أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الطبيعة الطبقية للديمقراطية















المزيد.....



الطبيعة الطبقية للديمقراطية


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 14:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين نتحدّث عن الطبيعة الطبقية للديمقراطية، فإننا لا نقارب مسألة تقنية تتعلّق بإجراءات الانتخاب أو عدد الأحزاب أو تداول الحكومات، بل نلامس جوهر السلطة في المجتمع الحديث: من يملك؟ من يقرّر؟ ومن يدفع الثمن؟ إن الديمقراطية، في صورتها السائدة اليوم، ليست فضاء معلّقا فوق الصراع الاجتماعي، بل هي أحد ميادينه الأساسية، بلغة أخرى: هي شكل سياسيّ يتشكّل داخل بنية اقتصادية محدّدة، ويعيد إنتاجها بقدر ما يتيح إمكان مساءلتها.
منذ اللحظة التي تحطّم فيها النظام الإقطاعي في أوروبا، لم تولد الديمقراطية بوصفها انتصارا مجرّدا لـ«الشعب»، بل بوصفها الصيغة السياسية لانتصار البرجوازية الصاعدة. لقد احتاجت الرأسمالية الناشئة إلى دولة قانون، إلى مساواة شكلية بين الأفراد الأحرار في السوق، إلى برلمان يعبّر عن «الأمة» بدل الامتيازات الوراثية. هكذا ارتبطت الحرية السياسية بحرية التملك والتبادل. غير أن هذه الحرية، كما أشار كارل ماركس، كانت حرية مزدوجة المعنى: حرية العامل من القيود الإقطاعية، وحرية رأس المال في استخدام قوة عمله. إنها مساواة قانونية تخفي تفاوتا ماديا عميقا.
إن الديمقراطية الليبرالية، في بنيتها، تقوم على فصل منهجي بين المجال السياسي والمجال الاقتصادي. المواطن متساو في صندوق الاقتراع، لكن غير متساو في المصنع أو الحقل أو الشركة. صوت الفقير يعادل صوت الغني في الورقة الانتخابية، لكنه لا يعادل شيئا أمام قدرة رأس المال على تمويل الحملات، وامتلاك وسائل الإعلام، والتأثير في التشريع، والضغط عبر الاستثمار أو سحبه. هكذا تتعايش المساواة الشكلية مع اللامساواة الفعلية، ويغدو البرلمان ساحة تنافس بين برامج تتحرك جميعها داخل أفق اقتصادي مرسوم سلفا.
وقد لخّص فلاديمير لينين هذا التناقض حين وصف الديمقراطية البرجوازية بأنها أوسع أشكال الدولة الرأسمالية، لكنها تظلّ محكومة بحدود الملكية الخاصة. فحتى حين تتسع الحريات، تبقى البنية الاقتصادية خارج التصويت. يمكن تغيير الحكومة، لكن لا يمكن ، من داخل القواعد نفسها ، المساس بجوهر علاقات الإنتاج من دون صدام مع مراكز القوة الفعلية. وهذا ما يجعل الديمقراطية، في صيغتها السائدة، إطارا مرنا لإدارة الهيمنة لا لتجاوزها.
غير أن اختزالها إلى «خدعة» خالصة يغفل بعدها الصراعي. فالديمقراطية لم تمنح للطبقات الشعبية، بل انتزعت عبر إضرابات وانتفاضات ونضالات دامية. الاقتراع العام، والحق النقابي، والتشريعات الاجتماعية، كلها مكاسب فرضت على الدولة الرأسمالية حين اختلّ ميزان القوى لصالح العمال والفئات الشعبية. هنا تبرز أطروحة روزا لوكسمبورغ التي رأت أن الحرية السياسية ليست زينة برجوازية، بل شرطا ضروريا لتفتح الصراع الطبقي ذاته. فكلّما اتسع المجال الديمقراطي، اتسعت إمكانات التنظيم والمساءلة والضغط.
لكن الرأسمالية ليست ساكنة. منذ أواخر القرن العشرين، ومع صعود النيوليبرالية، شهدنا إعادة هيكلة عميقة للعلاقة بين الدولة والسوق. جرى تفكيك كثير من مكتسبات دولة الرفاه، وجرى تحويل السياسات الاقتصادية إلى «قواعد تقنية» تديرها مؤسسات مالية وبنوك مركزية شبه مستقلة عن الرقابة الشعبية. لقد تحدّث أنطونيو غرامشي عن «الهيمنة» بوصفها قدرة الطبقة السائدة على جعل مصالحها الخاصة تبدو عقلانية وطبيعية. في السياق النيوليبرالي، صارت الخصخصة، وتحرير الأسعار، وتقليص الإنفاق الاجتماعي تقدّم كضرورات لا بديل لها، خارج أي اختيار ديمقراطي فعلي. وهكذا تضيق الديمقراطية إلى إدارة للنتائج، لا مساءلة للأسس.
إن الطبيعة الطبقية للديمقراطية تتجلّى اليوم في التفاوت الصارخ بين سلطة رأس المال المعولم وسيادة الشعوب المقيدة بحدود وطنية. القرارات الحاسمة في الاستثمار والإنتاج والتسعير تتخذ في فضاءات عابرة للحدود، بينما يطلب من المواطنين أن يختاروا بين برامج متقاربة لا تمسّ جوهر المنظومة. هنا تتعمّق أزمة التمثيل، ويتنامى الشعور بأن السياسة فقدت قدرتها على التأثير في الاقتصاد. وهذا الإحساس ليس وهما؛ إنه انعكاس لتحوّل ميزان القوى لصالح رأس المال المالي والشركات العملاقة.
من منظور اشتراكي ثوري، لا يكون الحلّ في الانسحاب من ساحة الديمقراطية، ولا في تقديسها كما هي، بل في خوض الصراع لتوسيعها جذريا. توسيعها يعني نقلها من المجال السياسي الضيق إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي: ديمقراطية في أماكن العمل، في التخطيط، في توزيع الثروة، في الرقابة على الموارد الطبيعية. إن السؤال ليس فقط «من يحكم؟» بل «كيف ينتج الغنى، ولصالح من؟». ديمقراطية لا تمسّ الملكية الكبرى تبقى ناقصة، وديمقراطية لا تحمي الحريات تبقى جوفاء.
إن الاشتراكية الثورية لا ترى في الديمقراطية هدفا مكتملا، بل أفقا مفتوحا للصراع. هي تدرك أن كلّ حقّ ينتزع يمكن أن يسحب إذا اختلّ ميزان القوى. لذلك فإن جوهر المسألة يكمن في بناء قوة اجتماعية منظمة قادرة على فرض تصور مغاير للعدالة. حين تصبح الثروة خاضعة للمساءلة الشعبية، وحين يكسر احتكار القرار الاقتصادي، عندها فقط يمكن أن تتحول الديمقراطية من شكل لإدارة الهيمنة إلى أداة لتحرير الإنسان.
