أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغة الأمل في عالم مترابط















المزيد.....



الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغة الأمل في عالم مترابط


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 07:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد الثورة الدائمة، في زمننا هذا، فكرة قابلة للاستدعاء كما كانت، ولا صيغة نظرية تستخرج من القرن العشرين وتسقَط على حاضر تغيّرت فيه طبيعة السيطرة ذاتها. فالعالم الذي نواجهه اليوم ليس ذلك الذي وصفه ماركس حين كتب عن المصنع بوصفه مركز الاستغلال، ولا ذاك الذي حلّله لينين حين جعل من الدولة جهاز القمع المركزي، بل عالم باتت فيه السلطة أكثر انتشارا من الدولة، وأكثر نفاذا من القانون، وأكثر فعالية من القمع المباشر. عالم تدار فيه الحياة عبر الخوارزميات، ويعاد فيه تشكيل الوعي، والذوق، والزمن، والرغبة، قبل أن يتشكّل الموقف السياسي نفسه. وهنا تحديدا، لا تصبح الثورة الدائمة مجرد ضرورة سياسية، بل ضرورة معرفية وأخلاقية في آن.
حين قال ماركس إنّ البشر يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه في الظروف التي يختارونها، كان يشير إلى أنّ الثورة ليست فعل إرادة مجردة، بل صراع داخل شروط تاريخية محدّدة. لكن ما لم يكن مطروحا آنذاك هو أن تتحوّل هذه الشروط نفسها إلى بنية ذهنية تنتج الامتثال قبل أن يظهر الرفض. فالخوارزمية، بوصفها الشكل الأرقى للعقل الأداتي، لا تفرض أوامرها، بل تعيد ترتيب العالم على نحو يجعل الطاعة خيارا يبدو عقلانيا، والامتثال سلوكا طبيعيا، والتمرّد ضربا من اللامعقول. هنا تصبح الهيمنة، كما قال غرامشي، هيمنة ناجحة لأنها لا تحتاج إلى عنف دائم، إذ يكفي أن تستقر في الوعي بوصفها منطق الأشياء.
في هذا السياق، يتغيّر معنى الثورة الدائمة جذريا. لم تعد تعني انتقالا غير متوقف من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بل تعني صراعا لا ينقطع ضدّ آليات إعادة إنتاج السيطرة، مهما تغيّرت أشكالها، ومهما ارتدت من أقنعة. فالمرحلية التي حذّر منها تروتسكي لم تختف، بل عادت في صورة أكثر مكرا، إذ لم تعد تعلن بوصفها مرحلة سياسية واضحة، بل تمارَس كزمن مؤجّل بلا نهاية، وكإدارة دائمة للممكن، وكإقناع جماعي بأنّ أقصى ما يمكن فعله هو التكيّف الذكي مع الواقع. وهذا ما يجعل من الثورة الدائمة، اليوم، رفضا جذريا لفكرة أنّ هناك سقفا نهائيا يمكن القبول به، أو لحظة يعلّق عندها الصراع باسم الاستقرار أو الواقعية.
الواقعية نفسها تحوّلت إلى أداة أيديولوجية. لم تعد تعني قراءة موازين القوى كما هي، بل تعني الخضوع المسبق لها، والقبول بمنطقها، والتفكير داخل حدودها. وهنا تستعيد مقولة روزا لوكسمبورغ معناها الحاد: من يختار الإصلاح بدل الثورة لا يختار طريقا أبطأ، بل طريقا آخر. ففي زمن الخوارزميات، لا يكون الإصلاح خطوة في اتجاه التحرّر، بل غالبا جزء من آلية امتصاص الغضب وإعادة إدماجه في النظام. الثورة الدائمة، إذا، لا تعني رفض الإصلاحات الجزئية، بل رفض تحويلها إلى غاية، ورفض التعامل معها بوصفها نهاية التاريخ.
ولأن الهيمنة لم تعد تتمركز في جهاز واحد، فإنّ الصراع الطبقي نفسه لم يختف، بل تغيّر موضعه. لم تعد الطبقة العاملة صورة نمطية لعامل مصنع محدّد، بل صارت كتلة متشظّية من الذوات المستنزفة، التي تعمل بلا استقرار، وتراقب بلا توقف، وتستغلّ ليس فقط في وقت العمل، بل في وقت الفراغ، وفي الانتباه، وفي العاطفة. وهنا يصبح ما قاله ماركس عن اغتراب الإنسان أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأنّ الرأسمالية اليوم لا تسرق فائض القيمة فقط، بل تسرق الزمن، والقدرة على التخطيط، والحق في المستقبل. الثورة الدائمة في هذا السياق ليست استدعاء رومانسيا للطبقة، بل عملية تاريخية لإعادة تركيب الوعي الطبقي داخل هذا التفكك المقصود، وربط التجارب المعزولة في أفق مشترك.
من هنا، فإنّ الثورة الدائمة تبدأ قبل لحظة المواجهة المباشرة، تبدأ في نقد أنماط التفكير، وفي تفكيك اللغة، وفي استعادة القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها. إنها صراع على المعنى بقدر ما هي صراع على السلطة.
وهنا يظهر سؤال التنظيم، لا بوصفه مسألة تقنية، بل بوصفه سؤالا سياسيا وأخلاقيا في العمق. فالخضوع لوهم العفوية المطلقة لا يقلّ خطرا عن الخضوع لمركزية متحجّرة. العفوية، حين لا تراكم وعيا ولا تنتج قرارا، تتحوّل إلى أداة في يد النظام، تستهلك الغضب دون أن تهدّد البنية. ولينين، حين شدّد على ضرورة التنظيم والنظرية، لم يكن يدافع عن سلطة فوقية، بل عن شرط تاريخي لتحويل السخط إلى قوة تغيير. غير أنّ التنظيم نفسه، في زمن الخوارزميات، لا يمكن أن يكون نسخة مكرّرة من الماضي، بل يجب أن يكون تنظيما واعيا بمخاطر إعادة إنتاج الهيمنة داخله، تنظيما يقبل النقد، ويجعل من المراجعة جزء من قوّته، لا علامة على ضعفه.
ومن دون هذا الوعي النقدي، يتحوّل اليسار نفسه إلى جزء من المشكلة. حين يشيخ الخطاب دون أن يشعر، وحين تتحوّل المفاهيم إلى شعارات محفوظة، وحين يعاد تدوير الهزيمة بوصفها نضجا سياسيا، يصبح اليسار حارسا لحدود الممكن بدل أن يكون كاسرا لها. وهنا يستعيد قول غرامشي ثقله: الأزمة ليست فقط في أن القديم يموت والجديد لا يولد، بل في أن القديم يصرّ على البقاء متنكّرا في أشكال جديدة. الثورة الدائمة، في هذا المعنى، هي قطيعة مستمرة مع اليسار حين يتحوّل إلى تقليد، وحين يخاف من نقد ذاته خوفه من نقد النظام.
وفي قلب كل ذلك، يبقى الزمن ساحة الصراع الأعمق. فالرأسمالية الرقمية لا تكتفي بالسيطرة على الموارد، بل تعيد تشكيل الإحساس بالوقت، تسرّعه، تفتّته، تحوّله إلى لحظات منفصلة بلا أفق. الثورة الدائمة، هنا، هي استعادة الزمن التاريخي، الزمن الذي تحدّث عنه والتر بنيامين حين رأى في اللحظة الثورية انقطاعا في استمرارية القهر، وفتحا لإمكان لم يكن مرئيا. ليست الثورة وعدا فوريا بالنصر، بل فعل إصرار طويل على إبقاء هذا الإمكان مفتوحا.
هكذا، تصبح الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين موقفا تاريخيا متواصلا، رفضا دائما لتحويل الهيمنة إلى طبيعة، والهزيمة إلى حكمة، والخوارزمية إلى عقل. إنها التزام عنيد بأن الإنسان لا يختزل إلى بيانات، ولا تختصر حياته في وظائف، ولا يقاس مستقبله بما تسمح به السوق. إنها، في جوهرها العميق، ما قصده ماركس حين دعا إلى تغيير العالم لا تفسيره فقط، ولكن مع وعي جديد بأنّ العالم اليوم لا يفسّر بالكلمات وحدها، بل يُدار بالبنى الخفيّة التي لا تُرى إلا لمن قرّر أن لا يتكيّف معها.
