بل اتحادا قابلا للإدارة، يمكن التفاوض معه داخل الحدود التي ترسمها هي، ويمكن توظيفه كغطاء اجتماعي لسياسات لا شعبية. ومن هنا تأتي خطورة المؤتمر: أن يتحول من فضاء سيادي للعمال إلى آلية دسترة للتدجين.
القيادة التي تسعى السلطة إلى إفرازها ليست قيادة انقلابية فجّة، بل قيادة رمادية، بلا ملامح صدامية، بلا خطاب طبقي واضح، ترفع شعارات “الاستقرار” و“المصلحة الوطنية” و“تفادي الفراغ”، بينما تفرغ هذه المفاهيم من محتواها الاجتماعي. إنها قيادة لا تفرض بالقمع، بل تنتج بالتوافقات، وبإرهاق القواعد، وباستثمار الانقسامات التي راكمتها البيروقراطية نفسها على مدى سنوات.
في هذا السياق، يصبح المؤتمر خطرا حقيقيا إذا دخل إليه بنفس الشروط المختلّة: نفس القوانين المنقّحة على المقاس، نفس الهياكل المشكوك في شرعيتها، نفس القواعد المغيّبة، ونفس منطق الصفقات الذي يدار في الغرف المغلقة. مؤتمر كهذا لن ينقذ الاتحاد، بل سيمنحه شهادة انتقال رسمي من منظمة مستقلة إلى جهاز تابع، حتى وإن احتفظ بالاسم والتاريخ والرموز.
ما يحضّر ليس فقط لإقصاء الأصوات الكفاحية، بل لإعادة تعريف “النقابي المقبول”: نقابي لا يربك السلطة، لا يلوّح بالإضراب العام، لا يربط الاجتماعي بالسياسي، ولا يتجاوز الخطوط الحمراء. نقابي يطلب منه إدارة الغضب لا تنظيمه، امتصاص الاحتقان لا تحويله إلى قوة ضغط، وتبرير التراجعات لا مقاومتها.
الخطر الأكبر أن يتم هذا التحول باسم “إنقاذ الاتحاد من الانقسام”، أو “حماية المنظمة من الاستهداف”، في حين أن الحقيقة معكوسة تماما: الاتحاد لا يحمى بتسليمه، ولا ينقذ بتجريده من سلاحه. الإضراب العام، الاستقلالية، الديمقراطية القاعدية، والقدرة على المواجهة، ليست مغامرات، بل شروط وجود.
لهذا، فإن معركة المؤتمر ليست تقنية ولا إجرائية، بل سياسية بامتياز. معركة على من يملك القرار داخل الاتحاد: العمال أم الوسطاء؟ القواعد أم الشبكات؟ النضال أم التسيير؟ وكل مؤتمر لا يعاد فيه الاعتبار لإرادة القواعد، ولا تكسر فيه الحلقة البيروقراطية، سيكون خطوة إضافية في مسار تحويل الاتحاد إلى إدارة اجتماعية ملحقة بالسلطة التنفيذية.
إما مؤتمر يعيد الاتحاد إلى موقعه الطبيعي كقوة مضادة للاستبداد والاستغلال،
وإما مؤتمر يدخله رسميا زمن التدجين.
وفي الصراعات التاريخية الكبرى، الحياد لا وجود له.
و لهذا منتظر ان لا يدخل الاتحاد العام التونسي للشغل مؤتمره القادم وهو موحّد أو حتى متماسك، بل وهو مثقل بانقسامات متراكمة، بعضها معلن وبعضها يدار في الظل، لكن أخطرها ذاك الذي تحوّل من عرض مرضي إلى آلية اشتغال. فالانقسام لم يعد خللا طارئا، بل صار جزء من طريقة إدارة المنظمة، وأداة لإعادة توزيع النفوذ، ولتعطيل أي مسار تصحيحي جذري.
داخل المكتب التنفيذي نفسه، لم تعد الخلافات سياسية أو مرتبطة باختلاف تقدير اللحظة، بل صارت صراعات مواقع صرفة. كل عضو تقريبا يتحرك كجزيرة مستقلة، يبني دوائره الخاصة، ويمسك بخيوط في الهياكل والقطاعات، لا بهدف بلورة خط نقابي بديل، بل لضمان موقعه في المعادلة القادمة. المكتب التنفيذي، في هذا الوضع، لم يعد قيادة جماعية، بل ساحة تنازع دائم، تدار فيها الخلافات بمنطق التسريب، والضغط المتبادل، وخلق توازنات هشّة تعطّل القرار ولا تنتجه.
هذا التفكك في قمة الهرم لم يبق محصورا هناك، بل انعكس على كامل البنية. فالقطاعات صارت امتدادات لصراعات القيادة، تحرّك أحيانا لا دفاعا عن مطالب عمالية محددة، بل كأوراق ضغط داخلية. وهكذا انفصل الفعل النقابي عن منطقه الطبيعي، وتحول من أداة صراع مع السلطة وأرباب العمل، إلى أداة تفاوض داخلية بين أجنحة متناحرة.
