|
|
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثروبولوجيا الخضوع
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إذا تجاوزنا مستوى توصيف التحوّلات السياسية والاقتصادية إلى مستوى أعمق، سنجد أنّ ما يجري اليوم لا يقتصر على إعادة توزيع القوة، بل يمسّ البنية الأنثروبولوجية للإنسان المعاصر نفسه. إنّ النظام لا يكتفي بتنظيم السوق أو ضبط المجال العام، بل يعيد تشكيل الذات: رغباتها، مخاوفها، تصورها للنجاح، وحتى فهمها لذاتها ككائن اجتماعي. هنا يصبح السؤال أخطر من سؤال السلطة: أيّ إنسان يعاد إنتاجه داخل هذا النظام؟ لقد دخلنا طورا تدار فيه المجتمعات عبر “هندسة القابلية”، أي جعل الأفراد قابلين للتكيّف مع شروط غير عادلة دون انفجار شامل. لا يتم ذلك بالقمع المباشر فقط، بل بإعادة تعريف الطموح. النجاح يفهم فرديا، الفشل يحمّل لصاحبه، والهشاشة تقدّم كمسؤولية شخصية لا كنتيجة بنيوية. وهنا تتجذر إحدى أكثر آليات السيطرة فاعلية: تحويل التناقض الاجتماعي إلى شعور ذاتي بالنقص. في هذا السياق، تتداخل الرأسمالية مع علم النفس الشعبي، مع خطاب التنمية الذاتية، مع ثقافة الإنجاز الدائم. الفرد مدعوّ باستمرار إلى تحسين ذاته، إلى رفع إنتاجيته، إلى تحويل وقته كله إلى فرصة ربح أو استثمار. لم يعد الاستغلال يمر فقط عبر ساعات العمل، بل عبر احتلال الزمن الخاص. حتى الراحة تعاد صياغتها كوسيلة لزيادة الكفاءة. وهكذا يختزل الإنسان إلى مشروع دائم لإدارة ذاته. ما يجعل هذه المرحلة مختلفة هو أن السيطرة لم تعد تتطلب خطابا أيديولوجيا صريحا. إنها تعمل عبر ما يمكن تسميته “الطبيعيّة المصطنعة”: يصبح غير العادل عاديا، ويقدّم الاختلال كجزء من قوانين لا تمسّ. في هذا الإطار، يتقاطع الاقتصاد مع التقنية. المنصات الرقمية لا تسهّل الحياة فقط، بل تعيد تشكيلها. العمل عبر التطبيقات، الاستهلاك عبر الخوارزميات، العلاقات عبر الوسائط، كلها أنماط تنتج فردا معزولا ظاهريا، متصلا شكليا، ومراقبا فعليا. هنا تتقدم فكرة “البيانات” بوصفها ثروة القرن. ليست المسألة في امتلاك الموارد الطبيعية فقط، بل في امتلاك خرائط السلوك البشري. من يعرف كيف نستهلك، ماذا نحب، متى نغضب، يمتلك قدرة استباقية على توجيهنا. إنّ ما أشار إليه شوشانا زوبوف حول “رأسمالية المراقبة” لا يتعلق بالتجسس فحسب، بل بتحويل التجربة الإنسانية نفسها إلى مادة أولية للربح. هذا التحول يخلق تناقضا بنيويا: كلما ازداد النظام اعتمادا على التقنية لضبط المجتمع، ازداد اعتماده على هشاشة البنية التي يحملها. فالتقنية ليست محايدة؛ إنها تعيد توزيع القوة بين من يملك المعرفة ومن يستهلكها. وفي عالم تتسارع فيه الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يتسع سؤال العمل: ماذا يحدث لمجتمعات يستغنى عن جزء كبير من عملها؟ البطالة هنا لا تكون مجرد فقدان دخل، بل فقدان موقع داخل النظام الرمزي. ومع تراجع دور العمل بوصفه رابطا اجتماعيا، تتفكك إحدى ركائز الهوية الحديثة. الفرد الذي كان يعرّف بعمله يجد نفسه معلقا بين هشاشة اقتصادية وفراغ معنوي. وهنا تتكاثر أنماط الهروب: استهلاك مفرط، انغماس رقمي، انغلاق هوياتي، أو تطرف سياسي. ليست هذه الظواهر شذوذا، بل أعراض خلل أعمق في البنية الاجتماعية. على المستوى الجيوسياسي، يتكثف هذا التحول في صراع على الموارد الاستراتيجية: الطاقة، المياه، المعادن النادرة، طرق التجارة. لكن هذا الصراع لا يخاض فقط بالسلاح، بل بالتحكم في المعايير: من يضع قواعد التجارة، من يحدد شروط التمويل، من يرسم خرائط “المخاطر”. إنّ السيطرة لم تعد مباشرة دائما؛ إنها تمر عبر شبكات معقدة من الاتفاقيات، التصنيفات الائتمانية، مؤسسات التمويل، والعقوبات الاقتصادية. في هذا الإطار، تعاد صياغة مفهوم الأمن. لم يعد الأمن مجرد حماية حدود، بل حماية تدفقات: تدفق المال، البيانات، السلع. وحين تختزل السياسة في إدارة هذه التدفقات، يختزل المواطن إلى عنصر داخل شبكة. قيمته تقاس بقدرته على الاستهلاك والإنتاج، لا بقدرته على المشاركة أو التفكير النقدي. غير أن التناقض الجوهري يكمن في أن النظام، وهو يعمّق فردانية الإنسان، يحتاج في الوقت نفسه إلى استقرار اجتماعي جماعي. لا يمكن للسوق أن يعمل في فضاء من الفوضى المطلقة. وهنا تظهر سياسات “الإسعاف الاجتماعي”: تحويلات مالية محدودة، برامج دعم ظرفية، مسكنات اقتصادية تمنع الانفجار دون معالجة الجذر. إنها إدارة للفقر لا إنهاؤه، وضبط للاحتجاج لا حلّه. ومع تعمق الأزمات المناخية، يتكشّف بعد آخر للصراع. الطبيعة نفسها تدخل المعادلة السياسية. لم يعد التدهور البيئي قضية هامشية، بل عاملا يعيد رسم خرائط النزاع والهجرة والغذاء. وهنا يتضح أن منطق الربح غير المحدود يصطدم بحدود الكوكب. إنّ التحذيرات التي أطلقها باحثون مثل نعومي كلاين حول ترابط الرأسمالية والأزمة المناخية لم تعد أطروحات نظرية، بل وقائع يومية. لكن الأهم أن الأزمات المتداخلة ، اقتصادية، بيئية، اجتماعية ، تخلق لحظة تاريخية مفتوحة. ليست لحظة حتمية الانهيار، بل لحظة تعدد المسارات. ففي كل أزمة إمكانية لبديل، شرط أن يتشكل وعي قادر على الربط بين الأبعاد المختلفة للصراع. إنّ التحدي المركزي اليوم هو إعادة التفكير في معنى “القيمة”. ما الذي نعتبره ثروة؟ هل هي تراكم مالي مجرد، أم قدرة مجتمع على ضمان حياة كريمة لأفراده؟ حين يعاد تعريف القيمة، يعاد تعريف السياسة. وهنا تنفتح مساحة لإعادة تخيل أنماط إنتاج واستهلاك مختلفة، أكثر ارتباطا بالحاجات الفعلية وأقل خضوعا لمنطق المضاربة. كما أن إعادة بناء المجال العام تصبح ضرورة لا ترفا. لا يكفي فضح الاختلال؛ يجب خلق فضاءات نقاش وتنظيم تتجاوز الاستقطاب السطحي. إنّ التجارب التاريخية تظهر أن التحولات العميقة لا تنجح دون بنية ثقافية تسندها. الوعي ليس انعكاسا آليا للواقع، بل نتاج صراع رمزي طويل. في هذا الأفق، لا يكون السؤال: كيف نسقط منظومة؟ بل كيف نبني شروطا تجعلها غير قادرة على الاستمرار؟ كيف نعيد توزيع المعرفة بحيث لا تبقى حكرا على النخب التقنية؟ كيف نربط بين النضال البيئي والاجتماعي والاقتصادي ضمن أفق واحد؟ وكيف نمنع تحوّل الغضب المشروع إلى طاقة هدم بلا مشروع؟ إنّ المرحلة التي نعيشها ليست نهاية التاريخ ولا بدايته، بل نقطة كثافة عالية تتقاطع فيها مسارات متعددة. قد يتجه العالم نحو مزيد من التمركز والرقابة والتفاوت، وقد يفتح مسارا لإعادة تأسيس الاجتماع على أسس أكثر عدلا. الفارق لن يصنعه ميزان القوة العسكري وحده، بل قدرة المجتمعات على إنتاج معرفة نقدية وتنظيم متماسك. في عمق هذا الصراع، يتحدد شكل الإنسان المقبل: هل يبقى فردًا معزولا في سوق كونية، أم يستعيد موقعه ككائن اجتماعي قادر على صياغة شروط حياته؟ ذلك هو الرهان الحقيقي الذي يتجاوز السياسة اليومية إلى سؤال الحضارة ذاته. إذا كان ما سبق قد اشتغل على تفكيك البنية الاقتصادية والرمزية والتقنية للهيمنة، فإن الدفعة التالية تقتضي النزول إلى طبقة أكثر خفاء: طبقة الزمن والمعنى. فالنظام الذي يعيد تشكيل الإنسان لا يكتفي بالتحكم في عمله واستهلاكه وبياناته، بل يتدخل في علاقته بالمستقبل ذاته. وأخطر ما يمكن أن يسلب من مجتمع ليس موارده فقط، بل أفقه. نحن نعيش في زمن يتضخم فيه الحاضر إلى حدّ يبتلع الماضي والمستقبل معا. الإيقاع المتسارع، الأخبار المتلاحقة، الأزمات المتراكمة، كلها تخلق شعورا دائما بأننا داخل لحظة طارئة لا تنتهي. هذا الإحساس ليس بريئا؛ إنه يضعف القدرة على التخطيط الطويل، على بناء مشاريع ممتدة، على التفكير في التحولات الهيكلية. حين يختزل الزمن في “الآن”، يصبح أيّ تصور بديل ضربا من الترف أو الوهم. وهنا تتكامل السيطرة الاقتصادية مع استعمار الزمن. العقود المؤقتة، العمل الهش، الديون الممتدة، كلها تربط الفرد بمستقبل مثقل لا يملكه. يصبح الغد مجرد مساحة لسداد التزامات الأمس. إنّ الإنسان المديون ليس فقط خاضعا ماليا، بل محاصرا زمنيا. لا يفكر في التغيير بقدر ما يفكر في النجاة. في هذا السياق، يتآكل مفهوم “المشروع الجماعي”. لم تعد المجتمعات تعرّف نفسها عبر سرديات كبرى حول العدالة أو التحرر أو التقدم، بل عبر مؤشرات نموّ، نسب تضخم، تصنيفات ائتمانية. اللغة نفسها تغيّرت. الكلمات التي كانت تشير إلى التضامن والمصلحة العامة تراجعت لصالح مفردات الكفاءة والجدوى والتنافسية. السياسة لم تعد مساحة صراع حول القيم، بل إدارة تقنية للمؤشرات. غير أن هذا التحول اللغوي ليس مجرد تبدّل اصطلاحي، بل إعادة برمجة للخيال. فاللغة تحدد ما يمكن التفكير فيه. وحين تختزل المفاهيم في حسابات كمية، يتراجع التفكير في النوعي: الكرامة، المعنى، جودة الحياة. وهنا يصبح الدفاع عن اللغة نفسها فعلا سياسيا. استعادة الكلمات ليست حنينا، بل استعادة لإمكانية التفكير خارج القوالب المفروضة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم عودة الهويات المغلقة في أماكن متعددة من العالم. حين يفقد الفرد أفقا اقتصاديا واجتماعيا مستقرا، يبحث عن يقين بديل. الهوية الصلبة تمنحه إحساسًا بالانتماء في عالم سائل. لكن هذه العودة لا تحلّ التناقض البنيوي، بل تعيد توجيه الغضب نحو أهداف جانبية. بدل مساءلة البنية الاقتصادية، يستثمر التوتر في صراعات ثقافية ورمزية. في العمق، نحن أمام أزمة تمثيل مركّبة. المؤسسات التقليدية التي ادّعت تمثيل الإرادة العامة فقدت قدرتها على الوساطة بين المجتمع والدولة. الأحزاب تتآكل، النقابات تضعف، والمجتمع المدني يختزل أحيانا في مشاريع ممولة لا تلامس الجذر. هذا الفراغ يفتح المجال لفاعلين جدد، لكن دون بنية واضحة، يتحول الحراك إلى موجات متقطعة لا تراكم خبرة تنظيمية. ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة انسداد كامل. فالتاريخ لا يتحرك في خط مستقيم. داخل التشققات الصغيرة تنمو تجارب مختلفة: مبادرات تعليمية مستقلة، فضاءات ثقافية بديلة، تجارب حكم محلي تشاركي، اقتصاديات صغيرة خارج منطق المضاربة. هذه التجارب قد تبدو محدودة، لكنها تكشف أن الخيال لم يصادر كليا. إن الربط الذكي بين كل هذه المستويات يكمن في إدراك أن المعركة ليست بين “دولة” و”سوق” فقط، بل بين تصورين للحياة. تصور يرى الإنسان وحدة إنتاج واستهلاك داخل شبكة تنافسية لا تنتهي، وتصور يراه كائنا اجتماعيا يحتاج إلى استقرار وأمان ومعنى. الصراع الحقيقي يدور حول أيّ تصور سيغلب. وهنا يظهر سؤال التربية بوصفه ساحة حاسمة. أيّ معرفة ننتج؟ هل نخرّج أفرادا يتقنون المهارات التقنية فقط، أم ننمّي قدرة نقدية تسمح بفهم البنية التي يعملون داخلها؟ التعليم الذي يفصل عن الوعي النقدي يتحول إلى أداة إدماج سلس داخل النظام القائم، لا إلى مساحة تفكير في بدائله. كما أن الثقافة، في معناها الواسع، ليست هامشا. الفنون، الأدب، السينما، كلها ساحات يعاد فيها تعريف الممكن. حين تتسع المخيلة، يتسع أفق السياسة. وحين تضيق المخيلة، يعاد إنتاج الواقع كما هو. لذلك فإن السيطرة الرمزية ليست أقل خطورة من السيطرة الاقتصادية. اللحظة الراهنة، بكل تناقضاتها، تجبرنا على إعادة طرح سؤال بسيط ظاهريا: ما الذي نريده فعلا؟ ليس على مستوى الشعارات، بل على مستوى البنية. هل نقبل عالما تقاس فيه القيمة بالربح فقط، أم نعيد تعريف النجاح ليشمل الاستقرار الاجتماعي والعدالة البيئية والكرامة الإنسانية؟ الإجابة لن تأتي من خطاب واحد أو حركة واحدة، بل من تراكم بطيء لتجارب وممارسات تعيد وصل ما فصل. الرهان ليس في انتظار انهيار شامل، بل في بناء قدرة على الفعل داخل الشروط القائمة، دون الاستسلام لها. هذا يتطلب وعيا بالترابط بين الاقتصاد والزمن واللغة والهوية، بين المحلي والعالمي، بين اليومي والاستراتيجي. حين يفهم هذا الترابط، تتغير زاوية النظر: لا نرى الأحداث كوقائع معزولة، بل كعقد داخل شبكة أوسع. في نهاية المطاف، المسألة ليست هل النظام قوي أم هش، بل هل المجتمع قادر على تخيّل نفسه خارج إحداثياته. وكلما اتسعت دوائر التفكير المشترك، وكلما استعيد الزمن كمساحة مشروع لا كعبء دين، اقتربنا من لحظة تتحول فيها الإمكانية إلى مسار. هنا فقط يصبح التاريخ فعلا واعيا، لا مجرد نتيجة لقوى عمياء. وإذا كانت المستويات السابقة قد كشفت تحولات في الاقتصاد، التقنية، اللغة، والزمن، فإن ثمة طبقة أخرى لا تقل خطورة: طبقة الخيال السياسي ذاته. فالسلطة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تعمل على تضييق حدود المتخيّل. أخطر أشكال الهيمنة ليست في منع الفعل، بل في جعل البديل غير قابل للتصوّر. حين يختزل الأفق في ما هو قائم، يصبح التغيير مغامرة غير عقلانية، ويغدو الاستمرار، في أسوأ شروطه ، الخيار “الواقعي” الوحيد. هنا يتقاطع النظام مع آلية نفسية عميقة: إنتاج الخوف بوصفه مناخا دائما. ليس الخوف من حدث محدد، بل من المجهول ذاته. تقدّم كل محاولة لإعادة توزيع الثروة أو إعادة تنظيم السلطة كتهديد للاستقرار، للاستثمار، للعملة، للأمن. وهكذا يتحول الاستقرار إلى قيمة عليا تتقدّم على العدالة. الاستقرار لا يعني هنا السلم الاجتماعي، بل استقرار الامتيازات. هذا المناخ يخلق مفارقة دقيقة: المجتمع يشعر بالاختلال، لكنه يخشى زعزعة التوازن القائم. وبين الشعورين تتشكل حالة من الشلل الجماعي. ليس لأن الناس غير واعين، بل لأن كلفة القفز إلى المجهول تبدو أكبر من كلفة البقاء في واقع مأزوم. إنها لحظة تاريخية تدار فيها السياسة عبر حسابات المخاطر الفردية، لا عبر رهانات جماعية كبرى. وفي هذا السياق، يعاد تعريف مفهوم “العقلانية”. العقلاني هو من يتكيّف، لا من يعترض. الواقعي هو من يقبل الشروط، لا من يسائلها. وبذلك تسحب الشرعية تدريجيا من كل خطاب جذري. لا يقمع بالضرورة، بل يصوّر كحالم أو غير مسؤول. إن هذه التقنية أكثر فاعلية من المنع المباشر، لأنها تعمل من داخل الوعي لا من خارجه. لكن هذا التضييق على الخيال لا يمكن أن يستمر بلا حدود. فحين تتراكم التجارب اليومية للظلم، تبدأ الفجوة بين الخطاب الرسمي والمعيش الفعلي بالاتساع. ومع اتساع الفجوة، يفقد الخطاب قدرته على الإقناع. هنا لا يحدث الانفجار فجأة، بل يتشكل تحوّل صامت في الإدراك: لم يعد السؤال “هل يمكن التغيير؟” بل “لماذا لا نجرّب؟”