بهذا المعنى، فإن الطبيعة الطبقية للديمقراطية ليست حكما نهائيا عليها، بل دعوة إلى كشف حدودها والعمل على تجاوزها. إنها معركة على المعنى ذاته: هل تبقى الديمقراطية إطارا قانونيا يشرعن لا مساواة عميقة، أم تتحول إلى مشروع تحرري يربط الحرية بالمساواة ربطا عضويا؟ الجواب لا يعطى في الكتب وحدها، بل يصاغ في الشارع، وفي المصانع، وفي كل موقع يعاد فيه طرح سؤال السلطة والثروة من جديد.
فإذا أردنا الذهاب أبعد من النقد الكلاسيكي الذي يربط الديمقراطية بملكية وسائل الإنتاج، فعلينا أن ننظر إليها كبنية متكاملة لإدارة التناقض الطبقي، لا فقط كغطاء قانوني له. فالديمقراطية الحديثة ليست مجرد مؤسسات تمثيلية، بل شبكة معقّدة من الأجهزة: أحزاب، إعلام، قضاء، جامعات، مراكز استطلاع، ومنظمات “مجتمع مدني”. هذه الشبكة تنتج ما يمكن تسميته بـ«الإجماع المنظّم»، أي ذلك القبول الواسع بقواعد اللعبة حتى من قبل الخاسرين فيها.
إن ما يميّز الديمقراطية الرأسمالية ليس أنها تلغي الصراع، بل أنها تؤطّره وتعيد صياغته بحيث لا يهدد الأساس البنيوي للنظام. الصراع يسمح له أن يدور حول الضرائب ونسب الدعم وحجم الميزانية، لكنه نادرا ما يسمح له بأن يمسّ سؤال الملكية الكبرى أو سيطرة الشركات العابرة للقارات. هنا تكمن براعة النظام: إنه لا يمنع الاعتراض، بل يحوّله إلى طاقة قابلة للاستيعاب.
أشار أنطونيو غرامشي إلى أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لا تقوم أساسا على الإكراه، بل على «القيادة الأخلاقية والفكرية». فالطبقة المهيمنة لا تفرض نفسها فقط عبر أجهزة الدولة، بل عبر قدرتها على صياغة الحسّ المشترك. بهذا المعنى، الديمقراطية ليست حيادا، بل ساحة تصاغ فيها معايير المعقول والممكن. ما يبدو “تطرفا” أو “واقعية” ليس توصيفا بريئا، بل نتاج توازن قوى ثقافي وسياسي.
من زاوية أخرى، قدّم نيكوس بولانتزاس تصورا للدولة بوصفها «تكثيفا ماديا لعلاقات القوة الطبقية». أي أن الدولة ليست مجرد أداة طيّعة بيد طبقة واحدة، بل ميدانا تتقاطع فيه مصالح متناقضة، لكنها في النهاية تميل إلى إعادة إنتاج الهيمنة القائمة. الديمقراطية هنا ليست قناعا بسيطا، بل آلية معقّدة لإعادة ترتيب التوازنات داخل الطبقة السائدة نفسها، وضبط تناقضاتها، ومنع انفجارها على نحو يهدد النظام ككل.
إن الطابع الطبقي للديمقراطية يتجلّى أيضا في البنية الزمنية للقرار السياسي. رأس المال يتحرك بسرعة عابرة للحدود، بينما القرار الديمقراطي بطيء، محكوم بدورات انتخابية وإجراءات قانونية. هذا الاختلال في الإيقاع يمنح رأس المال أفضلية استراتيجية: يستطيع أن يعاقب الحكومات عبر سحب الاستثمارات أو المضاربة على العملة، بينما تظلّ الجماهير محكومة بإيقاع مؤسساتي بطيء. هنا لا يظهر القمع في صورته العارية، بل في شكل “انضباط الأسواق”.
وقد نبّه ديفيد هارفي إلى أن النيوليبرالية لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروعا لإعادة ترميم سلطة الطبقات العليا بعد مرحلة من التنازلات الاجتماعية. الديمقراطية في هذا السياق لم تلغ، بل أُعيد تعريفها بحيث تنحصر في إدارة الآثار الاجتماعية لخيارات اقتصادية تعتبر غير قابلة للنقاش. وهكذا يتحوّل النقاش من «هل نخصخص؟» إلى «كيف نخفف آثار الخصخصة؟».
غير أن المسألة لا تقف عند حدود الدولة. فالديمقراطية البرجوازية تنتج ذاتا سياسية محدّدة: فردا يعرّف نفسه أساسا كمستهلك وناخب، لا كمنتِج مشارك في تقرير مصير العملية الاقتصادية. إن اختزال المشاركة إلى لحظة الاقتراع يختزل السياسة نفسها إلى اختيار بين نخب. أما في مواقع الإنتاج، حيث يصنع الجزء الأكبر من الحياة الاجتماعية، فالديمقراطية غالبا ما تتوقف عند باب المؤسسة. العامل قد ينتخب البرلمان، لكنه لا ينتخب مجلس إدارة الشركة التي تحدد شروط عمله.
من هنا ينبع الطموح الاشتراكي الثوري إلى تجاوز هذا الانفصال البنيوي. ليس الهدف استبدال شكل تمثيلي بآخر فحسب، بل إعادة تعريف الديمقراطية بوصفها ممارسة يومية في مواقع الإنتاج والخدمات والتعليم والصحة. إن ديمقراطية بلا سيطرة اجتماعية على الفائض الاقتصادي تظلّ محدودة الأفق. وكما قال إرنست ماندل، فإن الاشتراكية ليست فقط مسألة توزيع، بل مسألة من يقرر ماذا ينتج وكيف ولمصلحة من.
لكن الوعي بالطابع الطبقي للديمقراطية لا يقود إلى إنكار المكاسب التي تحققت داخلها. فالحريات العامة، وحق التنظيم، وحرية التعبير، كلها ساحات حيوية للصراع. إن التخلي عنها بدعوى أنها «برجوازية» يعني تسليم الساحة كاملة للطبقة المهيمنة. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأدوات إلى وسائل لتوسيع أفق الصراع، لا الاكتفاء بإدارتها ضمن الحدود المرسومة.