وإذا كان من الضروري اليوم أن يعاد تعريف الثورة الدائمة، فإنّ ذلك لا يتم فقط عبر توصيف العدوّ الجديد، بل عبر مساءلة البنية الذهنية التي تشكّلت داخلنا بفعل هذا العدوّ. فالرأسمالية الخوارزمية لا تكتفي بإنتاج عالم خارجي من السيطرة، بل تنتج داخل الأفراد نموذجا للذات يتماهى مع منطق السوق، ويقيس نفسه بمعايير الإنتاجية، والكفاءة، والظهور، والقبول. هنا يصبح الإنسان، كما حذّر هربرت ماركوزه، كائنا أحادي البعد، لا لأنّ الخيارات اختفت، بل لأنّ الخيال نفسه جرى تطويقه، ولأنّ ما يبدو تعدّدا ليس سوى تنويعات داخل القالب ذاته. الثورة الدائمة، في هذا المستوى، ليست فقط صراعا سياسيا، بل تحرير للخيال من أَسر الممكن المبرمج، وكسر لذلك الأفق الضيّق الذي يجعل من الرأسمالية قدرا ذهنيا قبل أن تكون نظاما اقتصاديا.
وفي هذا الإطار، تكتسب مسألة الوعي موقعا مركزيا جديدا. فالوعي لم يعد مجرّد انعكاس للوجود الاجتماعي كما في الصياغات الكلاسيكية، بل صار هو نفسه مجالا يستثمر ويدار ويعاد إنتاجه صناعيا. الإعلام، والمنصّات، واقتصاد الانتباه، كلّها تحوّلت إلى أجهزة لإعادة تشكيل الإدراك. وكما أشار لوكاتش في حديثه عن التشييء، فإنّ أخطر ما في الرأسمالية ليس فقط تحويل العلاقات إلى سلع، بل تحويل الوعي ذاته إلى شيء، إلى كيان يدار ويقاس ويوجّه. الثورة الدائمة، هنا، تصبح صراعا ضدّ تشييء الوعي، وضدّ اختزال التفكير إلى استجابة، والمعرفة إلى محتوى، والسياسة إلى رأي سريع الاستهلاك.
ومن هذا العمق، يتّضح أنّ الهيمنة لم تعد تفرض نفسها فقط عبر مؤسسات الدولة، بل عبر ما يمكن تسميته بالبنية الاجتماعية للخضوع. فالناس لا يقهرون دائما بالقوة، بل يعاد تشكيلهم بحيث يرون في القهر شكلا من أشكال النظام، وفي النظام شكلا من أشكال العقلانية. هنا يستعيد فوكو معناه الكامل حين نبّه إلى أنّ السلطة الحديثة لا تعمل أساسا عبر المنع، بل عبر إنتاج الحقيقة. الحقيقة نفسها تصبح ميدان صراع، وما يقدّم بوصفه معرفة محايدة يكون في كثير من الأحيان أداة لإعادة إنتاج النظام. الثورة الدائمة، في هذا المستوى، ليست فقط مواجهة سلطة سياسية، بل مواجهة نظام معرفة كامل، وتفكيك العلاقة بين ما يقال إنه علمي وما يمارس بوصفه هيمنة.
وفي هذا السياق، لا يعود الحديث عن الطبقة مجرّد توصيف اقتصادي، بل يصبح تحليلا لطرق إنتاج الذوات داخل الرأسمالية المتأخرة. فالاستغلال لم يعد يقع فقط في لحظة العمل، بل في لحظة التكوين النفسي نفسه. الرغبات، الطموحات، معايير النجاح، جميعها تصاغ داخل بنية تجعل من التكيّف فضيلة، ومن الاعتراض عبئا نفسيا، ومن المقاومة مصدر قلق. وهنا يتقاطع التحليل الماركسي مع التحليل النقدي النفسي والاجتماعي، حيث تصبح الثورة الدائمة أيضا عملية تفكيك للذات المستعمرة من الداخل، ذات تعلّمت أن ترى في فشل النظام فشلا شخصيا، وفي التهميش عيبا فرديا، لا نتيجة بنية تاريخية.
ومن هذا العمق، تتّخذ مسألة التنظيم معنى جديدا أيضا. فالتنظيم لم يعد فقط وسيلة لتجميع القوى، بل فضاء لإعادة إنتاج ذات جماعية قادرة على كسر العزلة التي تفرضها الرأسمالية الرقمية. العزلة اليوم ليست غياب الاتصال، بل فائض الاتصال الذي يمنع التراكم، ويحوّل كل تجربة إلى لحظة عابرة بلا ذاكرة. التنظيم، في هذا السياق، هو بناء ذاكرة جماعية، وبناء زمن طويل داخل زمن مجزّأ. وهو، بهذا المعنى، ليس فقط أداة سياسية، بل أداة لتحرير الزمن من هيمنة الإيقاع الرأسمالي، واستعادة القدرة على التخطيط التاريخي.
ومن دون هذا البعد الزمني، تتحوّل الثورة إلى انفجار بلا أفق، أو إلى احتجاج دائم بلا تحوّل نوعي. وهنا يستعيد قول بنيامين حول كسر استمرارية الزمن معناه الجذري: الثورة ليست استمرارا للتاريخ، بل انقطاعا في منطقه. لكن هذا الانقطاع لا يصنع من فراغ، بل من تراكم طويل من الوعي والتنظيم والنقد الذاتي. الثورة الدائمة، إذا، ليست نقيض الصبر، بل نقيض الصبر الذي يتحوّل إلى انتظار سلبي، وهي نقيض الاستعجال الذي يتحوّل إلى استهلاك سياسي.
وفي هذا المستوى الأعمق، تصبح الثورة الدائمة أيضا سؤالا أخلاقيا. ليست فقط مسألة من يحكم، بل كيف نعيش، وكيف نفهم ذواتنا، وكيف نرفض أن تتحوّل الحياة إلى وظيفة، والعلاقات إلى شبكات نفعية، والمعنى إلى قيمة سوقية. هنا تلتقي الماركسية النقدية مع الفلسفة الوجودية الثورية، حيث لا يعود التحرّر مجرّد تغيير في البنية، بل إعادة تعريف لما يعنيه أن يكون الإنسان إنسانا داخل تاريخ يراد له أن يدار لا أن يُصنع.
وهكذا، يتّسع مفهوم الثورة الدائمة ليشمل الصراع ضدّ اختزال الإنسان إلى رقم، وضدّ تحويل المجتمع إلى منصة، وضدّ إعادة تعريف السياسة بوصفها إدارة للانتباه بدل أن تكون صراعا على المصير. إنها ليست فقط استمرارا للثورة، بل استمرار للقدرة على التفكير ضد التيار، والقدرة على تخيّل ما لا تسمح به الخوارزميات، والقدرة على الإصرار على أنّ التاريخ لم يغلق، وأنّ ما يقدّم بوصفه نهاية هو في الحقيقة شكل جديد من أشكال السيطرة.
وإذا كانت الثورة الدائمة قد ولدت، تاريخيا، كرفض لتجميد الصراع عند حدود بعينها، فإنّ معناها اليوم يتضاعف، لأنّ التجميد لم يعد يفرض فقط سياسيا، بل يزرع في الوعي، وفي اللغة، وفي الإحساس بالزمن. الثورة الدائمة، في أقصى عمقها، هي مقاومة هذا التجميد الداخلي، مقاومة التحوّل إلى كائن مدار، وإصرار على أن يبقى الإنسان فاعلا تاريخيا، لا مجرّد متلقّ لمسارات لم يخترها.
