|
|
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرفة إلى فعل
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 23:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرفة إلى فعل.
ليس مأزق الواقع العربي اليوم في غياب الوعي، كما يردّد بكثرة، بل في كونه وعيا مصادرا، منزوع الفاعلية، محاصرا داخل بنية اجتماعية–اقتصادية أعادت إنتاج العجز بوصفه وضعا طبيعيا. فالحديث المتكرر عن “أزمة وعي” يغفل السؤال الجوهري: أي وعي؟ ولصالح من ينتج؟ وفي أي سياق تاريخي وطبقي يتحرك؟ من منظور يساري جذري، لا يمكن فصل الوعي عن شروط إنتاجه المادية. فالوعي العربي المعاصر لم يتشوّه صدفة، بل تشكّل داخل منظومة تابعة، ريعية في جوهرها، استبدادية في بنيتها، أعادت تنظيم المجتمع على أساس الإقصاء والتفكيك، لا على أساس الصراع الخلاق أو الفعل الجماعي. وفي ظل هذه المنظومة، تحوّل الوعي إلى خطاب مفرغ من القدرة على التغيير، ومحصور في دائرة التفسير بدل التنظيم، والتشكي بدل الفعل. لقد نجحت الأنظمة العربية، مدعومة بالبنية الرأسمالية العالمية، في تفكيك المجال العام وتحويله إلى ساحة ضجيج بلا أثر. فمع توسّع الفضاء الرقمي، لم نشهد ديمقراطية في الوعي، بل تعميما للسطحية السياسية، حيث يستبدل التنظيم بالصورة، والتحليل بالشعار، والعمل الجماعي بردّ الفعل الفردي. هذا التحول لم يكن بريئا، بل أدّى وظيفة واضحة: تفريغ الغضب الاجتماعي من مضمونه الطبقي، وتحويله إلى انفعالات متناثرة غير قابلة للتراكم. في قلب هذا الواقع، تظهر الطبقة الوسطى الواهية، التي تحمل على أكتافها عبء الحداثة المستوردة، لكنها عاجزة عن خلق مشروع جماعي متماسك. هذه الطبقة تستشعر التغيرات وتستجيب لها بشكل فردي، لكنها غالبًا ما تفتقد أدوات التأثير المؤسسي. ومن هنا، يولد شعور بالاغتراب بين الفعل الممكن والفعل المرغوب، وتصبح التجارب الفردية، مهما كانت جريئة، معزولة عن أي مسار مجتمعي مستدام. أما الحركات الشعبية، فبينما تعد الوسيلة الأقدر على خلق تغيير هيكلي، غالبا ما تعاني من التفتت والانقسام الاستراتيجي. فالتعددية الحقيقية للأصوات تتحول إلى ضعفات بنيوية إذا غاب عن هذه الحركات إطار تنظيمي قوي يربطها برؤية مشتركة. وهذا يوضح لماذا كثير من الثورات أو الاحتجاجات التي تتجدد كل فترة تنحصر في دائرة الاحتجاج الرمزي، بدل أن تحوّل غضبها إلى مشاريع إنتاجية ونظامية. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل دور الاعلام المؤسسي وفضاءات النفوذ الرقمي في إعادة تشكيل الوعي الجماعي بشكل يخدم مصالح معينة. فالمحتوى الرقمي، وليس الفرد فقط، أصبح أداة للحفاظ على الوضع القائم، عبر السيطرة على الإيقاع العام للنقاش، وتوجيه الانتباه إلى أمور ثانوية، بينما تستبعد القضايا الهيكلية الكبرى. وهكذا، يصبح الجمهور العربي مستهلكا للأخبار والانطباعات، أكثر منه مشاركا في إنتاج حلول أو استراتيجيات تحررية. في هذا السياق، يصبح التعليم والبحث العلمي ساحة صراع حقيقية. فالتعليم، بدل أن يكون أداة لتحرير العقل وتحفيز الإبداع المنتج، غالبا ما يتحول إلى آلية لتطويع القوى العاملة حسب الحاجة السوقية أو السياسية. والبحث العلمي، دون استقلالية تمويلية وسياسية، لا يخرج من دائرة إعادة إنتاج المعرفة الجاهزة، التي تعيد تأكيد الهيمنة بدل كسرها. وهنا يظهر جوهر التحدي: التحرر الفكري والاجتماعي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تحرير أدوات المعرفة نفسها. أي مشروع نهضوي عربي يجب أن يبدأ بإعادة تأهيل مؤسسات التعليم، البحث، والإعلام، وربطها بصراع حقيقي على الموارد والقرار السياسي. بدون ذلك، تبقى المبادرات الفردية أو الرقمية معزولة، وحتى الأفكار الثورية الأكثر وضوحا غير قابلة للتحول إلى فعل جماعي مؤثر. فأي قراءة جذرية للوعي العربي المعاصر يجب أن تدمج تحليل القوى الاقتصادية، هياكل السلطة، وأنماط الاستغلال الاجتماعي. فالمسؤولية الفعلية ليست مجرد شعور أخلاقي بالواجب، بل قدرة على فهم النظام بشكل نقدي، والتدخل فيه بطريقة استراتيجية. إن غياب هذا الفهم العميق هو ما يجعل الوعي اليوم هشا، والإبداع مضيّعا، والفعل الجماعي غير ممكن، مهما كانت النوايا حسنة. فالأزمة العربية اليوم ليست أزمة وعي، وليست أزمة معرفة، بل هي أزمة علاقة مع السلطة. لم يعد السؤال كيف نفكر أو نبدع، بل من يملك القدرة على القرار ومن يملك القدرة على فرض إرادته بالقوة. كل تحليل للنقص الفردي أو للثقافة الرقمية أو للإبداع هو مجرد ستار يخفي الحقيقة الأساسية: أن البنى الاجتماعية والسياسية محكمة لصالح طبقات ضيّقة تعيد إنتاج هيمنتها، وأن الأغلبية تحاصر ضمن علاقات تبعية وبنية استغلالية ثابتة. في كل تجربة عربية، يظهر هذا التضاد بشكل صارخ: النخب السياسية والاقتصادية تملك أدوات السيطرة، بينما الأغلبية العظمى لا تملك إلا القدرة على المقاومة الجزئية أو الاستهلاك البطيء. وعليه، فإن أي حديث عن مبادرات فردية أو برامج إصلاحية يظل تجميلا للهيمنة، طالما لم يكن مرتبطا بتمزيق مراكز القوة التقليدية وإعادة توزيعها. في قلب هذه البنية، نجد أن الاقتصاد الريعي والسياسات التبعية أعاد إنتاج خنوع الجماهير. الموارد الطبيعية والثروات المالية والمراكز الاقتصادية الكبرى تستغل لخدمة مصالح نخبوية، في حين يترك المجتمع المدني ضعيفا، بلا أدوات ضغط حقيقية، بلا سيطرة على مسار الثروة، وبلا قدرة على استعادة القرار. وبهذا، يتحول الفعل الجماعي إلى مجرد مظاهر احتجاجية، لا تهدد العمود الفقري للنظام. فأي محاولة لفهم الأزمة العربية من دون التركيز على الاستغلال الطبقي والسيطرة الممنهجة على الموارد ستكون ناقصة. فالوعي الفردي أو التقني أو الثقافي لا يكسر أبراج الريع، ولا يزيح نفوذ القمع، ولا يعيد توزيع القوة الاقتصادية. التحليل الجذري يتطلب النظر إلى منظومة الاستغلال بأكملها، وفهم كيفية توظيف السياسة والقانون والدين والأسواق لتثبيت هذه المنظومة. وبالتالي، فإن المسألة ليست إصلاحية، بل ثورية بامتياز: الفعل العربي الحقيقي يبدأ بفهم أن السلطة ليست حكرا على الحكومة فقط، بل على كل الشبكات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحدد المصالح، وأن أي تغيير حقيقي يتطلب إعادة تنظيم هياكل القوة نفسها، وليس مجرد العمل على تغيير الوعي أو الثقافة. إن هذا الفهم الجديد يضع أمامنا حقيقة صارخة: لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح بدون تحالف جماهيري متحرر، قوة اقتصادية بديلة، وأداة سياسية تستطيع كسر احتكار السلطة. أي مشروع ينطلق من خارج هذا السياق يظل مسرحية لإعادة إنتاج الهيمنة، مهما بدت شعاراته جميلة أو متقدمة. و في قلب المجتمعات العربية المعاصرة، لا يكمن المشكل في غياب الرؤية أو في قلة المبادرة الفردية، بل في هيمنة طبقية ممتدة على جميع مفاصل الحياة. هذه