إن الديمقراطية، في نهاية المطاف، ليست معطى ثابتا بل عملية تاريخية مفتوحة. طبيعتها الطبقية لا تعني أنها قدر مغلق، بل أنها انعكاس لميزان قوى قابل للتغيير. حين تتراكم القوة الاجتماعية المنظمة للطبقات الشعبية، يمكن أن تتسع الديمقراطية وتتعمق. وحين تتراجع هذه القوة، تنكمش حتى وإن بقيت أشكالها قائمة.
هكذا يغدو السؤال الجوهري: هل تظل الديمقراطية آلية لإعادة إنتاج النظام القائم، أم تتحول إلى رافعة لإعادة تأسيسه على أسس المساواة الفعلية؟ إن الجواب ليس نظريا خالصا، بل يحسم في ميدان الصراع الاجتماعي، حيث تتحدد حدود الممكن، وحيث يعاد تعريف معنى الحرية نفسها: أهي حرية التملك والتراكم، أم حرية البشر في التحكم الجماعي بشروط .
و ثمة زاوية أخرى لا تختزل في سؤال الدولة ولا في سؤال الملكية المباشرة، بل في البنية العميقة التي تجعل الديمقراطية نفسها قابلة لأن تختزل إلى طقس دوريّ. إن الطابع الطبقي للديمقراطية يتجلّى كذلك في الطريقة التي يعاد بها تشكيل الزمن السياسي والوعي الاجتماعي بحيث يصبح التغيير الجذري غير مرئي أو غير قابل للتخيّل.
فالرأسمالية لا تهيمن فقط عبر المؤسسات، بل عبر إنتاج أفق ذهنيّ محدّد. لقد لفت هربرت ماركوز الانتباه إلى أن المجتمعات الصناعية المتقدمة تطوّر أنماطا من “الاندماج السلبي”، حيث تمتصّ المعارضة داخل ثقافة الاستهلاك والرفاه النسبي، فيغدو الاعتراض نفسه سلعة قابلة للتسويق. في هذا السياق، تتحول الديمقراطية إلى فضاء يسمح بالاحتجاج، لكنه يفرغه من قدرته على القطع مع الأساس المادي للنظام. إن الاحتجاج مسموح، بل يحتفى به أحيانا، ما دام لا يمسّ البنية التي تنتج اللامساواة.
وهنا يظهر بعد آخر للطبيعة الطبقية: ليس فقط من يملك الثروة، بل من يملك القدرة على تعريف “الواقع”. حين تصاغ الأزمات الاقتصادية بلغة تقنية بحتة، وحين يختزل النقاش في نسب العجز والتصنيفات الائتمانية، يستبعد السؤال الاجتماعي من مركز النقاش. لقد بيّن يورغن هابرماس أن المجال العمومي يمكن أن يتشوّه حين تهيمن عليه قوى المال والإعلام الممركز. في هذه الحالة، لا تلغى الديمقراطية، بل يعاد تشكيلها بحيث تدار ضمن أطر خطابية ضيقة، تقصي البدائل الجذرية بوصفها “غير واقعية”.
إن الطابع الطبقي للديمقراطية يظهر كذلك في علاقتها بالمحيط العالمي. فالديمقراطيات في المركز الرأسمالي لا تنفصل عن موقعها في تقسيم العمل الدولي. جزء من استقرارها الاجتماعي بني تاريخيا على نقل كلفة التراكم إلى الأطراف: عبر استنزاف المواد الأولية، واستغلال اليد العاملة الرخيصة، وفرض شروط تجارية غير متكافئة. من هذه الزاوية، لا يمكن فهم ديمقراطية الرفاه بمعزل عن البنية الإمبريالية للنظام العالمي. لقد أشار سمير أمين إلى أن التراكم على الصعيد العالمي يعيد إنتاج تبعية بنيوية تجعل الهامش محكوما بشروط المركز، حتى وإن امتلك مؤسسات انتخابية شكلية.
ومن هنا تتبدّى مفارقة حادّة: قد تتعايش الانتخابات الدورية مع سياسات اقتصادية مفروضة بحكم الاندماج في السوق العالمية. يصبح المجال الوطني محكوما بإكراهات الدين الخارجي، وشروط المؤسسات المالية، وتقلبات رأس المال العابر للحدود. في مثل هذا السياق، تفرغ السيادة الشعبية من مضمونها المادي، وتتحول الديمقراطية إلى إدارة لقيود مفروضة سلفا.
لكن المسألة ليست فقط خارجية أو بنيوية؛ إنها أيضا مسألة تنظيم اجتماعي. إن تراجع التنظيمات العمالية والجماهيرية في العقود الأخيرة أضعف القدرة على تحويل الديمقراطية إلى أداة ضغط فعلي. حين تفكّك الروابط الجماعية، ويعاد تشكيل الأفراد كوحدات تنافسية معزولة، تتقلص إمكانات الفعل المشترك. الديمقراطية، في بعدها الجذري، تحتاج إلى ذات جماعية واعية بذاتها كقوة اجتماعية. بدون ذلك، تنكمش إلى منافسة بين نخب محترفة في إدارة السلطة.
في المقابل، كل لحظة تاريخية شهدت صعودا في المبادرات القاعدية ، مجالس عمّالية، لجان أحياء، حركات نسوية وشبابية ذات طابع اجتماعي ، كشفت أن الديمقراطية يمكن أن تتجاوز شكلها التمثيلي الضيق. في تلك اللحظات، يعاد تعريف السياسة بوصفها مشاركة مباشرة في تقرير المصير الجماعي. ليست المسألة استبدال البرلمان بالمجلس فحسب، بل تحويل السياسة من اختصاص فئة إلى ممارسة يومية.
إن الاشتراكية الثورية، في هذا الأفق، لا ترى الديمقراطية كمرحلة منتهية ولا كأداة مكتفية بذاتها، بل كميدان ينبغي إعادة بنائه من الأسفل. فحين تربط الحرية بالمساواة الفعلية، وحين تربط المشاركة بالسيطرة على الموارد والقرار الاقتصادي، تتغير طبيعة الديمقراطية ذاتها. إنها لا تعود مجرد آلية اختيار، بل تصبح عملية مستمرة لإعادة توزيع السلطة.
الطبيعة الطبقية للديمقراطية، إذن، ليست وصفا جامدا بل علاقة تاريخية. إنها تتحدد بمدى قدرة الطبقات الشعبية على فرض حضورها في كل مفصل من مفاصل الحياة العامة، من المصنع إلى الحيّ، ومن المدرسة إلى التخطيط الاقتصادي. كلما بقي الاقتصاد مجالا مغلقا على خبراء ورؤوس أموال، بقيت الديمقراطية منقوصة. وكلما انفتح هذا المجال على الرقابة والمشاركة الشعبية، اقتربت من معناها التحرري.
