|
|
بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 08:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست لاباز اليوم مجرّد عاصمة تختنق بالحواجز والإضرابات والمسيرات، بل صورة مكثّفة لعالمٍ كامل يدخل طور الاهتزاز. في شوارع بوليفيا، حيث يزحف عمّال المناجم والسكان الأصليون والفلاحون والفقراء نحو مركز السلطة، لا ينفجر فقط غضب اجتماعي ضد الغلاء والتقشف، بل ينكشف التصدّع العميق لنظام عالميّ كامل لم يعد قادرا على حكم الشعوب إلا عبر الإفقار والقمع وتحويل الحياة نفسها إلى سلعة. ما يحدث هناك ليس “احتجاجا” بالمعنى الضيق للكلمة، بل لحظة اصطدام عنيفة بين منطقين متناقضين بالكامل: منطق رأس المال العابر للقارات الذي يريد تحويل الأرض والعمل والموارد والبشر إلى أرقام داخل السوق، ومنطق الجماهير التي ترفض أن تتحول إلى فائض بشري يلقى خارج التاريخ كلما اهتزّت البورصات وارتفعت أسعار الطاقة وتراجعت احتياطات الدولار. بوليفيا، التي كانت دائما إحدى أكثر جغرافيا أمريكا اللاتينية كثافة بالصراع الطبقي والإثني والاستعماري، تعود اليوم لتتحول إلى مختبر تاريخي مكشوف: دولة تتفكك تحت ضغط الأزمة، نيوليبرالية تحاول إعادة احتلال المجتمع باسم “الإصلاح”، جماهير تعيد اكتشاف قوتها في الشوارع، ويسار يقف أمام السؤال الأصعب: هل يكفي إسقاط الحكومات، أم أن المعركة الحقيقية أعمق من السلطة نفسها؟ في هذه اللحظة تحديدا، يبدو المشهد البوليفي وكأنه إعلان فجّ عن نهاية مرحلة كاملة. فحين يبدأ الفقراء بمحاصرة العاصمة، وحين تتحول الطرقات إلى ساحات صراع، وحين تعود النقابات والتنظيمات الأصلية إلى مركز السياسة، يصبح واضحا أن ما يتهاوى ليس فقط توازن حكومة، بل الوهم النيوليبرالي ذاته: الوهم الذي ادّعى لعقود أنّ السوق أقوى من الشعوب، وأن التاريخ انتهى عند أبواب الشركات والبنوك والمؤسسات المالية الدولية. ما يحدث اليوم في بوليفيا لا يمكن فهمه باعتباره مجرّد “هبة اجتماعية” ضد الغلاء أو أزمة ظرفية مرتبطة بسوء إدارة حكومية، بل هو لحظة تفكك تاريخي لنموذج سياسي-اقتصادي كامل. إنّ البلاد تعيش، بصورة مكثفة وعنيفة، التناقضات العميقة التي تنتجها الرأسمالية الطرفية حين تدخل طور الأزمة: دولة عاجزة ماليا، اقتصاد تابع لتقلبات السوق العالمية، برجوازية محلية ضعيفة لكنها شديدة الارتباط بالمصالح الأجنبية، وجماهير شعبية واسعة لم تعد قادرة على تحمّل كلفة إعادة هيكلة الاقتصاد على حسابها. في العمق، لا تدور المعركة الحالية حول قانون الأراضي وحده، بل حول سؤال السيادة نفسه: من يملك بوليفيا؟ ومن يقرر مصير مواردها وأرضها وعملها وثروتها؟ فالحكومة الحالية، منذ وصولها إلى السلطة، لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة بنيوية ناتجة عن تبعية الاقتصاد البوليفي، بل باعتبارها مشكلة “اختلالات مالية” يجب علاجها عبر الوصفة النيوليبرالية الكلاسيكية: تقليص الإنفاق العمومي، رفع الدعم، تحرير السوق، تسريع الخصخصة، وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي. أي أنّ السلطة اختارت تحميل الطبقات الشعبية كلفة الأزمة بدل تحميلها للرأسمال الكبير أو إعادة بناء