الهيمنة ليست مجرد تفرّد سياسي أو اقتصادي، بل هي شبكة مترابطة من القوى التي تتحكم في الموارد، المعلومات، وسيرورة القرار. أي تحليل للفعل العربي يبتعد عن هذا الواقع يبقى سطحيا أو خادعا. الطبقات المسيطرة، سواء السياسية أو الاقتصادية، تعمل على إعادة إنتاج وضعها الهيكلي عبر السيطرة على المؤسسات التعليمية، الإعلامية، وحتى الثقافية. ما يحدث في الواقع ليس صدفة، بل استراتيجية ممنهجة لإبقاء الأغلبية في دائرة التبعية، تجعل أي فعل جماعي جدي محفوفا بالمخاطر ومنهكا. في هذا السياق، يصبح الفعل الثوري ممكنا فقط عبر توحيد الجماهير المتضررة على أساس مصالحها الحقيقية، وليس على وعود شكلية أو شعارات رمزية. الصراع العربي ليس صراعا على الأفكار المجردة، بل صراع مباشر على الموارد والسلطة والمقدرات الاجتماعية. أي مشروع إصلاحي، مهما بدا تقدميا، يظل حبيس المساحة الرمزية إذا لم يرتبط بصراع طبقي حقيقي. فالمطلوب هو تحليل مزدوج: أولا، فهم بنية السلطة والهيمنة، ثانيا، تطوير آليات للفعل الجماعي القادر على تعطيل هذه البنى. هنا يظهر دور التنظيم الشعبي الحقيقي: حركات منظمة، قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى ضغط استراتيجي ملموس على مراكز القوة، وليس مجرد مظاهر احتجاجية سطحية. فتاريخيا، أظهرت التجارب العربية أن الثورة أو الاحتجاج لا تكون فعالة إلا حين ترتبط بتحالفات واسعة للأغلبية الاقتصادية والاجتماعية المضطهدة. أي انقسام بين الطبقات المتضررة أو غياب رؤية مشتركة يضمن بقاء النخب في مركز القرار، بغض النظر عن حجم الانتفاضات أو شعارات الحرية. علاوة على ذلك، أصبح الفعل الثوري اليوم متصلا بالاقتصاد العالمي. الطبقات المسيطرة في العالم العربي تعتمد على شبكات دولية للتحايل على قيود الديمقراطية المحلية، لضمان استمرارية ريعتها وهيمنتها. أي مشروع ثوري عربي حقيقي لا يمكن أن ينظر فقط إلى الداخل، بل يجب أن يتعامل مع المنظومة العالمية التي تدعم التبعية والاستغلال المحلي. في المحصلة، الوعي العربي وحده لا يغيّر شيئا، والإبداع الفردي مهما كان جذريا، يظل محدود التأثير. المطلوب هو إعادة بناء الفعل الجماعي على أسس طبقية واضحة، متجذرة في مصالح الأغلبية المضطهدة، ومتصلة بصراع على السلطة والموارد، سواء محليا أو عالميا. فقط عبر هذا المسار يمكن أن يتحول الوعي من فكرة إلى أداة تحرير حقيقية، والإبداع من كلام إلى فعل مؤثر، والنضال من احتجاج رمزي إلى إعادة ترتيب السلطة نفسها. و الوعي العربي المعاصر يتقاطع اليوم مع تجربة المقاومة الفلسطينية في غزة بوصفها ميدان اختبار حقيقي لقدرة الشعوب على مواجهة الاستعمار والاستغلال المباشر. هنا، لا يكون الحديث مجرد عن فكرة أو شعور بالانتماء، بل عن صراع على الأرض والوجود والكرامة. غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مختبر صارخ للوعي الجماعي والمقاومة المنهجية، حيث يتجلى التناقض الأساسي بين شعوب مقموعة وطبقات سياسية وعالمية تتحكم بالقرار، وتفرض الحصار والظلم اليومي. في غزة، يواجه الفلسطينيون حصارا مزدوجا: من جهة الاحتلال المباشر، ومن جهة النخب العربية الرسمية التي غالبا ما تكتفي بالشعارات والخطابات، متجاهلة إمكانيات التضامن الجماهيري العربي الفاعل. هذا الواقع يكشف أزمة الوعي العربي ليس على مستوى الفرد فقط، بل على مستوى المجتمع الإقليمي بأكمله: وعي جامد، غير مرتبط بقدرة الفعل والمقاومة المشتركة. المقاومة في غزة تجبرنا على إعادة التفكير بالوعي بوصفه فعلا لا يقتصر على الرصد والتحليل، بل يتجسد في الفعل المباشر والمواجهة اليومية. فالوعي هنا يصبح قوة سياسية واقتصادية واجتماعية: هو القدرة على الصمود في مواجهة آلة عسكرية متفوقة، على حماية الهوية الوطنية، وعلى تنظيم المجتمع في سياق الحصار والمعاناة المستمرة. إن القضية الفلسطينية، في هذا الإطار، تكشف أيضا عن ضعف البنية العربية الرسمية في مواجهة الظلم التاريخي. فالخطابات الرسمية التي تدّعي الدعم غالبا ما تكون مجرد أداة لتبييض السلطة المحلية وشرعنة الخضوع الدولي. وهكذا، يظهر الفارق بين وعي فلسطيني جماعي قادر على التحدي، ووعي عربي غالبا ما يتقوقع في التبرير والملاحظات النظرية. من منظور يساري جذري، أي مشروع نهضوي عربي لا يمكنه تجاهل غزة، لأن الصراع الفلسطيني هو جوهر الصراع العربي الحديث: هو مواجهة الهيمنة المباشرة، والتعامل مع الاستغلال التاريخي، وإعادة تعريف الوعي بوصفه أداة لتحرير الأرض والمجتمع. أي تأخير في الفعل أو إضعاف التضامن الجماهيري العربي يعيد إنتاج الاستسلام ويكبل القدرة على الفعل الثوري. في هذا السياق، يتحول الوعي إلى أداة مقاومة حقيقية عندما يربط الفعل اليومي بالمقاومة الملموسة: التنظيم الشعبي، التضامن الميداني، دعم المبادرات الاقتصادية والاجتماعية داخل غزة، ومواجهة كل سياسات التطبيع التي تهدف إلى تجزئة الشعب الفلسطيني. فالفعل هنا لا يكون مجرد خطاب، بل شبكات دعم، مبادرات إنتاجية، واحتكاك مستمر مع الواقع اليومي للمقاومة. كما تكشف التجربة الفلسطينية أن الفعل المقاوم لا يقتصر على فلسطين وحدها، بل يمتد ليكون اختبارا للقدرة العربية على مواجهة السياسات الإمبريالية والإقليمية. أي مشروع نهضوي عربي جاد يجب أن يبدأ من غزة، باعتبارها الرمز الحي للتحدي، ولإمكانية بناء وعي عربي جماعي قادر على الربط بين المقاومة المحلية والمصالح العربية المشتركة. وخلاصة القول، الوعي في السياق الفلسطيني ليس نظرية أو تحليلا، بل ممارسة مستمرة، صراع على الأرض، وإعادة إنتاج القدرة على الفعل رغم الحصار والقمع. أي مشروع عربي مستقبلي إذا لم يدمج هذا النوع من الوعي المقاوم في صلب استراتيجيته، سيظل أداة لإعادة إنتاج التبعية والضعف، لا للنهضة والتحرر. فإذا كانت الطبقات المسيطرة في العالم العربي قد نجحت في تحويل الأغلبية إلى وعي مستهلك، عاجز عن الفعل والتغيير، فإن تجربة غزة تقدم استثناء حيويا ودرسا قاسيا: وعي فلسطيني جماعي صلب، قائم على الصراع المباشر مع الاستعمار، قادر على التحويل اليومي للمعاناة إلى تنظيم، والمقاومة إلى فعل منتج. هذا الوعي لا يقف عند حدود الوعي السياسي، بل يشمل القدرة على الصمود الاجتماعي، تنظيم الموارد، وإعادة بناء المجتمع تحت الحصار. من هذا المنطلق، يصبح الفعل العربي الثوري مرتبطا بشكل مباشر بـالقدرة على التعلم من تجربة المقاومة الفلسطينية. ففي حين عجزت النخب العربية عن تحويل تحليل الواقع إلى فعل ملموس، أظهرت غزة كيف يمكن للوعية الجماعي، المرتبط بالواقع الطبقي، أن يخلق قوة اجتماعية وإستراتيجية، حتى في أصعب الظروف. هذه التجربة تكشف حقيقة أساسية: أي مشروع نهضوي عربي لا يدمج فلسطين كجزء من استراتيجيته الجذرية، سيظل عاجزا عن مواجهة الاستغلال المباشر والهيمنة الطبقية. يتضح من الدمج بين التحليل الطبقي والوعي المقاوم الفلسطيني أن الوعي العربي لا يمكن فصله عن الممارسة الميدانية. الفكرة وحدها أو الشعور بالانتماء لا يصنع قوة، بل ما يصنعها هو الفعل الجماعي المنظم: دعم المبادرات المحلية، التضامن الاقتصادي والاجتماعي، الضغط السياسي على النخب المتواطئة، وبناء شبكات عربية متصلة بالمقاومة في غزة. إن الوعي المقاوم هنا يتحول إلى أداة ثورية عربية شاملة، قادرة على تجاوز الانقسامات الطبقية الداخلية، وخلق رابط عضوي بين الصراع الفلسطيني والصراع ضد الهيمنة الطبقية في بقية الدول العربية. فالمسألة لم تعد مجرد قضية فلسطينية محلية، بل قضية عربية مشتركة: مواجهة الاستغلال، الدفاع عن الحقوق، وبناء قدرات جماعية على المقاومة والتغيير البنيوي. الدرس الجوهري المستمد من غزة والفعل الفلسطيني المقاوم هو أن الثورة الحقيقية تبدأ من الأرض، من التنظيم الشعبي، ومن تحويل الغضب إلى قوة إنتاجية ومؤثرة. أي مشروع نهضوي عربي جاد يجب أن يرى في فلسطين مركزا لتدريب الوعي العربي على الفعل الجذري، على التنظيم الطبقي، وعلى ربط التفكير بالممارسة الملموسة. وبالتالي، يمكن القول إن غزة تعمل كمرآة صارخة للوعي العربي الحقيقي: تقيس قدرة العرب على مقاومة الهيمنة، وعلى تجاوز الجمود الطبقي، وعلى تحويل التبرير والشعارات إلى مشروع جماعي واقعي. أي استمرار في التباعد عن هذه التجربة، أو تجاهلها، يعني إعادة إنتاج الوعي المستهلك، والفعل الفردي الهش، والافتقار إلى استراتيجية جذرية حقيقية. الوعي العربي المعاصر يمر اليوم بمحطة حرجة، إذ لم تعد مجرد أزمة تحليلية أو أخلاقية، بل صراع مباشر على القدرة على الفعل والتحرر. تتجلى هذه الأزمة في هشاشة البنى الفكرية والاجتماعية، وفي ضعف القدرة على تحويل الغضب الجماعي إلى قوة تنظيمية فاعلة، وهو ما تظهره التجربة الفلسطينية في غزة بأوضح صورها. غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مختبر صارخ للوعي المقاوم، حيث تتحول المعاناة اليومية إلى ممارسة اجتماعية وسياسية متصلة، وتحويل القيود إلى قوة إنتاجية ملموسة. هنا يتجلى الفرق بين وعي متفرج أو مستهلك، ووعي جماعي قادر على مواجهة الاستعمار والاستغلال، ومقاومة كل أشكال الهيمنة المباشرة وغير المباشرة. الدرس الأول المستخلص من غزة هو أن أي مشروع نهضوي عربي لا يمكن أن يكون حقيقيا إذا لم يدمج المقاومة الفلسطينية كمرجعية أساسية. فالتحديات اليومية التي تواجهها غزة ليست منعزلة عن الواقع العربي، بل تعكس نمط الهيمنة الطبقية والسياسية التي تعمق الفقر الاجتماعي وتقصي الجماهير من المشاركة في صنع القرار. أي خطاب عربي يغفل هذه الحقيقة يصبح ناقصا، لأنه يبني الوعي على شعارات رمزية، لا على فهم الصراع كقوة اجتماعية واقتصادية واستراتيجية متصلة. في هذا الإطار، يصبح الوعي المقاوم أكثر من مجرد إدراك فكري، فهو فعل يومي، صراع متواصل على الأرض، تنظيم، إنتاج، ومقاومة. التجربة الفلسطينية تثبت أن صمود المجتمع تحت الحصار، وإعادة تنظيم الموارد والخدمات الاجتماعية والاقتصادية، وتحويل الألم إلى مشروع جماعي، هو فعل سياسي في جوهره، قادر على تغيير موازين القوة. وهو نفس الوعي الذي يجب أن يتجاوز حدود فلسطين، ويصبح نموذجا للوعي العربي الشامل، حيث يتحول التضامن مع القضية الفلسطينية إلى ممارسات عملية، من دعم التعليم المستقل والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية، إلى الضغط على النخب العربية المتواطئة سياسيا واقتصاديا. إن الدمج بين التحليل الطبقي العربي وتجربة غزة يكشف أن الثورة أو التحرك الجذري لا يمكن أن يكون فرديا أو محدودا بفكرة مجردة، بل يجب أن يكون شبكة مترابطة من الفعل الجماعي الموجه نحو مواجهة النخب المسيطرة، وتحرير الموارد، وإعادة بناء المجتمع على أساس العدالة والمساواة. الفعل الثوري هنا ليس احتجاجا رمزيا أو مظاهرة عابرة، بل تنظيم شعبي مستمر، تحالفات بين الطبقات المضطهدة، وتطوير أدوات ضغط فعالة على مراكز السلطة. في هذا السياق، يصبح الإعلام الرقمي والتكنولوجيا أدوات لا غنى عنها، لكنها يجب أن توظف في خدمة التنظيم والفعل، لا مجرد الاستهلاك أو الانتشار الفوري للمحتوى. القدرة على بناء شبكات تضامن عربية مترابطة، تدعم المقاومة في فلسطين، وتنقل تجربة الصمود والتحدي إلى بقية المجتمعات العربية، هي ما يحوّل الوعي من فكرة إلى قوة فاعلة. أي تجاهل لهذه الشبكات أو الاكتفاء بالخطابات الرمزية يعيد إنتاج الوعي المستهلك، ويقوّض إمكانات الفعل الجماعي الجذري. علاوة على ذلك، يجب أن يكون الفعل المقاوم متصلا بالاقتصاد الاجتماعي والسياسي، بحيث تصبح المبادرات الجماعية وسيلة لتقليل الاعتماد على السوق الرأسمالي التقليدي، وبناء قدرات إنتاجية محلية تدمج المعرفة بالعمل الجماعي، وتفتح المجال أمام تطوير اقتصاد مقاوم وذي تأثير فعلي. هذا النوع من الفعل يربط بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، ويحوّل الشعور بالانتماء والعدالة إلى ممارسات عملية ملموسة، من التضامن اليومي مع غزة إلى مقاومة السياسات المحلية والإقليمية التي تعزز الهيمنة الطبقية. إن أي مشروع نهضوي عربي جذري يجب أن يدمج هذه التجربة في صلب استراتيجيته: غزة كنموذج للوعي المقاوم، والفعل الجماعي العربي كوسيلة لتحويل الغضب والاستياء إلى قوة تنظيمية حقيقية. من خلال هذا الدمج، يمكن للوعي العربي أن يتحرر من حالة السكون والاستهلاك، ويصبح قادرًا على إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الفكر والفعل، وبين الحاضر والمستقبل. يصبح المشروع هنا ليس مجرد خطاب تحرري، بل خارطة عملية للفعل، تشمل التعليم، الإنتاج، التضامن، والتنظيم الاجتماعي والسياسي، بحيث يتحول الوعي العربي إلى قوة قادرة على التأثير الحقيقي في الواقع. في نهاية المطاف، غزة ليست حالة محلية فحسب، بل رمز للقدرة العربية على إعادة إنتاج الوعي المقاوم، على ربط النظرية بالممارسة، وعلى بناء مشروع ثوري عربي شامل قادر على مواجهة الهياكل الطبقية والاستعمارية في المنطقة كلها. أي تأجيل لتفعيل هذا الوعي، أو فصل الفعل العربي عن التجربة الفلسطينية، يعني استمرار الانقسامات الداخلية، وإضعاف القدرة على التغيير الجذري، وبالتالي بقاء الشعوب العربية مستهلكة، غير فاعلة، وأدوات بيد القوى المسيطرة. أما الربط بين غزة، الفعل الطبقي، والتنظيم العربي الشامل، فهو المسار الحقيقي للنهوض العربي الجذري، الذي يحول الوعي إلى فعل، والفكرة إلى مشروع، والمعاناة إلى مقاومة منتجة مستدامة. و الوعي العربي المقاوم اليوم يمر بمنعطف تاريخي حاسم، إذ لم تعد القضية مجرد وعي نظري أو شعارات رمزية، بل صراع وجودي على القدرة على الفعل والتحرر. غزة تمثل في هذا السياق نموذجا حيا للوعي الجماعي المقاوم، حيث يتحول الحصار والمعاناة اليومية إلى ممارسة اجتماعية وسياسية متصلة، وإلى صمود اقتصادي وتنظيمي قادر على مواجهة الهيمنة المباشرة والاستعمارية. هذا الدرس الفلسطيني يؤكد أن أي مشروع نهضوي عربي جاد لا يمكن أن يكون حقيقيا إذا لم يدمج فلسطين كمرجعية أساسية للوعي المقاوم، وللفعل الجذري المتصل بالواقع الطبقي والاجتماعي والسياسي. لكن غزة ليست الحالة الوحيدة التي تكشف هشاشة الواقع العربي، وتبرز الحاجة إلى وعي مقاوم جذرية. فليبيا، بعد عشر سنوات من الصراع المسلح، تبرز كمثال على تدمير الدولة ومؤسساتها لصالح قوى متصارعة، وانحلال النسيج الاجتماعي والسياسي، ما أفرز فراغا مهددا للأمن والعدالة الاجتماعية. السودان يعاني من نزاعات طبقية وسياسية متداخلة، وضعف مؤسسات الدولة، وتحكم النخب الاقتصادية في مفاصل السلطة، ما يجعل أي محاولة للتغيير حقيقية مرتبطة بالفعل الشعبي المنظم والمستمر. اليمن، بساحة حربها الممتدة، تقدم درسا مأساويا حول القدرة على الصمود الشعبي تحت الحصار والتدمير، وتحويل المعاناة اليومية إلى أدوات مقاومة مجتمعية. وسوريا، بعد سنوات من الحرب، تظهر كيف يمكن للصراع الطبقي والسياسي أن يدمر الدولة والمجتمع معًا، لكن التجمعات المحلية والمبادرات الشعبية والفضاءات التعاونية تظهر القدرة على المقاومة والتحرك الجماعي رغم الظروف القاسية. إن الدمج بين هذه التجارب يكشف أن الثورة أو التغيير الجذري في العالم العربي لا يمكن أن يظل فكرة مجردة أو شعورا بالانتماء، بل يجب أن يكون شبكة مترابطة من الفعل الجماعي، المبني على وعي طبقي، ومقاومة للنخب المسيطرة، وتحرير الموارد، وإعادة بناء المجتمعات على أساس العدالة والمساواة. الفعل المقاوم هنا يتجاوز الاحتجاج الرمزي، ليصبح تنظيما مستمرا، تحالفات بين الطبقات الشعبية، وإدارة لمبادرات إنتاجية واجتماعية واقتصادية تكون قادرة على التحدي والتغيير الفعلي. التجارب الفلسطينية، الليبية، السودانية، اليمنية، والسورية تعلمنا أن الوعي الجذري مرتبط مباشرة بالقدرة على التأثير في الواقع الملموس، وربط النظرية بالممارسة، والتحول من التبرير إلى الفعل المستمر والمنتج. وهذا يشمل: بناء شبكات دعم عربية، تعزيز التضامن العملي والمادي، تطوير أدوات ضغط على النخب المتواطئة سياسيا واقتصاديا، واستثمار التكنولوجيا الرقمية للتنظيم والمقاومة بدلا من الاكتفاء بالانتشار السريع أو الإلهاء الإعلامي. إن التحدي الحقيقي هو أن يصبح الفعل المقاوم جزء من الاقتصاد الاجتماعي والسياسي العربي، بحيث تخلق المبادرات البديلة قدرات إنتاجية محلية تقلل الاعتماد على السوق الرأسمالي التقليدي، وتدمج المعرفة بالعمل الجماعي، وتفتح المجال أمام اقتصاد مقاوم قادر على تحويل الوعي إلى فعل، والمعاناة إلى إنتاج. هنا يتحول التضامن مع غزة والقضية الفلسطينية إلى معيار عملي للوعي العربي، وعامل موحد لكل ساحات الصراع العربي، من ليبيا إلى السودان واليمن وسوريا، بحيث يصبح كل جهد شعبي مبنيا على استراتيجية مشتركة للفعل الجذري. وهذا الفعل الجذري العربي يتطلب أن تكون القوى الشعبية منظمة ومترابطة عبر الحدود، متصلة بالقضايا الكبرى للعدالة الاجتماعية والتحرر من الهيمنة الطبقية والسياسية، بحيث يصبح العمل الفردي والجماعي جزء من مشروع شامل لإعادة بناء المجتمعات العربية. الفعل هنا ليس مجرد احتجاج أو انتقاد للنخب، بل تخطيط استراتيجي للتغيير، يشمل التعليم، الإعلام المستقل، المبادرات الاقتصادية والاجتماعية، التضامن مع فلسطين، ودعم المجتمعات المتضررة، وربط كل ذلك بمشروع نهضوي طويل المدى. إن كل تجربة عربية متأزمة اليوم، من غزة إلى ليبيا واليمن والسودان وسوريا، تعكس هشاشة المؤسسات، هيمنة النخب، واستغلال الموارد، لكنها في الوقت نفسه تظهر قوة الشعوب إذا ما تم تنظيمها وربطها بالوعي المقاوم الجذري. ومن هذا المنطلق، يمكن للوعي العربي أن يتحرر من حالة الاستهلاك والتبرير، ويصبح قادرا على إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الفكر والفعل، وبين الحاضر والمستقبل، بحيث يتحول كل صراع محلي إلى درس وطني وعربي شامل، قادر على استثمار التجربة في بناء مشروع نهضوي شامل ومقاوم. في نهاية المطاف، إن غزة، وفلسطين، وسائر ساحات الصراع العربي، تقدم خارطة للوعي المقاوم العربي: درسا عمليا في الصمود والتنظيم، نموذجا في ربط النظرية بالممارسة، وإمكانية تحويل الغضب والمعاناة إلى مشروع إنتاجي مستمر. أي مشروع نهضوي عربي حقيقي يجب أن يبدأ من هنا، بالربط بين فلسطين، التجارب الميدانية في ليبيا والسودان واليمن وسوريا، الفعل الطبقي، والتنظيم الشعبي المترابط، ليصبح الوعي العربي قوة فاعلة قادرة على تغيير الواقع، وإنتاج مشروع عربي جذري مستدام، يتحول فيه الألم إلى مقاومة، والفكرة إلى فعل، والفعل إلى مشروع نهضوي شامل. لم تكن الانتفاضات الثورية في تونس ومصر وسوريا لحظة عابرة في التاريخ العربي، بل كانت انفجارا تاريخيا لتراكم طويل من القهر الطبقي، والانسداد السياسي، والتبعية الاقتصادية. ما حدث في 2011 لم يكن مفاجئا بقدر ما كان مؤجلا، إذ خرجت الجماهير من هامش السياسة إلى مركزها، وكسرت حاجز الخوف، وفرضت نفسها فاعلا مباشرا في تقرير المصير. غير أن ما تلا تلك اللحظة كشف بسرعة أن إسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط النظام نفسه، وأن البنية العميقة للسلطة كانت أكثر مرونة وخبثا مما افترضته المخيلة الثورية الأولى. في تونس، جرى احتواء الانتفاضة عبر إعادة تدوير الدولة القديمة بأدوات جديدة. لم يكن المسار الانتقالي مسار قطيعة، بل مسار استيعاب تدريجي للغضب الشعبي داخل مؤسسات لم تمسّ في جوهرها: الإدارة، الأمن، القضاء، والاقتصاد الريعي التابع. تم تحويل الثورة إلى “انتقال ديمقراطي” منزوع الدسم الاجتماعي، حيث جرى الفصل عمدا بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، وكأن الأولى يمكن أن تعيش دون الثانية. هكذا أُفرغ الشعار الثوري من مضمونه الطبقي، وتحولت المطالب الجذرية إلى نقاشات إجرائية وانتخابية، بينما بقيت علاقات الإنتاج، والتفاوت الجهوي، والارتهان الخارجي على حالها، إلى أن انقلبت الأزمة الاجتماعية نفسها إلى ذريعة لانقلاب سياسي مضاد. في مصر، كان الانقلاب أكثر فجاجة وسرعة، لأن الدولة العميقة لم تتراجع أصلا. الجيش لم يكن جزء من النظام فحسب، بل كان النظام ذاته، بشبكة مصالح اقتصادية هائلة جعلته المستفيد الأكبر من أي “استقرار”. جرى تفريغ الانتفاضة من بعدها الاجتماعي، وحصرها في صراع سياسي–هوياتي، ما سهّل شيطنة الحراك الشعبي، وتقسيم الجماهير، وتقديم الانقلاب بوصفه “إنقاذا للدولة”. هنا لم تهزم الثورة في الشارع فقط، بل هزمت في الوعي، حين قدّم الأمن بديلا عن الحرية، والاستقرار بديلا عن العدالة، والدولة ككيان مجرد بديلا عن المجتمع الحي. أما في سوريا، فقد كان المسار أكثر مأساوية وتعقيدا، لأن الانتفاضة جوبهت منذ اللحظة الأولى بعنف شامل، لا يهدف إلى القمع فقط، بل إلى تدمير المجتمع نفسه. جرى دفع الحراك السلمي إلى العسكرة، ثم إلى التفكك، ثم إلى الارتهان لقوى إقليمية ودولية، ما أدى إلى إجهاض الإمكانية الثورية من داخلها. هنا لم يكن الهدف استعادة السيطرة فحسب، بل كسر المثال: تحويل الثورة إلى حرب، والحرية إلى فوضى، والمطالب الشعبية إلى أنقاض، بحيث يصبح الخوف من التغيير أعمق من الرغبة فيه. سوريا كانت رسالة دموية لبقية المنطقة: هذا هو ثمن الخروج عن النظام. ما يجمع هذه التجارب الثلاث ليس فشل الجماهير، بل نجاح الثورة المضادة في استخدام أدوات مختلفة حسب السياق: الاحتواء الناعم في تونس، الانقلاب العسكري الصريح في مصر، والإبادة الشاملة في سوريا. وفي الحالات الثلاث، لعب العامل الخارجي دورا حاسما، سواء عبر التمويل، أو الضغط السياسي، أو إعادة دمج الأنظمة في السوق الرأسمالية العالمية باعتبارها “ضامنا للاستقرار”. لم تكن الإمبريالية عدوا للثورات لأنها فوضوية، بل لأنها كانت تهدد نموذج السيطرة القائم على أنظمة محلية تؤدي وظيفة الحراسة. الدرس الجوهري هنا أن الانتفاضات الثورية، حين لا تتحول إلى مشروع طبقي منظم، تصبح قابلة للاختطاف أو التدمير. غياب التنظيم الثوري، وضعف البنية القادرة على ربط الشارع بالاقتصاد، والسياسة بالمسألة الاجتماعية، جعل الجماهير عارية أمام أجهزة الدولة والتحالفات الدولية. الوعي الثوري كان حاضرا، لكن الأداة الثورية لم تكن ناضجة، فتمت مصادرة اللحظة التاريخية، لا لأنها خاطئة، بل لأنها لم تحم بما يكفي. ومع ذلك، فإن هذه الهزائم ليست نهاية التاريخ. ما حدث في تونس ومصر وسوريا كشف عورات الدولة العربية، وعرّى حدود “الإصلاح من الداخل”، وأسقط وهم الحياد المؤسسي. الوعي الذي تشكل في تلك السنوات لم يمح، بل أُجبر على الكمون. الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وانسداد الأفق الاجتماعي، وعودة القمع بأشكال أكثر فظاظة، كلها تؤكد أن أسباب الانتفاضات لم تحل، بل تعمقت. إن استعادة الأفق الثوري اليوم لا تعني تكرار 2011، بل تجاوزها نقديا: بناء وعي لا ينفصل عن التنظيم، وتنظيم لا ينفصل عن الصراع الطبقي، وصراع لا يختزل في تغيير الحكام بل يستهدف البنية التي تنتجهم. وحده هذا الربط هو ما يمنع الانقلاب على الانتفاضة، ويحول الغضب الشعبي من لحظة انفجار إلى مسار تحرر طويل النفس. فالانقلاب على الانتفاضات العربية في تونس ومصر، وإجهاض الثورة في سوريا، لم يكن مجرد سلسلة أخطاء سياسية، بل كان نتيجة تراكمية لعوامل بنيوية وتاريخية تتحكم في شكل السلطة والمجتمع العربي، وفي قدرة الجماهير على الحفاظ على مشروعها الثوري. هذه العوامل لا تقتصر على الدولة أو الجيش أو المؤسسة السياسية، بل تشمل شبكات النفوذ الاقتصادي، والتحالفات الإقليمية والدولية، والبنية الطبقية، والثقافة السائدة، والتداخلات الرقمية الحديثة. في تونس، على سبيل المثال، كانت الانتفاضة لحظة تاريخية استثنائية، لكنها افتقرت إلى أفق طبقي متكامل يربط بين الشعب والأرض والعمل والمؤسسات الاقتصادية المستقلة عن الدولة القديمة. تم احتواء الثورة عبر “مراحل انتقالية” أفرغت المطلب الاجتماعي من مضمونه، وحولت الديناميات الشعبية إلى حوارات شكلية حول الحرية والإصلاح الإداري، مع استمرار بقاء مؤسسات الدولة العميقة في مواقعها الأساسية. هذا الاحتواء أظهر أن أي وعي شعبي لا يترجم إلى أطر تنظيمية استراتيجية يبقى عرضة للانقلاب أو الاستيعاب. مصر قدمت درسا آخر، أكثر فجاجة، عن قدرة الجيش والدولة العميقة على السيطرة المباشرة على مصائر الثورات. الانقلاب العسكري لم يكن مجرد إعادة ترتيب للسلطة، بل عملية شاملة لإعادة فرض السيطرة على كل أبعاد المجتمع: الاقتصاد، الإعلام، التعليم، والعلاقات الدولية. هنا يظهر الفرق بين وعي شعبي ثوري، ووعي منظم قادر على حماية نفسه: فغياب الهياكل التنظيمية، وربط الثورة بمشروع اجتماعي شامل، سمح للدولة باستعادة هيمنتها بسرعة، وتحويل الشارع إلى كيان مستهلك، عاجز عن الصمود المستمر أو إنتاج بدائل فعالة. أما سوريا، فإن تجربة إجهاض الانتفاضة جاءت بأسلوب أكثر وحشية وتدميرية، حيث لم يكن القمع سياسيا فقط، بل اجتماعيا ونفسيا، مستهدفا تفكيك النسيج الاجتماعي وإرباك الوعي الجماعي. هذا يعيدنا إلى حقيقة مفادها أن الثورة ليست مجرد لحظة غضب، بل مشروع حياة وممارسة يومية منظمة. إن دمج الفعل الشعبي مع الاستراتيجية الطبقية، ومع القدرة على إدارة الموارد والربط مع التحالفات العربية، هو ما يمنع الإجهاض الكامل للثورة. ففي المقابل، تمثل غزة نموذجا مضادا لهذه الهزائم: فالتجربة هناك، على الرغم من الحصار المستمر، تكشف أن الوعي المقاوم يمكن أن يتحول إلى تنظيم دائم وإنتاج فعلي، يربط بين صمود المجتمع، المقاومة المسلحة، والبدائل الاجتماعية اليومية. ففي غزة، تتكامل المقاومة مع التنظيم الاجتماعي، والتعليم، والخدمات الصحية، وإنتاج المعرفة، بحيث تصبح المقاومة فعلا حضاريا مستداما، وليس مجرد انفجار عاطفي أو احتجاج رمزي. أما في ليبيا والسودان واليمن، فإن التجارب المختلفة تظهر تنوع أشكال الصراع، وضرورة القراءة الدقيقة للعلاقات الداخلية والخارجية. في ليبيا، الصراع مسلح، ولكنه متشابك مع مصالح اقتصادية وإقليمية، ما يحوّل الحراك الشعبي إلى لعبة محاصصة بين القوى الدولية والميليشيات المحلية، ويضعف إمكانية مشروع وطني متكامل. في السودان، التحولات السياسية بعد الثورة تكشف هشاشة المؤسسات، وغياب الآليات التي تحول الوعي الشعبي إلى ضغط مستمر على السلطة. في اليمن، الحرب الطويلة أظهرت كيف يمكن للصراع الإقليمي أن يحرف الثورة الشعبية، ويحوّلها إلى مسرح للسيطرة والتحالفات الدولية بدلا من مشروع تحرري داخلي. إذا ربطنا كل هذه التجارب بما سبق عن غزة، نجد أن الفعل الثوري العربي اليوم يتطلب وعيا مزدوجا: وعي بالقدرة الذاتية على المقاومة، ووعي بالتهديدات البنيوية والاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تجهض أي انتفاضة إذا لم يدمج التنظيم الشعبي معها. بمعنى آخر، الوعي وحده لا يكفي، والتنظيم وحده لا يكفي، بل يجب أن يكونا مترابطين ضمن مشروع طبقي واجتماعي مستمر. ويمكن استخلاص عدة دروس رئيسية: -الفعل الثوري يحتاج إلى صمود بنيوي، لا لحظي: الثورة ليست مجرد انفجار غضب، بل شبكة متصلة من المبادرات اليومية، والسياسات، والمؤسسات، والقدرة على مواجهة الانقلابات والضغوط الداخلية والخارجية. -الوعي المقاوم يجب أن يكون إنتاجيًا: أي حركة ثورية تكتفي بالتعبير عن الغضب أو الاعتراض، دون تحويله إلى مشاريع تعليمية، اقتصادية، ثقافية، أو اجتماعية، ستظل معرضة للاختطاف أو الفشل. -الاستقلالية عن التدخلات الخارجية شرط أساسي: التجارب في سوريا واليمن وليبيا أظهرت أن أي مشروع ثوري مرتبط بالتحالفات الخارجية أو المساعدة المشروطة يصبح هشًا، لأنه يخضع لمصالح ليست مصالح الجماهير. -الربط بين التجارب العربية المختلفة ضرورة استراتيجية: غزة تعلمنا كيف يمكن للتنظيم الشعبي أن يخلق بدائل مستمرة، تونس ومصر وسوريا تعلمنا هشاشة الانتفاضات بدون إطار تنظيمي، واليمن والسودان وليبيا تظهر التعقيد الإقليمي والاقتصادي. باختصار، إن الانقلاب على الانتفاضات وإجهاضها ليس مجرد حادثة سياسية، بل درس تاريخي يستلزم إعادة بناء وعي جماعي، وربط الفكر بالممارسة، والوعي بالمشروع، والمقاومة بالإنتاجية الاجتماعية والسياسية. وهذا وحده ما يمكن أن يحوّل الانفجار الشعبي إلى حركة مستمرة قادرة على الصمود، وعلى خلق مشروع نهضوي عربي جديد يتجاوز الأخطاء التاريخية السابقة، ويربط بين المقاومة، التنظيم، والإبداع الاجتماعي المستدام. فمع تحولات ما بعد 2020، أصبح الوعي الشعبي العربي مرتبطا بشكل متزايد بالفضاء الرقمي، ما أوجد طبقة جديدة من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الذين يمكنهم تجاوز التقليدية وإعادة صياغة الفعل الثوري. هذه الطبقات الشعبية، سواء في المدن الكبرى أو في الأرياف والمناطق المهمشة، لم تعد تنتظر السلطة لتمنحها الحق في الفعل، بل تمارس المقاومة والمعارضة من خلال أدوات رقمية، شبكات اجتماعية، ومبادرات محلية تعكس حاجات المجتمع الفعلية. إن الفعل الرقمي لا يقتصر على التعبير أو النشر، بل أصبح منصة تدريبية للوعي، ومختبرا للتجارب الاجتماعية والسياسية، وأداة لتركيب الحشد الجماهيري والتعبئة المستمرة. لقد أظهرت التجارب الأخيرة في تونس، لبنان، السودان، واليمن أن الشباب والفئات الشعبية يمتلكون القدرة على إدارة الحراك الرقمي بحيث يتحوّل من احتجاج لحظي إلى مشروع تنظيمي مستمر، لكنه يحتاج إلى إطار يربطه بالواقع المادي، وبإنتاجية اجتماعية وسياسية ملموسة. في غزة، على سبيل المثال، يظهر كيف يمكن أن يتحوّل الفعل الرقمي إلى أداة مقاومة يومية ترتبط بالصمود الميداني، وبالتعليم، والخدمات الاجتماعية، وبإنتاج المعرفة، ليصبح جزء من بنية المقاومة المستدامة. هذه التجربة يمكن أن تشكل نموذجا للطبقات الشعبية العربية، بحيث يصبح التفاعل الرقمي أكثر من مجرد تعاطف لحظي، بل قاعدة لإنتاج مشاريع مستمرة في التعليم، الثقافة، الاقتصاد، والسياسة. أما في تونس ومصر وسوريا، فإن الدروس المستخلصة تشير إلى أن غياب الاستراتيجيات الرقمية المتكاملة يجعل الانتفاضات عرضة للاختطاف أو الإجهاض. أي مشروع ثوري يجب أن يدمج بين الوعي الشعبي، الفعل الرقمي، والقدرة على تحويل الضغوط إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيفية توجيه الحشود الرقمية بحيث تصبح قوة إنتاجية بدلا من مجرد متلق أو ناقل للأخبار والمشاعر. وبالنظر إلى ليبيا والسودان واليمن، يظهر أن الفعل الرقمي وحده لا يكفي إذا لم يدمج مع هياكل مقاومة محلية متماسكة، ومع شبكة علاقات عربية مترابطة. هذه الهياكل يجب أن تربط بين الإنتاج الاقتصادي المحلي، والإبداع الثقافي، والتنظيم الاجتماعي، والقدرة على التفاوض السياسي المستقل، بحيث تصبح الطبقات الشعبية محركا مستداما للفعل الثوري، لا مجرد شاهد عليه. إن بناء مشروع مقاومة عربي متجدد بعد 2020 يتطلب ثلاثة عناصر مركزية: -التكامل بين الفعل الرقمي والفعل الميداني: لا يكفي الحشد على منصات التواصل، بل يجب أن يتحول إلى مشاريع تعليمية، اقتصادية، ثقافية، ومبادرات اجتماعية مستمرة. -تأسيس وعي شعبي نقدي وفعّال: وعي يعرف كيف يميز بين النفوذ الخارجي والمصالح الحقيقية للمجتمع، ويستطيع استخدام الفضاء الرقمي لإنتاج خطاب متماسك وقادر على تحدي المؤسسة التقليدية والدولة العميقة. -شبكات عربية مترابطة للتجربة والمقاومة: الاستفادة من تجارب غزة، تونس، السودان، واليمن، وربط الفعل المحلي بالتحالفات الإقليمية المشروعة، لإنتاج مشروع عربي مقاوم قادر على مواجهة الانقلابات والضغوط الدولية. هذا المشروع المتجدد لا ينظر إلى الفعل الشعبي كحالة منفصلة، بل كجزء من دورة إنتاج مستمرة تتجاوز اللحظة السياسية الضيقة، وتهدف إلى بناء طبقة مقاومة واعية ومؤثرة، تنتج المعرفة، والسياسات، والمبادرات الاجتماعية، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الوعي والفعل. وفي المحصلة، يمكن القول إن الطبقات الشعبية العربية بعد 2020 هي القوة الأساسية لإعادة بناء المشروع الثوري العربي، شرط أن يتم توجيه وعيها نحو الفعل الإنتاجي المستمر، وربط التجارب المحلية بالعربية الجامعة، واستخدام الفضاء الرقمي ليس كأداة احتجاج، بل كمنصة لإنتاج بدائل مستدامة ومشاريع نهضوية حقيقية. بهذا الشكل، يصبح الفعل الرقمي والوعي الشعبي حجر الأساس لنهضة عربية متجددة، قادرة على التعلم من فشل الانتفاضات السابقة، واستثمار خبرات غزة، والاحتفاظ بالقدرة على الصمود، وتحويل الطاقات الاجتماعية إلى مشروع حضاري مستمر، وليس مجرد انفجار مؤقت أو صدى إعلامي لحظي. فبعد مراجعة كل التجارب العربية منذ 2010 وحتى ما بعد 2020، يصبح واضحا أن النهضة العربية المستدامة لن تقوم إلا على إعادة تعريف المسؤولية الفاعلة، بوصفها مبدأ جوهري يربط الوعي الجماعي بالفعل المنتِج، ويحوّل الطاقات الثورية إلى مشاريع حقيقية قابلة للاستمرار. هذه المسؤولية لا تقاس بمقدار المشاركة في الاحتجاجات أو الحشد الرقمي، بل بقدرة الفرد والجماعة على تحويل المطالب إلى برامج عمل، والأفكار إلى بدائل اجتماعية، والوعي إلى إنتاج مستدام. أولا: إعادة بناء هيكل الفعل الثوري العربي إن أي مشروع نهضوي مستقبلي يجب أن يدمج بين: 🕳️الفعل الرقمي: كأداة للتنظيم، التعبئة، وإنتاج المعرفة، وليس مجرد منصة للتعاطف أو التفاعل العاطفي. 🕳️الفعل الاجتماعي المحلي: المشاريع التعليمية، الصحية، الثقافية، والاقتصادية التي ترتبط مباشرة بحياة الجماهير اليومية. 🕳️الفعل السياسي الاستراتيجي: القدرة على مواجهة الانقلابات، حماية المكتسبات الثورية، وتحويل الضغوط الدولية والإقليمية إلى فرص للتغيير الذاتي. هذا التكامل يخلق هيكلا مرنا ومتينا في الوقت ذاته، يربط بين المدى القصير (الاستجابة للأزمات) والمدى الطويل (إنتاج مشروع نهضوي مستدام)، ويمنع الفعل الثوري من الانجراف إلى الانفعال اللحظي أو الاحتواء السياسي. ثانيا: الطبقات الشعبية كمحرك أساسي للمسؤولية الفاعلة تجارب غزة، تونس، السودان، اليمن، وليبيا تظهر أن الطبقات الشعبية هي القوة الأساسية للحفاظ على الفعل المستمر، شرط أن تتوافر لديها ثلاثة عناصر: -الوعي النقدي المستمر: إدراك الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيق التغيير، وفهم التداخلات الإقليمية والدولية. -الإنتاجية الاجتماعية والفكرية: القدرة على إنتاج المعرفة، والمبادرات، والحلول العملية التي تعالج احتياجات المجتمع. -التنسيق والتضامن العربي: ربط التجارب المحلية بالشبكات العربية، لتبادل الخبرات، وتشكيل ضغط جماعي متكامل، والابتعاد عن التشتت والانعزالية. ثالثا: دور الشباب والفعل الرقمي في تعزيز المسؤولية الفاعلة الشباب العربي بعد 2020 أصبح قادرا على: -تحويل الحراك الرقمي إلى مشاريع حقيقية مثل منصات تعليمية، مبادرات ثقافية، حاضنات ابتكار، وتنسيق مجتمعي محلي. -تجاوز الانقسام التقليدي بين الجماهير والدولة، عبر أدوات رقمية تمكنهم من التأثير على السياسات العامة، أو خلق بدائل مستقلة عن الدولة الرسمية. -تشكيل وعي جماعي مستمر يربط بين اللحظة الراهنة والتاريخ الطويل للثورات العربية، ويمنع الانزلاق نحو التواكل أو السلبية. رابعا: خارطة طريق للفعل العربي المستدام حتى 2050 لبناء مشروع نهضوي متكامل، يمكن تبني أربعة مسارات استراتيجية: -التعليم والإنتاج المعرفي: تحديث المناهج، دمج التفكير النقدي، وتنمية مهارات الابتكار والإبداع، وربط التعليم بالواقع الاجتماعي. -الإنتاج الاقتصادي المستقل: دعم المشاريع المحلية، تعزيز التعاون بين المجتمعات العربية، وتقليل الاعتماد على الخارج كشرط أساسي للنهضة. -الفعل الرقمي المدروس: استخدام المنصات الرقمية لتعبئة الجماهير، تنظيم المبادرات، ونشر المعرفة بشكل مستمر ومنهجي، وليس كأداة احتجاج مؤقتة فقط. -الترابط العربي والتضامن الإقليمي: إقامة شبكات عربية مشتركة للمقاومة والإبداع الاجتماعي، وتنسيق الخبرات والتجارب لضمان استدامة المشاريع، والقدرة على مواجهة أي محاولات لإجهاضها. خامسا: المسؤولية الفاعلة كشرط أخلاقي وحضاري إن المسؤولية الفاعلة ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تربط بين الفرد والمجتمع، بين الفعل والمشروع، وبين اللحظة التاريخية والمستقبل الممكن. هي تتطلب وعيا جماعيا بالنتائج، وربط الأفكار بالتحرك، والقدرة على الصمود أمام الانقلابات السياسية والاجتماعية. هي تعني أيضا إعادة إنتاج القيم التي تربط بين الحرية، العدالة، والحق في المقاومة، بحيث يصبح الفعل الثوري مشروعا حضاريا شاملا. باختصار، إن بناء نموذج عربي متجدد للمسؤولية الفاعلة بعد 2020، يدمج بين الوعي، الفعل الرقمي، التنظيم الشعبي، والإنتاج الحضاري، ويحول التحديات المعاصرة إلى فرص للنهضة، ويضع الأسس لمستقبل عربي قادر على حماية مكتسباته الثورية، وخلق مشاريع مستدامة حتى منتصف القرن القادم. بهذا الشكل، يصبح المشروع الثوري العربي مستمرا، واعيا، منتجا، وقادرا على مواجهة أي تهديد داخلي أو خارجي، مع التأكيد على أن الفعل الثوري الحقيقي لا ينتهي بانتصار مؤقت، بل يمتد ليصنع مستقبلا متجددا. إن أي مشروع نهضوي عربي حقيقي لا يمكن أن يظل محصورا في القومية الضيقة أو مقيداً بالأطر الجغرافية والتاريخية التقليدية وإلا سيظل محكوم بالعزلة الفكرية والهامشية السياسية والتقوقع على الذات لقد أثبتت التجارب الثورية في تونس ومصر وسوريا وليبيا والسودان أن القومية التي تنفصل عن حركة العالم والتي تتحجر في سرديات الماضي تتحول سريعا إلى سجن للأمة لا إلى قاعدة للتحرك والتغيير ولذلك يصبح ربط المشروع العربي القومي بالبعد الأممي ضرورة استراتيجية وليس خيارا فكريا ثانويا هذا الربط يعني تثوير مفاهيم القومية التقليدية بحيث لا تصبح مجرد هوية ثقافية أو تاريخية بل إطارا ديناميكيا للإنتاج الحضاري وللفعل الاجتماعي والسياسي المتواصل القومية هنا تعاد صياغتها كأداة للتفاعل مع قوى العالم وساحة لإنتاج المعنى العربي ضمن شبكة العلاقات الدولية وليس مجرد غطاء رمزي للهوية إن مفهوم خروج العرب من جزيرة القومية يحمل دلالتين متلازمتين الأولى التحرر من العزلة الذاتية والانغلاق على هوية ضيقة بحيث لا تتحكم في الفعل العربي القيود التاريخية أو الانقسامات الداخلية ولا تبقى الأمة العربية في موقع المتلقي أو الضحية بل تصبح فاعلة في محيط عالمي متسارع ومتداخل والثانية الانخراط في المحيط الدولي بوعي نقدي واستراتيجي أي أن الفعل العربي لا يقتصر على المحيط القريب أو على العلاقات التقليدية مع الدول العربية فقط بل يمتد ليشمل التفاعل مع كل القوى الحية في الجنوب والقدرة على المساهمة في صياغة النظام العالمي بعيدا عن الانكفاء أو التبعية إن الربط بين القومي والأممي يتطلب إعادة تعريف المصالح العربية بما يتجاوز الحدود الضيقة للأمة الواحدة ليصبح مصلحة الأمة العربية جزء من مصلحة الشعوب المضطهدة والمستضعفة في الجنوب سواء في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية بحيث تتعزز قدرة العرب على التعلم من تجارب الآخرين وتشكيل تحالفات قائمة على التضامن والمصلحة المشتركة لا على النفوذ أو السيطرة ومصلحة العرب مرتبطة بالقدرة على الانخراط الإيجابي في مسارات الشمال العالمي أي ليس مجرد التلقي أو التقليد بل الاستفادة من الخبرات العلمية والتقنية والسياسية والاقتصادية لإنتاج مشاريع عربية مبتكرة قادرة على المنافسة في الاقتصاد المعرفي وعلى التأثير في السياسات الدولية في هذا السياق تصبح القومية أداة للتمدد الحضاري وليس جدارا يحجب التفاعل مع العالم وهذا التحول الفكري يتطلب تثوير اللغة والمفاهيم بحيث يصبح الخطاب العربي قادرا على تجاوز القوالب الموروثة ويعيد صياغة مفاهيم مثل الأمة السيادة المقاومة والتقدم بما يتوافق مع تحديات العصر الرقمي والتحولات البيئية والتحولات في القوة العالمية وربط الوعي الفردي بالوعي الجماعي العربي والعالمي إذ لا يمكن للوعي العربي أن يكتمل إلا إذا أدرك أن كل فعل محلي له انعكاسات عالمية وكل تحول في المجتمع العربي مرتبط بإيقاع التغير في الجنوب والشمال وتوسيع نطاق الفعل الثوري إلى البعد الحضاري والاقتصادي والاجتماعي فالنهضة الحقيقية ليست فقط سياسية أو احتجاجية بل إبداع معرفي إنتاج اقتصادي تنمية اجتماعية وتفاعل حضاري عالمي. إن شبكات التضامن بين الجنوب والشمال ضرورة استراتيجية ففي الجنوب تواجه الشعوب تحديات مشتركة من الهيمنة الاقتصادية والاستعمار الجديد مما يخلق أرضية خصبة للتضامن ونقل الخبرات وإطلاق مبادرات مشتركة سواء في مقاومة التبعية الاقتصادية أو في تطوير أساليب إنتاج المعرفة المستقلة أما في الشمال فالتحدي ليس الاستيعاب الثقافي فقط بل القدرة على الاستفادة من التكنولوجيا والبحث العلمي والسياسات العامة بطريقة تحفظ استقلالية المشروع العربي وتمنحه قوة حضارية حقيقية الربط بين القومي والأممي يعني أيضا إعادة إنتاج القيم والمفاهيم السياسية والفكرية بشكل ثوري القومية لم تعد مجرد خطاب شعوري عن الانتماء بل أصبحت إطاراً لتوجيه الفعل الحضاري والفكر النقدي والإبداع الاجتماعي والأممية ليست مجرد شعار تضامن نظري بل شبكة عمل عملية يمكن من خلالها تبادل المعرفة وتنسيق السياسات وحماية المشاريع الاستقلالية ضد الاستغلال الخارجي وبهذا تصبح النهضة العربية إنتاجا متعدد الأبعاد محلي إقليمي وعالمي في الوقت ذاته بحيث يلتقي التحرك العربي مع حركة الشعوب الأخرى في الجنوب ومع التجارب العالمية في الشمال ضمن رؤية متكاملة للفعل التاريخي إن الفعل العربي القادم بعد تثوير القومية وربطها بالأممية لن يكون محصورا في الدولة أو الحدث الثوري اللحظي بل سيصبح مشروعا حضارياً طويل المدى قادرا على حماية المكتسبات وإطلاق قدرات الشعب العربي وربط الحاضر بالمستقبل والفرد بالمشروع والمجتمع بالعالم وهذا الربط بين القومي والأممي يحول الفعل العربي من حالة انفعال واستجابة إلى فعل استراتيجي واعٍ قادر على إنتاج تأثير حقيقي ومستدام في الداخل والخارج في الجنوب والشمال وفي كل ساحات الصراع الحضاري والمعرفي والسياسي
إن الرحلة الفكرية والسياسية التي خضناها عبر تشخيص الوعي العربي، وتحليل التحولات الرقمية، وتحرير الإبداع، وتأسيس مفهوم المسؤولية الفاعلة، والربط بين القومي والأممي، تفتح أمامنا اليوم أفقا جديدا للحركة العربية في المستقبل القريب والبعيد ليس المطلوب أن نعيد إنتاج الثوابت القديمة ولا مجرد تعديلها بل التفكير في إعادة بناء قواعد الوعي والفعل على نحو يتيح انطلاقة حضارية تتجاوز اللحظة التاريخية الراهنة وتعيد العرب إلى موقع الفاعلية في العالم إن هذا الموقع لا يقتصر على المشاركة في التفاعلات الجغرافية والسياسية فحسب بل يشمل القدرة على إنتاج مفاهيم جديدة، وصياغة قيم مشتركة، وتأسيس أطر للتعاون تتجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحيث يصبح الفعل العربي قادرا على أن يكون محورا في حركة التاريخ وليس مجرد تابع لها في هذا السياق، تظهر الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم المقاومة والإنتاج معا فالمقاومة لم تعد مجرد فعل سلبي لمواجهة الضغوط أو الاحتلالات المباشرة بل يجب أن تتصل بإنتاج حضاري مستمر يشمل المعرفة والتقنية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية هذا يعني أن كل فعل احتجاجي، كل ثورة، كل انتفاضة، يجب أن تقترن بقدرة على بناء أنظمة بديلة، وتأسيس مؤسسات مستقلة، وإعادة توزيع القوى بطريقة تمنح المجتمع أدواته للتمدد والاستدامة بدلا من الاكتفاء بردود الفعل اللحظية كما يبرز في الأفق ضرورة تطوير الوعي الجماهيري ليصبح محورا للتغيير وليس مجرد متلق للأفكار أو الاستجابة العاطفية هذا الوعي يجب أن يتعلم قراءة العالم بطريقة تحليلية واستراتيجية، بحيث يصبح قادرا على التفاعل مع الأحداث الكبرى، وتقييم الفرص والمخاطر، وتوجيه الموارد الاجتماعية والفكرية نحو خلق بدائل مستدامة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية إضافة إلى ذلك، هناك إلحاح لإعادة تعريف الزمن السياسي والحضاري العربي فالزمن لم يعد مجرد امتداد تاريخي أو تسلسل أحداث، بل أصبح إطارا لإنتاج القوة والتأثير عبر استشراف المستقبل ووضع سياسات متقدمة للتعليم والاقتصاد والابتكار والصحة والبيئة كل لحظة من اللحظات الراهنة يجب أن تستثمر في بناء القدرة على التأثير في المستقبل وليس على مجرد التفاعل مع الحاضر ومن الضروري أيضا التفكير في إنتاج أشكال جديدة من القيادة والفعل الجماعي بحيث لا تقتصر على النخب التقليدية أو المؤسسات الرسمية، بل تشمل الجماعات والأفراد والفضاءات الرقمية والمبادرات التشاركية عبر الحدود هذه القيادة لا تقوم على سلطة مركزية بل على قدرة كل فرد وجماعة على أن يكون جزءًا من شبكة تأثير حضاري متكاملة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والقدرة على التعلم المستمر، والمرونة أمام التحولات المفاجئة وعلاوة على ذلك، يفرض الواقع العربي الحديث ضرورة دمج القضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في رؤية شاملة للنهضة لم يعد يمكن فصل التنمية عن العدالة أو الإبداع عن الاستدامة أو الفعل عن المسؤولية الأخلاقية وهذا التكامل بين القطاعات المختلفة يجب أن يصبح قاعدة عملية لجميع السياسات والمبادرات بحيث يكون كل مشروع حضاري جزء من نظام متكامل يعزز القوة الذاتية للأمة ويجعلها فاعلة في محيطها وفي النظام العالمي كما أن التحدي الأكبر يكمن في إنتاج مشروع عربي معرفي ثقافي عالمي قادر على المنافسة في سوق المعرفة والإبداع العالمي دون أن يفقد أصالته أو استقلاليته هذا المشروع يجب أن يعتمد على القدرة على النقد الذاتي والتعلم من الأخطاء السابقة والاستفادة من التجارب الدولية، مع التمسك بالقيم والمبادئ التي تضمن العدالة والتضامن والكرامة الإنسانية لكل الشعوب العربية وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الخروج من أزمة الوعي العربي المعاصر ليس مجرد مشروع سياسي أو اقتصادي أو ثقافي منفصل، بل هو مشروع شامل للفكر والفعل والمسؤولية والقيادة مشروع يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويربط القومي بالأممي، ويربط الفرد بالمجتمع، ويجعل من كل فعل عربي لحظة إنتاج حضاري متواصل قادر على مواجهة التحديات، وتحويل الصدمات إلى فرص، وإعادة رسم خريطة القوة والتأثير العربي في الداخل والخارج في الجنوب والشمال وهكذا، فإن التحدي الأكبر أمام العرب ليس في الموارد أو الفرص، بل في تحويل الوعي إلى فعل حضاري واع، وتحويل القومية إلى مشروع عالمي مستدام، وتحويل الإبداع إلى قوة فعلية، والمسؤولية إلى منهج حياة وجسر للأجيال القادمة وهذا هو المسار الذي يضمن لأي نهضة عربية مستقبلية أن تكون متجددة، حرة، قادرة، ومؤثرة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
-
الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم
...
-
الثورة حقّ لا يتطلّب ترخيصا
-
الفاشية الشعبية: حين يصنع الخوف وعيا زائفا، وتصنع الجماهير ط
...
-
بين الثورات المغدورة منها، والمسروقة، والمستمرّة: صراع الوعي
...
-
الثورة التونسية: ثورة مستمر بين الشرارة الشعبية والالتفافات
...
-
الهيمنة الفرنسية، الفرنكفونية، وإصلاح التعليم العالي والمراك
...
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
-
الانقلابات العسكرية في إفريقيا: بين الهيمنة والريع وفرصة الث
...
المزيد.....
-
استُخدم فيه سكين ومسدس.. شجار شخصين على موقف سيارة بأمريكا ي
...
-
-تواصل معها مباشرة-.. ترامب: إيران وحدها تعرف المهلة النهائي
...
-
أردوغان: تركيا مستعدة للمساعدة في تخفيف التوتر بين إيران وأم
...
-
وزارة العدل الأمريكية تنشر دفعة جديدة من ملفات إبستين
-
إعادة فتح معبر رفح .. خطوة رمزية وسط قيود مشددة وآفاق سياسية
...
-
المعارضة الإيرانية منقسمة بين نجل الشاه ومجاهدي خلق
-
الجيش السوري يعلن مخيم الهول الذي يؤوي عائلات جهاديين -منطقة
...
-
عرب الرزيقات ودينكا ملوال.. نموذج للتعايش عبر الحدود بين الس
...
-
من ميادين الحروب إلى منصات الاحتجاج: صحفيو واشنطن بوست يدافع
...
-
رويترز: وتيرة نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق تب
...
المزيد.....
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|