في نهاية المطاف، ليست القضية في الدفاع عن شكل ضد آخر، بل في تفكيك الشروط التي تجعل الشكل الديمقراطي أداة لإعادة إنتاج اللامساواة. الديمقراطية ليست بريئة ولا مذنبة في ذاتها؛ إنها مرآة لميزان القوى الاجتماعي. والسؤال الثوري الحقيقي ليس هل نملك حق التصويت، بل هل نملك القدرة الجماعية على إعادة تشكيل شروط حياتنا المادية. هناك، في تلك المسافة بين الورقة الانتخابية وملكية الثروة، يتحدد المعنى العميق للصراع.
فإذا كان تطرقنا فيما سابق قد قارب الطابع الطبقي للديمقراطية من زاوية الدولة والملكية والهيمنة الثقافية والتبعية العالمية، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض مستوى جديدا من التحليل: مستوى السلطة الخوارزمية. نحن اليوم أمام تحوّل نوعي لا يمسّ فقط أدوات الحكم، بل يعيد تشكيل معنى المجال العام ذاته. لم تعد المسألة محصورة في من يملك المصنع أو البنك أو القناة التلفزيونية، بل في من يملك البيانات، ومن يبرمج الخوارزميات، ومن يتحكم في البنية الرقمية التي تمرّ عبرها حياتنا اليومية.
إن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تكتفي باستخراج فائض القيمة من العمل المأجور في صورته التقليدية، بل توسّعت نحو ما يمكن تسميته باستخراج فائض القيمة من السلوك ذاته. كل نقرة، كل تفاعل، كل حركة في الفضاء الرقمي تتحول إلى مادة خام. وقد نبّهت شوشانا زوبوف إلى ما سمّته “رأسمالية المراقبة”، حيث يصبح التنبؤ بالسلوك البشري وتوجيهه مصدرا للربح. هنا يتخذ الطابع الطبقي للديمقراطية شكلا أكثر تعقيدا: من يملك البنية الرقمية لا يملك فقط السوق، بل يملك القدرة على توجيه الإدراك الجماعي.
في هذا السياق، تتحول الخوارزميات إلى فاعل سياسي غير منتخب. فهي التي تحدد ما نراه وما لا نراه، ما ينتشر وما يدفن، ما يبدو رأيا عاما وما يظل هامشيا. إن المجال العمومي لم يعد ساحة مادية أو حتى إعلامية تقليدية، بل أصبح فضاء مرشّحا عبر شيفرات رياضية مملوكة لشركات خاصة عابرة للقوميات. الطابع الطبقي هنا لا يظهر في صورة قانون يمنع التصويت، بل في صورة تحكم غير مرئي في شروط تكوّن الرأي نفسه.
وقد أشار يوفال نوح هراري إلى أن السيطرة في العصر الرقمي قد تنتقل من امتلاك وسائل الإنتاج إلى امتلاك “القدرة على اختراق البشر”. بصرف النظر عن اختلاف المنطلقات الفكرية، فإن الفكرة تكشف بعدا جديدا للسلطة: حين تصبح البيانات أداة للتنبؤ والتوجيه، يغدو المواطن موضوعا لإدارة احتمالاته السلوكية، لا ذاتا فاعلة بالكامل في تقرير مصيره. هنا تتقلص المسافة بين الاقتصاد والسياسة إلى حدّ التماهي: السوق الرقمي نفسه يصبح جهازا لتشكيل الإرادة.
إن الديمقراطية في زمن الذكاء الاصطناعي تواجه مفارقة حادة. فمن جهة، توفّر التكنولوجيا إمكانات هائلة للمشاركة والوصول إلى المعلومات والتواصل العابر للحدود. ومن جهة أخرى، يتركز التحكم في هذه البنية في يد عدد محدود من الشركات والمنصات. هذه الشركات لا تخضع لرقابة ديمقراطية مباشرة، لكنها تتحكم في شروط الخطاب العام، وفي تدفق الأخبار، وحتى في الإعلانات السياسية. الطابع الطبقي هنا يتخذ شكل احتكار معرفي: من يملك الخوارزمية يملك مفاتيح الرؤية.
إن هذا التحول يعيد صياغة مسألة الوعي الطبقي نفسها. ففي السابق، كان الوعي يتشكل في مواقع العمل والنقابات والأحياء والفضاءات العمومية الملموسة. أما اليوم، فيتشكل جزء كبير منه داخل بيئات رقمية مخصّصة لكل فرد على حدة، وفق بياناته وتفضيلاته. هذا التخصيص يعزل التجربة ويجزّئها، ويجعل بناء وعي جماعي مهمة أكثر تعقيدا. إن التفكيك الخوارزمي للجمهور إلى “فقاعات” معلوماتية ليس مجرد ظاهرة ثقافية، بل هو إعادة هندسة للمجال السياسي بما يخدم استقرار النظام القائم.
من منظور اشتراكي ثوري، لا يكفي المطالبة بتنظيم أخلاقي للذكاء الاصطناعي، بل ينبغي طرح سؤال الملكية والسيطرة. هل تبقى البيانات ملكا خاصا يستثمر لأجل الربح، أم تتحول إلى مورد اجتماعي خاضع للرقابة الشعبية؟ هل تبقى الخوارزميات أسرارا تجارية، أم تصبح شفافة وخاضعة للمساءلة؟ إن ديمقراطية القرن الحادي والعشرين لن تختبر فقط في البرلمان، بل في مراكز البيانات، وفي سياسات المنصات، وفي كيفية تصميم الأنظمة الذكية التي تؤثر في فرص العمل، والقروض، والتوظيف، وحتى الأحكام القضائية.
لقد تحدّث إيفغيني موروزوف عن “الحلّانية التقنية” التي توهم بأن كل مشكل اجتماعي يمكن حله بخوارزمية. غير أن هذا المنطق يخفي طبيعة الصراع الطبقي خلف ستار الحياد التقني. فالخوارزمية ليست كيانا محايدا؛ إنها تجسيد لخيارات وقيم ومصالح. وحين تقدّم بوصفها موضوعية بالكامل، يجرّد النقاش السياسي من مضمونه.
هكذا، يتخذ الطابع الطبقي للديمقراطية في عصر الذكاء الاصطناعي بعدا جديدا: إنه صراع على من يتحكم في البنية التحتية للوعي الجماعي. لم يعد الأمر مقتصرا على من يموّل الحملات أو يسنّ القوانين، بل على من يصمّم البيئة التي تتشكل فيها القناعات ذاتها. إن الانتقال من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية الرقمية لم يلغ التناقض الطبقي، بل نقله إلى مستوى أعمق وأكثر تجريدا.