. وهذا التحول يرتبط بمسألة الثقة. الثقة ليست شعورا أخلاقيا فحسب، بل بنية اجتماعية تسمح بالفعل الجماعي. حين تنهار الثقة في المؤسسات، يتراجع الاستعداد للتضحية من أجلها. وحين تتآكل الثقة بين الأفراد أنفسهم، يصبح التنظيم صعبا. لذلك تعمل المنظومات المعاصرة على إدارة الثقة لا بنائها: جرعات محسوبة من الوعود، إصلاحات شكلية، لجان تحقيق، تعديلات طفيفة. الهدف ليس حلّ التناقض، بل إبقاؤه تحت العتبة الحرجة. غير أنّ الثقة يمكن أن تبنى من الأسفل بطرق غير متوقعة. في لحظات الأزمات الكبرى ،كالكوارث الطبيعية أو الانهيارات الاقتصادية ، تظهر أشكال تضامن عفوية تتجاوز الحسابات الفردية. هذه اللحظات تكشف أن الروابط الاجتماعية لم تختفِ، بل كانت كامنة تحت سطح التنافس. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن تحويل التضامن العفوي إلى بنية دائمة، أم أنه يظلّ استثناء عابرا؟ هنا تتداخل مسألة الأخلاق مع السياسة. فإعادة تأسيس الاجتماع لا تقوم على توزيع الموارد فقط، بل على إعادة تعريف المسؤولية المتبادلة. من دون تصور جديد للعلاقة بين الفرد والجماعة، يبقى أي تغيير اقتصادي هشّا. إنّ إعادة بناء الحسّ العام ، الإحساس بأن مصير الفرد مرتبط بمصير الآخرين ، تشكّل شرطا لأي تحول عميق. ومن زاوية أخرى، يتضح أن الصراع لم يعد فقط بين طبقات اجتماعية واضحة المعالم، بل بين أنماط حياة. نمط قائم على الاستهلاك المكثف والتنافس الدائم، ونمط يبحث عن توازن بين العمل والحياة، بين الإنتاج والحفاظ على الموارد. هذا الصراع لا يختزل في خطاب سياسي تقليدي، بل يتجلى في اختيارات يومية: ماذا نشتري؟ كيف نعمل؟ أين نسكن؟ كيف نستخدم وقتنا؟ إن ربط هذه الاختيارات الفردية بالبنية الكبرى ليس مهمة سهلة، لكنه ضروري. فحين يدرك الفرد أن سلوكه الاقتصادي ليس مجرد قرار شخصي بل جزء من شبكة علاقات أوسع، يصبح قادرا على إعادة تقييم موقعه داخل المنظومة. الوعي هنا لا يعني الشعارات، بل إدراك الترابط بين الخاص والعام. وفي خضم هذا كله، يبقى عنصر غير قابل للاختزال: الكرامة. ليست الكرامة مفهوما أخلاقيا مجردا، بل شعورا ملموسا بالاعتراف والمشاركة. حين يشعر الإنسان أن صوته بلا أثر، وأن جهده لا يقدّر، تتآكل علاقته بالمجال العام. إعادة إدماج الكرامة في صلب السياسة تعني إعادة الاعتبار لفكرة المشاركة الفعلية، لا الرمزية فقط. إن المرحلة المقبلة لن تحسم عبر مواجهة واحدة أو قرار مفاجئ، بل عبر مسار طويل تتصارع فيه رؤى للعالم. رؤية تصرّ على أن المنظومة الحالية قدر تاريخي، وأخرى ترى فيها لحظة قابلة لإعادة الصياغة. وبين الرؤيتين يتحرك البشر، بترددهم وأملهم، بخوفهم ورغبتهم في معنى أوسع. وهكذا، يتضح أن الرهان ليس فقط على تغيير السياسات، بل على تحرير الخيال من قيوده، وعلى إعادة بناء الثقة بوصفها مادة أولى لأي فعل جماعي. ففي اللحظة التي يستعيد فيها المجتمع قدرته على تخيّل ذاته خارج القالب المفروض عليه، تبدأ التحولات الحقيقية ، ببطء ربما، لكن بثبات يتجاوز كل إدارة مؤقتة للأزمة. غير أنّ أعمق ما يتبدّى في هذا المشهد المركّب هو تحوّل العلاقة بين الحقيقة والقوة. لم تعد الحقيقة عنصرا يكتشف ثم يوظّف، بل مادة تنتج داخل شبكات النفوذ ذاتها. لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: من يملك القدرة على تثبيت رواية الحدث بوصفها المرجع؟ وهنا يتحول الصراع إلى معركة على “سلطة التصديق”، أي الجهة التي تمنح شرعية تعريف ما هو معقول وما هو مشكوك فيه. في هذا الإطار، يتراجع الفرق بين الدعاية والإعلام، بين التحليل والتوجيه. لا لأن الجميع يكذب بالضرورة، بل لأن بنية التداول ذاتها خاضعة لمنطق السوق والمنافسة على الانتباه. المعلومة التي لا تثير لا تنتشر، والرواية التي لا تصاغ دراميا لا تحيا طويلا. وهكذا يعاد ترتيب الأولويات العامة وفق خوارزمية الإثارة لا وفق معيار الأهمية. هذا التحول يعيد تشكيل المجال العام جذريا. في النماذج الكلاسيكية، كان المجال العام فضاءً للنقاش العقلاني بين مواطنين متساوين نظريا. أما اليوم، فهو ساحة تتقاطع فيها المصالح التجارية مع الاستقطاب السياسي. النقاش لا يهدف إلى الإقناع بقدر ما يهدف إلى الحشد. تتصلب المواقف لأن الانتماء يصبح أهم من الحجة، والهوية أهم من البرهان. ومن هنا يمكن فهم سبب تزايد النزعات التآمرية. حين يفقد الناس ثقتهم في القنوات الرسمية لإنتاج المعرفة، يبحثون عن بدائل، حتى وإن كانت هشة أو غير موثقة. نظرية المؤامرة ليست دائما نتيجة جهل، بل أحيانا تعبير عن شعور عميق بأن الحقيقة محجوبة أو مدارة. إنها محاولة لسدّ فجوة الثقة، ولو بسردية مبسطة. غير أن هذا الوضع يخلق بيئة خصبة للتلاعب. فحين تتساوى الروايات في نظر الجمهور، يصبح التفريق بين النقد المشروع والتضليل المتعمد مهمة معقدة. وهنا تتعزز قبضة من يملك الموارد التقنية والمالية لإنتاج روايات أكثر احترافا وانتشارا. المعركة لا تُحسم بصدق الرواية، بل بقدرتها على الهيمنة. وإذا ربطنا ذلك بما سبق حول إعادة تشكيل الذات والخيال والزمن، نرى أن المسألة ليست مجرد أزمة إعلام، بل أزمة معنى شاملة. فالمجتمع الذي لا يملك سردية مشتركة عن نفسه يفقد القدرة على التخطيط المشترك. تصبح كل فئة محصورة في أفقها الضيق، وتتحول السياسة إلى إدارة تناقضات بين جزر منفصلة. لكن في قلب هذا التفكك، تنشأ أيضا فرصة مختلفة: إعادة بناء المجال العام على أسس أكثر تعددية وشفافية. فالتقنيات نفسها التي تستخدم للتلاعب يمكن أن تستخدم للتنظيم والتثقيف والتواصل العابر للحدود. ليست الأدوات محايدة، لكنها ليست حتمية المصير. ما يحدد اتجاهها هو ميزان القوة الاجتماعي الذي يحتضنها. ومن زاوية أخرى، يتكشف أن ما يجري ليس فقط صراعا على السلطة، بل صراعا على تعريف الإنسان المعاصر: هل هو مستهلك أولا أم مواطن أولا؟ هل يقاس تأثيره بقدرته الشرائية أم بقدرته على المشاركة؟ حين يختزل الفرد إلى رقم في سوق أو قاعدة بيانات، تتآكل فكرة المواطنة بوصفها علاقة حقوق وواجبات متبادلة. هنا يظهر التحدي التربوي بوصفه مسألة سياسية بامتياز. التعليم لم يعد مجرد نقل معرفة، بل تشكيل وعي نقدي قادر على التمييز بين الروايات، على قراءة المصالح الكامنة خلف الخطاب، وعلى إدراك الترابط بين المحلي والعالمي. مجتمع بلا تعليم نقدي يصبح أكثر عرضة لإعادة تشكيل وعيه وفق أجندات لا يشارك في صياغتها. وإذا مددنا الخيط أبعد، سنجد أن المسألة تمسّ أيضا علاقة الإنسان بالطبيعة. في عالم تنتج فيه الحقيقة داخل شبكات القوة، قد تهمّش الحقائق البيئية لأنها لا تخدم منطق الربح. تغير المناخ، استنزاف الموارد، التلوث، كلها قد تحوّل إلى موضوعات جدلية بدل أن تعامل كحقائق علمية ملزمة. وهكذا يتقاطع الصراع المعرفي مع الصراع البيئي في نقطة واحدة: من يحدد ما هو ملزم للجميع؟ إن ربط هذه المستويات ، الحقيقة، الإعلام، الهوية، التربية، البيئة ، يكشف أن المرحلة الراهنة ليست مجرد أزمة سياسية، بل أزمة حضارية تتعلق بأسس الإدراك ذاته. فالمجتمع الذي يفقد قدرته على الاتفاق حول الوقائع الأساسية يضعف تماسكه الداخلي، ويصبح أكثر قابلية للتشظي. غير أنّ التاريخ يظهر أن الأزمات المعرفية قد تكون أيضا لحظات إعادة تأسيس. فحين تتزعزع السرديات القديمة، يفتح المجال لسرديات جديدة أكثر شمولا. هذا لا يحدث تلقائيا، بل عبر جهد طويل لإعادة بناء الثقة بين المعرفة والمجتمع، بين الخبرة العلمية والقرار السياسي، بين الإعلام والجمهور. وفي هذا المسار، لا يكون الحل في العودة إلى يقينيات مغلقة، بل في تطوير ثقافة نقدية تسمح بالاختلاف دون انقسام، وبالنقاش دون شيطنة. استعادة المجال العام لا تعني إلغاء التعدد، بل تنظيمه ضمن أفق مشترك من القيم الأساسية. وهكذا، إذا كان الصراع في جوهره صراعا على المعنى، فإن الرهان الحقيقي يكمن في استعادة القدرة الجماعية على إنتاج معنى يتجاوز المصالح الضيقة. ليس معنى مفروضا من فوق، بل متشكلا عبر تفاعل اجتماعي مفتوح. في اللحظة التي يستعيد فيها المجتمع ثقته في قدرته على تعريف واقعه بنفسه، يبدأ توازن جديد في التشكل ، توازن لا يلغي الصراع، لكنه يعيد وضعه في إطار يمكن إدارته دون تفكك شامل. غير أنّ كلّ ما سبق يظلّ معلقا إن لم نلامس بعدا غالبا ما يهمل في التحليل السياسي والاقتصادي: بعد الحساسيّة الجماعية، أو ما يمكن تسميته بالبنية العاطفية للمجتمع. فالنظام لا يدار فقط عبر القوانين والأسواق والمعرفة، بل عبر توجيه الانفعالات: من نحب، من نخاف، من نلوم، ومن نحمّل مسؤولية الإخفاق. إنّ إدارة العاطفة أصبحت ركيزة موازية لإدارة الموارد. في الأزمنة المستقرة نسبيا، تتوزع العواطف ضمن أطر مؤسسية تضبطها: الثقة في القضاء، الطمأنينة تجاه المستقبل، شعور عام بالانتماء. أما حين تتصدع هذه الأطر، تتحول العاطفة إلى طاقة سائبة تبحث عن موضوع. الغضب بلا قناة تنظيمية قد يتحول إلى عداء أفقي بين الفئات الاجتماعية نفسها. الخوف غير المؤطر سياسيا قد يترجم إلى انغلاق ثقافي أو رفض للآخر. وهكذا تنجح المنظومات القائمة في إعادة توجيه السخط بعيدا عن بنيتها نحو أهداف بديلة. وهنا يتقاطع هذا البعد العاطفي مع ما أُشير إليه سابقا حول الخيال واللغة والحقيقة. فإذا كانت الرواية تحدّد المعنى، فإن العاطفة تحدّد الاستعداد لتصديقها. خطاب يقوم على إثارة التهديد يخلق جمهورا مستعدا لقبول سياسات استثنائية. خطاب يضخم الإحساس بالندرة يجعل التقشف يبدو ضرورة أخلاقية. ليست المسألة في صحة الوقائع فقط، بل في الإطار الشعوري الذي تستقبل فيه. وفي هذا السياق، يعاد تشكيل مفهوم “الأمل”. الأمل لم يعد وعدا جماعيا بمستقبل أفضل، بل يتحول إلى وعد فردي بالنجاة. النجاة من البطالة، من الغلاء، من الهشاشة. يصبح الهدف ليس تغيير الشروط بل التفوق داخلها. وهنا تتكرس المنافسة بوصفها قاعدة شعورية: الآخر ليس شريكا في مصير مشترك، بل منافسا على مورد محدود. لكن العاطفة ليست مجالا يمكن احتكاره بالكامل. ففي لحظات الانكشاف الكبرى ، حين تتضح فجوة الامتياز أو تتكرّر خيبات الوعد ، يتحول الإحباط إلى إدراك جمعي. الإدراك بأن التجربة ليست فردية بل مشتركة. هذا التحول من الشعور الفردي إلى الوعي الجمعي هو نقطة انعطاف دقيقة. إنه الجسر بين المعاناة الخاصة والإمكان السياسي. من هنا تتضح أهمية الفضاءات التي تسمح بتبادل التجربة: ساحات الحوار، النقاشات المفتوحة، المبادرات الثقافية، حتى أشكال الفنّ. فالثقافة مختبرا لإعادة صياغة العاطفة ضمن أفق مشترك. حين يعاد سرد المعاناة بلغة جامعة، يتحول الألم من عبء فردي إلى قضية عامة. ويتصل بذلك بعد آخر: الجسد. فالجسد هو الموقع الأول الذي تظهر فيه آثار السياسات ، في الإرهاق، في القلق، في الأمراض المرتبطة بالضغط الاقتصادي. سياسات العمل والضمان والصحة ليست ملفات تقنية فقط، بل تدخل في تشكيل الإحساس اليومي بالوجود. حين يرهق الجسد باستمرار، تضيق المساحة المتاحة للتفكير والتنظيم. وهكذا يصبح الحفاظ على الطاقة النفسية والجسدية شرطا غير معلن لأي فعل جماعي. إن الربط بين البنية العاطفية والبنية المادية يكشف أن الصراع لا يدور فقط حول توزيع الثروة أو احتكار المعنى، بل حول نوعية الحياة نفسها. أيّ حياة نعتبرها مقبولة؟ وأيّ مستوى من القلق أو الضغط نعدّه “طبيعيا”؟ حين يعاد تعريف الطبيعي ليشمل مستويات عالية من الهشاشة، يتراجع معيار الكرامة دون إعلان صريح. غير أنّ التاريخ الاجتماعي يظهر أن معايير القبول ليست ثابتة. ما كان يحتمل في مرحلة قد يرفض في أخرى. التحول يبدأ غالبا من نقطة إدراك بسيطة: أن ما نعيشه ليس قدرا بيولوجيا بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية. ومع تكرار هذا الإدراك، تتشكل حساسية جديدة ترفض التطبيع مع الاختلال. وهنا يعود السؤال المركزي ولكن من زاوية مختلفة: كيف تبنى القدرة على تحويل الحساسية إلى مشروع؟ ليس كل غضب ينتج تنظيما، وليس كل تضامن عابر يتحول إلى بنية دائمة. يتطلب الأمر مسارات بطيئة لبناء الثقة، لتطوير خطاب يربط بين التجربة الفردية والتحليل البنيوي، ولخلق أدوات تترجم الرغبة في التغيير إلى آليات فعل. إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تشظي وضغط وتسارع، قد تبدو غير مواتية لهذا البناء الطويل. لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة الكثير من المسلمات التي بدت راسخة. ومع كل انكشاف، يتسع مجال السؤال. ومع كل سؤال يتكرر في أكثر من مكان، تتشكل إمكانية شبكة غير مرئية من الإدراك المشترك. بهذا المعنى، فإن ما يتحدد اليوم ليس فقط شكل النظام القادم، بل طبيعة الحساسية الجماعية التي ستستقبله. هل ستعاد برمجة العاطفة لتقبل مزيدا من التفاوت تحت شعار الضرورة؟ أم ستتبلور حساسية جديدة ترى في العدالة شرطا للاستقرار لا نقيضا له؟ في تلك المنطقة الفاصلة بين الشعور والمعنى، بين التجربة اليومية والتحليل العام، تتكون البذور الأولى لأي تحوّل عميق. ليست بذورا صاخبة، لكنها حين تجد التربة الملائمة ،معرفة، تنظيم، ثقة ،يمكن أن تعيد رسم الخريطة بأكملها، لا عبر صدمة واحدة، بل عبر انتقال تدريجي في ما نعتبره ممكنا ومشروعا ومستحقا. إذا أردنا أن نذهب أبعد في التفكير، فعلينا أن نغادر منطق ردّ الفعل على الأزمات إلى مساءلة الإطار الحضاري الذي يجعل الأزمات هي القاعدة. ليس السؤال فقط كيف تدار السلطة أو كيف يعاد توزيع الثروة، بل ما هو النموذج المعرفي الذي يجعل النموّ اللامحدود معيارا، والتوسع غاية، والتراكم قيمة بحدّ ذاته. هنا نصل إلى مستوى أعمق: مستوى “الميتافيزيقا الاقتصادية” التي تحكم العصر دون أن تسمّى. لقد ترسّخ في الوعي الحديث تصور ضمني مفاده أن التاريخ حركة تصاعدية مستمرة، وأن التقدم يقاس بالزيادة الكمية: إنتاج أكثر، استهلاك أكثر، سرعة أكثر. هذا التصور لم يعد مجرد نظرية اقتصادية، بل أصبح أفقا ثقافيا شاملا. حتى حين ننتقد النظام، نفعل ذلك غالبا من داخل منطقه: نطالب بتوزيع أفضل للنمو، لا بمساءلة منطق النمو نفسه. لكن الكوكب محدود، والزمن الإنساني محدود، والطاقة النفسية محدودة. حين يتصادم منطق اللامحدود مع شروط محدودة، تظهر التناقضات التي نعيشها اليوم: بيئية، اجتماعية، وجودية. ومن هنا قد يكون التحدي الحقيقي ليس إصلاح المنظومة، بل إعادة تعريف معيار التقدم ذاته. ماذا لو لم يكن الهدف إنتاج المزيد، بل العيش الأفضل؟ ماذا لو لم يكن المقياس هو الناتج الإجمالي، بل جودة العلاقات، ومستوى الصحة، وعمق المشاركة؟ هذا التحول يتطلب قطيعة معرفية دقيقة: الانتقال من تصور الإنسان كفاعل اقتصادي أولا إلى تصوره ككائن علائقي. الكائن العلائقي لا يختزل في قدرته على الإنتاج أو الاستهلاك، بل يعرّف بشبكة علاقاته: بالآخرين، بالطبيعة، بالزمن. في هذا الإطار، تصبح السياسة إعادة تنظيم للعلاقات لا مجرد إدارة للموارد. وهنا يبرز سؤال جديد: كيف نبني مؤسسات تعكس هذا التحول؟ فالمؤسسات الحديثة صممت في سياق دولة قومية صناعية، حيث كان العمل المستقر، والأسرة النووية، والنمو المتصاعد، هي القاعدة. أما اليوم، فنحن أمام عمل متقطع، وهويات مركبة، وحدود اقتصادية متداخلة. الإصرار على أدوات قديمة لإدارة واقع جديد يولّد توترا دائما بين الشكل والمضمون. قد يكون أحد مسارات التجديد هو التفكير في “اللامركزية المعمّقة”: ليس بمعنى تفكيك الدولة، بل توزيع القدرة على القرار بحيث تصبح المجتمعات المحلية مختبرات لسياسات مختلفة، مع الحفاظ على أطر تضامن أوسع. هذا التصور يتجاوز الثنائية التقليدية بين مركز قوي وأطراف تابعة، ليطرح شبكة من المراكز المتفاعلة. كما أن إعادة التفكير في الملكية تصبح ضرورة. ليس فقط ملكية وسائل الإنتاج بالمعنى الكلاسيكي، بل ملكية المعرفة، والبيانات، والبنى التحتية الرقمية. في عالم تتحول فيه المعلومة إلى مصدر قوة أساسي، يصبح السؤال: لمن تعود هذه القوة؟ هل تبقى محتكرة ضمن كيانات ضخمة، أم تعاد صياغتها ضمن صيغ تعاونية أو عامة؟ هذا يقودنا إلى مسألة السيادة في عصر الترابط الكوني. السيادة لم تعد تعني الانغلاق، بل القدرة على التفاوض من موقع قوة داخل شبكة عالمية. دولة لا تملك استقلالا معرفيا أو غذائيا أو طاقيا تظلّ هشّة مهما امتلكت من أدوات شكلية. وبالتالي، فإن تجديد الفكر السياسي يتطلب الربط بين المحلي والعالمي لا باعتبارهما نقيضين، بل مستويين متداخلين. ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن الأزمة الراهنة تكشف حدود الفردانية الحديثة. الفردانية حرّرت الإنسان من قيود تقليدية كثيرة، لكنها حين تفصل عن التضامن تتحول إلى عزلة. المطلوب ليس العودة إلى جماعات منغلقة، بل صياغة فردانية تضامنية: فرد قادر على المبادرة، لكنه واعٍ بأن حريته مشروطة بحرية الآخرين. هذا التصور يغيّر أيضا فهمنا للسلطة. السلطة ليست فقط قهرا أو امتيازا، بل قدرة على التنسيق. حين تحتكر هذه القدرة، تتحول إلى هيمنة. وحين توزّع دون تنظيم، تتحول إلى فوضى. التحدي إذن هو ابتكار صيغ توازن بين الفعالية والمشاركة، بين القرار السريع والمساءلة العميقة. وفي هذا السياق، يصبح التفكير في “الديمقراطية الزمنية” مثيرا للاهتمام: كيف نمنح الأجيال القادمة صوتا في قرارات الحاضر؟ السياسات البيئية والمالية تتخذ اليوم، لكن آثارها تمتد لعقود. إعادة إدخال البعد الزمني في آليات القرار قد يكون أحد مفاتيح تجاوز منطق الربح القصير الأجل الذي هيمن طويلا. إن الربط بين كل هذه المستويات، الميتافيزيقا الاقتصادية، مفهوم التقدم، إعادة تعريف الإنسان، تجديد المؤسسة، توزيع المعرفة، السيادة الشبكية، الفردانية التضامنية، والديمقراطية الزمنية، يكشف أن ما نحتاجه ليس برنامجا إصلاحيا محدودا، بل أفقا فكريا جديدا. أفقا يعترف بتعقيد العالم دون أن يستسلم له، ويقبل التعدد دون أن يفقد الاتجاه. ليست المهمة سهلة، لأن أي تحول من هذا النوع يواجه مقاومة من بنى راسخة تستفيد من الوضع القائم. لكن التحولات الحضارية لا تبدأ عادة بقرار فوقي، بل بتراكم أسئلة لا يمكن تجاهلها. وحين تتكاثر الأسئلة حول معنى النمو، وحدود الاستهلاك، وشكل الحرية، ونوعية الحياة، يبدأ الوعي الجماعي في التحرك. ربما يكون جوهر اللحظة الراهنة أنها تضع الإنسانية أمام خيار غير معلن: إما الاستمرار في تعظيم أدوات القوة ضمن نموذج استنفد قدرته على الإقناع، أو الشروع في إعادة تأسيس بطيئة لقواعد اللعبة نفسها. بين هذين المسارين يتحدد ليس فقط شكل السياسة المقبلة، بل معنى الوجود المشترك في عالم صار صغيرا تقنيا، واسعا في تحدياته، ومفتوحا ، رغم كل شيء ، على إمكان لم يستنفد بعد. إذا أردنا قفزة أبعد، فعلينا أن نتخلى لحظة عن التفكير في “تغيير النظام” أو “إصلاح الدولة” أو “إعادة توزيع الثروة”، وأن نسأل سؤالا أكثر جذرية: ماذا لو كانت الأزمة في طريقة إدراكنا للواقع نفسه؟ ماذا لو كان الخلل في البنية الإدراكية التي تجعلنا نرى العالم كسلسلة موضوعات منفصلة: اقتصاد هنا، سياسة هناك، بيئة في زاوية أخرى، والإنسان في المركز كسيّد خارجي؟ إن أحد أعمدة الحداثة كان الفصل: فصل الإنسان عن الطبيعة، فصل العقل عن الجسد، فصل السوق عن الأخلاق، فصل الدولة عن المجتمع. هذه الفواصل مكّنت من دقة تحليلية هائلة، لكنها في الوقت ذاته أنتجت عالَمًا مجزّأً، يُدار عبر مقاربات قطاعية. نحلّ أزمة مالية بأداة مالية، أزمة بيئية بأداة تقنية، أزمة اجتماعية بإعانة ظرفية. غير أن التشظي ذاته قد يكون أصل العطب. ربما نحن بحاجة إلى انتقال من عقل “تحليلي-تفكيكي” إلى عقل “ترابطي-نسقي”. ليس بمعنى رفض التحليل، بل تجاوزه نحو إدراك العلاقات العميقة بين الظواهر. الاقتصاد ليس مجالا مستقلا، بل نمط علاقة بين البشر والطبيعة. السياسة ليست إدارة سلطة فحسب، بل تنظيم إمكان العيش المشترك. التقنية ليست أداة محايدة، بل بيئة تعيد تشكيل الحواس والخيال. في هذا الأفق، يتغير معنى الفاعل التاريخي. لم يعد الفاعل هو الطبقة أو الحزب أو الدولة فقط، بل الشبكة. الشبكات البشرية، المعرفية، التقنية، البيئية. كل قرار يتخذ داخل شبكة من التأثيرات المتداخلة. التفكير الشبكي لا يلغي المسؤولية، بل يوسّعها: لم يعد بالإمكان تبرير قرار اقتصادي دون احتساب أثره البيئي، أو سياسة أمنية دون تقدير أثرها الثقافي. ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم مختلف للسيادة: سيادة العلاقة لا سيادة السيطرة. السيادة ليست امتلاك القدرة على فرض الإرادة، بل امتلاك القدرة على الحفاظ على توازن العلاقات داخل شبكة معقدة. الدولة التي تدمّر بيئتها تفقد سيادتها البيئية. السوق الذي يفكك المجتمع يفقد شرعيته الاجتماعية. الفرد الذي يستهلك بلا وعي يضعف شروط حياته المستقبلية. هذا التحول يقودنا إلى إعادة التفكير في مفهوم القوة نفسه. القوة في النموذج السائد تقاس بالهيمنة، بالقدرة على الإخضاع أو الاحتكار. لكن في نموذج ترابطي، القوة تقاس بالقدرة على الصمود والاستمرار. النظام الأكثر قوة ليس الذي يتوسع أسرع، بل الذي يحافظ على توازن طويل الأمد. هنا يصبح مفهوم “الهشاشة” مركزيا: المجتمعات التي تفرط في المركزية أو في التخصص أو في الاعتماد على مورد واحد تصبح أكثر عرضة للانهيار. بهذا المعنى، قد يكون التحدي الأكبر هو الانتقال من منطق التعظيم إلى منطق الكفاية. الكفاية لا تعني التقشف القسري، بل تحديد حدّ يعتبر بعده التراكم عبئا لا إضافة. هذه الفكرة تبدو غريبة في ثقافة تعظّم الزيادة، لكنها قد تكون شرط الاستقرار المستقبلي. ويتصل بذلك إعادة تعريف الحرية. الحرية في المخيال المعاصر غالبا ما تفهم كتحرر من القيود. لكن في عالم مترابط، الحرية قد تفهم كقدرة على اختيار علاقات مستدامة. حرية الاستهلاك اللامحدود قد تقيد الآخرين بيئيا واقتصاديا. حرية السوق المطلقة قد تقيّد قدرة المجتمع على التخطيط. الحرية هنا ليست نفيا للحدود، بل وعيا بها. إذا ربطنا هذا بالمسارات السابقة حول المعرفة والعاطفة والخيال، نجد أن التحول المطلوب ليس سياسيا فقط، بل معرفي-وجداني. علينا أن نتعلم رؤية الترابط لا التنافس فقط، وأن ندرّب الخيال على تصور أنظمة لا تقوم على الصراع الصفري. هذا لا يعني إنكار الصراع، بل تجاوزه كمنطق وحيد للتنظيم. وقد يكون أحد مفاتيح هذا الانتقال هو إعادة الاعتبار لفكرة “المشترك”. المشترك ليس ملكية جماعية بالضرورة، بل فضاء تتقاطع فيه المصالح دون أن تختزل في ربح فردي. الهواء، الماء، المعرفة، الفضاء الرقمي، كلها مجالات يمكن إدارتها كمشتركات لا كسِلع خالصة. التفكير في المشترك يفتح أفقا بين الدولة والسوق، لا يلغيهما بل يعيد تحديد أدوارهما. هذا المسار يتطلب شجاعة فكرية، لأنه يخرج عن ثنائيات مألوفة: يمين/يسار، دولة/سوق، فرد/جماعة. إنه تفكير في البنية لا في المواقع فقط. تفكير في الإطار الذي تنتج داخله الخيارات، لا في الخيارات ذاتها. وربما الأهم أن هذا التحول لا يبدأ بقرارات كبرى، بل بتعديل زاوية النظر. حين ننظر إلى الأزمة البيئية كمسألة علاقة لا كمسألة تقنية، وإلى الأزمة الاجتماعية كمسألة ترابط لا كمسألة توزيع فقط، وإلى الأزمة السياسية كمسألة معنى لا كمسألة تمثيل فحسب، نكون قد خطونا خطوة خارج المألوف. إن العالم الذي يتشكل اليوم يكشف حدود أدوات التفكير التي ورثناها. لا لأن تلك الأدوات كانت خاطئة، بل لأنها صممت لعصر مختلف. التجديد الفكري الحقيقي لا يعني رفض الماضي، بل توسيعه. أن نحتفظ بقدرته التحليلية، ونضيف إليها وعيا نسقيا يربط بين ما فصل طويلا. في النهاية، قد يكون السؤال الأعمق ليس: أي نظام سنبني؟ بل: أي طريقة في الرؤية سنعتمد؟ لأن طريقة الرؤية هي التي تحدد شكل النظام الممكن. وإذا تغيرت الرؤية من التفكيك إلى الترابط، ومن التعظيم إلى الكفاية، ومن السيطرة إلى الصمود، فإن السياسة نفسها ستتغير تبعا لذلك ، لا كحدث صاخب، بل كتحول بطيء في البنية العميقة للعالم المشترك. في هذا العصر الذي يسيطر فيه التكويد الرقمي على أبعاد حياتنا، تصبح العلاقة بين الفرد والآلة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، ليس فقط على مستوى الإنتاج أو الاستهلاك، بل على مستوى الوعي نفسه. الخوارزميات، التي تصوّر أحيانا كأدوات محايدة، تعمل في الواقع كشبكات مراقبة مفصّلة تقرأ كل تحرك فردي وتعيد صياغة الرغبات والأولويات. الفردانية التي كانت سابقا تعبيرا عن الحرية الشخصية، أصبحت اليوم تعبيرا عن عزلة مفروضة ومنقّحة مسبقا، حيث يفقد الإنسان القدرة على الانغماس في تجربة صافية للخيال أو الاستبطان الداخلي، ويصبح وجوده مرتبطا بتقديرات رقمية وإحصاءات قابلة للقياس. الفراغ، الذي ينظر إليه تقليديا كفرصة للتأمل والتجدد، صار الآن فراغا رقميا، يتم تحليله، قياسه، واستثماره. كل لحظة فراغ تسجّل، كل شعور بالملل أو الانكسار يحوّل إلى بيانات لتغذية الذكاء الاصطناعي، وبالتالي يصبح الفراغ أداة تقييد أكثر من كونه مساحة حرية. وفي هذه العملية، تتحول الأحلام المجهوضة إلى معايير تقارن بالآخرين، حيث لا يقدّر الفرد على خلق شيء مستقل عن النظام الرقمي، ويصبح التفكير الإبداعي محدودا بمجال الاحتمالات المسموح بها، ضمن شبكة تحكم غير مرئية تفرض قواعدها بشكل مستتر. في هذا السياق، يظهر تناقض جذري بين ما يعرف بالفردانية وما يمارس فعليا: فالحرية ليست حرية الاختيار، بل حرية ضمن إطار محدد مسبقا. الخوارزميات تعرف كيف تسقط الفرد في دورة لا نهائية من الرغبات المتوقعة، بينما يبقى الإنسان غير قادر على إدراك أنه بات جزء من شبكة تحدد له حتى احتمالات الحلم. وهنا يظهر عمق