وحين نذهب أبعد في هذا المسار، يتبيّن أن الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين لا يمكن فهمها إلا بوصفها صراعا ضدّ إغلاق التاريخ نفسه. فالرأسمالية الخوارزمية لا تعمل فقط على استغلال العمل أو تنظيم السوق، بل على إنتاج سردية كبرى تقول إنّ العالم قد بلغ شكله النهائي، وإنّ ما بقي ليس سوى تحسينات تقنية داخل بنية لا بديل لها. هذه السردية، التي لبست يوما خطاب “نهاية التاريخ”، لم تختفِ، بل تحوّلت إلى ممارسة يومية تزرع في التفاصيل الصغيرة للحياة، في طريقة العمل، في نمط الاستهلاك، في الإحساس بالوقت، وفي العلاقة بالذات. وهنا تصبح الثورة الدائمة مقاومة لهذا الإغلاق، إصرارا على أنّ التاريخ ليس مسارا تقنيا، بل حقل صراع مفتوح، وأنّ ما يبدو مستقرا ليس إلا نتيجة توازن قوى مؤقت.
فالهيمنة اليوم لا تمارس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل من الداخل إلى الخارج. الإنسان لا يجبر فقط على الطاعة، بل يعاد تشكيله بحيث يرى في الطاعة عقلانية، وفي التكيّف فضيلة، وفي الاعتراض تهديدا للاستقرار النفسي. هنا تستعيد تحليلات فوكو حول “حكومية الذات” معناها الكامل، لأنّ السلطة لم تعد بحاجة إلى مراقبة الجميع خارجيا، طالما أنّ الأفراد تعلّموا مراقبة أنفسهم، وتقييم أدائهم، ومحاسبة ذواتهم وفق معايير السوق. الثورة الدائمة، في هذا العمق، ليست فقط تمرّدا على سلطة خارجية، بل تفكيكا طويلا لهذه الرقابة الداخلية، تحريرا للذات من صورتها كـ«مشروع فردي» مسؤول عن كل شيء ومعزول عن كل شيء.
ومن هذا المنظور، لا يعود الحديث عن الاغتراب مجرد مفهوم كلاسيكي، بل يصبح مفتاحا لفهم الوضع المعاصر. الاغتراب اليوم لا يعني فقط انفصال العامل عن نتاج عمله، بل انفصال الإنسان عن تجربته الحيّة، عن إحساسه بزمانه، وعن قدرته على رؤية نفسه كجزء من تاريخ جماعي. الرأسمالية الرقمية تنتج بشرا مشغولين دائما، متصلين دائما، لكنهم منفصلون عن ذواتهم وعن الآخرين في آن واحد. وكما أشار ماركوزه، فإنّ القمع الحديث لا يعمل عبر الحرمان، بل عبر الإشباع الموجّه، حيث تمنح الرغبات ما يكفي لإبقائها داخل النظام، دون أن تتحوّل إلى قوة نفي حقيقية. الثورة الدائمة، هنا، هي استعادة القدرة على النفي، على قول لا، لا بوصفها موقفا أخلاقيا مجردا، بل بوصفها فعلا تاريخيا يفتح إمكانا آخر.
وهنا تتّضح مركزية مسألة الخيال السياسي. فالخوارزمية لا تضبط فقط ما نراه، بل ما نستطيع تخيّله. إنها تعيد إنتاج الممكن، لا عبر القمع، بل عبر الإشباع الانتقائي، فتجعل من كل بديل جذري أمرا غير قابل للتصوّر. وهذا ما يجعل الثورة الدائمة، في بعدها الأعمق، تحريرا للخيال من هذا الأسر، إعادة فتح الأفق الذي أُغلق عمدا. فالخيال شرط لكل تغيير تاريخي. وحين يقتل الخيال، كما نبّه بنيامين، يتحوّل البشر إلى ورثة صامتين للهزيمة، لا إلى صانعي قطيعة.
وفي هذا السياق، يصبح التنظيم الثوري أكثر من مجرد أداة سياسية، بل فضاء لإعادة تعلّم الجماعية في عالم ينتج الأفراد المعزولين. فالتشظّي الذي تفرضه الرأسمالية الرقمية ليس صدفة، بل شرطا لاستمرارها. كل فرد مطالب بأن يكون مشروعا مستقلا، علامة تجارية صغيرة، مسؤولا عن فشله ونجاحه، بينما تخفى البنية التي تنتج هذا الفشل بشكل منهجي. التنظيم، هنا، هو كسر لهذا الوهم، إعادة ربط التجربة الفردية بالسياق الاجتماعي، وبناء وعي لا يقوم على الشكوى، بل على الفهم والتحليل والمواجهة. لكنه تنظيم لا يمكن أن يكون سلطويا أو جامدا، لأنّ الجمود نفسه يتحوّل إلى صورة أخرى من صور الهزيمة. الثورة الدائمة تفرض تنظيما يعيش التناقض، يتحمّل النقد، ويجعل من المراجعة شرطا للاستمرار، لا علامة ضعف.
ومن دون هذا الوعي، يتحوّل اليسار إلى خطاب احتجاجي بلا أفق تاريخي. يسار يصف الألم دون أن يمسّ جذوره، ويدين الظلم دون أن يفكّك آلياته، ويغضب دون أن يبني زمنا طويلا. وهذا ما يجعل النقد الذاتي شرطا وجوديا لليسار، لا تمرينا أخلاقيا. فكما أنّ الرأسمالية تتطوّر، تتطوّر أيضا أشكال مقاومتها أو اندماجها. اليسار الذي لا يطوّر أدواته المعرفية والتنظيمية يتحوّل إلى جزء من المشهد الذي يدّعي معارضته، يساهم، من حيث لا يدري، في تطبيع الهزيمة عبر تحويلها إلى حالة دائمة بلا مخرج.
وفي هذا العمق، يتكشّف أيضا البعد الأخلاقي للثورة الدائمة. ليست الأخلاق هنا وعظا، بل موقفا من العالم. موقف يرفض تحويل الإنسان إلى مورد، والزمن إلى سلعة، والعلاقات إلى شبكات نفعية. موقف يرى في الكرامة الإنسانية قيمة لا تقاس بالنجاح السوقي ولا بالاعتراف الخوارزمي. وهنا يلتقي التحليل الماركسي مع أسئلة الفلسفة الوجودية والنقدية، حيث يصبح التحرّر فعلا يطال معنى العيش نفسه، لا فقط شكل الحكم. الثورة الدائمة، بهذا المعنى، هي دفاع عن إمكانية حياة أخرى داخل عالم يراد له أن يكون بلا بديل.
وحين نصل إلى هذا المستوى، يصبح واضحا أنّ الثورة الدائمة ليست وعدا بنهاية سعيدة، ولا تصورا رومانسيا للتاريخ، بل وعيا مأساويا بضرورة الصراع. صراع طويل، معقّد، مليء بالانتكاسات، لكنه الصيغة الوحيدة التي تمنع الإنسان من التحوّل إلى كائن مدار بالكامل. هي ليست يقينا بالانتصار، بل رفضا قاطعا للاستسلام. ليست إيمانا أعمى بالمستقبل، بل إصرارا على ألا يغلق المستقبل باسم العقلانية أو التقنية أو الواقعية.
وهكذا، في أقصى اتساعها، تصبح الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين ممارسة فكرية وسياسية وأخلاقية في آن، مقاومة للهيمنة حيثما وجدت، سواء لبست لباس الدولة، أو السوق، أو الخوارزمية، أو حتى الخطاب اليساري المتكلّس. هي إبقاء الجرح مفتوحا في جسد التاريخ، لا حبّا في الألم، بل لأنّ الجرح وحده يمنع التعفّن، ولأنّ الصراع وحده يذكّر الإنسان بأنّه لم يخلق ليدار، بل ليصنع، وليخطئ، وليحلم، وليغيّر.