الاقتصاد على أسس اجتماعية جديدة. لكن خصوصية بوليفيا تكمن في أنّ النيوليبرالية هناك لا تواجه مجتمعا مفككا بالكامل كما في بلدان أخرى، بل تواجه كتلا اجتماعية مازالت تمتلك أدوات مقاومة وتنظيما وذاكرة سياسية طويلة. فالسكان الأصليون، والنقابات، وعمال المناجم، والتنظيمات الفلاحية، لا ينظرون إلى الدولة باعتبارها جهازا “محايدا”، بل باعتبارها ميدان صراع طبقي وإثني وتاريخي. ولهذا جاء الانفجار سريعا وعنيفا. فقانون الأراضي لم يفهم فقط كتشريع اقتصادي، بل باعتباره بداية طور جديد من نزع الملكية الجماعية لصالح رأس المال العالمي. إنّ الأرض بالنسبة للمجتمعات الأصلية ليست مجرد وسيلة إنتاج، بل بنية وجود كاملة: مصدر الهوية والعيش والعلاقات الاجتماعية والرمزية. وعندما تحاول الدولة تحويلها إلى سلعة قابلة للبيع والاستثمار والمضاربة، فإنها عمليا تدمر الشكل التاريخي الذي تعيش من خلاله تلك المجتمعات. ومن هنا نفهم لماذا استمرت الاحتجاجات حتى بعد التراجع عن القانون. لأن الجماهير أدركت أن القانون ليس سوى تعبير عن مشروع أوسع: إعادة تشكيل بوليفيا وفق منطق السوق الحر. أي تحويل الدولة من أداة توازن اجتماعي نسبي إلى جهاز لإدارة مصالح الرساميل والشركات الأجنبية. إنّ أخطر ما يواجهه النظام حاليا ليس فقط حجم الغضب الشعبي، بل الشكل الذي اتخذه هذا الغضب. فحين تتحول الاحتجاجات إلى “زحف” من الأطراف نحو العاصمة، فإن المسألة تصبح أخطر من مظاهرات حضرية تقليدية. هنا تدخل البلاد في منطق “الحصار الشعبي للمركز”، وهو شكل تاريخي من أشكال الانتفاض في أمريكا اللاتينية، حيث تتحرك الكتل المهمشة جغرافيا واقتصاديا لإخضاع المركز السياسي عبر شلّ الطرقات والإمدادات والنقل والإنتاج. هذا الشكل من الاحتجاج يكشف أيضاً عن أزمة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة في الأطراف تقوم أساسا على قدرتها في ضمان تدفق السلع والطاقة والنقل والأسواق. وعندما تفقد هذه القدرة، يبدأ تفكك هيبتها السياسية بسرعة. لذلك يبدو النظام اليوم مرتبكا: فهو عاجز عن القمع الكامل بسبب اتساع الحراك، وعاجز في الوقت نفسه عن تقديم تنازلات جوهرية لأن برنامجه الاقتصادي قائم أصلا على إرضاء المؤسسات المالية ورأس المال الدولي. كما أن دخول عمال المناجم بقوة إلى المشهد يغيّر طبيعة الصراع بالكامل. ففي التاريخ البوليفي، يشكل المعدّنون أكثر من قطاع نقابي؛ إنهم القوة الاجتماعية التي تمتلك أعلى درجات الراديكالية والتنظيم والخبرة الصدامية مع الدولة. ولهذا فإنّ مشاركتهم تعني انتقال الأزمة من مستوى احتجاجات مطلبية إلى مستوى أزمة سلطة فعلية. لكن ما يميز اللحظة الحالية أيضا هو التحالف الواسع بين الفئات المتضررة من الأزمة: العمّال، الفلاحون، السكان الأصليون، سائقو الشاحنات، النقابات، الفقراء الحضريون. وهذا التحالف لم يتشكل نتيجة خطاب أيديولوجي فقط، بل نتيجة تجربة مادية مشتركة: الجميع بات يشعر أن السلطة تدير الأزمة ضدهم ولصالح أقلية مرتبطة بالسوق العالمية. وهنا تظهر إحدى أخطر تناقضات النيوليبرالية في الأطراف: فهي تحتاج إلى دولة قوية أمنيا لقمع المجتمع، لكنها في الوقت نفسه تدمر الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية للدولة نفسها عبر الخصخصة والتقشف. أي أنّها تنتج سلطة أكثر عنفا وأقل قدرة على الحكم في الآن ذاته. كما أنّ الأزمة الحالية تكشف حدود التجربة “التقدمية” السابقة بقيادة MAS. فصحيح أن تلك المرحلة حسّنت نسبيا شروط العيش وأعادت الاعتبار للسكان الأصليين ووسعت دور الدولة الاجتماعي، لكنها لم تغيّر البنية الاقتصادية العميقة القائمة على تصدير المواد الخام والارتهان للأسواق الخارجية. لذلك بقي الاقتصاد هشا أمام أي أزمة مالية أو نقدية أو طاقية. بمعنى آخر: اليمين الحالي لم يخلق الأزمة من الصفر، بل فجّر تناقضات كانت كامنة داخل النموذج الاقتصادي كله. الفرق أنه اختار معالجتها عبر هجوم مباشر على المكتسبات الشعبية. السؤال الأساسي الآن ليس هل ستسقط الحكومة أم لا، بل ماذا بعد؟ لأنّ إسقاط السلطة، رغم أهميته، لا يحل تلقائيا أزمة البنية الاقتصادية التابعة. وهنا تكمن معضلة اليسار البوليفي نفسه: هل يملك مشروعا يتجاوز مجرد العودة إلى إدارة الدولة داخل الاقتصاد العالمي نفسه؟ أم أن الصراع سينتهي بإعادة إنتاج الدورة ذاتها: يسار إصلاحي يهدئ الشارع مؤقتا، ثم يمين يعيد فرض التقشف عند أول أزمة؟ مع ذلك، فإنّ ما يجري اليوم يحمل دلالة كبرى: الجماهير في بوليفيا لم تعد تقبل أن تدار حياتها بمنطق “ضرورة السوق”. وهذا في حد ذاته تطور سياسي عميق. فالنيوليبرالية تنجح عادة حين تجعل الفقر والتقشف والخصخصة تبدو كأنها قوانين طبيعية لا يمكن مقاومتها. أما حين تنزل الجماهير إلى الشارع بهذا الحجم، وتغلق الطرقات، وتحاصر العاصمة، وتطالب بإسقاط السلطة، فإنها تعلن عمليا أن السياسة عادت من جديد، وأن الصراع الطبقي لم يمت كما بشّرت الرأسمالية لعقود. ولهذا تبدو بوليفيا اليوم كأنها مختبر مكثف لأزمة عالمية أوسع: أزمة نظام اقتصادي لم يعد قادرا على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، لكنه مازال يحاول النجاة عبر تحميل الشعوب كلفة انهياره. ثمّة زاوية أخرى أكثر عمقا لفهم ما يحدث في بوليفيا، لا تنطلق من الاقتصاد وحده، بل من أزمة الشرعية التاريخية للدولة نفسها. فالدولة البوليفية الحديثة، منذ تأسيسها، لم تكن في جوهرها دولة جامعة لكل المجتمع، بل جهازا بني تاريخيا فوق إقصاء الأغلبية الأصلية والفلاحية وتحويلها إلى قوة عمل خام داخل اقتصاد موجّه لخدمة الخارج. أي أنّ الأزمة الحالية ليست فقط أزمة حكومة نيوليبرالية، بل أزمة شكل الدولة الذي يعود اليوم ليفقد توازنه القديم. في أمريكا اللاتينية عموما، وبوليفيا خصوصا، لم تتشكل الدولة القومية كما تشكلت في أوروبا عبر صيرورة دمج تدريجية للسكان داخل “أمة” موحدة، بل تشكلت كامتداد داخلي للبنية الاستعمارية. الاستعمار انتهى سياسيا، لكن منطقه استمر داخل الاقتصاد، والملكية، والجيش، واللغة، والثقافة، وحتى داخل توزيع المدن والثروات. لهذا ظلّ السكان الأصليون لقرون يعاملون باعتبارهم فائضا بشريا موجودا للعمل لا للحكم. ما فعلته موجة اليسار اللاتيني في بدايات القرن الحادي والعشرين، وخاصة في بوليفيا، هو أنها زعزعت هذه المعادلة لأول مرة. صعود إيفو موراليس لم يكن مجرد فوز انتخابي لشخص يساري، بل لحظة اقتحام تاريخية للدولة من طرف من كانوا خارجها رمزيا واجتماعيا. فجأة، وجد البيض والأوليغارشيا التقليدية أنفسهم أمام سلطة يتصدرها أبناء المجتمعات الأصلية والنقابات والحركات الريفية. لذلك كان الصراع منذ البداية أعمق من برامج اقتصادية؛ كان صراعا حول: من يملك الحق في تمثيل الأمة نفسها؟ ولهذا تحديدا تبدو عودة اليمين إلى السلطة اليوم محاولة “استعادة استعمار داخلي” أكثر من كونها مجرد تداول سياسي عادي. فالمشروع النيوليبرالي الحالي لا يسعى فقط لتطبيق التقشف، بل لإعادة تركيب الهرمية القديمة داخل المجتمع: إعادة إخضاع الأطراف للمركز، وإعادة السكان الأصليين إلى موقع “الكتلة الاجتماعية التابعة” التي يطلب منها العمل والصمت لا فرض الشروط السياسية. من هنا يمكن فهم العنف الرمزي الهائل الكامن داخل قانون الأراضي. لأنّ المسألة لا تتعلق فقط بالسماح للشركات بشراء الأرض، بل بإعادة تعريف معنى الأرض نفسها. المجتمعات الأصلية تنظر إلى الأرض باعتبارها فضاء جماعيا للوجود والحياة والذاكرة. أما النيوليبرالية فترى فيها “أصلا ماليا” يجب إدخاله في السوق. أي أنّ الصدام هنا ليس اقتصاديا فقط، بل صدام بين تصورين متناقضين للعالم: عالم يرى الطبيعة امتدادا للمجتمع، وعالم يرى الطبيعة مادة خام للاستثمار. وهذا ما يجعل الانتفاضة الحالية تتجاوز البعد المطلبي المباشر. فالجماهير التي تزحف نحو لاباز لا تدافع فقط عن مستوى معيشتها، بل عن حقها في البقاء كشكل اجتماعي مختلف داخل عالم تحاول الرأسمالية توحيده بالكامل وفق منطق السوق. الأهم من ذلك أنّ ما يجري يكشف أزمة عميقة داخل الرأسمالية الطرفية نفسها. فبوليفيا، مثل أغلب بلدان الجنوب، لا تمتلك برجوازية وطنية مستقلة قادرة على بناء مشروع تنمية ذاتي. الطبقات المالكة هناك مرتبطة عضويا بالتصدير، بالرساميل الأجنبية، بالمضاربة، وبالأسواق العالمية. ولذلك فإن أي أزمة مالية أو نقدية تدفعها مباشرة إلى تحميل المجتمع كلفة الانهيار. هي طبقات لا ترى الشعب باعتباره قاعدة لبناء الأمة، بل عبئا يجب ضبطه أمنيا. لهذا نلاحظ أنّ السلطة الحالية لم تحاول حتى بناء توافق اجتماعي واسع، بل تحركت بسرعة نحو إجراءات صدامية: رفع الدعم، تحرير السوق، توسيع الخصخصة، وفتح القطاعات الاستراتيجية أمام رأس المال الأجنبي. وكأنها تدرك أن زمنها محدود، وأن عليها فرض أكبر قدر ممكن من التحولات قبل انفجار الوضع. لكن ما لم تفهمه السلطة هو أنّ بوليفيا ليست بلدا يمكن فيه عزل الاقتصاد عن التاريخ. فكل إجراء تقشفي هناك يعيد استحضار ذاكرة طويلة من النهب والاستغلال والانقلابات. لهذا يتحول الغلاء بسرعة إلى غضب سياسي، ويتحول نقص الوقود إلى سؤال حول السيادة الوطنية، وتتحول الخصخصة إلى استدعاء مباشر لذاكرة الهيمنة الأجنبية. في هذا السياق، يصبح “الزحف نحو العاصمة” حدثا بالغ الدلالة. فالمدينة الحديثة في بلدان الأطراف ليست مجرد مركز إداري، بل مركز احتكار السلطة والثروة والقرار. وعندما تتحرك الأطراف الجماهيرية لمحاصرة العاصمة، فهي عمليا تقلب الجغرافيا السياسية للبلاد: الذين ظلوا على هامش الدولة يعودون ليعيدوا تعريف المركز نفسه. كما