وإذا كانت الدفعات السابقة قد بيّنت أن الديمقراطية انعكاس لميزان القوى في المجتمع، فإن ميزان القوى اليوم يمرّ عبر التكنولوجيا. كل مشروع تحرري في القرن الحادي والعشرين مطالب بأن يربط بين النضال من أجل العدالة الاجتماعية والنضال من أجل ديمقراطية رقمية حقيقية: شفافية الخوارزميات، اجتماعية البيانات، ومساءلة الذكاء الاصطناعي. هناك، في قلب البنية الرقمية التي تنظّم حياتنا، يتحدد ما إذا كانت الديمقراطية ستظل إطارا لإدارة الهيمنة في ثوب تقنيّ جديد، أم ستتحول إلى أفق يعيد للبشر سيطرتهم الجماعية على أدوات عصرهم.
إذا كانت الفقرات السابقة قد بيّنت أن الديمقراطية، في المركز الرأسمالي، تتشكّل داخل علاقات ملكية وهيمنة ثقافية ورقمية معقّدة، فإن النظر إليها في الوطن العربي ودول الجنوب العالمي يكشف طبقة إضافية من التعقيد: هنا لا تتحدد طبيعتها الطبقية فقط بالصراع الداخلي بين رأس المال والعمل، بل أيضا بموقع هذه المجتمعات داخل البنية اللامتكافئة للنظام العالمي.
في كثير من بلدان الجنوب، وضمنها المجال العربي، لم تتكوّن الدولة الحديثة عبر مسار برجوازي كلاسيكي كما في أوروبا، بل في سياق استعماري أو شبه استعماري. الدولة نشأت غالبا بوصفها جهازا إداريا وأمنيا لضبط المجال، لا كتجسيد لتوازن قوى اجتماعي داخلي ناضج. لذلك، حين تطرح الديمقراطية هنا، فإنها تصطدم ببنية اقتصادية ريعية أو تابعة، حيث تتحدد الموارد الأساسية (النفط، الغاز، الفوسفاط، المساعدات، الديون) في علاقة وثيقة بالسوق العالمية ومراكز القرار الخارجية.
لقد أشار فرانز فانون إلى أن البرجوازية في البلدان المستعمَرة تميل إلى أن تكون “برجوازية وسيطة”، وظيفتها الأساسية إدارة العلاقة مع المركز لا بناء اقتصاد وطني مستقل. في هذا السياق، تصبح الديمقراطية ، إن وجدت ، محكومة بحدود هذا الدور الوسيط. التداول السياسي قد يحدث، لكن الخيارات الاقتصادية الكبرى تبقى رهينة التبعية البنيوية. هنا يتجلّى الطابع الطبقي في صورة تحالف بين نخب محلية ودوائر رأسمالية عالمية، بحيث تدار الدولة ضمن هامش ضيق من السيادة.
في دول عديدة من الجنوب، ترتبط السلطة بالتحكم في الريع أكثر من ارتباطها بتنظيم الإنتاج الصناعي. هذا الريع ، سواء أتى من الموارد الطبيعية أو من التحويلات والمساعدات ، يخلق طبقة حاكمة تعتمد في شرعيتها على التوزيع الزبائني لا على المشاركة الديمقراطية العميقة. وفي مثل هذه البنية، تختزل الديمقراطية إلى لحظة انتخابية معزولة، بينما تبقى آليات اتخاذ القرار الاقتصادي خارج الرقابة الشعبية. إن السؤال الطبقي هنا لا يدور فقط حول من يملك وسائل الإنتاج، بل حول من يملك مفاتيح الريع ومن يتحكم في قنوات توزيعه.
تتفاقم هذه الإشكالية في ظل الديون الخارجية وبرامج “الإصلاح الهيكلي” التي فرضتها مؤسسات مالية دولية على كثير من دول الجنوب. فالبرلمان قد ينتخب، لكن الموازنات تصاغ وفق شروط مسبقة: تقليص الدعم، خصخصة الخدمات، تحرير الأسعار. هكذا تختزل الديمقراطية إلى إدارة كلفة اجتماعية لسياسات صيغت خارج المجال الشعبي. إن السيادة السياسية تفرّغ من مضمونها حين تقيّد السيادة الاقتصادية.
في هذا الإطار العام، تكتسب القضية الفلسطينية بعدا كاشفا. ففلسطين ليست فقط قضية تحرر وطني، بل مرآة للطابع الطبقي للنظام العالمي بأسره. إن استمرار الاحتلال والدعم غير المشروط له من قِبل قوى كبرى يكشف حدود الخطاب الديمقراطي حين يصطدم بمصالح جيوسياسية واستراتيجية. الديمقراطية التي تقدّم كقيمة كونية تتراجع حين يتعلق الأمر بحق شعب في تقرير مصيره. هنا يظهر التناقض بين المبدأ والممارسة، بين الخطاب والواقع.
لقد نبّه إدوارد سعيد إلى أن السيطرة لا تمارس فقط عسكريا، بل أيضا عبر سرديات تشرعن الواقع القائم وتعيد إنتاجه في الوعي العالمي. في الحالة الفلسطينية، تختزل المسألة إلى “نزاع” بين طرفين متكافئين، بينما يحجب السياق الاستعماري الاستيطاني. هذا التشويه ليس مسألة إعلامية فحسب، بل جزء من بنية قوة عالمية تحدد من يعترف به كفاعل سياسي كامل ومن يختزل إلى “مشكلة أمنية”.
في دول عربية عدّة، تستخدم القضية الفلسطينية كذلك في الداخل بطرق متباينة: أحيانا لتبرير تأجيل الإصلاح الديمقراطي بدعوى “الأولوية الوطنية”، وأحيانا لتطبيع سياسات لا تحظى بشرعية شعبية. هنا يتقاطع الداخلي بالخارجي: الطابع الطبقي للسلطة يتغذى من موقعها في النظام الإقليمي والدولي. فالتطبيع أو التحالفات أو الصراعات ليست قرارات محايدة، بل ترتبط بمصالح طبقات حاكمة تسعى إلى تثبيت موقعها.
من منظور اشتراكي تحرري، لا يمكن فصل الديمقراطية في الجنوب عن مشروع الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. فالديمقراطية التي لا تمسّ التبعية البنيوية تبقى هشة، قابلة للانقلاب أو الالتفاف عليها. إن الربط بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية ليس شعارا مجردا، بل شرطا لإعطاء الديمقراطية مضمونا فعليا. فلا معنى لانتخاب حرّ في اقتصاد مرتهن، ولا لبرلمان منتخب إذا كانت الموارد الأساسية خارج سيطرة المجتمع.
القضية الفلسطينية، في هذا السياق، ليست مسألة تضامن أخلاقي فقط، بل جزء من معركة أوسع ضد نظام عالمي يقرّر من يملك الحق في الأرض والموارد والسيادة. إن الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في التحرر يتقاطع مع الدفاع عن حق شعوب الجنوب في فكّ قيود التبعية وإعادة بناء اقتصاداتها على أسس أكثر عدلا. هناك تتقاطع الديمقراطية بالتحرر الوطني والاجتماعي في آن معا.
وهكذا، إذا كانت الدفعات السابقة قد كشفت حدود الديمقراطية في المركز الرأسمالي، وفي زمن الخوارزميات، فإن النظر إليها في الوطن العربي والجنوب العالمي يظهر أن الطابع الطبقي يتشابك هنا مع الاستعمار الجديد والتبعية والريع. الديمقراطية ليست مسألة إجراءات، بل مسألة موقع في النظام العالمي، ومسألة توزيع فعلي للسلطة والثروة داخل المجتمع. والسؤال الذي يظل مفتوحا هو: هل تستطيع شعوب الجنوب أن تحوّل مطلب الديمقراطية من شكل دستوري إلى مشروع تحرري شامل يربط بين الحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني؟ هناك، في هذا الترابط، يتحدد أفقها الحقيقي.
و تتبّعت الطبيعة الطبقية للديمقراطية داخل الدولة القومية، وفي الفضاء الرقمي، وفي بنية التبعية في الجنوب العالمي، فإن مستوى آخر لا يقلّ أهمية يتمثل في المنظمات الدولية. هنا لا نكون أمام “ديمقراطية شعب” بالمعنى المباشر، بل أمام هندسة مؤسساتية تعكس توازنات قوى عالمية. في هذا الحقل، تتجلّى الطبيعة الطبقية لا فقط عبر الطبقات داخل كل دولة، بل عبر تراتبية دولية تعيد إنتاج انقسام العالم بين مركز مهيمن وأطراف خاضعة.
لنأخذ مثال الأمم المتحدة. من حيث الشكل، تقوم الجمعية العامة على مبدأ “صوت واحد لكل دولة”، وهو مبدأ يبدو مساواتيا. غير أن البنية الحقيقية للقرار تتجسد في مجلس الأمن، حيث تحتكر خمس قوى دائمة العضوية حق النقض. هذا الامتياز ليس تفصيلا تقنيا، بل تجسيد مباشر لميزان القوى الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. إن الديمقراطية هنا تقيّد بالهندسة الجيوسياسية: إرادة الأغلبية يمكن أن تعطّل بقرار قوة عظمى واحدة. الطابع الطبقي يتخذ هنا شكلا دوليا: القوى المهيمنة اقتصاديا وعسكريا تملك القدرة على تعطيل “الإرادة العالمية”.
الأمر ذاته يتكرر بصيغ مختلفة في مؤسسات إقليمية. فـالاتحاد الأوروبي يقدّم نفسه بوصفه فضاء ديمقراطيا عابرا للقوميات، ببرلمان منتخب ومفوضية تنفيذية. غير أن آليات اتخاذ القرار المالي والنقدي ، خصوصا عبر البنك المركزي الأوروبي ، تكشف حدود السيادة الشعبية للدول الأعضاء، خاصة في الأطراف الجنوبية للاتحاد. لقد أظهرت أزمات الديون أن الخيارات الاقتصادية لدول كاملة يمكن أن تقيّد بشروط مؤسساتية تعكس مصالح رأس المال المالي الأوروبي. هنا يصبح “التكامل” إطارا يعيد إنتاج تفاوت داخلي بين مركز صناعي قوي وأطراف أقل قوة.
في المقابل، تسعى تكتلات مثل بريكس إلى تقديم نفسها كبديل لتعددية غربية مهيمنة. غير أن السؤال الطبقي لا يختفي بمجرد تبدّل الجغرافيا. فهذه التكتلات تعكس بدورها مصالح قوى صاعدة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وتسعى إلى إعادة توزيع النفوذ لا بالضرورة إلى تفكيك منطق الهيمنة ذاته. إن انتقال الثقل من محور إلى آخر لا يعني بالضرورة انتقالا نحو ديمقراطية عالمية شعبية، بل قد يعني إعادة ترتيب مواقع داخل البنية نفسها.
أما الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، فيكشفان مفارقة أخرى. فهما يرفعان شعارات التنسيق والوحدة، لكنهما محكومان بميزان قوى بين أنظمة تختلف في طبيعتها السياسية والاقتصادية. غياب آليات إلزامية ديمقراطية حقيقية يجعل القرار رهين توافقات بين حكومات، لا بين شعوب. هنا تتجلى الطبيعة الطبقية عبر تمثيل الدول لا المجتمعات، وتمثيل النخب الحاكمة لا الطبقات الشعبية.
إن ما يجمع هذه المنظمات، على اختلافها، هو أنها تدار بمنطق سيادة الدول لا بمنطق سيادة الشعوب. والدول نفسها ليست كيانات محايدة، بل تعبيرات عن توازنات طبقية داخلية. حين تجتمع هذه الدول في فضاء دولي، فإنها تحمل معها تلك التوازنات. وهكذا يتضاعف البعد الطبقي: من مستوى وطني إلى مستوى كوني.
تظهر القضية الفلسطينية مرة أخرى هذا التناقض بوضوح. قرارات الجمعية العامة في الأمم المتحدة قد تعبّر عن أغلبية دولية داعمة لحقوق الفلسطينيين، لكن موازين القوة في مجلس الأمن قادرة على تعطيل أي مسار إلزامي. هنا يتجلّى الفارق بين الشرعية العددية والسلطة الفعلية. الديمقراطية الشكلية على مستوى الدول لا تكفي حين تصطدم بمصالح قوى تمتلك أدوات الإكراه الاقتصادي والعسكري.
من منظور نقدي، يمكن القول إن النظام الدولي المعاصر يشبه برلمانا عالميا غير متكافئ: لكل دولة مقعد، لكن ليس لكل دولة الوزن نفسه. القوة الاقتصادية والعسكرية تتحول إلى امتياز مؤسساتي دائم. إن “الديمقراطية الدولية” ليست سوى انعكاس لتراتب النظام الرأسمالي العالمي.
غير أن التحولات الجارية ، من صعود قوى جديدة إلى تآكل شرعية المؤسسات القديمة ، تفتح سؤالا تاريخيا: هل نحن أمام إعادة توزيع داخل المنظومة نفسها، أم أمام إمكان بلورة أشكال أعمق من التمثيل العالمي للشعوب؟ حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى الاحتمال الأول. فالتكتلات الجديدة لا تنطلق من منطق إشراك الطبقات الشعبية عالميا، بل من منطق موازنة نفوذ بين دول.