لكن الأخطر من صراعات القيادة هو ما يجري في ما يسمّى بـ“المعارضة النقابية”. فهذه الأخيرة، بدل أن تتحول إلى قوة تاريخية بديلة، قادرة على تقديم مشروع نقابي مختلف، سقطت هي الأخرى في فخ التشظي. معارضات متعددة، بلا إطار جامع، بلا برنامج حدّ أدنى، بلا قراءة موحّدة للأزمة. بعضها يعارض القيادة من داخل منطقها، وبعضها يكتفي بالشعارات، وبعضها الآخر يخلط النقد النقابي بالتصفية السياسية، فيفقد مصداقيته داخل القواعد.
هذا التشتت في المعارضة يخدم، موضوعيا، البيروقراطية التي تتقن لعبة التفريق. فحين تتعدد الأصوات دون أن تتوحد الرؤية، يصبح من السهل تحييد الجميع، واتهام الكلّ بالعجز أو “المغامرة”. وهكذا تستنزف الطاقات الكفاحية في صراعات جانبية، بينما يفرغ المركز من أي ضغط جدي لإجباره على التغيير.
أما على المستوى الجهوي، فقد بلغ التباين حدّ القطيعة السياسية غير المعلنة. لم تعد العلاقة بين المركز والجهات علاقة تكامل، بل علاقة شكّ متبادل. بعض الاتحادات الجهوية تشعر بأنها مهمّشة ومقصاة من القرار، وأخرى تستعمل كخزّان دعم ظرفي، حسب موازين القوى داخل القيادة. هذا الخلل البنيوي انفجر بوضوح بعد انعقاد مؤتمر الاتحاد الجهوي بصفاقس، في غياب شبه كلي للمركزية النقابية، وهو غياب لا يمكن اعتباره مجرد خلل بروتوكولي، بل رسالة سياسية ثقيلة المعنى.
صفاقس، بثقلها العمالي والتاريخي، لم تكن فقط مدينة تعقد فيها مؤتمر، بل كانت مرآة لأزمة المركز نفسه. غياب القيادة المركزية عن هذا الاستحقاق الجهوي كشف حجم الانفصال بين من يفترض أنهم يقودون الاتحاد ومن يعيشون يوميا تناقضات الصراع الاجتماعي. كشف أن المركز، في لحظات حاسمة، يختار الانكفاء أو الحسابات الضيقة بدل الحضور السياسي والتنظيمي.
هذا الواقع الجهوي المتفاوت ينذر بخطر مزدوج: من جهة، تفكك القرار النقابي الوطني، ومن جهة أخرى، صعود مراكز نفوذ جهوية قد تتحول، في غياب أفق جامع، إلى بدائل جزئية، تضعف الوحدة العمالية بدل تعزيزها. فالجهات لا يمكن أن تكون بديلا عن المركز، كما أن المركز لا يمكن أن يستمر في تجاهل الجهات.
في هذا المشهد المشظّى، تدخل السلطة على الخط كطرف مستفيد. فالاتحاد المنقسم، بقيادة متنازعة، ومعارضة مشتتة، وجهات متباعدة، هو اتحاد قابل للتطويع، سهل الاختراق، محدود القدرة على فرض موازين قوى. وهنا يتكامل التفكك الداخلي مع مشروع التدجين الخارجي: كل انقسام داخلي يترجم إلى ضعف تفاوضي، وكل صراع عبثي يترجم إلى خطوة إضافية نحو تحويل الاتحاد إلى كيان مدار لا مبادر.
معركة المؤتمر، إذن، ليست فقط معركة ضد صفقة أو قيادة، بل معركة ضد منطق الانقسام نفسه. إما كسر هذه الدينامية المدمّرة، وبناء وحدة كفاحية على أساس برنامج واضح وديمقراطية حقيقية، أو القبول بزمن اتحاد بلا مركز ثقل، بلا قرار سيادي، وبلا قدرة على المواجهة.
والمنظمات لا تسقط فقط بالقمع،
بل أيضا حين تتآكل من الداخل… باسم “الخلاف”.
إنّ الاتحاد العام التونسي للشغل لا ينقَذ بالحنين إلى تاريخه، ولا بالخطب الرنّانة، ولا بنداءات “الحكمة” و“التعقّل” التي تستعمل عادة لتبرير الشلل. إنقاذ الاتحاد اليوم فعل سياسي–نقابي صريح، يقتضي القطيعة لا التكيّف، والمواجهة لا الوساطة، والعودة إلى القواعد لا الاحتماء بالمكاتب.
ما يهدّد الاتحاد ليس فقط سلطة تسعى إلى تدجينه، بل أيضًا بيروقراطية داخلية قبلت ، عن وعي أو مصلحة ، أن تتحول إلى شريك في تحييده. لذلك، فإن أي حديث عن إنقاذ المنظمة دون ضرب هذا التحالف الموضوعي بين السلطة والبيروقراطية، ليس سوى وهم خطير.