المأزق: ليس الفشل في الرؤية أو الإبداع هو المشكلة، بل أن البنية الرقمية نفسها تمنع امتداد الحلم إلى ما هو خارج المتوقع. لكن من هذا التوتر ذاته تنشأ الفرصة الفكرية العميقة. مقاومة هذا الواقع لا تتعلق فقط بالتقليل من دور التقنية أو رفضها، بل بالقدرة على إعادة تعريف الفراغ وإعادة إنتاج الفردانية خارج قيود التنبؤ والقياس. المقاومة هنا تصبح ممارسة لإعادة الحيز الإبداعي للذات، لتجعل اللحظة الممكنة للحلم حرّة وقادرة على التجدد. كل تجربة إنسانية لا يمكن اختزالها في بيانات تصبح فعلا ثوريا في مواجهة المنطق الرقمي، وكل حلم يعانق في فضائه المجهول يمثل خطوة للتحرر الفكري. وعندما نربط هذا بالزمن الاجتماعي والسياسي، نجد أن التحدي يتجاوز الحدود الفردية. المجتمع الذي يتيح المجال لإنتاج أحلام غير متوقعة، ويحتضن الفراغ كفضاء إنتاجي، هو المجتمع الذي يعيد تعريف القوة والحرية في زمن الخوارزميات. هنا تتحول المقاومة من فعل فردي إلى مشروع جماعي، حيث يصبح الفعل الإبداعي بمثابة شبكة مضادة للسيطرة الرقمية، شبكة تبني القدرة على الحلم خارج كل نظام رقابي، شبكة تجعل الفراغ نفسه مسرحا لإنتاج الجديد والمجهول. في هذا الإطار، يصبح التفكير النقدي ضرورة ملحة: فهم كيف تحوّل الرغبات والأفكار إلى بيانات، وكيف تستثمر حتى اللحظات الأكثر خصوصية، هو شرط لفهم الأبعاد الخفية للحرية. إن تحليل الفراغ والفردانية والأحلام المجهوضة في ضوء الخوارزميات يكشف عن نوع جديد من السلطة، سلطة لا تتجلى بالقوة المباشرة، بل بالتحكم في إمكانيات التصور والخيال والوعي. وهكذا، كل لحظة يقظة فكرية تصبح مقاومة، وكل حلم يستعاد من قيود النظام الرقمي يصبح فعلا سياسيا وفكريا متقدما، يعيد تعريف الذات والمجتمع في زمن تحاول فيه التقنية أن تقرأ وتستثمر كل ذرة من إمكانات الإنسان قبل أن يدركها هو ذاته. في امتداد لما سبق، يظهر تأثير الخوارزميات ليس فقط على الفرد، بل على الديناميكيات الجماعية للمجتمع، حيث تعيد برمجة الرغبات والخيالات لتصبح محكومة بالمعايير الرقمية، فتتلاشى أحيانا الأحلام المشتركة أو الكبرى التي كانت تشكل نسيجا ثقافيا وسياسيا. الجماعة التي كانت مصدرا للإبداع والتغيير تتحول تدريجيا إلى جمهور يدار، حيث تقاس المشاركة، ويتم ترتيب الأفكار وفق مؤشرات قابلة للقياس، ويصبح لكل طموح جماعي "قيمة رقمية" تقرر مدى قابليته للبقاء أو التأثير. هذا التحول العميق يضع الأحلام الجماعية تحت رحمة نظام لا يرى ما هو غير متوقع، ولا يسمح بتجاوز الخطوط المرسومة مسبقا للوعي الجمعي. الفراغ هنا يتضاعف على المستوى الاجتماعي: فهو ليس مجرد فراغ فردي يخضع للقياس، بل فراغ مجتمعي يحاكى، تراقب فيه كل لحظة تفكير جماعي، وتصمّم لكل حلم احتمالاته الرقمية. كل فكرة ثورية أو ابتكار جماعي يصبح مهددا بالاختزال إلى سلسلة من البيانات، حيث تحدّد أولوياته مسبقا وفق مصالح خفية للنظام الرقمي. ومع ذلك، كل هذا التقييد يولد فرصة فكرية مضاعفة، لأنه يكشف عن نقاط الضعف في السيطرة الرقمية: الفراغ الجماعي لا يمكن حصره بالكامل، والخيال الذي ينبع من تفاعل البشر لا يمكن اختزاله كليا في خوارزمية. من هنا، تنشأ ضرورة إعادة تعريف التاريخ الشخصي والاجتماعي في مواجهة هذه السيطرة: ليس الهدف إعادة اختراع الماضي، بل فهم كيف تصاغ التجارب الجماعية في زمن الرقمنة، وكيف يمكن للفرد والجماعة أن يخلقوا مسارات بديلة غير متوقعة. كل فعل فردي يخرج عن القالب الرقمي، كل حلم جماعي يصاغ خارج المؤشرات والقيم، يصبح بمثابة كتابة جديدة للتاريخ، إعادة رسم للوعي الجمعي، وتحديا عمليا للنظام الرقابي الخفي. في هذه العملية، يصبح التاريخ ليس مجرد تسجيل لما حدث، بل مشروعا حيا من إمكانيات الحلم، مقاوما لتأثير الخوارزميات على التفكير الجماعي. الربط الذكي بين الفرد والجماعة هنا يظهر في أن مقاومة السيطرة الرقمية لا تكون فاعلة إلا حين يتحقق تناغم بين حرية الفرد وإمكاناته على مستوى الذات، وبين قدرة الجماعة على إنتاج الأحلام المشتركة التي تتجاوز حدود المعقولية الرقمية. كل تجربة إبداعية فردية تصبح جسرا للأفكار الجماعية، وكل مشروع جماعي يفتح مساحات جديدة للفردانية. وبهذه الطريقة، تتغير القواعد: الفراغ لم يعد تهديدا، بل منصة إنتاجية، والأحلام المجهوضة لم تعد خاضعة بالكامل للرقمنة، بل تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف الممكن الاجتماعي. أخيرا، في ضوء هذا التحليل، يتضح أن زمن الخوارزميات، الفردانية، الفراغ، والأحلام المجهوضة ليس زمنا للموت الإبداعي، بل زمن اختبار لعلاقة الإنسان بالحرية، ولإمكاناته في إعادة صياغة ذاته وتاريخ جماعته. كل مقاومة فكرية، كل حلم يستعاد خارج قيود النظام، وكل تجربة مشتركة تنتج بعيدا عن المعايير الرقمية، هي خطوة نحو مجتمع قادر على الحلم خارج المعقولية المفرطة، مجتمع يعيد توزيع القوة بين الفرد والجماعة، ويعيد للزمن الرقمي طاقته الإنسانية الكاملة، حيث يصبح المستقبل الحقيقي مشروعا مفتوحا، قابلا للاختراع والكتابة من جديد. ففي قلب الفراغ الرقمي، حيث تسيطر الخوارزميات على تنظيم الأفكار وتوجيه الانتباه، يبرز الخيال الجماعي المقاوم كمساحة إنتاجية تتحدى المنطق الرقمي الصارم. هذه المساحة لا تنشأ من العدم، بل من تفاعل معقد بين الفرد والجماعة، حيث يلتقي الذكاء الشخصي بالذكاء الجمعي، فيحفر الطريق نحو أفكار لم تصنّف بعد، أو لم يتوقع لها البقاء في البيئة الرقمية. إحدى الآليات الأساسية لهذه المقاومة هي إعادة تعريف الرموز والمعاني المشتركة. فالخوارزميات تميل إلى تصنيف كل حدث وفكرة ضمن خانات قابلة للقياس، فتجعل التكرار والمألوف أكثر بروزا، وتهمّش ما هو جديد أو غير متوقع. هنا، يقوم المجتمع المقاوم بإنتاج رموز جديدة تحمل قصصه وأحلامه، رموز غير قابلة للاختزال في خوارزمية، تتغير بتغير السياق وتتكاثر عبر الممارسات اليومية، كالفنون الشعبية، السرد الجماعي، والأعمال التفاعلية التي لا يمكن قياسها بالكامل. آلية ثانية هي توظيف الفراغ الرقمي كفضاء إنتاجي وليس كتهديد. الخوارزميات تصمّم الفراغ ليصبح منطقة فراغية محكومة، لكنها في الواقع تخلق فجوات تسمح للأفكار الحرة بالظهور. الفضاء الرقمي، بما يحويه من فراغات واعتراضات، يتحول إلى منصة للتجربة والتجريب، حيث يمكن للفرد الجمعي اختبار أشكال جديدة من التواصل، ومبادرات مقاومة تعاد إنتاجها بطريقة متسلسلة ومتشابكة، بحيث يصعب على الخوارزمية تحديدها أو تقليصها. آلية ثالثة هي استثمار الحلم المجهوض كمواد خام للمقاومة. الخوارزميات غالبا ما تستبعد الرغبات والأفكار التي تبدو غير قابلة للقياس، لكن هذه الأفكار، حين تتلاقى بين أفراد جماعة، تتحول إلى مصدر قوة غير متوقع. مثال واقعي على ذلك ما نراه في الحركات الشبابية الرقمية حول العالم، حيث تتحول منشورات متفرقة على الشبكات الاجتماعية إلى حملات فكرية أو احتجاجات فعلية، متجاوزة المنطق الرقمي وتحويله إلى أداة جماعية غير خاضعة للتحكم المباشر. من خلال هذه الآليات، يظهر أن الفردانية ليست معارضة للجماعة، بل هي مصدر تنويع المقاومة. كل فرد يبتكر، كل تجربة شخصية تقدّم إحساسا بالاحتمالات الجديدة، وكل حوار جماعي يعيد تشكيل سياق الخيال، ليصبح الناتج جمعيا مقاوما ومرنا. في هذه العملية، يتحول الحلم المجهوض والفراغ الرقمي إلى أدوات استراتيجية لإعادة كتابة التاريخ، وتشكيل وعي جماعي قادر على مواجهة الهيمنة الرقمية، حيث لا يقاس النجاح بالانتشار الرقمي فقط، بل بقدرة هذه الأفكار على الاستمرار خارج قيود المؤشرات والمقاييس. وبذلك، تصبح المقاومة الرقمية الحديثة عملية ديناميكية متعددة الطبقات: الفراغ الرقمي ليس تهديدا بحد ذاته، الرموز الجماعية تتحول إلى أدوات حرة، والحلم المجهوض يستثمر في إنتاج مجتمعات مرنة ومبتكرة. كل هذا يفتح إمكانية إعادة تصور العلاقة بين الفرد والجماعة والزمن الرقمي، بحيث يمكن للإنسان أن يكتب المستقبل خارج الخوارزميات، وأن يستعيد مكانته كصانع للخيال، وليس مجرد مستهلك لمؤشرات مسبقة. حين نغوص في هذا المعمار الخفي للهيمنة، ندرك أن ما نراه على السطح ، من سياسات اقتصادية، وأسواق مالية، ومؤسسات سياسية ، هو مجرد قشرة خارجية لآلة أوسع وأعمق، آلة صممت لتوجيه الطاقات البشرية وتحويلها إلى نماذج قابلة للتنبؤ، ومعدة مسبقا لإدامة حالة من الانقياد النفسي والاجتماعي. هذه الهيمنة لا تتوقف عند حدود القوة المادية أو السيطرة المباشرة، بل تتغلغل في الوعي الجمعي والفردي، في الخيال والحدس، وفي توقعات الإنسان نفسه عن ما هو ممكن ومقبول، بحيث يبدو الخضوع طبيعيا أو مسلكا لا مناص منه. الاقتصاد هنا ليس مجرد منظومة لتوزيع الموارد، بل هو أداة لتشكيل الرغبات وإعادة هندسة الوقت والقيم. كل سعر، كل معاملة، كل قرار استهلاكي يصبح جزء من استراتيجية أكبر، تهدف إلى إخضاع القدرة على التفكير النقدي وتحويل الطاقة الإنتاجية للفرد إلى دعم الهيمنة نفسها، دون أن يدرك هو أنه جزء من هذه اللعبة. إنه اقتصاد يزرع الاعتماد النفسي، والرضا بالحد الأدنى، ويجعل الطموح محكوما بقيود ضمنية، فيقود الإنسان تدريجيا إلى الانغلاق داخل دائرة انتظار القيم التي يحددها النظام نفسه، بدلا من تطوير أدواته الخاصة للإبداع والتحرر. ومن زاوية الثقافة والأنثروبولوجيا، نجد أن الهيمنة تنتقل من مجرد فرض خارجي إلى إعادة إنتاج نفسها داخليا عبر الممارسات اليومية، والعادات، واللغة، وحتى الخيال الشخصي. الفرد يتعلم منذ الصغر أن القبول بالخضوع ليس مجرد خيار، بل هو شرط للبقاء الاجتماعي، وللنجاح النسبي، وللأمان النفسي، فتصبح أنماط الخضوع جزء من "وجوده الطبيعي"، لا من محاولاته الواعية. هنا تتشابك السلطة المادية مع السلطة الرمزية، لتنتج معا شبكة معقدة يصعب على الفرد إدراك كامل أبعادها، فتزرع في وعيه حدود ما يمكن أن يحلم به أو يحققه، وتصبح الأحلام المجهوضة علامة بارزة على الفراغ الرمزي الذي يتركه هذا المعمار الخفي. أما في زمن الخوارزميات والفردانية المعزولة، يزداد الأمر تعقيدا. لم تعد السيطرة تعتمد فقط على مؤسسات تقليدية، بل أصبحت مدعومة بتقنيات رقمية قادرة على تتبع كل تحرك، وتحليل كل اختيار، والتأثير في كل قرار، حتى في تفاصيل الحياة اليومية. هذه الخوارزميات لا تقرأ الواقع فقط، بل تعيد إنتاجه وفق نماذج مبرمجة مسبقا، تعيد توجيه الرغبات، وتخلق الفراغ الرمزي الذي يجعل الفرد يبحث عن معنى في فضاءات افتراضية، غالبا غير مكتملة وغير مرضية. هنا يصبح الخضوع مزيجا من السيطرة المباشرة وغير المباشرة، ومن القهر الرمزي، ومن الفراغ النفسي، فتتحول أحلام الإنسان إلى صور معلقة، تنتظر اللحظة التي يمكن أن تستثمر فيها لمصلحة أنظمة الهيمنة نفسها. وعند تحليل المدى الكامل لهذه الشبكة، نجد أن المقاومة لا تكفي أن تكون رفضا سطحيا أو تمردا عاطفيا. فهي واجب معرفي واستراتيجي، يتطلب فهم كل نقاط الضغط، وكل مسارات التحكم، وكل الطرق التي يعاد فيها إنتاج الانقياد في العقل والخيال. المقاومة هنا تتطلب إنتاج أدوات جديدة للتفكير، لتقييم الواقع، وإعادة توجيه الطاقات والرغبات، ولخلق مساحات للحرية الفردية والجماعية، خارج كل منظومة من القواعد المبرمجة مسبقا. إنها عملية إعادة تأهيل للعقل، وتحويل الأحلام المجهوضة إلى طاقة حقيقية، وإعادة اكتشاف الإمكانيات الكامنة داخل كل فرد، وإعادة توظيف الفراغ الرمزي كمساحة للإبداع والوعي النقدي. الختام لا يمكن أن يكون مجرد كلمات أو خلاصة نظرية، بل هو دعوة لتقنية رؤية شاملة، تحلل المعمار الخفي من الداخل والخارج، من الاقتصاد والسياسة إلى الثقافة والفرد، من الخوارزميات إلى الأحلام المجهوضة. إنها دعوة لاكتشاف النقاط التي يمكن أن يخلق فيها انكسار للهيمنة، وإعادة بناء معنى ووجود خارج حدود السيطرة، بحيث تصبح أدوات القوة والمعرفة والخيال في خدمة الإنسان لا في خدمة الآلة. فالفهم العميق للهيمنة، وتطوير مقاومة واعية ومتصلة، هو الطريق الوحيد نحو تحرير الفرد والمجتمع معا، وخلق عالم لا يخضع للحسابات المسبقة، بل للقدرة الحقيقية على الإبداع والتحول.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
-
عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال
...
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
-
دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
المزيد.....
-
لأول مرة.. سفارة أمريكا في إسرائيل تقدم خدمات قنصلية في مستو
...
-
العين على جنيف.. طهران تتحدث عن -فرصة تاريخية- لاتفاق -غير م
...
-
في اتصال -ودّي-.. كوشنر وبارو يبحثان احتواء التصعيد الدبلوم
...
-
أخبار اليوم: عود على بدء.. بوادر أزمة حدود بين العراق والكوي
...
-
منظمات إغاثية تلجأ إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لتجنب طرده
...
-
وثائقي يكشف معركة البقاء في شنقيط.. الجفاف والرمال يهددان مد
...
-
مسؤول أمريكي: نشر مقاتلات إف-22 في إسرائيل وسط تصاعد التوتر
...
-
ترامب يكشف عما ترفضه إيران في الاتفاق النووي المحتمل
-
ما مدى خطورة وجود الجيش الإندونيسي في غزة؟
-
تجسس روسي يستهدف منظمات ألمانية تدعم علماء شرق أوروبا
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|