وهكذا، فإن المستوى الدولي يكشف بعدا آخر: ملكية القرار العالمي نفسه. من يملك حق الفيتو؟ من يحدد قواعد التجارة؟ من يرسم معايير “الشرعية” و“القانون الدولي”؟
الديمقراطية، حين تنقل إلى الحقل الدولي، تفقد حتى مظاهرها التمثيلية المباشرة. لا وجود لاقتراع عالمي يختار صانعي القرار في هذه المؤسسات. الشعوب تختزل إلى دول، والدول تختزل إلى حكومات، والحكومات تعكس في الغالب مصالح نخبها. إن الطبيعة الطبقية هنا تتخفّى وراء خطاب “التعددية” و“الشراكة”، لكنها تتجلى في لحظات الأزمات والحروب والعقوبات.
السؤال الذي يفرض نفسه، ربطا بكل ما سبق، هو: هل يمكن تخيّل ديمقراطية كونية تتجاوز تمثيل الدول إلى تمثيل الشعوب والطبقات؟ أم أن النظام الدولي سيظلّ فضاء لإدارة تناقضات القوى المهيمنة؟ إن الإجابة ليست نظرية محضة، بل تتوقف على قدرة الحركات الاجتماعية العابرة للحدود على فرض حضورها، وعلى إعادة تعريف الشرعية الدولية من أسفل لا من فوق. هناك، في التوتر بين شرعية القوة وقوة الشرعية، يتحدد الأفق الفعلي لديمقراطية عالمية لم تولد بعد.
و بالتعمق أكثر في السؤال المركزي الذي يربط كل ما سبق: ما الديمقراطية التي نريدها؟ السؤال هنا ليس مجرّد تصوّر نظري، ولا خطابا أخلاقيّا عامّا، بل هو استدعاء مباشر لتشكيل مستقبل السلطة نفسها، والقرار الاجتماعي، والبنية الاقتصادية، والوعي الجماعي. إن الديمقراطية في هذا المعنى لا تتحدد بمجرد وجود انتخابات دورية أو مؤسسات رسمية، بل بمقدار سيطرة الناس الفعلية على كل شروط حياتهم: على الثروة، على المعرفة، على المعلومات، وعلى القرار.
أولا، الديمقراطية الاجتماعية التي نحتاج إليها تتجاوز حدود الضمانات الشكلية. إنها ترتبط بمبدأ أن الحرية الحقيقية لا يمكن أن توجد بمعزل عن المساواة الفعلية. في عالم تزداد فيه الهوّة بين الأغنياء والفقراء، يصبح الاقتراع مجرد طقس رمزي لا يغير الواقع المادي. الديمقراطية الاجتماعية تتطلب نظاما اقتصاديا يحمي الحقوق الأساسية لكل إنسان: الحق في الصحة، التعليم، السكن، العمل الكريم، الأمن الغذائي، والرعاية الأساسية. كل هذه الحقوق ليست رفاهية، بل أدوات تمكين سياسي، لأنها تتيح للفرد أن يشارك في صنع القرار بحرية ووعي، وليس تحت ضغط الحاجة أو الخوف من الفقر.
ثانيا، الديمقراطية الاقتصادية لا تقل أهمية عن الديمقراطية السياسية. يجب أن يمتد الحيز الديمقراطي ليشمل المؤسسات التي تنتج الثروة وتحدد شكل الحياة اليومية: الشركات الكبرى، البنية التحتية، القطاعات الاستراتيجية، وحتى الأسواق المالية. هنا يظهر البعد الطبقي بوضوح: السيطرة على وسائل الإنتاج ليست مجرد مسألة اقتصاد، بل هي مسألة قدرة على توجيه المجتمع نحو أولويات التنمية الحقيقية أو نحو مصالح نخبوية ضيقة. الديمقراطية الاقتصادية تتطلب شفافية كاملة، مساءلة مستمرة، ومشاركة فعلية للعمال والمجتمعات في تحديد ما ينتج، كيف ينتج، ولمن ينتج.
ثالثا، الديمقراطية الرقمية أصبحت شرطا أساسيا في القرن الحادي والعشرين. في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، أصبحت السيطرة على تدفق المعلومات والتحكم في البيئة الرقمية أداة قوة مباشرة. البيانات لم تعد مجرد أرقام، بل أصبحت مادة أولية لإعادة تشكيل الرأي العام، وتوجيه السلوك، وإعادة إنتاج السلطة دون تدخل مباشر من المجتمعات. الديمقراطية التي نريدها هنا تتطلب شفافية كاملة في الخوارزميات، وضوابط اجتماعية على منصات البيانات، وتمكين الناس من فهم، مراقبة، والمشاركة في تصميم الأنظمة الرقمية التي تؤثر على حياتهم. بدون ذلك، تصبح كل انتخابات ورقية بلا مضمون حقيقي، لأن خيارات الناخبين توجّه مسبقا عبر هندسة المعلومات.
رابعا، الديمقراطية التحررية في الجنوب العالمي تتطلب ربط المشاركة السياسية بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي. في بلدان تعاني من تبعية اقتصادية، استغلال خارجي، وديون ضخمة، تصبح السيادة الوطنية شرطا مسبقا لإمكان ممارسة الديمقراطية. الديمقراطية التي نريدها هي التي تسمح للشعوب بفك قيود التبعية، إعادة توجيه اقتصادها بما يخدم مصالحها، وتحويل الموارد الاستراتيجية من أدوات امتياز نخبوي أو أدوات ضغط خارجي إلى ملكية جماعية قابلة للاستخدام في خدمة المجتمع. وفي هذا السياق، تتقاطع الديمقراطية مع العدالة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ويصبح كل نضال محلي جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل السلطة على أسس المساواة والتحرر.
خامسا، الديمقراطية العالمية والتضامنية تمثل بعدا آخر. القضايا الكبرى التي تواجه الإنسانية ، من تغيّر المناخ، إلى النزاعات الدولية، إلى الأوبئة ، تتجاوز حدود الدولة الواحدة. أي ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن تقتصر على إدارة السياسة الداخلية، بل يجب أن تشمل القدرة على التأثير في النظام العالمي، على قواعد التجارة الدولية، على سياسات المؤسسات العابرة للقوميات، وعلى حماية حقوق الشعوب المظلومة مثل القضية الفلسطينية. هنا تتجلى الطبيعة الطبقية للديمقراطية في بعدها الدولي: من يمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية يملك القدرة على التحكم في ما يسمّى بالشرعية الدولية، بينما الأغلبية العظمى من الشعوب تظل خارج دائرة التأثير المباشر. الديمقراطية التي نريدها يجب أن تكون قادرة على تحويل هذا النظام من ساحة لصراع القوى الكبرى إلى فضاء لمساءلة الجماهير والمجتمعات.