الإنقاذ يبدأ من مبدأ بسيط: الاتحاد ملك لعمّاله، لا لقياداته. وكل تنظيم يفقد هذه البديهية يتحول إلى جهاز قابل للتوظيف. ومن هنا، فإن استعادة الاتحاد تمرّ عبر جملة من الإجراءات العملية، الواضحة، غير القابلة للتأجيل:
أولا، استعادة السيادة النقابية عبر القطيعة التامة مع كل أشكال التفاوض السرّي والصفقات السياسية. لا حوار خارج قرارات الهياكل، ولا تراجع عن قرارات سيادية أُقرّت ديمقراطيا، وعلى رأسها الإضراب العام باعتباره أداة ضغط لا ورقة مساومة. الاستقلالية ليست شعارا أخلاقيا، بل شرط وجود.
ثانيا، هدم البنية البيروقراطية من الداخل عبر فرض التداول الحقيقي على المسؤوليات، وتحديد العهد، ومنع التراكم المرضي للمواقع. لا يمكن لمن عمّروا في الكراسي أن يقودوا معركة تحرّر نقابي. الديمقراطية الداخلية هي السلاح الوحيد ضد التدجين.
ثالثا، إعادة الاعتبار للهيئات القاعدية بوصفها مصدر القرار لا مجرد خزّان تعبئة. كل مؤتمر، كل هيئة، كل قيادة، يجب أن تبنى من أسفل، على قاعدة تفويض واضح ومحاسبة فعلية. لا شرعية لمن لا يعود إلى عمّاله.
رابعا، بناء جبهة نقابية كفاحية داخل الاتحاد، لا تقوم على الأشخاص بل على برنامج حدّ أدنى واضح: استقلالية، ديمقراطية، نضال طبقي، وربط الاجتماعي بالسياسي دون ارتهان لأي سلطة. جبهة قادرة على توحيد المعارضات النقابية المتفرقة، وتجاوز نرجسيتها، وتحويل النقد إلى قوة تنظيمية.
خامسا، تحديث الفعل النقابي دون تفريغه من مضمونه الصراعي: استعمال التكنولوجيا للتنظيم والتواصل والتعبئة، لا لتحويل النقابة إلى منصة افتراضية بلا فعل. معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن معركة الأجور، والاتحاد الذي لا يفهم تحولات العمل والاقتصاد محكوم بالتهميش.
سادسا، التموقع الواضح ضد السلطة وسياساتها: لا حياد في الصراع الاجتماعي. السلطة التي تفقر، تقمع، وتقصي الأجسام الوسيطة، ليست شريكا، بل خصما. وكل اتحاد يتهرب من تسمية خصمه، يفقد بوصلته.
إنّ إنقاذ الاتحاد ليس مهمة الأمين العام، ولا المكتب التنفيذي، بل مهمة النقابيين الكفاحيين حيثما كانوا. هو معركة طويلة، لكنها معركة ضرورية، لأن البديل عن اتحاد مستقل وديمقراطي وكفاحي، ليس الاستقرار، بل الفراغ؛ وليس السلم الاجتماعي، بل انفجار اجتماعي بلا تنظيم.
الاتحاد إمّا أن يعود أداة في يد العمّال لمواجهة الاستغلال والاستبداد،
وإمّا أن يتحول إلى إدارة اجتماعية تابعة، توقّع على الهامش ما يقرّر في المركز.
وفي لحظات الانحطاط الكبرى،
لا تنقذ المنظمات بالانتظار…
بل بالفعل.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ...
- الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث ...
- الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة ...
- القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا ...
- الحرية والحريات في صراع الهيمنة: الشيوعية والنضال من أجل الإ ...
- تونس الآن الآن ..
- فنزويلا في قلب الصراع العالمي
- الحرية والمواطنة في مواجهة آلة القمع وبناء جدار الخوف... قرا ...
- قراءة في أحزاب اليسار الكلاسيكية، واليسار الثوري الحديث، وال ...
- أمريكا اللاتينية: المكسيك وكولومبيا وفنزويلا والبرازيل بين ا ...
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ...


المزيد.....




- مظلوم عبدي يعلن سحب قوات -قسد- من حلب إلى شرق الفرات والدفاع ...
- -أرادوه يومًا مظلمًا للإمارات-.. أنور قرقاش يشيد بـ-يوم العز ...
- غزة: بتعيين من ترامب...روبيو وبلير عضوان مؤسسان في -مجلس الس ...
- مباشر: مبارزة بين مصر ونيجيريا لانتزاع المركز الثالث في كأس ...
- سوريا: الجيش يدخل مناطق شرق حلب والشرع يصدر مرسوما يؤكد فيه ...
- سوريا مباشر.. الجيش السوري يدخل دير حافر بعد انسحاب قسد
- رئيسة فنزويلا المؤقتة تقيل أحد الموالين لمادورو
- الاحتلال يوسع نطاق سيطرته ويواصل النسف والتدمير بغزة
- مؤتمر ميونخ للأمن يلغي دعوة المسؤولين الإيرانيين
- فريد زكريا: هكذا رد العالم على أميركا غير الموثوقة


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي