أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم لحظة تحرّر عمالي؟















المزيد.....



الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم لحظة تحرّر عمالي؟


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 00:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الحركة العمالية التونسية ليست مجرد تراكم تنظيمي أو شبكة من النقابات، بل هي مسار تاريخي يمتد عبر عقود من النضال، المواجهة، والوساطة، والحصار. من لحظة تشكل الاتحاد العام التونسي للشغل كقوة اجتماعية وطنية، إلى الإضرابات الكبرى، مرورا بمحطات القمع في 1978 و1985، وصولا إلى التحولات العميقة التي أعقبت الثورة وما بعد 25 جويلية 2023، يظهر بوضوح أن هذا التاريخ ليس سلسلة من الأحداث العرضية، بل سياق متواصل لصراع على السلطة، على التمثيل، وعلى القدرة على الفعل المباشر للطبقة العاملة.
المشكلة الجوهرية ليست في وجود الاتحاد أو غيابه، بل في طبيعة العلاقة بين التنظيم العمالي والسلطة، وفي الطريقة التي يمارس فيها القرار داخل الحركة نفسها. هل يتحول الاتحاد إلى جهاز مطواع ضمن حدود السلطة السياسية والاقتصادية، أم يظل منصة قوة اجتماعية قادرة على تحويل المطالب اليومية إلى مشروع تغيير جذري؟ هذا السؤال لم يكن مجرد استفسار تنظيمي، بل محرك صراع مستمر بين منطق البيروقراطية ومنطق الفعل القاعدي، بين إدارة المطالب وحركة التغيير، بين الاستقرار والتمرد.
في هذا الإطار، تصبح قراءة الحركة العمالية التونسية، ومصير الاتحاد العام التونسي للشغل، أكثر من مجرد تحليل سياسي أو اقتصادي. إنها محاولة لفهم طبيعة القوة الاجتماعية في تونس، ومسارات تراكمها أو تراجعها، وفرص تحولها من مجرد صراع يومي إلى مشروع تاريخي شامل. فالمستقبل لا يبنى على الهياكل الرسمية وحدها، بل على قدرة القاعدة العمالية على استعادة وعيها، وتنظيم نفسها بشكل مستقل، وربط نضالها اليومي بالأفق الاجتماعي والسياسي الأوسع.
وهذه القراءة لا تقتصر على التشخيص، بل تمثل إطارا تأسيسيا لأي نقاش حول مستقبل الحركة العمالية، ودورها كقوة تحررية، وكفاعل قادر على تحدي السلطة، وإعادة صياغة معادلة القوة بين العمل ورأس المال، بين المواطن والدولة. من هذا المنطلق، يمكن استعراض الماضي، تحليل الحاضر، واستشراف المستقبل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل لحظة أزمة، كل صراع، وكل تجربة تنظيمية، تشكل فرصة لإعادة بناء حركة عمالية واعية، متجددة، وقادرة على تجاوز حدود التدجين التقليدي.
تمرّ الحركة العمالية في تونس، كما في كثير من بلدان العالم، بلحظة حاسمة تعيد طرح سؤال موقع الطبقة العاملة داخل نفسها وداخل الصراع الطبقي العام. في قلب المشهد النقابي التونسي يتموقع الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لعب دورا تاريخيا منذ تأسيسه في 1946 كأبرز تعبير عن قوة العمال في مواجهة الدولة ورأس المال، وكمكوّن أساسي في الحراك الديمقراطي والاجتماعي داخل المجتمع التونسي.
لكن واقع الاتحاد اليوم مختلف جدّا عمّا كان عليه في عقود مضت. الأزمة التي يعيشها UGTT ليست مجرد خلافات تنظيمية أو تنافسا بين أجنحة قيادية، بل هي تعبير عن أزمة أعمق: أزمة البيروقراطية التنظيمية داخل الحركة العمالية نفسها، وقدرتها على أن تمثّل العمال أو أن تعيقهم عن ممارسة فعلهم التحرري.
إننا ننطلق من فرضية أساسية: أن التحرّر الحقيقي للطبقة العاملة لا يتحقق عبر التمثيل التقليدي وحده، بل من خلال إعادة إنتاج الحركة العمالية كقوة ذاتية، قادرة على الفعل المباشر للقاعدة في المصانع والمزارع وأماكن العمل والشوارع. هذا الفعل المباشر هو الذي يضفي للحركة صلابة حقيقية ويحولها من جهاز إداري إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في مصيرها ومصير المجتمع.
والسبب في طرح هذا السؤال اليوم ليس اعتباطيا: فالأزمة الراهنة في الاتحاد العام التونسي للشغل تتجاوز الانقسامات الداخلية في القيادة إلى مستوى تهديد واضح لقدرة المنظمة على تمثيل العمال بفاعلية. فقد ظهرت مطالبات باستقالة الأمين العام نهائيا و ليس مسرحيا، وتوسع نطاق المعارضة داخل صفوف المنظمة احتجاجا على ما يعتبر إخفاقا في قيادة النضال الطبقي، وانسحابا شبه كامل أمام السلطة، وصولا إلى درجة تورّط بعض القيادات في تقييد أي شكل من أشكال التنظيم القاعدي المتبقي الذي يمكّن العمال من رفع صوتهم ولو بشكل محدود.
لكننا لا ننظر إلى هذا الانهيار التنظيمي باعتباره مجرد فرصة سياسية ضيقة لأحزاب أو أيديولوجيات متصارعة على السيطرة، بل نراه من منظور تحرري ثوري. أي نسأل: هل يمكن أن يخدم انهيار البيروقراطية مصالح الطبقة العاملة؟ وهل يمهّد الطريق لتحرّر حقيقي يقوم على أنظمة تنظيمية أفقية وقاعدية، تعتمد على الفعل المباشر بدلا من التمثيل المعطّل؟
في تحليلنا، الإجابة هي نعم، لكن تحت شرط صارم: أن يكون هذا الانهيار نتيجة تمرد قاعدي واع، لا مجرد تفكك إداري أو انهيار سلبي تحت ضغط السلطة أو الظروف الاقتصادية. الانهيار المطلوب هو الذي يعيد للعمال طاقتهم التنظيمية المسلوبة، ويتيح لهم أن يحددوا مصيرهم بأنفسهم، بدل تركه بيد نخبة بيروقراطية تدّعي التمثيل لكنها في الواقع تعيد إنتاج منطق الدولة والسيطرة داخل الحركة نفسها.
فالبيروقراطية بنية سلطة صغيرة تنسخ المنطق السلطوي داخل صفوف العمال. حين تفصل القيادة عن القاعدة، تتحول النقابات من أدوات نضال إلى منظمات لإدارة المطالب والاحتجاجات ضمن شروط الدولة ورأس المال. القيادي في المكتب التنفيذي يصبح وسيطا بين العمال والدولة بدل أن يكون جزء من صراعهم المباشر معها، وهكذا تضعف الحركة العمالية في أماكن العمل والمجتمع ككل، وتفقد طبقتها العاملة إمكانية ممارسة قوتها الذاتية وتنظيم نفسها بشكل مستقل.
ولذلك لا يمكن ببساطة إصلاح هذه البيروقراطية عن طريق آليات قيادية داخلية فقط؛ فكل مقاومة بيروقراطية من داخلها غالبا ما تزيدها تماسكا، لأنها تعزّز منطقها السلطوي وتكرّس وضعها على حساب المبادرات القاعدية.
من هذا المنطلق ، نرفض قراءة الصراع الطبقي باعتباره مجرد مواجهة ضد رأس المال أو ضد الدولة فقط. من منظورنا التحرري الصراع الطبقي ممتد داخل الحركة العمالية نفسها. تفكيك بنى السلطة داخل التنظيمات التي تزعم تمثيل العمال هو جزء لا يتجزّأ من هذا الصراع، لأنه يعيد الفعل المباشر للعمال إلى صلب التنظيم والنضال.
لكن هذا لا يعني أننا نمجّد الفراغ أو الفوضى. انهيار البيروقراطية بلا بديل قاعدي فعلي ، مثل مجالس عمالية أفقية، تنسيق تطوّعي بين أماكن العمل، اتحادات فدرالية تقوم على المشاركة الذاتية ، يمكن أن يترك فجوة تستغل من قِبل الدولة أو رأس المال أو حتى قوى سياسية رجعية لتحجيم الحركة العمالية أو إعادة احتكار القرار بنمط أكثر قسوة.
التحرر الحقيقي، في منظورنا، هو هدم وبناء متزامنان: هدم منطق السلطة داخل الحركة العمالية وبناء أشكال تنظيمية جديدة تستند إلى الفعل الذاتي للعمال في أماكن عملهم. هذا هو الاختبار الحقيقي لما إذا كان انهيار البيروقراطية في الاتحاد العام التونسي للشغل يخدم الطبقة العاملة أم لا.
إذا انتهى هذا الانهيار بـتنظيم عمالي جديد يقوم على مشاركة قاعدية حقيقية، وليس فقط إعادة توزيع السلطة بين أجنحة بيروقراطية مختلفة، فحينها يمكن القول إن العمال قد استعادوا جزء من طاقتهم التنظيمية المسلوبة. أما إذا بقي الانهيار مجرد تهدّم إداري أو تصفية تنظيمية تضعف الحركة العمالية في مواجهة الدولة ورأس المال، فسيكون ذلك هزيمة بدل أن يكون تحررا.
في النهاية، جوهر المعركة ليس إسقاط منظمة تحمل اسما تاريخيا في حد ذاتها، بل تحطيم منطق السلطة أينما وجد، بما في ذلك داخل التنظيمات التي تدّعي تمثيل العمال. وبدون بديل تنظيمي قاعدي حقيقي، لا يصبح إسقاط المنظمة أو إندثارها تحريرا للعمال، بل فقط هزيمة بلا قائد وبلا مقاومة وربما تحريرا لرأس المال من آخر قيود جماعية.
فإذا كانت التجارب العمالية العالمية قد أظهرت أن تفكيك البيروقراطية ممكن، فإنها أظهرت كذلك أن المسألة لا تحسم في مستوى الشكل التنظيمي وحده، بل في مستوى الوعي الطبقي الذي يحمله الفاعلون أنفسهم. فالبنية البيروقراطية لا تسقط فقط لأنها فقدت شرعيتها، بل لأنها تصبح عاجزة عن احتواء الطاقة الاجتماعية المتراكمة في القاعدة. وعندما تبلغ القاعدة درجة من النضج تجعلها ترى في الوسيط عائقا لا أداة، تبدأ لحظة التحول.
غير أن لحظة التحول هذه دقيقة للغاية. فهي لا تشبه الانفجار العفوي الذي يكتفي بإسقاط ما هو قائم، بل تشبه انتقالا في ميزان القوى داخل الحقل العمالي نفسه. إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن تتحول الأزمة إلى صراع أجهزة، أو إلى تنافس على خلافة بيروقراطية بأخرى، بينما تبقى القاعدة متفرجة. عندها يصبح الانهيار مجرد إعادة ترتيب للنخبة، لا إعادة توزيع للسلطة.
في التاريخ العمالي، كانت اللحظات الأكثر خصوبة هي تلك التي امتزج فيها الغضب الاجتماعي بالتنظيم الواعي. في بولندا بداية الثمانينات مثلا، نشأت حركة "تضامن" كتنظيم عمالي واسع خارج النقابات الرسمية الخاضعة للدولة. في بداياتها كانت حركة قاعدية ذات طابع ديمقراطي مباشر، تجمع العمال في ساحات المصانع لاتخاذ القرار. لكن مع توسعها وتحولها إلى فاعل سياسي وطني، بدأت تتشكل داخلها طبقات قيادية تفاوض باسم الملايين. ومع تغير السياق السياسي، تحولت لاحقا إلى جزء من إعادة هيكلة النظام نفسه. التجربة لا تقرأ بإدانة أخلاقية، بل كتحليل لبنية التحول: حين يتسع التنظيم ولا تضبط آليات المحاسبة القاعدية، يبدأ الانفصال التدريجي بين القيادة والقاعدة.
وهنا نصل إلى سؤال جوهري: كيف يمكن لحركة عمالية أن تتفادى إعادة إنتاج البيروقراطية بعد إسقاطها؟ الجواب لا يكمن في رفض كل أشكال القيادة، بل في إعادة تعريفها. القيادة في التصور الاشتراكي التحرري ليست موقعا دائما، بل وظيفة قابلة للدوران والعزل الفوري. ليست امتيازا ماديا أو رمزيا، بل تكليفا محددا بزمن ومهام. كلما طال أمد الموقع، وكلما تراكمت حوله الامتيازات، بدأ منطق الدولة يتسلل إليه.
كما أن المسألة ليست تنظيمية فقط، بل ثقافية أيضا. فالثقافة العمالية التي تعوّل على "المخلّص النقابي" أو "الزعيم التاريخي" تفتح الباب لإعادة إنتاج التراتبية. أما الثقافة التي ترى في كل عامل فاعلا سياسيا كامل الأهلية، فهي التي تمهّد لأفق ديمقراطي جذري. لذلك فإن أي مسار تحرري حقيقي يمر عبر تعميم أدوات التثقيف الذاتي، وفتح النقاشات داخل مواقع العمل، وربط المطالب اليومية بالتحليل البنيوي لعلاقات الإنتاج.
إن التجارب اللاتينية في التنسيق الأفقي بين النقابات القاعدية تقدم هنا إضاءة مهمة. في بعض بلدان أمريكا الجنوبية، ظهرت شبكات تنسيق لا تقوم على مركز قيادي صارم، بل على فدراليات مرنة تبقي القرار في القاعدة وتكتفي بالتنسيق بين المواقع المختلفة. هذه النماذج لم تلغ الحاجة إلى التخطيط أو الاستراتيجية، لكنها نزعت عنها الطابع العمودي الصارم. غير أن بقاءها رهين بتوازن دقيق: فكلما اشتد ضغط الدولة أو السوق، تبرز الحاجة إلى مركزية أكبر، ومعها يبرز خطر إعادة إنتاج البيروقراطية.
وهكذا يتضح أن الصراع ضد البيروقراطية ليس معركة لحظة، بل معركة دائمة ضد ميل التنظيم إلى التصلب. كل تنظيم، مهما كان تحرريا في بدايته، يحمل في داخله إمكانية التحول إلى جهاز منفصل عن قاعدته. الوعي بهذه الإمكانية هو الخطوة الأولى لتحييدها.
في السياق التونسي، كما في أي سياق آخر، لا يمكن قراءة أزمة تنظيم عمالي كبير فقط من زاوية التوازنات السياسية الوطنية، بل من زاوية قدرتها على تحفيز نقاش عميق داخل صفوف العمال أنفسهم: من يقرر؟ كيف يتخذ القرار؟ من يملك حق التفاوض؟ ما حدود التفويض؟ كيف تراقب القيادة؟ ما العلاقة بين النضال المطلبي اليومي والأفق الاجتماعي الأشمل؟
إذا تحولت الأزمة إلى مناسبة لطرح هذه الأسئلة داخل المعامل والإدارات والحقول، فإنها تكون قد فتحت أفقا تاريخيا جديدا. أما إذا بقيت محصورة في بيانات القيادات وتكتيكات الأجنحة، فإنها ستنتهي إما بإعادة ترميم الجهاز القديم، أو بإضعاف الحركة العمالية ككل.
الرهان الاشتراكي الثوري لا يقوم على التشفي في سقوط جهاز، ولا على الحنين إلى استقراره، بل على الدفع نحو انتقال نوعي في وعي القاعدة بذاتها. فحين تدرك الطبقة العاملة أنها ليست مجرد كتلة يتحدث باسمها، بل ذات جماعية قادرة على التفكير والتنظيم والمبادرة، تتغير معادلة الصراع برمتها.
إن كل أزمة عميقة تحمل في داخلها بذرة إمكان مزدوج: إمكان الانكفاء أو إمكان التأسيس. والانكفاء يحدث عندما يستبدل النقاش السياسي بالصراع الشخصي، وعندما يختزل المشروع التحرري في إدارة أزمة تنظيمية. أما التأسيس فيحدث عندما يعاد فتح السؤال الجذري حول معنى التنظيم العمالي في زمن تتغير فيه أشكال العمل نفسها، من هشاشة التوظيف إلى تفكك مواقع الإنتاج إلى صعود العمل غير المستقر.
من هنا، فإن تجاوز البيروقراطية لا يعني فقط تفكيك هياكل قائمة، بل ابتكار أشكال تنظيم تتلاءم مع واقع العمل المعاصر، دون أن تفقد جوهرها القائم على التضامن الطبقي والفعل الجماعي. فالرأسمالية تتغير، وتعيد هيكلة نفسها باستمرار، وإذا بقي التنظيم العمالي جامدا، فإنه يتحول إلى ظل لتاريخ مضى.
إن اللحظة التاريخية التي نعيشها تفرض إعادة التفكير في العلاقة بين النقابة والحركة الاجتماعية الأوسع: بين العامل والعاطل، بين الموظف وصاحب العقد الهش، بين المركز والجهات المهمشة. التنظيم التحرري هو الذي يمد الجسور بين هذه المواقع، لا الذي يحصر نفسه في قطاعات محمية نسبيا.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا على المستقبل: هل تتحول الأزمة إلى انكماش يعيد إنتاج منطق الوساطة القديم، أم إلى انبعاث قاعدي يعيد تعريف معنى القوة العمالية؟
التاريخ لا يمنح ضمانات، لكنه يمنح إشارات. والإشارة الأوضح التي تقدمها تجارب العالم هي أن التحرر لا يتحقق دفعة واحدة، بل عبر تراكم طويل من الوعي والتنظيم والصراع.
وحين تتقاطع الإرادة الجماعية مع لحظة تاريخية ناضجة، يمكن للأزمة أن تصبح بداية زمن جديد، لا خاتمة مرحلة فقط.
فالبيروقراطية النقابية نتاج سيرورة تاريخية معقدة ارتبطت بتشكل الدولة الحديثة نفسها. فمنذ أن اعترفت الدول الرأسمالية بالنقابات كشريك تفاوضي، بدأ يتشكل نمط من "التمأسس" جعل التنظيم العمالي جزء من آلية الضبط الاجتماعي. الاعتراف القانوني لم يكن منحة بريئة؛ كان إدماجا مشروطا. ومنذ تلك اللحظة، صار على النقابة أن تتحرك داخل أطر قانونية ومالية تفرض عليها حدودا واضحة لما يمكن فعله.
هنا تتولد مفارقة كبرى: كلما ازدادت النقابة قوة داخل المؤسسات، ازداد خطر ابتعادها عن روح التمرد التي أنشأتها. فالموقع التفاوضي يمنح شرعية، لكنه يخلق في الوقت ذاته مصالح مستقلة للجهاز. الميزانيات، المقرات، الامتيازات، العلاقات الرسمية، كلها تتحول تدريجيا إلى عناصر تدفع نحو الاستقرار بدل المغامرة. ومن هذه الأرضية تنشأ طبقة وسيطة داخل الحركة العمالية، ليست برجوازية بالطبع، لكنها أيضا ليست جزءً من الهشاشة اليومية التي يعيشها العامل العادي.
في تجارب عديدة، عندما اشتد الضغط النيوليبرالي منذ الثمانينات، اختارت قيادات نقابية كثيرة منطق "الشراكة الاجتماعية" كخيار استراتيجي. في أوروبا الغربية مثلا، دخلت نقابات كبرى في ترتيبات ثلاثية مع الدولة وأرباب العمل لضبط الأجور وإدارة الأزمات. هذا المسار وفّر مكاسب مرحلية أحيانا، لكنه أضعف القدرة التعبوية طويلة المدى. تحوّل الإضراب من أداة مركزية إلى ورقة أخيرة نادرة الاستخدام. ومع تراجع الكثافة النقابية، أصبحت الأجهزة أكثر انغلاقا على ذاتها.
في المقابل، حين انفجرت موجات احتجاج عمالية خارج هذه الأطر ، كما حدث في فرنسا مع حركة "السترات الصفراء" وإن لم تكن نقابية بالمعنى التقليدي ، بدا واضحا أن أشكالا جديدة من الغضب الاجتماعي يمكن أن تتشكل خارج الهياكل القائمة. هذا لا يعني أن تلك الحركات كانت بديلا نقابيا جاهزا، لكنها كشفت حدود الوساطة التقليدية عندما تعجز عن استيعاب قطاعات واسعة من الطبقة العاملة الجديدة، خاصة في الاقتصاد غير المستقر.
المسألة إذن لا تتعلق فقط بإصلاح جهاز، بل بإعادة التفكير في معنى التنظيم في زمن تتغير فيه تركيبة الطبقة العاملة نفسها. العامل اليوم ليس دائما ذلك الذي يقضي ثلاثين عاما في مصنع واحد. هناك عمل مؤقت، منصات رقمية، هجرة، بطالة دورية. إذا لم يتجدد الشكل التنظيمي ليواكب هذه التحولات، فإنه يفقد صلته بقطاعات كاملة من المنتجين.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال أعمق من مجرد الموقف من قيادة بعينها: كيف يمكن بناء تنظيم يحتفظ بقدرته التفاوضية دون أن يتحول إلى جهاز تفاوضي صرف؟ كيف يمكن الجمع بين الفعالية الاستراتيجية والديمقراطية القاعدية؟ كيف يمكن حماية التنظيم من الاختراق أو التفكك دون تكريسه كبنية مغلقة؟
بعض التجارب حاولت معالجة هذا التوتر عبر مبدأ الشفافية الراديكالية: نشر كل محاضر الاجتماعات، تحديد سقف زمني صارم للمسؤوليات، منع تراكم الرواتب أو الامتيازات، وإبقاء القاعدة في حالة انعقاد دائم عبر جمعيات عامة دورية. هذه الآليات لا تلغي الخطر تماما، لكنها تضع عوائق أمام تحوّل القيادة إلى طبقة مستقلة.
هناك أيضا مسألة العلاقة بين النقابي والسياسي. في محطات تاريخية عديدة، أدى التداخل غير المحسوب بين الجهاز النقابي والمشروع الحزبي إلى تشويش الأولويات. عندما تصبح النقابة ذراعا لمشروع انتخابي، أو حين تتحول إلى قوة موازنة بين أجنحة السلطة، فإنها تخاطر بفقدان استقلالها الطبقي. الاستقلال هنا لا يعني الحياد، بل يعني أن معيار القرار هو مصلحة العمال كما تحددها قاعدتهم، لا حسابات التحالفات الظرفية.
ثم إن تفكيك البيروقراطية لا يمكن أن يتم بخطاب أخلاقي فقط. فالمسألة ليست فساد أفراد أو ضعف نوايا، بل بنية تميل بطبيعتها إلى الانفصال عن القاعدة. لذلك فإن أي مشروع تحرري يحتاج إلى أدوات عملية: توزيع السلطة، تدوير المواقع، تعزيز ثقافة النقاش المفتوح، وربط كل تفاوض بتفويض واضح ومحدد زمنا ومضمونا.
يبقى عامل آخر حاسم: ميزان القوى العام. فحتى أكثر التنظيمات ديمقراطية قد تضطر إلى قدر من المركزية حين تواجه قمعا مباشرا أو هجوما كاسحا من رأس المال. التحدي هو ألا تتحول هذه الضرورة المؤقتة إلى قاعدة دائمة. التاريخ مليء بأمثلة حركات ثورية بررت المركزية بوصفها ظرفا استثنائيا، ثم استقرت عليها حتى أصبحت بنية صلبة.
إن اللحظة الراهنة في أي حركة عمالية تعيش أزمة تفتح إمكان إعادة التأسيس على قواعد أوضح. ليس المطلوب هدم كل ما راكمه التاريخ، ولا التسليم بكل ما أورثه، بل إخضاعه لنقد جذري يميّز بين ما يعزز القوة الجماعية وما يقيّدها. فالمنظمة ليست قيمة في ذاتها؛ قيمتها تقاس بمدى قدرتها على توسيع أفق الفعل العمالي.
في النهاية، يتحدد المسار وفق قدرة القاعدة على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. التنظيم الذي لا يتيح لأعضائه التفكير والمبادرة واتخاذ القرار، يتحول تدريجيا إلى جهاز إدارة. أما التنظيم الذي يراهن على ذكاء قاعدته الجماعي، فيبقى حيا وقابلا للتجدد.
وهكذا فإن معركة تجاوز البيروقراطية ليست فصلا هامشي، بل جزء مهما من صراع أطول حول طبيعة السلطة داخل الحركة العمالية ذاتها. صراع لا يحسمه شعار، ولا تنهيه أزمة واحدة، بل يتجدد مع كل محاولة لبناء قوة اجتماعية قادرة على مواجهة رأس المال دون أن تعكس منطقه في داخلها.
و من هذا المنطلق ، لا يمكن فهم الرهان الدائم للسلطة على تحجيم الاتحاد العام التونسي للشغل دون العودة إلى محطتين فاصلتين في تاريخه الحديث: إضراب 26 جانفي 1978 ثم ضرب الاتحاد في 1985. فهاتان اللحظتان لم تكونا مجرد صدامين عابرين، بل شكلتا الإطار المرجعي الذي حكم علاقة الدولة بالمنظمة لعقود تالية.
في 1978 خرج الصراع من طور التفاوض الاجتماعي إلى طور المواجهة المفتوحة. الإضراب العام لم يكن مطلبيا صرفا، بل كان تعبيرا عن احتقان اجتماعي وسياسي عميق. حينها أدركت السلطة أن الاتحاد، إذا تحرك كقوة جماعية مستقلة، قادر على شل البلاد وإعادة طرح سؤال الشرعية ذاته. الرد كان أمنيا عنيفا، سقط فيه قتلى وجرحى، وتم اعتقال قيادات نقابية ومحاصرة المنظمة. الرسالة كانت واضحة: السقف مرسوم، وأي محاولة لتجاوزه ستواجه بالقوة.
غير أن القمع في حد ذاته لم يكن الهدف النهائي، بل كان وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة. بعد 78 بدأ يتكرس تصور داخل الدولة مفاده أن المواجهة المباشرة مكلفة، وأن الأجدى هو تفكيك مخالب الاتحاد تدريجيا عبر الاحتواء والانقسام وإعادة هندسة القيادة.
ثم جاءت سنة 1985 لتؤكد هذا المنحى. في سياق أزمة اقتصادية خانقة وتوترات اجتماعية متصاعدة، تعرض الاتحاد إلى ضربة سياسية وتنظيمية جديدة. تم الدفع نحو إضعاف قيادته، وتكثيف التدخل في شؤونه الداخلية، وخلق حالة ارتباك داخل هياكله. لم يكن الهدف القضاء عليه كليا، بل إعادة ضبطه. السلطة لم تكن تريد فراغا نقابيا، بل نقابة قابلة للتوجيه.
هنا تتضح الاستراتيجية بعيدة المدى:
ليس إلغاء المنظمة، بل تحويلها إلى هيكل احتجاج مضبوط، يتحرك داخل حدود لا تمس جوهر الخيارات الاقتصادية والسياسية الكبرى. يسمح له بالضغط لتحسين شروط العمل هنا أو هناك، لكن يمنع من التحول إلى قوة تعيد صياغة قواعد اللعبة.
ما حدث بعد ذلك، سواء في أواخر عهد بورقيبة أو خلال حقبة بن علي، كان امتدادا لهذا المنطق. تم الجمع بين العصا والجزرة: تضييق حين يعلو السقف، وامتيازات واعتراف رسمي حين يلتزم بالحدود. هكذا تشكل توازن هش بين جهاز نقابي يسعى للحفاظ على وجوده وتأثيره، وسلطة حريصة على ألا يتحول هذا التأثير إلى استقلال فعلي.
لكن 78 و85 لم تتركا فقط أثرهما في ذاكرة الدولة، بل أيضا في ذاكرة القاعدة العمالية. فقد رسختا قناعة مزدوجة:
أن الاتحاد يمكن أن يكون قوة تهز السلطة،
وأن هذه القوة يمكن أن تستهدف بعنف حين تتجاوز الخطوط الحمراء.
هذا الوعي المزدوج خلق توترا دائما داخل المنظمة بين من يميل إلى الحذر والتدرج حفاظا على المكاسب، ومن يرى أن الخضوع لسقف السلطة يفقدها معناها التاريخي. ومن هنا يتجدد السؤال في كل أزمة: هل وظيفة الاتحاد أن يكون شريكا اجتماعيا ضمن منطق الدولة، أم أداة صراع تعيد رسم حدود الممكن؟
إن استحضار 1978 و1985 ليس تمرينا في الذاكرة، بل ضرورة لفهم الحاضر. فكل محاولة راهنة لدفع المنظمة إلى مربع المطلبية الضيقة تجد جذورها في تلك اللحظات التي قررت فيها السلطة أن الاتحاد يجب أن يبقى موجودا لكن بلا أنياب حقيقية.
غير أن التاريخ يعلمنا أيضا أن المنظمات التي تنشأ من صلب المجتمع لا يمكن اختزالها نهائيا في دور مرسوم لها من فوق. فبقدر ما تراهن السلطة على تحويل الاتحاد إلى عجلة خامسة، تبقى إمكانية عودته إلى موقع الفعل المستقل رهينة بما يجري داخل قاعدته.
إن 78 و85 كانتا محاولتين لإعادة تعريف الاتحاد من قوة صدام إلى جهاز توازن. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحا:
هل يظل هذا التعريف قدرا دائما، أم أن التحولات الاجتماعية الجديدة قادرة على إعادة إطلاق ديناميكية تتجاوز هندسة التدجين التي بدأت منذ تلك السنوات؟
الإجابة لا تحسم في بيانات رسمية ولا في مكاتب مغلقة، بل في قدرة العمال أنفسهم على استعادة المعنى العميق لتنظيمهم: كأداة قوة لا كإطار احتواء.
فإذا كانت 1978 و1985 قد أرستا قاعدة العلاقة المتوترة بين الاتحاد والسلطة، فإن ما بعد 2011 فتح طورا جديدا لم يلغ الرهان القديم بل أعاد صياغته بأدوات مختلفة. سقط رأس النظام، لكن سؤال تدجين القوة العمالية لم يسقط. تغيّر المشهد السياسي، تعددت الحكومات، دخلت قوى جديدة إلى الحكم، غير أن جوهر العلاقة ظل محكوما بهاجس واحد: كيف يحتوى الاتحاد داخل توازنات السلطة دون أن يتحول إلى قطب مستقل يعيد تشكيلها؟
في السنوات التي تلت 2011، وخاصة في زمن صعود الإسلام السياسي إلى موقع القرار، بدا المشهد أكثر تعقيدا. من جهة، كان الاتحاد جزء من الحراك الذي أسقط الاستبداد، ومن جهة أخرى وجد نفسه في مواجهة حكومات تحمل مشروعا مختلفا للدولة والمجتمع. التوتر لم يكن فقط مطلبيا، بل كان سياسيا عميقا. الإضرابات، التحركات الجهوية، الصراع حول التعيينات والإصلاحات، كلها كشفت أن العلاقة لم تكن شراكة مستقرة.
لكن في الوقت ذاته، انخرط الاتحاد في أدوار وساطة وطنية، أبرزها في لحظة الحوار الوطني. هذا الدور منحه شرعية واسعة، بل مكانة دولية، غير أنه عمّق أيضا موقعه كفاعل توازني داخل النظام السياسي الجديد. صار مطلوبا منه أن يحمي الاستقرار بقدر ما يضغط اجتماعيا. وهنا عاد التناقض القديم في ثوب جديد: هل يكون قوة صراع أم قوة توازن؟
في زمن "الإخوانجية" لم يكن الهدف المعلن تحطيم الاتحاد، بل إعادة تطويعه ضمن معادلة حكم تعددية. غير أن الصراع الإيديولوجي والسياسي جعله أحيانا في موقع المواجهة المباشرة، خاصة حين تعلق الأمر بالسياسات الاقتصادية أو بمحاولات التأثير في مفاصل الدولة. السلطة آنذاك كانت تحتاج إلى الاتحاد لتأمين شرعية اجتماعية، لكنها كانت تتحفظ من استقلاله السياسي.
ثم جاءت لحظة 25 جويلية، ومعها دخلت البلاد طورا سياسيا جديدا عنوانه إعادة تركيز السلطة التنفيذية وتقليص دور الوسائط. في هذا السياق، عاد السؤال القديم في صيغة أكثر حدّة: ما موقع التنظيمات الوسيطة، وفي مقدمتها الاتحاد، داخل تصور يقوم على علاقة مباشرة بين الحاكم و"الشعب"؟
في الخطاب السياسي الجديد، تطرح صورة سلبية عن الأجسام الوسيطة باعتبارها عائقا أو جزء من منظومة سابقة. وهنا يصبح الاتحاد أمام اختبار مزدوج:
إما أن يدفع إلى زاوية الاحتجاج القطاعي المحدود،
أو أن يتهم بتعطيل مسار سياسي جديد إن تجاوز هذا الدور.
الرهان هذه المرة لا يقتصر على ضبط سقف المطالب، بل يمتد إلى إعادة تعريف شرعية الفعل النقابي ذاته. فإذا كانت المراحل السابقة تقوم على احتواء تفاوضي، فإن المرحلة الراهنة تميل إلى تقليص مجال الوساطة عموما. وهذا يضع الاتحاد أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على استقلاليته دون أن يعزل؟ وكيف يدافع عن دوره الاجتماعي دون أن يختزل في خانة الخصومة السياسية؟
ما يلفت الانتباه أن القاسم المشترك بين مختلف السلطات منذ 1978 إلى اليوم هو الرغبة في إبقاء الاتحاد داخل حدود يمكن التحكم فيها. اختلفت الأدوات: قمع مباشر، احتواء تدريجي، شراكة مشروطة، خطاب شعبوي ضد الوسائط. لكن الهدف ظل متشابها: منع تحوله إلى قوة اجتماعية تعيد طرح سؤال توزيع السلطة والثروة جذريا.
غير أن السياق الاقتصادي والاجتماعي اليوم أكثر هشاشة مما كان عليه في مراحل سابقة. تفاقم المديونية، تراجع الخدمات العمومية، توسع الهشاشة، كلها عوامل تجعل من الفضاء النقابي ساحة صراع مركزي. ففي أزمنة الأزمات الكبرى، لا يعود ممكنا الاكتفاء بإدارة المطالب، بل يفرض سؤال النموذج الاقتصادي نفسه.
وهنا يتحدد أفق المرحلة:
إما أن يعاد إدماج الاتحاد في دور تقني محدود، يتفاوض على التفاصيل ويبتعد عن الجوهر،
وإما أن تتشكل داخله ديناميكية تربط بين الدفاع عن الشغالين ومساءلة الخيارات الكبرى.
إن ما بعد 2011 وما بعد 25 جويلية يكشفان أن تبدل الأنظمة لا يلغي التوتر البنيوي بين السلطة والتنظيم العمالي. قد تتغير الشعارات والمرجعيات، لكن المسألة تبقى هي نفسها: هل يسمح للطبقة العاملة بأن تكون فاعلا مستقلا، أم يراد لها أن تظل طرفا احتجاجيا ضمن حدود مرسومة؟
الجواب لا تحدده السلطة وحدها، بل تحدده أيضا موازين القوى داخل المجتمع، وداخل الاتحاد نفسه. فإذا استسلم لمنطق التدجين، يتحول إلى جزء من مشهد مضبوط الإيقاع. أما إذا أعاد وصل ذاته بقاعدته وبالتحولات الاجتماعية العميقة، يمكن أن يستعيد دوره كقوة اقتراح ومقاومة.
وهكذا، من 1978 إلى 1985، ومن زمن الإسلام السياسي إلى ما بعد 25 جويلية، يتبدل السياق ويبقى السؤال:
هل يكون الاتحاد أداة ضبط اجتماعي، أم أداة قوة طبقية؟
التاريخ لم يغلق هذا السؤال بعد، بل يعيد طرحه في كل مرحلة بثوب جديد.
و إذا كان الماضي قد رسم ملامح العلاقة المتوترة بين الاتحاد والسلطة، فإن المستقبل لن يبنى على استعادة تلك الفصول بحذافيرها، بل على قدرة الحركة العمالية على قراءة تحولات زمنها. تونس اليوم ليست تونس السبعينات ولا حتى تونس ما بعد 2011. البنية الاقتصادية تغيّرت، أنماط العمل تبدّلت، والهشاشة أصبحت سمة عامة لا استثناء قطاعيا. لذلك فإن استشراف مستقبل الحركة العمالية يمرّ عبر سؤال مزدوج: كيف تتجدد؟ وكيف تحافظ على وحدتها في زمن التفكك الاجتماعي؟
أول ما يفرض نفسه هو أن الطبقة العاملة لم تعد محصورة في المصنع والإدارة العمومية. هناك عمل هش، منصات رقمية، بطالة مقنّعة، هجرة داخلية وخارجية، اقتصاد غير منظم يتسع باستمرار. إن لم تنفتح الحركة النقابية على هذه الفئات، فإنها تخاطر بأن تصبح ممثلة لجزء من الشغالين فقط، بينما تتسع هوامش غير مؤطرة قد تنفجر خارجها.
المستقبل الثوري للحركة العمالية لا يكمن في الانكفاء على المواقع المحمية، بل في مدّ الجسور بين كل من يبيع قوة عمله، مهما كان شكله التعاقدي. هذا يتطلب أدوات تنظيم جديدة: تنسيقيات مرنة، أشكال تضامن عابرة للقطاعات، حضور فعلي في الجهات المهمشة لا في المراكز فقط. فالوحدة ليست شعارا بل ممارسة يومية تبنى من الأسفل.
أما الاتحاد العام التونسي للشغل، فمستقبله مرتبط بقدرته على حسم توتره الداخلي بين منطق الجهاز ومنطق الحركة. إن اختار أن يكون جهازا إداريًدا يفاوض ضمن حدود مرسومة، سيحافظ ربما على استقراره التنظيمي، لكنه سيفقد تدريجيا طاقته التعبوية. أما إن انفتح على ديناميكية قاعدية حقيقية، تسمح بتجديد قياداته وآلياته، فقد يتحول إلى مختبر ديمقراطية عمالية متقدمة.
الرهان الثوري لا يعني القفز إلى مواجهة غير محسوبة، بل إعادة تعريف المشروع الاجتماعي الذي تحمله الحركة العمالية. في زمن الأزمات المتكررة، لم يعد كافيا الدفاع عن الأجور في مواجهة التضخم فقط، بل بات ضروريا مساءلة خيارات التداين، والخصخصة، وتفكيك الخدمات العمومية. الحركة التي لا تطرح سؤال من يملك ومن يقرر، تبقى أسيرة رد الفعل.
قد يشهد المستقبل محاولات لتفكيك الوحدة النقابية أو خلق بدائل مشتتة، خاصة إذا تعمق الصراع الاجتماعي. هنا يصبح وعي القاعدة حاسما: الوحدة ليست قيمة شكلية، بل شرط قوة. لكن الوحدة نفسها يجب أن تقوم على الديمقراطية الداخلية لا على الانضباط الصامت. فالوحدة المفروضة من فوق هشّة، أما الوحدة المبنية على مشاركة فعلية فهي أكثر صلابة.
هناك أيضا بعد إقليمي ودولي لا يمكن تجاهله. التحولات في شمال إفريقيا، أزمات الديون، الضغوط المالية العالمية، كلها تجعل من الحركة العمالية جزء من معادلة أوسع. التضامن العابر للحدود قد يتحول إلى عنصر قوة، خاصة في مواجهة سياسات تقشف متشابهة تفرضها مؤسسات مالية دولية. المستقبل قد يحمل إمكان بناء شبكات تنسيق مغاربية أو متوسطية تعيد ربط النضال المحلي بأفق أممي.
استشرافا، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات كبرى:
الأول: استمرار الوضع القائم، حيث يبقى الاتحاد فاعلا مطلبيا رئيسيا دون أن يتحول إلى قوة تغيير أعمق، مع تذبذب بين الضغط والاحتواء.
الثاني: تراجع تدريجي في التأثير نتيجة تفكك داخلي أو ضغط سياسي واقتصادي، ما يفتح المجال لاحتجاجات غير منظمة قد تكون أكثر حدة وأقل استقرارا.
الثالث: انبعاث قاعدي يعيد تعريف دور المنظمة، يربط بين الدفاع اليومي عن الشغالين وبناء مشروع اجتماعي بديل.
السيناريو الثالث ليس حتميا، لكنه ممكن إذا توفرت شروط الوعي والتنظيم. وهو لا يعني ثورة بالمعنى الرومانسي، بل تراكما طويلا يعيد بناء الثقة بين القاعدة وهياكلها، ويحوّل النقابة من إطار رد فعل إلى قوة اقتراح.
المستقبل لن يصاغ في بيانات رسمية ولا في قرارات فوقية، بل في مواقع العمل، في الاجتماعات القاعدية، في النقاشات اليومية حول معنى التضامن. فإذا أدركت الحركة العمالية أن قوتها في استقلالها وفي قدرتها على التجدد، يمكن أن تتحول الأزمات المتتالية إلى محطات نضج.
الحركة العمالية التونسية تحمل إرثا ثقيلا من الصدام والتفاوض، من القمع والوساطة، من الانتصارات والانكسارات. هذا الإرث ليس عبئا فقط، بل خزان خبرة. والسؤال المفتوح هو: هل يستخدم هذا الخزان لتثبيت موقع ضمن معادلة قائمة، أم لإعادة رسم حدود الممكن الاجتماعي؟
الاستشراف الثوري لا يقدم وعودا جاهزة، بل يفتح أفقا:
أن تكون الحركة العمالية قوة وعي وتنظيم، لا مجرد قوة احتجاج.
أن يكون الاتحاد فضاء ديمقراطية حية، لا جهاز تسيير فقط.
وأن تتحول الأزمات إلى لحظات تأسيس، لا محطات إنهاك.
هناك، في هذا المفترق، يتحدد مستقبل العمل النقابي في تونس: بين التكيّف مع السقف، أو إعادة رفعه.

ختاما ، إن قراءة تاريخ الحركة العمالية التونسية لا تسمح باستخلاص استنتاجات سطحية عن الاتحاد العام التونسي للشغل أو عن دوره الاجتماعي والسياسي. فالتجارب الممتدة منذ سبعينات القرن الماضي، من إضراب 1978 إلى ضرب الاتحاد في 1985، ومن التحولات العميقة التي أعقبت 2011 وصولاً إلى المشهد السياسي الجديد بعد 25 جويلية 2023، تكشف عن صراع دائم بين منطق السلطة الساعية للضبط والتدجين، وبين طاقة الحركة العمالية الكامنة في قاعدتها، تلك الطاقة القادرة على إعادة إنتاج الفعل المباشر والنضال الجماعي، خارج حدود أي وساطة بيروقراطية أو تسلط إداري.
المستقبل العمالي في تونس يتطلب الاعتراف بأن الهدم والبناء ليسا حدثين منفصلين، بل عملية متزامنة. هدم البيروقراطية القديمة لا يكفي، وإذا لم يصاحبه بناء هياكل تنظيمية قاعدية حقيقية، تتحول الهزيمة إلى استسلام، ويصبح الانهيار فرصة للسلطة لإعادة إنتاج سيطرتها تحت شعار "الاستقرار الاجتماعي". وبالمقابل، البناء لا يمكن أن يكون مجرد تقليد للشكل أو إعادة إنتاج للتقاليد، بل يجب أن يقوم على توسيع الديمقراطية المباشرة داخل العمل النقابي، وإعادة توزيع القوة بين القيادة والقاعدة، وربط المطالب اليومية بالأفق الاجتماعي والسياسي الأكبر.
الحركة العمالية التونسية اليوم تواجه مشهدا أكثر هشاشة وتعقيدا من أي زمن مضى. هناك تغيّر جذري في بنية الطبقة العاملة، وتوسع للعمل غير المستقر والهش، وصعود الاقتصاد الرقمي، وتفكك أماكن الإنتاج التقليدية. هذا الواقع يفرض على الحركة أن تتجاوز حدود القطاعية التقليدية وأن تبتكر أدوات جديدة للربط بين مواقع العمل، لتنسج شبكات قاعدية متفاعلة، تكون قادرة على التعبئة والتنسيق، دون أن تفقد مرونتها واستقلاليتها.
أما الاتحاد العام التونسي للشغل، فإنه يقف عند مفترق تاريخي: إما أن يظل ضمن إطار المطلبية التقليدية، مختزلا في دور العجلة الخامسة، يحقق مكتسبات قطاعية محدودة ويخضع لمعادلات السلطة، أو أن يتحول إلى قوة حقيقية تعيد تعريف دوره كشريك اجتماعي مستقل، قادر على توجيه الصراع الاجتماعي نحو الأفق التحرري الشامل، وتحويل المطالب الجزئية إلى مشروع تغيير جذري. مستقبل الاتحاد لا يبنى في المكاتب المغلقة، ولا في الاستشارات السياسية، بل في القواعد، في مواقع العمل، في تنشيط النقاشات الداخلية، وفي ربط كل خطوة احتجاجية بالتحليل الاستراتيجي لموازين القوة الاقتصادية والسياسية.
النضال العمالي في تونس لم ينته، ولا يمكن اختزاله في حسابات اللحظة السياسية أو في إدارة الأزمة الاقتصادية. إنه صراع مستمر من أجل استعادة القدرة على الفعل، وإعادة توجيه القوة الجماعية نحو مشروع يعيد صياغة العلاقات بين العمل ورأس المال، وبين السلطة والمجتمع المدني. والأزمة الحالية ليست نهاية الطريق، بل فرصة لإعادة التفكير في معنى التنظيم العمالي وإمكاناته التاريخية، وفرصة للقاعدة لتنتزع قدرتها على القرار وتعيد تعريف الديمقراطية العملية داخل الحركة نفسها.
في النهاية، مستقبل الحركة العمالية التونسية، ومصير الاتحاد العام التونسي للشغل، ليس مسألة مجرد صراع على قيادة أو جهاز، بل مسألة استرجاع الفعل الجماعي المستقل للطبقة العاملة، وإعادة ربط كل نضال يومي بأفق التحرر الاجتماعي والسياسي، بحيث يصبح كل إضراب، كل احتجاج، وكل مبادرة نقابية، جزء من مشروع متكامل لإعادة توزيع القوة والثروة والقرار. هذا هو الرهان الحقيقي، وهذا هو الأفق الذي يفتح أمام الحركة العمالية التونسية مساحة لمستقبل تحرري حقيقي، لا مجرد إدارة للنقاش أو الدفاع عن مكتسبات هامشية، بل إعادة بناء حركة جماعية قادرة على مواجهة كل أشكال الاستغلال والسلطة، داخل الصفوف وخارجها، بقوة واعية ومتجددة.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...
- الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
- الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط ...
- بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي ...


المزيد.....




- كندا تكشف عن -مفاجآت- بشأن المشتبه بها في حادث إطلاق النار د ...
- ترامب -يصرّ- على مواصلة المحادثات مع إيران.. ونتنياهو يضع -ا ...
- دراسة حديثة تحدد أبرز أسباب الحساسية الغذائية لدى الأطفال
- الفساد يتزايد عالميًا.. تقرير جديد يكشف: 122 دولة مصنفة فاشل ...
- وول ستريت: البنتاغون يُجهّز حاملة طائرات ثانية للانتشار بالش ...
- السودان.. هجمات بطائرات مسيّرة تقتل طفلين وتدمّر مستودعًا لب ...
- ما نتائج لقاء ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض؟
- ما الذي يريده نتنياهو من ترمب وما الذي تريده إيران؟
- إنستغرام يعلق حسابا لـ-أيباك تراكر- يتابعه نحو 140 ألفا
- مغربي يحول -جيت سكي- إلى طوق نجاة للمحاصرين بالفيضانات


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم لحظة تحرّر عمالي؟