سادسا، الديمقراطية كعملية مستمرة وليست لحظة تأسيس أو نصا دستوريا. إنها تتطلب بناء شبكات قوية من التنظيم الشعبي المستقل: النقابات، الجمعيات، المجالس المحلية، المبادرات الاقتصادية التعاونية، وفضاءات النقاش العملي. الديمقراطية هنا لا تمارس فقط في صناديق الاقتراع، بل في كل مفصل من مفاصل الحياة: في مواقع العمل، في التعليم، في الإعلام، في الفضاء الرقمي، وفي المعركة اليومية من أجل العدالة الاجتماعية والبيئية والسياسية.
أخيرا، الديمقراطية التي نريدها تجمع بين الحرية والمساواة والسيطرة الجماعية على الموارد. إنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تتخذ من نفسها أداة لتغييره. إنها رؤية متكاملة تتجاوز الشكل والطقوس لتصل إلى الجوهر: إعادة تعريف السلطة بما يخدم البشر جميعا، لا نخبة محدودة أو مصالح أجنبية. الديمقراطية التي نريدها هي مشروع مستمر، ميداني، متعدد المستويات، يربط بين محلي وعالمي، بين اقتصادي وسياسي، بين رقمية ومجتمعية، وبين الحرية والمساواة ، مشروع يجعل لكل فرد القدرة على المشاركة الحقيقية، وللمجتمع القدرة على توجيه مصيره، وللعالم أفقا للعدالة الشاملة.
ختاما ، يبدو جليا أن الديمقراطية ليست مجرد إطار رسمي أو نص دستوري يمكن حفظه وتكراره، بل هي عملية مستمرة، فضاء حيوي، وساحة صراع مستمرة حول من يملك حق تقرير المصير ومن يمتلك القدرة على تشكيل الشروط المادية والفكرية للعيش الجماعي. الديمقراطية التي نتحدث عنها ليست إنجازا جاهزا، بل سؤالا مفتوحا، تتعدد أبعادها وتتشابك مع كل جانب من جوانب الحياة: الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والرقمي والعالمي. إنها مرآة لتوزيع القوة والموارد، وقياس لقدرة الشعوب على تحويل إرادتها إلى فعل حقيقي، لا مجرد شعار أو اقتراع رمزي.
إن هذه الخاتمة، إذا أردنا لها أن تكون فعلية، يجب أن تفتح النقاش العام على مستوى أوسع: ماذا يعني أن تكون مواطنا فعليا في عالم يزداد فيه التفاوت بين الأغنياء والفقراء، بين المركز والهامش، بين من يملك المعرفة الرقمية ومن يظل عرضة لإملاءات الخوارزميات؟ كيف يمكن إعادة تعريف السيادة في عصر تتداخل فيه القرارات المحلية بالاقتصاد العالمي، وتصبح الحريات الرقمية جزء لا يتجزأ من الحق في المشاركة؟ كيف يمكن تحويل الديمقراطية من أداة لإدارة الصراع الطبقي إلى أفق للتحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟
الديمقراطية ليست مجرد حق أو ممارسة، بل هي ممارسة للإبداع الاجتماعي والسياسي: القدرة على إنتاج بدائل، على اختبار أشكال جديدة للمشاركة، على إعادة توزيع السلطة والثروة بما يجعل التوازن الاجتماعي أقرب إلى العدالة. هي فضاء مفتوح للمساءلة، حيث لا تقتصر المسؤولية على النخب الرسمية أو المؤسسات الرسمية، بل يمتد تأثير كل فرد وجماعة في إعادة تشكيل القواعد التي تحكم الحياة العامة. وفي هذا الإطار، يصبح النقاش العام شرطا أساسيا لاستمرار المشروع الديمقراطي: طرح الأسئلة الصعبة، مواجهة الفجوات، تحليل مواقع القوة، ومساءلة كل من يمتلك أدوات التأثير.
في نهاية المطاف، هذه الخاتمة ليست نهاية، بل بداية لمستوى جديد من الحوار: حول طبيعة الديمقراطية في العصر الرقمي، في الجنوب العالمي، في السياق الدولي، وفي كل مساحة تلمس فيها القوة الإنسان مباشرة. إنها دعوة لإعادة التفكير في العلاقة بين الحرية والمساواة، بين الفرد والجماعة، بين المحلية والعالمية. إنها دعوة للنقاش المفتوح، حيث تسائل كل الأطر التقليدية وتختبر حدود كل فرضية، وتطرح رؤى جديدة لما يمكن أن تكون عليه الديمقراطية عندما تتجاوز طقوسها الشكلية لتصبح أداة حقيقية للتمكين الجماعي وإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي.
إن النقاش الذي تفتحه هذه الخاتمة ليس مجرد تحليل سياسي أو فلسفي، بل محاولة لفهم الديمقراطية كفعل مستمر، كرحلة جماعية، وميدان مفتوح للمشاركة، حيث يعاد تعريف السلطة والقرار باستمرار، وتظل كل الإجابات مشروطة بتجربة الشعوب وإرادتها، ومفتوحة دائما أمام التساؤل، النقد، والابتكار. إنها دعوة لاعتبار الديمقراطية ليست مرحلة أو شكلا جامدا، بل مشروعا حيا، قابلا للنقاش، قابلا للتغيير، وقابلا لأن يكون الأفق الذي تحدد عبره الشعوب مستقبلها بنفسها.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
- الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار ...
- دفاعا عن التّاريخ الثوري لا عن الاسماء....
- الاشتراكية: من المشاع الأول إلى العلم الثوري و الثورة الدائم ...


المزيد.....




- فرنسا تعلن استدعاء السفير الأمريكي لديها لهذا السبب
- مفاوضات نووية مرتقبة في مارس: طهران تطرح -بدائل التخصيب- وتر ...
- باكستان تشن غارات -انتقامية- داخل أفغانستان.. وكابول تندد: - ...
- هاكابي ووعد يهوه لإبراهيم.
- لبنان: الرئيس يصف الغارات الإسرائلية بالعمل العدائي
- المجر وسلوفاكيا تهددان بتعطيل قرض أوروبي لأوكرانيا
- إيران: طلاب يهتفون بشعارات مناهضة للنظام في طهران
- ترامب يرفع الرسوم الجمركية وأوروبا تستعد لرد موحد
- رمضان في غزة: هل تنتصر إرادة الحياة على الدمار؟
- حصار أمريكي يهدد بحدوث أزمة إنسانية في كوبا


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الطبيعة الطبقية للديمقراطية