هذا ، و لم يعد الأمل، بعد كل الانكسارات الكبرى التي عرفها القرن العشرون ومطلع القرن الحادي والعشرين، مفهوما بريئا يمكن استدعاؤه بوصفه طاقة إيجابية أو وعدا بالمستقبل. الأمل، كما جرى تداوله طويلا في الخطاب الثوري، تحوّل في كثير من الأحيان إلى تعزية مؤجّلة، وإلى أداة لتجميل الهزيمة بدل مواجهتها. فكم من مرّة استخدم الأمل لتبرير الانتظار، ولشرعنة الصبر السلبي، ولإقناع المهزومين بأنّ ما خسروه اليوم سيعوّض غدا، دون مساءلة الأسباب البنيوية التي جعلت الغد نفسه مستحيلا. من هنا تبدأ ضرورة التفكيك: ليس لأنّ الأمل خطأ في ذاته، بل لأنّ الشكل الذي اتخذه داخل الوعي الثوري كثيرا ما انقلب إلى نقيضه.
فالانكسارات الكبرى لم تكن فقط هزائم سياسية أو تنظيمية، بل كانت صدمات في معنى التاريخ نفسه. سقوط تجارب، انحراف ثورات، تحوّل حركات تحرّر إلى سلطات قمعية، كلّ ذلك لم يضعف الثقة بالنصر فقط، بل زعزع الإيمان بأنّ التاريخ يسير، ولو تعثّر، في اتجاه تحرّري. وهنا، يصبح الأمل التقليدي، القائم على فكرة التقدّم الحتمي أو الانتصار المؤجّل، غير قابل للحياة. إنه أمل يستند إلى سردية لم تعد تقنع، وإلى وعود استهلكت حتى فقدت قدرتها على التعبئة.
والأخطر من ذلك أنّ الرأسمالية المعاصرة تعلّمت كيف تدير الأمل نفسه. لم تعد تحاربه مباشرة، بل أعادت إنتاجه في صورة فردية، نفسية، معزولة عن التاريخ. الأمل اليوم يسوّق كتحفيز، كقدرة على التكيّف، كمهارة للنجاة داخل نظام لا يمسّ. يصبح الأمل هنا طاقة لإدامة الواقع لا لتغييره، ويغدو، كما لو كان أفيونا ناعما، يخفّف الألم دون أن يقترب من أسبابه. وهذا ما يجعل تفكيك الأمل الثوري ضرورة ملحّة، لأنّ الأمل الذي لا يفكّك يتحوّل بسهولة إلى أداة هيمنة.
لكن التفكيك لا يعني الإلغاء. فالثورة التي تتخلّى عن الأمل تماما لا تتحوّل إلى واقعية صلبة، بل إلى عدمية سياسية. غير أنّ الأمل المطلوب اليوم ليس أمل الانتظار، بل أمل الصراع. هنا نستعيد ما قاله والتر بنيامين حين قلب المعادلة رأسا على عقب، حين رأى أنّ الأمل الحقيقي لا ينبع من ثقة بالمستقبل، بل من الوفاء للمقهورين في الماضي، من رفض تحويل هزائمهم إلى وقائع منتهية. الأمل، بهذا المعنى، ليس وعدا بما سيأتي، بل موقفا من ما كان، ومن ما لا يجب أن يمحى.
الأمل الجديد، إذا، لا يقوم على فكرة أنّ النصر حتمي، بل على قناعة أنّ الاستسلام غير مقبول. هو أمل بلا ضمانات، بلا يقين، بلا جدول زمني. أمل يعرف أنّ التاريخ لا يمنح وعودا، وأنّ التقدّم ليس قانونا طبيعيا، بل نتيجة صراع دائم. وهذا ما يجعله أملا صلبا، لا لأنه متفائل، بل لأنه غير مخدوع. إنه أمل لا يعد بالخلاص، بل يلتزم بالفعل، حتى حين يبدو الفعل بلا أفق واضح.
ومن هنا، يتغيّر موقع الأمل داخل الممارسة الثورية. لم يعد حافزا نفسيا يضاف إلى الفعل، بل يصبح جزء من الفعل نفسه. الأمل هو الاستمرار في التنظيم رغم التفكك، هو التفكير رغم الإحباط، هو بناء المعنى داخل عالم يعمل على تجفيفه. إنه ليس شعورا ينتظر، بل ممارسة تنتج. وكما قال غرامشي، لا بد من تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، لا لأنّ التفاؤل حقيقة، بل لأنّ الإرادة التي تتخلّى عن نفسها تحسم الهزيمة مسبقا.
وفي هذا السياق، يصبح الأمل الثوري الجديد مرتبطا بإعادة تعريف الزمن. لم يعد المستقبل فضاء مفتوحا على الوعد، بل حقلا متنازعا عليه. الأمل هنا لا يسكن المستقبل، بل يسكن الحاضر بوصفه لحظة مقاومة للتطبيع مع ما هو قائم. هو القدرة على أن نعيش الحاضر دون أن نقبل منطقه، وأن نشارك في العالم دون أن نذوب فيه. هذا الأمل لا ينتظر لحظة الانفجار الكبرى، بل يعمل في التراكم البطيء، في بناء الوعي، في الحفاظ على الجذوة، حتى حين تبدو النار خافتة.
وهكذا، لا يعود الأمل الثوري تعبيرا عن الثقة بالنظام البديل بقدر ما هو تعبير عن عدم الثقة بالنظام القائم. إنه ليس إيمانا بأنّ الغد سيكون أفضل، بل رفضا لأن يكون اليوم هو الأفق الأخير. أمل يقول إنّ التاريخ لم يغلق، لا لأنّ النهاية السعيدة مضمونة، بل لأنّ الإغلاق نفسه فعل قمعي يجب مقاومته. أمل يرى في كل محاولة لإعلان “ما بعد الثورة” شكلا من أشكال السلطة، وفي كل دعوة إلى نسيان الصراع دعوة إلى قبول الهزيمة.
في هذا المعنى العميق، يصبح الأمل الثوري موقفا أخلاقيا قبل أن يكون أفقا سياسيا. موقفا يقول إنّ الكرامة لا تقاس بالنتائج، وإنّ النضال لا يفقد معناه لأنّه لم ينتصر بعد، وإنّ الإنسان، كما قال ماركس، لا يحقق إنسانيته إلا بقدر ما يرفض أن يعيش في عالم معاد له دون مقاومة. الأمل الجديد هو هذا الإصرار العنيد على البقاء في الصراع، لا حبّا في الصراع ذاته، بل لأنّ الخروج منه يعني القبول بعالم بلا بديل.
وهكذا، بعد كل الانكسارات الكبرى، لا يعود السؤال: هل ما زال هناك أمل؟ بل يصبح السؤال الأدق: أيّ أمل نريد؟ أمل يسكّن الألم أم أمل يكشف أسبابه؟ أمل يجمّل الواقع أم أمل يجرحه؟ الأمل الثوري الذي نحتاجه اليوم هو ذاك الذي لا يعد بالراحة، بل بالمعنى، لا بالخلاص، بل بالكرامة، لا بالنهاية، بل بالاستمرار. استمرار الفعل، واستمرار السؤال، واستمرار الصراع، بوصفها جميعًا أشكالا لمقاومة عالم يريدنا متعبين، صامتين، ومتكيّفين.
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تفهم إلا بوصفها امتدادا لنظرية صاغها تروتسكي، لكنها الآن في حاجة إلى إعادة تفكيك جذري، لأن الشروط التاريخية تغيرت، والعدو لم يعد مرئيا في صورة دولة أو زعيم، بل أصبح بنية عالمية متحركة، شفافة وقادرة على النفاذ إلى كل شيء، إلى كل وعي، إلى كل لحظة. العمود الفقري للثورة الدائمة كان، ولا يزال، فكرة أنّ الثورة لا تتوقف عند حدود بلد أو مرحلة، وأنّ التحوّل الاجتماعي والسياسي يجب أن يمتد في الزمن والمكان، مستندا إلى حركة مستمرة لا تعرف الركود. لكن في عالم الخوارزميات، حيث تدار الحياة والإرادة والرغبة بذكاء صناعي، لم تعد الثورة مجرد عملية سياسية، بل صراع على الذات، على الزمن، وعلى قدرة البشر على أن يبقوا تاريخيين داخل آلة عالمية مصممة لتطويعهم.
الأممية، في هذا السياق، ليست شعارا أو هدفا رومانسيا، بل شرط وجودي. الثورة التي تبقى محصورة في حدود الوطن، مهما بلغت بطولها وعمقها، تصبح غير قادرة على مواجهة الآليات العابرة للحدود: سلاسل التوريد، البيانات، المنصات الرقمية، انتشار الثقافة السوقية، وكل قنوات التحكم التي تعيد إنتاج الهيمنة على مستوى عالمي. الثورة الدائمة هنا تعني أن كل انتفاضة، كل حركة احتجاج، كل تجربة نضالية، يجب أن تقرأ في أفق عالمي، لأن الانكسار في بلد واحد ليس محليا فقط، بل جزء من نمط عالمي للهيمنة. ومن دون هذا البعد، يبقى النضال متجزئا، عاجزا عن تجميع الطاقات المتناثرة، عاجزا عن إعادة إنتاج العمود الفقري التاريخي للثورة.
والذات الثورية، في زمن الإرهاق الجماعي، لم تعد بطلا أسطوريا، بل كائنا يعرف أنه منهك، لكنه مصرّ على الفعل. العمود الفقري للثورة الدائمة يمر عبر هذه الذات: وعي مستمر بعدم الاستسلام، قدرة على استعادة الطاقة من الفعل نفسه، تحويل الإرهاق إلى مادة سياسية، وعدم السماح للنظام بأن يحوّل التعب إلى استسلام داخلي. كل فشل، كل انكسار، كل ضربة على جسد الحركة، لا يصبح نهاية، بل اختبارا لإمكانية الصمود، لإمكانية استمرار الصراع عبر الزمن. الثورة الدائمة بهذا المعنى ليست لحظة انفجار، بل تراكم دائم للفعل التاريخي، للحكمة الجماعية، ولوعي الذات بإمكاناتها وحدودها في آن.
الأمل، بعد كل الانكسارات الكبرى، يتغير شكله. الأمل التقليدي، الذي يعد بالنصر النهائي أو بغياب الخسارة، أصبح خادعا. الثورة الدائمة تقتضي أملا من نوع آخر: أمل يعرف أنّ الانتصار ليس مضمونا، وأن الطريق محفوف بالهزائم، لكنه أمل يستمد من الفعل نفسه، من الاستمرار في مواجهة الآليات العالمية للهيمنة، من القدرة على بناء الذات الثورية جماعيا، ومن معرفة أن كل انتصار جزئي هو خطوة في سلسلة حركة مستمرة لا تنقطع. هذا الأمل لا يسكن المستقبل، بل الحاضر: القدرة على أن نتصرف اليوم بطريقة تغيّر غدًا، مهما كانت الظروف قاسية.
وهنا يظهر رابط العمود الفقري للثورة الدائمة: الاستمرارية. الاستمرارية في الفعل رغم الإرهاق، الاستمرارية في بناء وعي جماعي عبر الأممية، الاستمرارية في مقاومة الهيمنة داخل الذات نفسها، وفي العالم الخارجي. الاستمرارية التي تجعل من الانكسارات أدوات للتعلم، ومن الهزائم لحظات تأمل وإعادة ترتيب، ومن الإرهاق معيارا للحقيقة، لا سببا للاستسلام. وهذا العمود لا يقوم على القوة أو العدد، بل على قدرة الثوريين على تحويل كل حادثة إلى خطوة في حركة مستمرة، على أن يكون كل نضال محلي جزء من نسيج عالمي، وكل حركة فردية انعكاسا لوعي جماعي.
الأممية الجديدة هنا لا تساوي التماثل أو الوحدة المطلقة، بل القدرة على التواصل عبر الاختلافات، على رؤية التشابه في الهشاشة والإرهاق، على تحويل التنوع إلى قدرة على مقاومة النظام العالمي. الذات الثورية، ضمن هذا البعد، لا تبنى على القوة الخارقة، بل على وعي بأنها جزء من شبكة واسعة من النضالات، شبكة لا تتوقف عند الحدود، ولا تنهار عند أي هزيمة فردية. إنها ذات تعرف حدودها، لكنها تعرف أيضا إمكاناتها ضمن العمود الفقري للثورة الدائمة: استمرار الفعل، تراكم الخبرة، تجميع القوى، وإبقاء الأسئلة الكبرى مفتوحة.
وفي هذه الرؤية، يصبح بناء الذات الثورية في زمن الإرهاق الجماعي فعلا متوازيا مع بناء الأفق الأممي. كلما أدركت الذات حدودها وإمكاناتها، كلما استطاعت المساهمة في شبكة أوسع، وكلما صارت الشبكة أداة لدعم الذات ضد الشعور بالعزلة والانكسار. الثورة الدائمة هنا ليست مجرد نظرية، بل ممارسة مركّبة، حيث الأمل، الإرهاق، الأممية، والتراكم التاريخي كلها عناصر مترابطة تشكل العمود الفقري الذي يمنع النظام من اختزال الإنسان إلى رقم، أو إلى سلعة، أو إلى متلقي سلبي.
وهكذا، يصبح العمود الفقري للثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين شبكة من الاستمرارية والفعل والوعي الجماعي، مع دمج الذات الفردية في الأممية، ومعرفة الإرهاق كحقيقة واقعية، وتطوير أمل مستند إلى الفعل لا إلى الوعد، وتحويل كل انكسار إلى محطة لبناء مقاومة أعمق. الثورة الدائمة ليست حدثا، ولا لحظة انفجار، بل حقل مستمر من الإمكانات التي تنتج يوميا عبر الصراع المستمر، داخل الذات، داخل الجماعة، وعبر العالم كله.
وهنا تتجلى الصلة الجوهرية بين بناء الذات الثورية في زمن الإرهاق الجماعي، وبين الصراع المعاصر بين الشمال والجنوب في عصر الرقمنة الذي قرب المسافات، فقد كانت الذات الثورية محورا داخليا للصراع، تتعلم فيه مقاومة الإرهاق، وتعيد صياغة أملها بعد الانكسارات الكبرى، لكنها الآن تدرك أن استمرارها لا يمكن أن يكون منعزلا؛ فالإرهاق الجماعي في الجنوب ليس تجربة فردية، بل انعكاس لهيمنة عالمية تتجاوز الحدود، تماما كما أنّ النضال في الشمال الرقمي المشغول بالسيطرة على البيانات والتقنية لا يمكن فهمه بمعزل عن التجربة الجنوبية. الأممية هنا لم تعد خيارًا تنظيميًا فحسب، بل ضرورة لتحويل الإرهاق الفردي والجماعي إلى فعل متواصل ضد نظام عالمي مترابط. العمود الفقري للثورة الدائمة يتصل إذن بين الداخل والخارج، بين الفرد والجماعة، بين المحلي والعالمي، ليصبح كل نضال، مهما صغر حجمه، جزء من شبكة مقاومة أكبر، حيث يستمد الأمل الجديد من الفعل، والمعرفة من الصراع، والذات من التواصل مع الأخريات والأخرين عبر العالم، في امتداد دائم لا يتوقف أمام الانكسارات ولا أمام التحديات الرقمية العابرة للحدود.
في القرن الحادي والعشرين، حيث الرقمنة قربت المسافات، أصبح صراع الشمال والجنوب ليس مجرد صراع بين دول أو قارات، بل صراع بين أنظمة حياة، بين خبرات استغلال، بين زمنين متوازيين: زمن الشمال الرقمي المتحكم، وزمن الجنوب المتأرجح بين التبعية والاستنزاف، بين الطموح والإحباط، بين القدرة على التكيّف والقدرة على المقاومة. الثورة الدائمة، في هذا العصر، تضع نفسها على محور هذا الصراع، ليس بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه حقيقة هيكلية تاريخية: النظام العالمي لا يزال يوزع الموارد، القوة، التقنية، والوعي بطريقة تجعل الشمال يسيطر على أدوات الإنتاج الرقمية والمعرفية، بينما يظل الجنوب في حالة تأخر مزمن، مضطر إلى اللحاق، مضطهد في فرصه، مستنزف في إمكاناته.