أن الحراك الحالي يكشف أزمة الديمقراطية الليبرالية في الأطراف التابعة. فهذه الديمقراطية تعمل بصورة مستقرة فقط حين تستطيع الدولة تقديم حد أدنى من التوازن الاجتماعي. أما عندما تدخل الأزمة الاقتصادية مرحلة الانفجار، تنكشف الطبيعة الحقيقية للنظام: الانتخابات تصبح عاجزة عن امتصاص الغضب، والمؤسسات تفقد شرعيتها بسرعة، وتتحول الشوارع والنقابات والطرقات إلى الفضاء الحقيقي للسياسة. ومن هنا يمكن فهم التصعيد المتبادل بين السلطة واليسار. الحكومة تتهم موراليس والقيادات النقابية بـ”التخريب” لأنها تدرك أن أخطر ما يحدث ليس الاحتجاج نفسه، بل احتمال تشكل شرعية بديلة خارج مؤسسات الدولة. أي أن تصبح النقابات والتنظيمات الأصلية واللجان الشعبية مراكز قرار فعلية تفرض الإيقاع السياسي على السلطة. لكن هنا يظهر أيضا التناقض الكبير داخل الحراك. فالقوة الاجتماعية التي تفجرت في الشارع مازالت تبحث عن أفق سياسي قادر على تجاوز حدود الدولة الريعية القديمة نفسها. لأن إعادة اليسار الإصلاحي إلى الحكم دون تغيير بنية الاقتصاد التابع قد تؤدي فقط إلى تأجيل الانفجار القادم لا أكثر. إنّ الأزمة الحالية تطرح، بشكل خفي لكنه حاد، سؤالا بالغ الخطورة: هل يمكن فعلا بناء سيادة شعبية داخل اقتصاد تابع للسوق العالمية ولشركات استخراج المواد الأولية؟ أم أن أي حكومة، مهما كانت شعاراتها، ستجد نفسها في النهاية خاضعة لمنطق التصدير والدين والعملة الصعبة؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. فبوليفيا ليست فقط ساحة صراع بين حكومة ومعارضة، بل مختبر لسؤال عالمي أكبر: كيف يمكن لشعوب الجنوب أن تتحرر اقتصاديا وهي مازالت مدمجة داخل نظام عالمي يبقيها مصدرا للمواد الخام وسوقا للأزمات؟ ولهذا فإنّ ما يحدث الآن يتجاوز حدود البلد نفسه. إنه إعلان عن عودة المسألة الاجتماعية في أكثر أشكالها جذرية: ليس كصراع حول الأجور فقط، بل كصراع حول معنى الدولة، والملكية، والسيادة، ومن يملك الحق في تقرير شكل الحياة الجماعية نفسها. ثمّة مستوى أعمق لما يجري في بوليفيا لا يظهر مباشرة في الشعارات أو البيانات النقابية، وهو أنّ البلاد تعيش لحظة تصادم بين زمنين تاريخيين مختلفين تماما: زمن الرأسمالية المعولمة التي لم تعد ترى في الدول سوى منصات لاستخراج الموارد وضبط السكان، وزمن الجماعات الشعبية التي مازالت تتحرك وفق منطق السيادة الاجتماعية والذاكرة الجماعية والحق في التحكم في شروط الحياة. لهذا تبدو الانتفاضة الحالية، في جوهرها، تمرّدا ضد تحويل المجتمع كله إلى مساحة مفتوحة لإدارة رأس المال. الرأسمالية المعاصرة، بخلاف مراحلها القديمة، لم تعد تحتاج فقط إلى السيطرة على العمل، بل أصبحت تحتاج إلى السيطرة على كل شروط إعادة إنتاج الحياة اليومية: الغذاء، الوقود، الأرض، الماء، النقل، الطاقة، وحتى الزمن الاجتماعي نفسه. أي أنّها لم تعد تكتفي باستغلال العامل داخل المصنع، بل أصبحت تعيد تشكيل المجتمع بأكمله وفق احتياجات السوق العالمية. وهذا ما يجعل السياسات النيوليبرالية أكثر عنفا اليوم من مجرد “تقشف اقتصادي”. إنها عملية إعادة بناء شاملة للعلاقات الاجتماعية. في بوليفيا، ظهر ذلك