العمود الفقري للثورة الدائمة هنا يمر عبر إدراك هذه الحقيقة: الثورة لم تعد ممكنة بمعزل عن فهم كيف أن القوى العالمية الرقمية، المنصات، الشركات العابرة للحدود، البنية التحتية للإنترنت، وحتى الخوارزميات، أصبحت أدوات الهيمنة الجديدة. شمال العالم لا يسيطر فقط على رأس المال والموارد، بل على المعلومات، على الذكاء الاصطناعي، على الرصد النفسي، وعلى قدرة التلاعب بالرأي العام. الجنوب، مهما حاول المقاومة التقليدية، يجد نفسه دائما يلعب على أرضية أعدت مسبقا وفق قواعد الشمال، ما يجعل الثورة المحلية عاجزة إذا لم تتجاوز نفسها إلى أفق أممي، أفق يتخطى حدود الدولة.
هنا، تصبح الأممية ضرورة وجودية جديدة: ليست مجرد تنسيق بين حركات، بل شبكة مقاومة متكاملة تربط الإرهاق في الجنوب بالإفراط في الإنتاج الرقمي في الشمال، وترى في كل تجربة نضالية موضع اختبار عالمي. الإرهاق الجماعي في الجنوب، الناتج عن الاستغلال المزدوج ، اقتصاديا وسياسيا ، يتقاطع مع إرهاق الشمال، الناتج عن الرقابة الرقمية والهيمنة الخوارزمية على الوعي. الثورة الدائمة، بوصفها حركة مستمرة، تصبح قادرة على أن تحول هذا الإرهاق إلى مادة سياسية، بحيث لا يفهم التعب كقصور فردي أو محلي، بل كعنصر في نظام عالمي يحتاج إلى كسره.
الذات الثورية في هذا السياق تصبح متعدّدة الأبعاد: هي ذات قادرة على فهم نفسها ضمن هذا الصراع العالمي، وهي ذات تعرف حدودها، لكنها تدرك أيضا قوة شبكتها المحتملة عبر الاتصال، التضامن، التبادل المعرفي، والتحليل النقدي. الذات هذه لا تنتظر النصر من الشمال، ولا تسقط ضحية الوعد الفارغ من الجنوب، بل تبني أملا ثوريا جديدا، أملا قائما على الفعل المباشر، على تراكم الخبرة، وعلى إدراك أن الثورة الدائمة لا تتوقف عند الحدود، ولا عند أي هزيمة محلية، بل هي امتداد مستمر للصراع ضد نظام عالمي يحاول تحويل التاريخ إلى تسلسل منطقي مسيطر عليه.
ومن هذا العمق، يصبح مفهوم الثورة الدائمة أكثر ثراء: ليس فقط صراعا ضد الدولة، أو ضد رأس المال، أو ضد الهيمنة التقنية، بل صراعا مع نظام عالمي متكامل ، نظام يربط الشمال بالجنوب، التكنولوجيا بالاقتصاد، الرقابة بالاستغلال، والمعرفة بالهيمنة. الثورة هنا تعني أن كل حركة، مهما كانت محلية، يجب أن تتخذ بعدا عالميا، وأن تفهم نفسها كجزء من حركة أكبر، حركة تحاول تفكيك البنية الشاملة التي تجعل من الشمال مركزا للتحكم ومن الجنوب أرضا للاستنزاف.
الأمل الثوري، ضمن هذا الصراع، يتغير شكله أكثر: إنه أمل لا يعد بالنصر، بل بالقدرة على خلق نقاط مقاومة متصلة، أمل يعرف الانكسار لكنه لا يسمح له أن يصبح قاعدة، أمل يبني الذات الثورية من خلال الإرهاق الجماعي، ويحوّل الهزيمة الفردية إلى تجربة تعلم جماعية. الأممية الجديدة هنا لا تتوقف عند التضامن الرمزي، بل تصبح شبكة فعلية من المعرفة، التنظيم، والقدرة على إنتاج مقاومة تراكمية.
في هذا الفضاء، يصبح العمود الفقري للثورة الدائمة هو استمرارية الفعل ضمن شبكة عالمية واعية، حيث كل انتفاضة جنوبية تتصل بالوعي الجماعي للشمال، وكل مقاومة فردية في الجنوب تبنى على تراكم خبرات أممية، وكل لحظة هزيمة تصبح مادة لصياغة أمل جديد، أمل يرفض أن يظل الانكسار مجرد تجربة محلية. الثورة الدائمة تصبح إذا شبكة مترابطة من الفعل، الوعي، الإرهاق، الأمل، والالتزام، ضد نظام عالمي يختزل التاريخ والإنسان إلى أدوات وخوارزميات.
ففي فلسطين وغزة، تكشّفت الثورة الدائمة بأقصى تجلياتها، فهي ليست مجرد صراع على الأرض، ولا مجرد مقاومة للاحتلال العسكري والسياسي، بل هي صراع وجودي ومعرفي وزمني، صراع يحاول إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائنا تاريخيا، مقاوما، متعبا، لكنه حاضر على الرغم من كل الظروف القاسية. غزة، بهذا المعنى، تصبح مختبرا حيا لفهم العمود الفقري للثورة الدائمة: الاستمرارية بلا توقف، القدرة على تحويل الانكسارات والهزائم إلى تراكم خبرة سياسية وفكرية، إعادة إنتاج الأمل بوصفه فعلا لا وعدا، وبناء الذات الثورية ضمن شبكة أوسع تمتد عبر الأممية. هذا الامتداد ليس مجازيا أو رمزيا، بل عملي، بحيث يفهم كل نضال فلسطيني، وكل صمود، وكل تجربة يومية داخل الحصار، كجزء من حركة عالمية، كجزء من شبكة مقاومة مترابطة تحاول تحدي نظام عالمي مترابط، يستخدم التكنولوجيا، الرقمنة، الخوارزميات، والمنصات الرقمية كأدوات للهيمنة على الوعي والمجتمع والتاريخ.
الرقمنة لم تجعل العالم متساويا، بل قربت المسافات لتكشف التفاوتات بحدة أكبر. في هذا العصر، يراقب الشمال العالم، يضبط تدفق المعلومات، يحوّل البيانات إلى أداة قوة، ويعيد إنتاج الاستغلال بوصفه شبكة عالمية مترابطة، بينما يظل الجنوب، وفلسطين كجزء منه، مضطرا إلى اللحاق، مضطرا إلى مقاومة هذه الهيمنة الرقمية، مضطرا إلى بناء وعي جمعي داخل ظروف استنزاف شديدة. الثورة الدائمة هنا تصبح فعلا مستمرا، ضد الهيمنة التقنية والاقتصادية والسياسية، ضد محاولة النظام العالمي تجزئة المقاومين وتحويل إرهاقهم إلى استسلام، وضد كل جهد لتطويع الزمن وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم مصالح الهيمنة. غزة، في هذا السياق، ليست حالة منفصلة، بل رمز مركزي لفهم التوازنات العالمية: كل صاروخ، كل يوم حصار، كل لحظة صمود، تتفاعل مع الواقع الرقمي والسياسي للآخرين في العالم، فتصبح المقاومة الفلسطينية جزء من حركة أممية للوعي والمواجهة.
وهنا يظهر بوضوح الرابط مع ما سبق: كما ناقشنا بناء الذات الثورية في زمن الإرهاق الجماعي، والارتباط بالأممية، والأمل المستمد من الفعل، فإن فلسطين تظهر هذا النموذج حيا. الإرهاق الجماعي الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الحصار، العدوان، والتضييق الاقتصادي والسياسي، ليس حالة فردية، بل انعكاس مباشر للصراع العالمي بين الشمال والجنوب، حيث يفرض على الجنوب نمط استنزاف مستمر، بينما يسيطر الشمال على أدوات المعرفة الرقمية والاقتصادية والسياسية. بناء الذات الثورية هنا يعني إدراك أن النضال الفردي والجماعي في غزة ليس مجرد مواجهة محلية، بل جزء من شبكة عالمية مترابطة، حيث يصبح كل فعل مقاوم نقطة اتصال مع تجارب أخرى، وكل لحظة صمود تتراكب لتصبح مادة أمل وإرادة جماعية.
الأمل، في هذا السياق، يتخذ شكلا مختلفا تماما: إنه أمل لا يعد بالنصر، بل بأهمية الاستمرار، بأهمية الفعل في مواجهة آلة عالمية مترابطة. كل لحظة مقاومة في غزة، مهما صغرت، تضاف إلى تراكم خبرة جماعية عالمية، وتساهم في بناء العمود الفقري للثورة الدائمة: استمرارية الفعل، تراكم المعرفة، بناء الذات الثورية، وتحويل الإرهاق والهزيمة إلى مادة مقاومة. الأممية هنا ليست مجرد شعار، بل شبكة فعلية تربط الجنوب بالشمال، المقاومة في فلسطين بالتجارب العالمية الأخرى، التجربة المحلية بالوعي الكوني. إنها شبكة تستمد قوتها من تفاوت الشروط نفسها، من اختلاف التجارب، ومن القدرة على تحويل كل اختلاف إلى قدرة على التنسيق والمقاومة المتبادلة.
في هذا العمق، يصبح العمود الفقري للثورة الدائمة هو الترابط بين الفرد والجماعة، المحلي والعالمي، الإرهاق والأمل، الصراع والأمل. غزة، بوصفها حالة ميدانية حقيقية، تظهر كيف أن الثورة الدائمة لا يمكن أن تكون مجرد نظرية، بل ممارسة مستمرة، حركة تراكمية، شبكة تضامن، ووعي عالمي. هنا، يختبر كل عنصر من عناصر الثورة الدائمة: الاستمرارية في الفعل، القدرة على مقاومة الانكسارات، بناء الأمل الجديد القائم على الفعل، تطوير الذات الثورية، وإدراك أن الصراع المحلي مرتبط مباشرة بالصراع الشامل بين الشمال والجنوب، بين الهيمنة الرقمية وحق الشعوب في الحياة، المعرفة، والحرية.
وهكذا، يصبح ما بدأ كبحث في الإرهاق الفردي وبناء الذات الثورية في الدفعات السابقة، مرتبطا مباشرة بالصراع الأممي، الرقمي، والشمال/الجنوب: كل مقاومة محلية، كل حركة صمود، كل تجربة فلسطينية في غزة، لا يمكن فصلها عن حركة عالمية من الفعل، التعلم، التضامن، والتراكم، حيث يمتد العمود الفقري للثورة الدائمة عبر الزمان والمكان، ويربط الفرد بالمجتمع، والحاضر بالمستقبل، والواقع بالخيال السياسي، في محاولة مستمرة لإعادة إنتاج الإرادة، الأمل، والمعنى في عالم يريدنا متعبين، صامتين، ومطوّعين.
وهنا يظهر الرابط بين ما ناقشناه في فلسطين وغزة وما نطرحه اليوم حول الجبهات الثورية الأممية: المقاومة المحلية، الصمود اليومي، وصمود الإرادة في وجه آلة الاحتلال والسيطرة، لا يمكن أن تفهم بمعزل عن أفق عالمي مترابط. غزة، كما رأينا، ليست حالة منفصلة، بل اختبار حيّ للعمود الفقري للثورة الدائمة، حيث الإرهاق والهزائم يعاد إنتاجهما داخل شبكة عالمية للهيمنة. الجبهة الأممية الثورية تصبح إذا امتدادا طبيعيا وضروريا لهذا الفعل المحلي: الربط بين التجارب، والتراكم المعرفي والسياسي، والوعي بأن أي مقاومة، مهما كانت صغرتها، تصبح فعّالة فقط حين توضع في شبكة عالمية من التضامن والفعل. هذا الربط يحوّل المقاومة الفلسطينية من حالة محلية محاصرة إلى نقطة مركزية في الحركة الأممية، ويؤكد أنّ الثورة الدائمة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر شبكة من الفعل الجماعي المستمر، المتصل، والمتفاعل عبر الحدود والزمن، ضد نظام عالمي مترابط.
فلم يعد الحديث عن الجبهات الثورية الأممية حنينًا إلى قرن مضى، بل صار ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة العدو ذاته. فحين يصبح النظام المسيطر عالميا، مترابطا، عابرا للحدود، رقميا في بنيته، خوارزميا في آلياته، فإنّ كل مقاومة لا ترتقي إلى مستوى هذا الترابط تظلّ محكومة بالإنهاك والعزلة والتآكل البطيء. الثورة الدائمة، في جوهرها العميق، ليست سوى إدراك مبكر لهذه الحقيقة: أنّ الصراع لا يحسم في بلد واحد، ولا في لحظة واحدة، ولا عبر ذات واحدة، بل عبر تراكم أممي مستمر، يعيد إنتاج ذاته في مواجهة نظام يعيد إنتاج هيمنته بلا توقف.
الجبهة الثورية الأممية التي يفرضها عصرنا ليست نسخة مكرّرة عن تجارب سابقة، ولا إطارا تنظيميا مركزيا يفرض وحدة مصطنعة على تجارب متباينة. على العكس، إنّ شرط إمكان هذه الجبهات هو الاعتراف بالاختلاف، وبالتفاوت في السياقات، وبالتنوع في أشكال النضال. لكن هذا الاعتراف لا يعني التفكك، بل يعني بناء وحدة من نوع آخر: وحدة قائمة على تشخيص مشترك للبنية العالمية للهيمنة، وعلى فهم متقاطع لآليات الاستغلال، لا على تماثل الأوضاع أو الشعارات.
لقد كشفت الرقمنة عن هذه الحاجة بوضوح غير مسبوق. فالعالم الذي قيل لنا إنه “قرّب المسافات” لم يفعل سوى تسريع السيطرة، وتكثيف اللامساواة، وربط الاستغلال المحلي بسلاسل عالمية غير مرئية. العامل، الطالب، اللاجئ، المحاصَر، المراقَب، المهمّش، جميعهم يعيشون داخل بنية واحدة، حتى وإن اختلفت أشكال القمع. ومن هنا، فإنّ الجبهة الثورية الأممية لا تنطلق من فكرة التضامن الأخلاقي وحده، بل من وحدة الموقع داخل النظام العالمي، من كون الجميع واقعين داخل علاقة استغلال واحدة، متعددة الوجوه.
العمود الفقري للثورة الدائمة يمرّ من هنا بالضبط. فالثورة التي تتوقف عند حدود الدولة تهزم لا لأنّها خاطئة أخلاقيا، بل لأنها غير متناسبة مع حجم العدو. الدولة الوطنية، في معظم أنحاء الجنوب، لم تعد إطارا للحسم، بل صارت وسيطا ضمن منظومة عالمية، تدار سياساتها الاقتصادية، والأمنية، وحتى الثقافية، وفق منطق يتجاوزها. لذلك، فإنّ الجبهة الثورية الأممية ليست نفيا للنضالات المحلية، بل شرطا لحمايتها من العزلة والاحتواء.
وفي زمن الإرهاق الجماعي، تكتسب هذه الجبهات بعدا وجوديا. فالإرهاق، كما رأينا، لم يعد حالة نفسية فردية، بل أداة حكم عالمية. النظام ينهك ليمنع التلاقي، يجزّئ ليمنع التراكم، ويقنع كل مجموعة بأنّ معاناتها استثناء. الجبهة الأممية الثورية تقطع هذا الوهم، لا عبر خطاب تعبوي أجوف، بل عبر إعادة تسييس التعب نفسه، تحويله إلى لغة مشتركة، إلى نقطة انطلاق لفهم مشترك، إلى أرضية لبناء ذات ثورية لا تشعر أنها وحيدة في مواجهة عالمٍ معادٍ.
وفلسطين، وغزة على نحو خاص، تضع هذا السؤال في أكثر أشكاله حدة. فهنا نرى بوضوح كيف تختبر كل مقاومة محلية بمدى قدرتها على التحول إلى قضية أممية حيّة، لا رمزية. ليست فلسطين “قضية عالمية” لأنها أخلاقية فقط، بل لأنها تكشف بنية النظام العالمي عارية: تواطؤ سياسي، تفوق عسكري، رقابة رقمية، صناعة سرديات، وإدارة موت على مرأى العالم. الجبهة الثورية الأممية هنا ليست دعما خارجيا، بل امتدادا للصراع نفسه، إدراكا بأنّ ما يحدث في غزة ليس استثناء، بل نقطة تكثيف قصوى لمنطق الهيمنة الذي يطال الجميع بدرجات متفاوتة.
لكن الجبهة الأممية التي يفرضها عصر الثورة الدائمة ليست جبهة انتصار سريع، ولا جبهة خلاص. إنها جبهة طويلة النفس، بطيئة، تراكمية، تعمل ضد الزمن الذي يحاول النظام فرضه. زمن السوق، زمن الخبر العاجل، زمن النسيان السريع. في مقابل هذا الزمن، تطرح الثورة الدائمة زمنا آخر: زمن الاستمرارية، زمن الذاكرة، زمن الفعل الذي لا يقاس بنتيجته الفورية، بل بقدرته على البقاء، على إعادة إنتاج نفسه، على منع الإغلاق النهائي للتاريخ.
وهنا، يتغير معنى القيادة، ومعنى المركز، ومعنى “الطليعة”. لم تعد الطليعة تلك التي تعرف الطريق مسبقا، بل تلك القادرة على الربط، على الإصغاء، على الترجمة المتبادلة بين التجارب. الجبهة الثورية الأممية ليست رأسا يقود، بل نسيجا يتكوّن، يتفكك، ويعاد تركيبه باستمرار. وهذا ما يجعلها التعبير المعاصر الأكثر اتساقا مع فكرة الثورة الدائمة: حركة بلا نهاية، بلا يقين، لكنها بلا استسلام.
إنّ وجوب إيجاد جبهات ثورية أممية عالمية لا ينبع من رغبة في “الوحدة” بوصفها قيمة مجردة، بل من إدراك أنّ التفكك اليوم ليس خيارا بريئا، بل نتيجة مباشرة لهيمنة نظام لا يعمل إلا عبر التفتيت. الجبهة الأممية هي، في جوهرها، مقاومة لهذا التفتيت، إصرار على التفكير والعمل في مستوى العدو نفسه، دون ادعاء التماثل، ودون إنكار الإرهاق، ودون وعود خلاصية.
بهذا المعنى، تصبح الجبهة الثورية الأممية الفضاء العملي للثورة الدائمة في عصرنا: الفضاء الذي تربط فيه الذات المنهكة بذوات أخرى، النضال المحلي ببنية عالمية، الأمل بالفعل، والهزيمة بالاستمرار. ليست الجبهة وعدا بالنصر، بل رفضا للهزيمة النهائية. رفضا لأن يختزل التاريخ في ما هو قائم، ورفضا لأن يترك كل شعب، وكل ذات، وحدها في مواجهة نظام صمّم ليبدو بلا بديل.
و في الختام ، في هذا القرن، حيث تتشابك الخوارزميات بالسياسة، وتصبح الرقمنة أداة سيطرة لا ترى، تصير الثورة الدائمة مسألة وجودية أكثر من كونها سياسية بحتة. ليس المطلوب مجرد مقاومة، ولا مجرد انتفاضات متقطعة، بل صناعة زمن ثوري جديد، زمن لا يقاس بالانتصارات المؤقتة أو الهزائم، بل بالقدرة على الحفاظ على الإمكان الثوري حيا، في داخل الفرد، وفي داخل الجماعات، وفي داخل شبكة العالم بأسره. المستقبل لا يعطى، بل يصنع يوميا، بفعل الإرادة، وبوعي الإرهاق، وبترابط الأفعال الصغيرة التي تتراكم لتصنع حركة لا يمكن للنظام السيطرة عليها بالكامل. الثورة الدائمة هنا تصبح فن الاستمرار في الفعل وسط ظروف مستحيلة، وتحويل كل هزيمة إلى درس، وكل إرهاق إلى مادة قوة.
الجبهة الثورية الأممية ليست خيارا ثانويا، بل شرط لبقاء الإمكان الثوري، فهي التي تحوّل الفعل المحلي إلى حركة عالمية، والفرد المنهك إلى جزء من شبكة مقاومة مترابطة. هنا يعاد تعريف معنى التضامن: ليس مجرد شعارات أو بيانات، بل تجارب متصلة، معرفة مشتركة، أدوات نضال تتجاوز الحدود، ووعي بأن كل صراع محلي له أصداء عالمية. فلسطين وغزة، الصراع الشمال/الجنوب، التفاوت الرقمي، الإرهاق الجماعي، كلها عناصر في شبكة واحدة تتحرك لتشكيل هذا العمود الفقري للثورة الدائمة، حيث كل عنصر يقوي الآخر، وكل فعل صغير يعيد إنتاج الأمل الكبير.
في هذا المشهد، الأمل لا يعد بالانتصار، بل يعد بالقدرة على الاستمرار، وقدرة الحركة على إعادة إنتاج نفسها، على إبقاء الإمكان الثوري حيا في قلب التاريخ. الأمل هنا إرادة متواصلة، لا شعارات فارغة؛ ووعي بالهشاشة والفعلية في آن، لا وهما بالقوة المطلقة. الثورة الدائمة تصبح بذلك حالة فلسفية–سياسية وجودية، تمثل القدرة على جعل الزمن، الهزيمة، الإرهاق، والمعاناة أدوات للتغيير، لا أعذارا للاستسلام.
ونحن، في مواجهة عالم يتسارع نحو التحكم الرقمي الكامل، نحتاج إلى أن نعيد تعريف الثورة بوصفها شبكة من الأفعال والتجارب والوعي المتواصل، شبكة تجعل كل لحظة صمود، وكل مقاومة، وكل فكرة ثورية، جزء من حركة أكبر، أفقها الحرية، والكرامة، والمستقبل المفتوح. هنا لا توجد خارطة طريق جاهزة، ولا وصفة سحرية، بل تجربة مستمرة في التفكير والعمل، في صوغ الذات والجماعة، في تجاوز الهزائم، وفي بناء جبهات متجددة دائمًا.
إن الثورة الدائمة في هذا القرن هي إعادة اختراع السياسة، الزمن، الذات، والجماعة في مواجهة آلة عالمية لا تتوقف عن إعادة إنتاج الهيمنة. هي مواجهة الإمكانات الممنوعة، اختبار الإرادة ضمن المستحيل، صناعة أمل لا يقاس إلا بقدرته على الاستمرار. وكل من يشارك في هذه الحركة، مهما كان صغيرا أو متعبا، يصبح جزء من شبكة تاريخية أكبر، شبكة تظهر أن الثورة ليست لحظة، بل امتداد دائم للحياة، للأمل، ولإمكان الحرية.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...
- الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات ...
- الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك ...
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ...
- الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث ...
- الفعل الثوري والبيئة: حين يصبح الدفاع عن الأرض جزء من معركة ...
- القطاع والضفة بين معماريّة الخراب ومخطّطات الاقتلاع: جغرافيا ...


المزيد.....




- ساعة يوم القيامة 2026: العلماء يحددون وقتاً جديداً
- بعد مرور نحو عام.. تفاصيل جديدة عن اصطدام مروحية عسكرية بطائ ...
- السعودية.. فيديو ادعاء تحرش والأمن يكشف تفاصيل
- تصاعد التهديدات ضد طهران مع وصول حاملة طائرات أمريكية إلى مي ...
- واشنطن تفرج عن أموال فنزويلية وتقارير استخباراتية تشكك في رو ...
- لعرقلة إعادة انتخابه.. فخاخ نصبها آدامز لخلفه ممداني
- الديمقراطيون يدفعون لإقالة وزيرة الأمن بعد أحداث مينيسوتا وي ...
- توماس فريدمان: أمريكا على وشك الانفجار
- في تصريحات لـCNN.. أول تعليق للنائبة إلهان عمر بعد الهجوم عل ...
- ترامب يعلق على تقرير بشأن -احتجاز طفل عمره 5 سنوات-


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغة الأمل في عالم مترابط