بوضوح عبر محاولة تحويل الأزمة الاقتصادية إلى فرصة لإعادة هندسة المجتمع. فرفع الدعم مثلا لا يتعلق فقط بتقليص عجز الدولة، بل بإجبار المجتمع على الخضوع الكامل لمنطق الأسعار العالمية. حين يصبح الوقود والغذاء والطاقة خاضعين بالكامل للسوق، تفقد الجماهير قدرتها على التحكم في حياتها اليومية، وتصبح رهينة حركة الدولار والاستثمارات والمضاربة الدولية. ومن هنا نفهم لماذا خرجت الجماهير بهذا الحجم. لأنّ الناس لم يشعروا فقط بأنهم يزدادون فقرا، بل شعروا بأنهم يفقدون السيطرة على وجودهم نفسه. الأزمة لم تعد أزمة “دخل”، بل أزمة قدرة على العيش. وهنا يظهر عنصر بالغ الأهمية: الانتفاضة الحالية ليست انتفاضة طبقة صناعية كلاسيكية كما تخيلتها الماركسية الأوروبية التقليدية، بل انتفاضة كتلة اجتماعية هجينة تشكلت داخل اقتصاد طرفي مفكك: عمّال مناجم، فلاحون، سكان أصليون، عمال غير نظاميين، سائقون، موظفون صغار، فقراء المدن. هذه الكتلة لا توحدها فقط العلاقة بالإنتاج، بل توحدها الهشاشة المشتركة أمام السوق. وهذا التحول شديد الأهمية، لأن الرأسمالية في الأطراف لم تعد تنتج “بروليتاريا مستقرة” بالمعنى القديم، بل تنتج جماهير واسعة تعيش بين العمل المؤقت، الاقتصاد غير الرسمي، الديون، وانعدام الأمان الاجتماعي. لذلك تصبح الانتفاضات الحديثة أقل ارتباطا بالمصنع وأكثر ارتباطا بالحياة اليومية نفسها: النقل، الغذاء، الوقود، السكن، الأرض، والخدمات الأساسية. في هذا المعنى، فإن الحواجز الطرقية التي انتشرت في بوليفيا ليست مجرد وسيلة ضغط، بل شكل سياسي جديد للصراع الطبقي. فالطرق في الاقتصاد النيوليبرالي ليست بنية تقنية محايدة؛ إنها شرايين حركة رأس المال والبضائع والطاقة. وعندما تقوم الجماهير بقطع الطرقات، فهي لا تعطل المرور فقط، بل تعطل الدورة العصبية للاقتصاد نفسه. كأن الفقراء اكتشفوا فجأة أنهم، رغم تهميشهم، مازالوا يمتلكون القدرة على شلّ النظام بأكمله. وهذا يفسر خوف السلطة من “الزحف البشري” أكثر من خوفها من الخطابات السياسية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة نيوليبرالية هو أن تتحول الجماهير المشتتة إلى قوة قادرة على تعطيل التدفقات: تدفق السلع، الوقود، العمل، النقل، والقرار السياسي نفسه. كما أنّ الأزمة الحالية تكشف تحوّلاً داخل طبيعة الدولة في الأطراف. ففي السابق، كانت الدولة التسلطية تعتمد على القمع المباشر أساسا. أما اليوم، فالدولة النيوليبرالية تعتمد على شيء أكثر تعقيدا: إدارة السكان عبر السوق. أي أنّها تدفع الناس إلى الانضباط من خلال الخوف من البطالة، الديون، التضخم، وانهيار شروط العيش. لكن عندما تصل الأزمة إلى درجة يصبح فيها البقاء نفسه مهددا، يفقد هذا الشكل من السيطرة فعاليته. عندها تعود الجماهير إلى الشارع لأنها لم تعد تخشى شيئا أكثر مما تعيشه أصلا. وهنا يمكن فهم الراديكالية المتزايدة داخل الحراك. فحين يهتف المتظاهرون بإسقاط الحكومة، فهم لا يطالبون فقط بتغيير إداري، بل يعلنون انهيار الثقة بالكامل في قدرة النظام القائم على تأمين الحياة الاجتماعية. وهذا أخطر بكثير من مجرد أزمة شعبية عابرة. في المقابل، تبدو السلطة محاصرة داخل تناقض بنيوي لا يمكنها الخروج منه. فهي تحتاج إلى إرضاء المؤسسات المالية والأسواق الدولية كي تمنع الانهيار المالي، لكنها تحتاج أيضا إلى تهدئة الشارع كي تمنع الانفجار السياسي. المشكلة أنّ هذين الهدفين أصبحا متناقضين بالكامل. كل خطوة ترضي السوق تفجر الشارع، وكل تنازل للجماهير يثير خوف المستثمرين والدائنين. لهذا تتحول الدولة تدريجيا إلى جهاز لإدارة الأزمة لا لحلها. أي أنّها تنتقل من وظيفة الحكم إلى وظيفة تأجيل الانفجار. كما أنّ ما يجري يكشف أزمة عميقة لفكرة “التنمية” نفسها في بلدان الجنوب. فبوليفيا، رغم ثرواتها الطبيعية الهائلة، مازالت مرتبطة بالنظام العالمي كمصدر للمواد الخام والطاقة والمعادن. وهذا يعني أن أي حكومة، يمينية كانت أو إصلاحية، تبقى محكومة بمنطق استخراج الثروة لا بمنطق بناء اقتصاد مستقل. لذلك فإن الصراع الحالي ليس فقط ضد حكومة معينة، بل ضد موقع بوليفيا داخل التقسيم العالمي للعمل. إنّ الجماهير التي تنزل اليوم إلى الشوارع تدرك، ولو بصورة غريزية، أن الثروة موجودة فعلا في البلاد، لكنها تدار ضدها لا لصالحها. وهذا الإدراك بالغ الخطورة سياسيا، لأنه ينقل الوعي الشعبي من مستوى المطالب الجزئية إلى مستوى مساءلة النظام الاقتصادي بأكمله. وفي هذا السياق، تصبح عودة النقابات والتنظيمات الأصلية إلى مركز المشهد أمرا بالغ الدلالة. فالرأسمالية النيوليبرالية حاولت طوال عقود تفكيك كل أشكال التنظيم الجماعي وتحويل الأفراد إلى وحدات معزولة داخل السوق. لكن ما يحدث الآن هو العكس تماما: الجماهير تعيد اكتشاف قوتها من خلال التنظيم الجماعي، والمسيرات، والإضرابات، والحصار الشعبي. إنّ أخطر ما في انتفاضة بوليفيا ليس احتمال إسقاط الحكومة فقط، بل احتمال أن تستعيد الجماهير ثقتها في قدرتها على الفعل التاريخي المباشر. فالرأسمالية المعاصرة تعيش أساسا على إقناع الناس بأنهم عاجزون، وأن السوق قدر، وأن السياسة انتهت. لكن حين تغلق الجماهير الطرقات، وتحاصر العاصمة، وتشلّ الاقتصاد، فإنها تقول شيئا مختلفا تماما: أن المجتمع مازال قادرا على تعطيل الآلة وإعادة فتح التاريخ من جديد. في النهاية، قد تنجح السلطة في قمع الشوارع مؤقتا، وقد تبرم تسويات مع بعض القيادات النقابية، وقد تعاد صياغة الأزمة داخل المؤسسات والانتخابات والخطابات الوطنية المعتادة، لكن شيئا أعمق يكون قد حدث بالفعل داخل المجتمع البوليفي: انكسار الوهم النيوليبرالي الذي حاول إقناع الجماهير بأن السوق أقوى من التاريخ، وأن الشعوب لم يعد لها سوى التكيف مع الخراب. ما كشفته بوليفيا ليس فقط هشاشة حكومة أو فشل برنامج اقتصادي، بل هشاشة النظام العالمي نفسه حين يصل إلى أطرافه الأكثر فقرا وتناقضا. فالرأسمالية، بعدما استنفدت قدرتها على تقديم الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، لم يعد أمامها سوى إدارة المجتمعات بالخوف: الخوف من الجوع، من البطالة، من التضخم، من انهيار العملة، من العزلة عن السوق العالمية. لكنها حين تدفع الجماهير إلى حافة العيش، تخلق في الوقت ذاته شروط انفجارها. ولهذا تبدو الانتفاضة البوليفية أبعد من مجرد احتجاج محلي؛ إنها واحدة من العلامات الكبرى على أن شعوب الجنوب بدأت تدخل طورا جديدا من الصراع، طورا لم تعد فيه المسألة مرتبطة فقط بتحسين شروط الحياة داخل النظام، بل بالسؤال عمّا إذا كان هذا النظام نفسه مازال قابلا للحياة. إنّ الجماهير التي خرجت من المناجم والقرى والطرقات الطويلة نحو لاباز لم تكن تتحرك فقط ضد حكومة، بل ضد موقع كامل فرض عليها داخل العالم: أن تبقى خزّانا للمواد الخام، ويدا عاملة رخيصة، وسكانا فائضين يطلب منهم دفع ثمن الأزمات التي لم يصنعوها. وما يجعل هذه اللحظة خطيرة هو أنّ الفقراء، حين يكتشفون أن الدولة لا تحميهم، وأن السوق لا يطعمهم، وأن الديمقراطية الليبرالية لا تسمعهم إلا حين يحاصرون العاصمة، يبدأون في البحث عن أشكال أخرى للسياسة وللسلطة وللمجتمع. هناك، تحديدا، تبدأ الأزمة الحقيقية. لأنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الرأسمالية ليس الفقر ولا الغضب ولا حتى الإضرابات، بل سقوط شرعيتها الأخلاقية والتاريخية في أعين الجماهير. حين تتوقف الشعوب عن النظر إلى النظام باعتباره قدرا، وتبدأ في التعامل معه باعتباره بناء بشريا قابلا للكسر والتجاوز، يدخل التاريخ مرحلة جديدة بالكامل. وربما لهذا تبدو بوليفيا اليوم، وسط الدخان والحواجز والزحف الشعبي، كأنها تذكير قاس بحقيقة حاول العالم الليبرالي دفنها طويلا: أن الذين يعيشون في أسفل السلم الاجتماعي قد يبدون صامتين لسنوات، لكنهم حين يتحركون لا يعودون يطالبون فقط بالخبز، بل بحقهم في امتلاك العالم الذي يصنعونه بأيديهم.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال
...
-
السلطة وإعادة الإنتاج.
-
هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
-
حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
-
الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
-
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
-
أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
-
الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب
...
-
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو
...
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
-
عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال
...
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
المزيد.....
-
نجل الرئيس الفلسطيني يفوز بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح..
...
-
الخليج على أعتاب مرحلة حساسة.. ضربة بمسيّرة تشعل حريقًا قرب
...
-
مطالب إيرانية مقابل شروط أمريكية لاستئناف المفاوضات وإنهاء ا
...
-
الحكومة الإسرائيلية تعقد اجتماعا أمنيا لبحث السيناريوهات الم
...
-
روسيا تقول إنها تعرضت لهجوم أوكراني بأكثر من 600 مسيّرة أسفر
...
-
ضربة بطائرة مسيّرة قرب محطة للطاقة النووية في أبوظبي
-
هل تفوقت أسراب المسيرات الأوكرانية على روسيا؟
-
أزمة خانقة في غزة: تكدس المقابر وتجريفها يحرم الأهالي من دفن
...
-
خامنئي يكلف قاليباف بإدارة العلاقات مع الصين
-
أحدث كوابيس البحرية البريطانية.. فرقاطات صُنعت بطريقة خاطئة
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|