|
|
الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التبعية
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 02:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست المعضلة في أن الشعوب فقيرة، بل في أن الفقر صار نظاما. لم يعد عرضا جانبيا في جسد الاقتصاد، بل أصبح آلية اشتغال، شرطا لإعادة إنتاج السلطة، وطريقة لتطويع البشر. بين ما يسمّى “اشتراكية الفقر” و“رأسمالية الفقر” تتبدّل الشعارات، لكن البؤس حين يؤسّس مؤسسيا يتحوّل إلى هندسة محكمة: إدارة للندرة هنا، وتسليع للحياة هناك. حين تختزل الاشتراكية في جهازٍ بيروقراطي يقرّر باسم العمّال دونهم، تختطف فكرتها الأولى: تحرير العمل من الاستغلال. ما تصوّره كارل ماركس لم يكن مساواة في العوز، بل قطيعة مع شروط إنتاجه. غير أنّ تجارب تاريخية، في لحظات من الحصار والعزلة والمركزية الصلبة كما حدث في مراحل من تاريخ الاتحاد السوفيتي، جعلت الدولة تحلّ محلّ المجتمع، والخطة تحلّ محلّ المبادرة، فانكمش الأفق وتحوّلت العدالة إلى تقنين للندرة. ليست الاشتراكية فقرا بطبيعتها، لكن حين تفرّغ من الديمقراطية الاقتصادية وتختزل في جهاز فوقيّ، تنقلب على وعدها. في المقابل، رأسمالية الفقر ليست عجزا عن إنتاج الثروة؛ إنها نجاح مشروط بتكلفة اجتماعية تدفع من لحم الفقراء. السوق يخلق القيمة، نعم، لكنه يوزّعها وفق ميزان القوة. في مدن من الجنوب العالمي، من البرازيل إلى الهند، يتجاور فائض الأرباح مع فائض البشر: أحياء هامشية، عمل هشّ، خدمات مسلّعة. هنا لا يعمّم الفقر بل يعاد إنتاجه: خصخصة الأرباح وتعميم المخاطر، مرونة العمل لصالح رأس المال، وتحويل الصحة والتعليم والسكن إلى سلع تشترى بقدرة تفاوضية غير متكافئة. المفارقة أنّ النظامين، حين ينحرفان عن غايتهما الإنسانية، يلتقيان في اختزال الإنسان: إمّا رقما في خطة، أو رقما في سوق. في الأولى يسلب صوته باسم الجماعة، وفي الثانية يشترى صمته باسم الحرية الفردية. والنتيجة واحدة: اغتراب عن العمل، وعن المعنى، وعن الثمرة. الاشتراكية الثورية التي نحتاجها ليست إدارة للفقر، بل ثورة على شروطه. ليست تأميما بلا مساءلة، ولا سوقا بلا قيود؛ بل ديمقراطية اقتصادية تعيد القرار إلى المنتجين، وتربط الإنتاج بالحاجات لا بالمضاربات. ثورة على بنية الملكية حين تتحوّل إلى احتكار، وعلى الدولة حين تنغلق، وعلى السوق حين يتوحّش. مشروع يوسّع الملكية الاجتماعية بأشكالٍ تعاونية، يحرّر النقابات من التبعية، ويعيد تعريف الربح بوصفه أثرا جانبيا لا غاية قصوى. ليست المسألة نموّا في الأرقام، بل اتساعا في الحياة: وقت للثقافة، أجر يكفي بكرامة، سكن لا يلتهم العمر، صحة ليست امتيازا. العدالة ليست توزيع فتات، بل إعادة توزيع للسلطة ذاتها: من يقرّر ماذا ننتج؟ ولمن؟ وبأي ثمن اجتماعي وبيئي؟ إنّ الاشتراكية الثورية ليست حنينا إلى ماض مؤمّم، ولا قفزا أعمى نحو سوق مطلق؛ إنها وعي نقديّ بأن الفقر حين ينظّم يصبح سياسة، وأن الكرامة حين تؤجّل تصبح ذريعة. المطلوب قطيعة مع هندسة البؤس، وبناء اقتصاد يضع الإنسان قبل المؤشر، والعمل قبل المضاربة، والمجتمع قبل الشركة. ليس الصراع بين اسمين، بل بين نموذجين للحياة: حياة تدار لتخدم التراكم، وحياة تنتج لتخدم الإنسان. هنا تبدأ المعركة، وهنا يجب أن يعاد تعريف الثروة: لا كرصيد في حساب، بل كقدرة مشتركة على العيش بحرية وعدل. و ظهر مفهوم “الاشتراكية في بلد واحد” في سياق بالغ التعقيد عقب ثورة روسيا سنة 1917، حين وجدت السلطة السوفياتية نفسها محاصرة عسكريا واقتصاديا، ومعزولة عن ثورات أوروبية كانت تنتظر كامتداد طبيعيّ للتحوّل الثوري. في هذا السياق صاغ جوزيف ستالين أطروحة مفادها أن بإمكان دولة واحدة، حتى لو كانت متخلّفة صناعيا، أن تبني الاشتراكية اعتمادا على قواها الذاتية، دون انتظار انتصار عالميّ للثورة. وقد تبلورت هذه الرؤية داخل إطار الدولة السوفياتية التي ستعرف لاحقا باسم الاتحاد السوفيتي. لكن هذه الأطروحة لم تكن بلا خصوم. فقد رأى ليون تروتسكي أن الاشتراكية بطبيعتها مشروع أمميّ، وأن حصرها في حدود وطنية سيؤدي إلى انغلاقٍ بيروقراطيّ، ويحوّل الدولة الثورية إلى كيان دفاعيّ يعيش تحت ضغط العسكرة والتعبئة الدائمة. بالنسبة له، كان مصير الاشتراكية مرتبطا بامتدادها العالمي، لأن الرأسمالية نظام عالمي، ولا يمكن هزيمته ضمن جزيرة محاصرة. من الناحية التاريخية، يمكن فهم “الاشتراكية في بلد واحد” بوصفها استجابة لواقع موضوعي: حرب أهلية، تدخل أجنبي، تخلف اقتصادي، وانهيار للبنى القديمة. لقد كان الخيار المطروح إمّا تثبيت السلطة الجديدة داخل الحدود القائمة، أو انتظار ثورة لم تأت. وهنا تحوّل الشعار إلى سياسة دولة: تسريع التصنيع، تأميم شامل، تخطيط مركزي، وبناء قاعدة صناعية ثقيلة قادرة على الصمود أمام التهديد الخارجي. غير أن هذا المسار حمل تناقضاته في داخله. فالعزلة الدولية دفعت إلى أولوية الأمن على الديمقراطية، وإلى تغليب جهاز الدولة على المبادرة المجتمعية. ومع تعاظم البيروقراطية، تراجعت أشكال الرقابة الشعبية المباشرة، وأصبح الحزب–الدولة مركز القرار شبه المطلق. هكذا نشأ توتر دائم بين هدف التحرر الاجتماعي ووسائل الضبط الصارمة التي اعتمدت لحماية التجربة. الإشكال النظري الأعمق يتمثل في سؤال: هل يمكن بناء نمط إنتاج اشتراكي داخل سوق عالمي رأسمالي؟ إنّ الاقتصاد الحديث شبكة مترابطة من التجارة والتكنولوجيا والتمويل. أي تجربة معزولة ستواجه ضغطا دائما: حصارا، سباق تسلح، منافسة غير متكافئة. لذلك فإن “الاشتراكية في بلد واحد” تعيش مفارقة دائمة: تحتاج إلى الانفتاح للتطور، لكنها تخشى الانفتاح كي لا تمتصّ داخل النظام العالمي. ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة في الفشل أو النجاح المطلق. فقد حققت الدولة السوفياتية، رغم كل الانتقادات، قفزات صناعية وعلمية هائلة في زمن قياسي، وانتقلت من اقتصاد زراعي متخلف إلى قوة صناعية وعسكرية كبرى. لكن الكلفة الاجتماعية والسياسية كانت مرتفعة، وأظهرت أن الاشتراكية حين تحاصر قد تتحوّل من مشروع تحرّر إلى مشروع بقاء. اليوم، يعود السؤال في سياقات جديدة: هل يمكن لدولة في الجنوب العالمي أن تنتهج مسارا اشتراكيا مستقلا داخل نظام معولم تهيمن عليه مؤسسات مالية وأسواق عابرة للحدود؟ أم أن أي مشروع جذريّ يحتاج إلى تحالفات إقليمية وأفقٍ أمميّ يتجاوز الدولة القطرية؟ “الاشتراكية في بلد واحد” ليست مجرد شعار من الماضي؛ إنها معضلة العلاقة بين المحلي والعالمي، بين السيادة الوطنية والبنية الاقتصادية الكونية. إنها سؤال الاستقلال في زمن الترابط القسري: كيف تبني عدالة اجتماعية داخل حدودك، بينما شروط السوق تصاغ خارجها؟ ربما لا يكون الجواب في الانغلاق الكامل ولا في الذوبان، بل في إعادة تعريف السيادة ذاتها: سيادة شعبية ديمقراطية، منفتحة على تضامن أمميّ، وقادرة في الوقت نفسه على حماية قرارها الاقتصادي. هنا يتحوّل النقاش من ثنائية الدفاع والهجوم إلى سؤال أعمق: كيف نصنع اشتراكية قادرة على العيش في عالم لم يعد يعترف بالحدود إلا حين تخدم رأس المال؟ فإذا وضعنا “الاشتراكية في بلد واحد” داخل الإطار الذي ناقشناه حول اشتراكية الفقر ورأسمالية الفقر، يتّضح أنّ المسألة ليست جدلا نظريا بين مدارس ماركسية، بل سؤالا بنيويا حول علاقة المشروع الاشتراكي بالبنية العالمية للرأسمالية. حين طرحت أطروحة “الاشتراكية في بلد واحد” داخل تجربة الاتحاد السوفيتي بقيادة جوزيف ستالين، كانت استجابة لعزلة قسرية في عالم تحكمه شبكة رأسمالية دولية. هنا تبدأ الصلة بما سمّيناه “اشتراكية الفقر”: فالعزلة، والحصار، وسباق التسلح، فرضت أولوية البقاء على أولوية التحرر. تحوّل الاقتصاد إلى آلة تعبئة وطنية، وأصبح الهدف تعويض التخلف بسرعة قياسية، لا بناء ديمقراطية اقتصادية عميقة. في هذه اللحظة التاريخية، نشأ التناقض: مشروع يسعى إلى إلغاء الفقر، لكنه يعمل داخل بيئة تعيد إنتاج شروطه عبر الحصار والضغط الدائم. بعبارة أخرى، “اشتراكية الفقر” ليست قدرا ملازما للفكرة الاشتراكية، بل نتيجة اصطدامها بسوق عالمي رأسمالي. هنا يظهر نقد ليون تروتسكي الذي رأى أن حصر الاشتراكية داخل حدود قومية سيجعلها محكومة بقوانين المنافسة العالمية، وبالتالي عرضة للتشوه البيروقراطي والعسكرة الدائمة. في الجهة المقابلة، “رأسمالية الفقر” التي ناقشناها سابقا تعمل بالعكس تماما: هي ليست معزولة، بل مندمجة في النظام العالمي، لكنها مندمجة بوصفها هامشا تابعا. دول كثيرة في الجنوب ليست محاصرة لأنها اشتراكية، بل لأنها رأسمالية ضعيفة الموقع في تقسيم العمل الدولي. تصدّر المواد الخام، تستورد التكنولوجيا، وتعتمد على الدَّين. النتيجة واحدة: اقتصاد ينتج تبعية، ويعيد توزيع الفقر بدل الثروة. وهنا يلتقي المفهومان في مفارقة لافتة: -الاشتراكية في بلد واحد، حين تحاصر، قد تنزلق إلى إدارة الندرة دفاعيا. -الرأسمالية التابعة، حين تندمج، قد تنتج نموا بلا عدالة، فتعمّق الفقر اجتماعيا. الأولى تعاني من ضغط الخارج، والثانية من منطق الداخل. الأولى تهدّد بالانغلاق، والثانية بالتبعية. لكن كليهما يعملان داخل نظام عالميّ واحد يحدّد شروط الحركة. إذن السؤال الحقيقي الذي يربط كل ما سبق ليس: هل نبني الاشتراكية في بلد واحد؟ بل: كيف يمكن لأي مشروع تحرري أن يعيش داخل نظام عالميّ غير متكافئ؟ إذا كانت الرأسمالية نظاما كونيا، فإن الاشتراكية المعزولة تظلّ في حالة دفاع. وإذا كانت الاشتراكية تحتاج إلى أفق أمميّ، فإن الأممية اليوم لا يمكن أن تكون شعارا مجرّدا، بل شبكة تضامن اقتصادي، تكنولوجي، ومالي بين دول تسعى إلى فكّ الارتباط بمنطق الهيمنة. من هنا يصبح النقاش أكثر تعقيدا من ثنائية النجاح أو الفشل. المسألة ليست في “بلد واحد” بحد ذاته، بل في موقعه داخل البنية العالمية. هل يملك أدوات السيادة الاقتصادية؟ هل يسيطر على موارده الاستراتيجية؟ هل يمتلك قاعدة إنتاجية مستقلة؟ أم أنه سيظلّ رهينة السوق والدَّين؟ الربط النهائي بين كل ما سبق يقودنا إلى خلاصة مفتوحة: لا اشتراكية بلا قدرة إنتاجية حقيقية. ولا عدالة اجتماعية داخل رأسمالية تابعة. ولا تحرر اقتصادي دون كسر شروط التبعية العالمية. المعركة إذن ليست فقط حول شكل النظام، بل حول موقعه في الخريطة العالمية للقوة. وهنا يعود السؤال الجذري الذي ظلّ يلاحق كل التجارب: هل يمكن بناء اقتصاد يضع الإنسان قبل الربح، دون أن يعيد إنتاج عزلة تستهلكه أو تبعية تستنزفه؟ ذلك هو التحدي الذي يربط اشتراكية الفقر، ورأسمالية الفقر، والاشتراكية في بلد واحد، في عقدة واحدة اسمها: كيف ننتج السيادة… دون أن ننتج بؤسا جديدا؟ فإذا انطلقنا من منطق ليون تروتسكي، فإن المسألة لا تختزل في نجاح أو فشل “الاشتراكية في بلد واحد”، بل في تناقضها البنيوي مع طبيعة الرأسمالية كنظام عالميّ. الرأسمالية ليست اقتصادا وطنيا يمكن عزله داخل حدود، بل شبكة كونية من الأسواق والتمويل والتكنولوجيا وتقسيم العمل. لذلك رأى تروتسكي أن أي ثورة تحاول تثبيت نفسها داخل حدود قومية، دون امتداد أممي، ستجد نفسها مضطرة إلى التكيّف مع قوانين السوق العالمية أو الانغلاق الدفاعي الذي يخنقها من الداخل. بهذا المعنى، تصبح “اشتراكية الفقر” التي ناقشناها ، نتيجة ضغط موضوعي: دولة محاصرة داخل نظام عالمي معاد، تسعى إلى تعويض تخلفها بسرعة، فتغلب أولوية الأمن والتصنيع القسري على أولوية الديمقراطية العمالية. ما حدث في سياق الاتحاد السوفيتي لم يكن، في القراءة التروتسكية، برهانا على استحالة الاشتراكية، بل دليلا على استحالة تثبيتها قوميّا في عالم رأسمالي مترابط. تروتسكي صاغ مفهوم “الثورة الدائمة” ليؤكد أن الثورة في بلد متخلف لا يمكن أن تتوقف عند حدود وطنية أو عند مهامّ ديمقراطية محدودة، بل عليها أن تتجاوزها نحو مهام اشتراكية، وأن تبحث في الوقت نفسه عن امتداد دوليّ يضمن بقاءها. فإما أن تتوسّع الثورة، أو تحاصر، وإما أن تحاصر فتضطر إلى بناء جهاز فوقيّ يحميها، ومع الزمن يتحوّل هذا الجهاز إلى بيروقراطيةٍ تستقلّ عن الطبقة التي ادّعت تمثيلها. هنا يتقاطع هذا المنطق مع نقد “رأسمالية الفقر”. فالدول التابعة في الجنوب مندمجة في السوق العالمية، لكنها مندمجة بوصفها أطرافا لا مراكز. إنها تعيش شكلا معكوسا من المأزق ذاته: ليست معزولة كالتجربة الاشتراكية المحاصرة، لكنها فاقدة للسيادة الفعلية. النموّ عندها مشروط بالديْن، والاستثمار مشروط بالشركات العابرة للقوميات، والسياسات العامة مرتهنة لمؤسسات مالية دولية. النتيجة: إنتاج مستمرّ للفقر داخل إطار رأسمالي عالمي. إذن، من منظور تروتسكي، الخيار ليس بين “اشتراكية وطنية” و“رأسمالية مندمجة”، بل بين مشروع أمميّ يغيّر شروط اللعبة عالميا، ومشاريع محلية تدار داخل قواعد لم تصنعها. الاشتراكية في بلد واحد ستظلّ مهددة بالعزلة والانغلاق. والرأسمالية التابعة ستظلّ مهددة بالتبعية والاستنزاف. كلاهما يعمل داخل منظومة عالمية تحدّد السقف. المسألة الأعمق التي يثيرها هذا الربط هي سؤال الزمن: هل يمكن لثورة أن تنتظر اكتمال شروطها عالميا؟ أم أن عليها أن تبدأ حيث هي، مع وعيٍ دائم بأن بقائها مرهون بتوسّعها؟ هنا لا يعود النقاش تقنيا، بل استراتيجيا: كيف تبني قاعدة إنتاجية وطنية دون الوقوع في وهم الاكتفاء الذاتي المطلق؟ وكيف تنخرط في التضامن الأممي دون الذوبان في سوقٍ غير متكافئ؟ منطق تروتسكي لا يقدّم وصفة جاهزة، لكنه يقدّم تحذيرا حادا: الاشتراكية ليست برنامجا إداريا داخل حدود، بل عملية تاريخية مفتوحة. إن توقفت عند جغرافيا واحدة، تجمّدت. وإن اندمجت دون شروط، ذابت. وبين التجمّد والذوبان يتحدد مصير كل مشروع يدّعي التحرر. وهنا تعود العقدة التي ربطت كل ما سبق: الفقر ليس فقط نقصا في الثروة، بل نقص في القدرة على تحديد موقعك داخل العالم. والتحرر ليس فقط إعادة توزيع داخل الدولة، بل إعادة تموضع داخل النظام العالمي ذاته. بهذا المعنى، تصبح الاشتراكية إما أفقا أمميا يتجاوز الحدود، أو تجربة محاصرة تستهلكها حدودها. والسؤال المفتوح الذي يبقى معلقا: هل يمكن في زمن العولمة المالية والتكنولوجية أن تنشأ ثورة دائمة بأدوات جديدة، تتجاوز مأزق العزلة دون أن تسقط في فخّ التبعية؟ إذا واصلنا التفكير من زاوية أخرى، فإن الإشكال لا يكمن فقط في الامتداد الجغرافي للثورة، بل في البنية الاجتماعية التي تحملها. أي مشروع اشتراكي، سواء انطلق في بلد واحد أو في موجة عابرة للحدود، سيصطدم بسؤال: من يمارس السلطة فعليا داخل عملية التحول؟ هل هي الطبقة العاملة المنظمة ديمقراطيا؟ أم جهاز حزبيّ يتكثّف فيه القرار ويتحول تدريجيا إلى وسيط بين الدولة والمجتمع؟ التجارب التاريخية تظهر أن أخطر لحظة في أي مسار تحرري ليست لحظة الهجوم، بل لحظة الإدارة. حين تتحول الثورة من فعل اقتحام إلى فعل تسيير، يتغيّر ميزان القوى داخلها. تتقدم التقنيات، اللوائح، التخطيط، الخبراء، وتبدأ المسافة بالاتساع بين القاعدة التي صنعت الحدث والهيئة التي تديره. هنا تحديدا يتشكل الخطر البنيوي: أن يتحول المشروع الاجتماعي إلى جهاز يحمي ذاته قبل أن يحمي غايته. في عالم اليوم، تتضاعف هذه المعضلة. لم تعد الرأسمالية فقط شبكة تبادل سلع، بل شبكة معرفة وبيانات وسلاسل إمداد عابرة للقارات. التكنولوجيا، من الذكاء الاصطناعي إلى المنصات الرقمية، أعادت صياغة معنى العمل ذاته. فكيف يمكن لاقتصاد اشتراكي ناشئ أن يواجه احتكار المعرفة وبراءات الاختراع وهيمنة الشركات العملاقة؟ العزلة هنا لا تكون فقط جغرافية، بل تكنولوجية أيضا. وأي انقطاع عن هذه الشبكات قد يعني تأخرا طويل الأمد، لا مجرد حصار تجاري. لكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة هو أن التبعية التقنية ليست قدرا محتوما. يمكن بناء تحالفات إقليمية، شبكات إنتاج مشتركة، صناديق تمويل بديلة، ومؤسسات بحث تعاونية تتجاوز منطق الاحتكار. ليست المسألة في الاكتفاء الذاتي المطلق، بل في تقليل درجة الارتهان. الاستقلال اليوم لا يعني الانغلاق، بل تنويع الروابط وتوزيعها بحيث لا تتحول إلى قيود. ثم هناك البعد الثقافي الذي غالبا ما يهمل في النقاش الاقتصادي. أي تحول اجتماعي يحتاج إلى وعي جديد بقيمة العمل، بالمسؤولية الجماعية، وبالمصلحة المشتركة. إذا بقيت الثقافة الفردية الاستهلاكية مسيطرة، فإن أي بنية اقتصادية بديلة ستظلّ مهددة من الداخل. لا يمكن بناء اقتصاد تضامني بعقلية تنافسية محضة. الاشتراكية، بهذا المعنى، ليست فقط إعادة توزيع للثروة، بل إعادة صياغة للخيال الاجتماعي: ماذا نعتبر نجاحا؟ ماذا نعتبر تقدما؟ ما معنى الحياة الجيدة؟ إلى جانب ذلك، يطرح التحول البيئي تحديا إضافيا. الرأسمالية المعاصرة تدفع الكوكب إلى حدود كارثية. أي مشروع تحرري مستقبلي سيكون مضطرا إلى التعامل مع أزمة المناخ بوصفها عنصرا مركزيا لا هامشيا. التصنيع لم يعد يقاس بكمية الفولاذ والإسمنت فقط، بل بمدى استدامته. وهنا قد تملك الاشتراكية أفقا أخلاقيا أقوى إذا استطاعت أن تربط العدالة الاجتماعية بالعدالة البيئية، لا أن تكرر نموذج نموّ ملوّث باسم اللحاق بالآخرين. كل هذه العناصر تشير إلى أن النقاش لم يعد بين نموذجين اقتصاديين فحسب، بل بين تصوّرين للزمن: زمن قصير يسعى إلى تعويض الفارق سريعا بأي ثمن، وزمن طويل يبني التحول على أسس مستدامة، حتى لو كان أبطأ. العجلة قد تنتج إنجازات ملموسة، لكنها قد تنتج أيضا اختناقات عميقة. في النهاية، لا يعود السؤال: هل نبدأ في بلد واحد أم في عدة بلدان؟ بل: كيف نمنع أي بداية من التحول إلى دائرة مغلقة؟ كيف نحافظ على دينامية التغيير دون أن تتجمد في مؤسساتها؟ وكيف نخلق توازنا بين الحماية الضرورية لأي تجربة ناشئة والانفتاح الضروري لتطورها؟ هنا يتحدد أفق التفكير الجديد: مشروع تحرري قادر على أن يكون محليا في جذوره، عالميا في شبكاته، ديمقراطيا في بنيته، وبيئيا في وعيه. مشروع يدرك أن المعركة ليست فقط ضد الفقر، بل ضد البنية التي تعيد إنتاجه، وضد التصورات التي تبرره، وضد الخوف الذي يجعل الناس تقبل به كقدر. والسؤال الذي يبقى مفتوحا، لا كشعار بل كبرنامج عمل: كيف نصنع قوة اجتماعية قادرة على حمل هذا التعقيد، دون أن تختزله، ودون أن تسقط في أحد فخَّي العزلة أو التبعية؟ و إذا تقدّمنا خطوة أبعد، سنجد أن العقدة لم تعد فقط في الدولة أو السوق، ولا في العزلة أو الاندماج، بل في طبيعة القوة الاجتماعية القادرة على كسر الحلقة. فكل مشروع تحرري يواجه سؤالا صامتا: من يملك القدرة على الاستمرار؟ الحماسة الثورية قد تشعل اللحظة، لكن الاستمرارية تحتاج إلى بنية مادية ومعرفية وتنظيمية لا تقوم على العاطفة وحدها. في السياق العالمي الراهن، لم تعد الطبقة العاملة كما كانت تتصوّر في القرن العشرين كتجمّع صناعي متجانس. اليوم هناك عمال منصّات رقمية، مزارعون مديونون، موظفو خدمات، مهاجرون بلا استقرار قانوني، وقطاعات واسعة تعمل في الاقتصاد غير المنظم. هذا التفتّت البنيوي يجعل بناء قوة اجتماعية موحّدة أكثر تعقيدا. الرأسمالية المعاصرة لم تنتصر فقط بالإنتاج، بل بإعادة تشكيل البنية الطبقية نفسها بحيث يصعب عليها التماسك. هنا يصبح التحدي تنظيميا بقدر ما هو اقتصادي. أي أفق اشتراكي لا يمكن أن يبنى على حنين إلى صورة طبقية قديمة، بل على قراءة دقيقة للتحولات الجديدة. التحالفات لم تعد خيارا تكتيكيا، بل ضرورة استراتيجية. الفلاح المرهون بالبنك، والعامل المؤقت، والموظف المثقل بالقروض، وصاحب المشروع الصغير المهدد بالاحتكار، جميعهم يعيشون درجات مختلفة من الارتهان. السؤال هو: كيف يتحول هذا الارتهان المتناثر إلى وعي مشترك؟ ثم هناك مسألة الدولة نفسها. ليست الدولة كيانا صلبا واحدا؛ هي مزيج من أجهزة، مصالح، شبكات علاقات، وتوازنات قوى. الدخول في عملية تغيير جذري يعني إعادة تشكيل هذه البنية، لا فقط السيطرة عليها. التجارب التي اكتفت بتغيير القيادة دون تفكيك شبكات النفوذ العميقة وجدت نفسها أمام مقاومة صامتة تبطئ التحول أو تفرغه من مضمونه. لذلك فإن المعركة ليست فقط حول السياسات، بل حول إعادة بناء الإدارة، القضاء، الإعلام، والتعليم، بحيث تصبح أدوات تحرير لا أدوات ضبط. وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل الاقتصاد العالمي بوصفه فضاء صراع لا يمكن الانسحاب منه بالكامل. العملة، التجارة، الاستثمار، التكنولوجيا، كلها أدوات ضغط متبادلة. أي مشروع بديل يحتاج إلى مهارة في إدارة هذه العلاقات، لا إلى قطيعة شعاراتية. القدرة على التفاوض، على تنويع الشركاء، على بناء احتياطات استراتيجية، على تطوير قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية، هي عناصر بقاء لا تقل أهمية عن الخطاب الإيديولوجي. عنصر آخر يفرض نفسه بقوة: التحول الديموغرافي. مجتمعات شابة بطموحات مرتفعة، متصلة رقميا بالعالم، تقارن نفسها يوميا بمستويات عيش مختلفة. لا يمكن إقناع جيل كامل بالتضحية المفتوحة دون أفق ملموس. الشرعية في عصر الاتصال الفوري تبنى على النتائج القابلة للقياس، لا على الرمزية التاريخية وحدها. لذلك فإن أي تحول اجتماعي يحتاج إلى إنجازات سريعة في مجالات محسوسة: النقل، الصحة، السكن، التكنولوجيا، فرص العمل. ليس من باب الشعبوية، بل من باب بناء الثقة. ويبقى البعد الأخلاقي. كل نظام اقتصادي يحمل تصورا ضمنيا عن الإنسان: هل هو كائن تنافسي بطبعه؟ أم كائن تعاوني قادر على التضامن؟ الإجابة ليست نظرية، بل عملية. المؤسسات تصنع السلوك بقدر ما السلوك يصنع المؤسسات. إذا بنيت الهياكل على الشفافية والمشاركة والمساءلة، فإنها تخلق ثقافة جديدة تدريجيا. أما إذا أُعيد إنتاج الغموض والتراتبية الصلبة، فإن أي خطاب تحرري سيتآكل ببطء. لهذا فإن القضية لم تعد بين نموذجين مغلقين، بل بين قدرتين: قدرة على التكيّف دون التفريط، وقدرة على التغيير دون الانهيار. المعادلة دقيقة، والخطأ فيها مكلف. لكن التاريخ لا يتوقف عند إخفاق أو نجاح بعينه. كل تجربة تفتح إمكانات جديدة بقدر ما تكشف حدودا جديدة. يبقى السؤال الأكثر عمقا: هل يمكن أن يتشكل في هذا العصر نموذج تحرري يتعلم من أخطاء الماضي دون أن يقع في شلل الخوف منها؟ نموذج لا يقدّس الدولة ولا يطلق السوق، لا يراهن على العزلة ولا يستسلم للتبعية، بل يبني قوته من توازن متحرك بين الداخل والخارج، بين السرعة والتدرّج، بين الحلم والحساب؟ ذلك هو التحدي الحقيقي: أن يتحول الطموح إلى بنية، وأن تتحول الفكرة إلى مؤسسات، وأن تتحول الإرادة إلى زمن طويل قادر على الصمود. ثمّة زاوية أخرى لا بدّ من اقتحامها: سؤال القيمة نفسه. الرأسمالية لا تهيمن فقط لأنها تملك المصانع والبنوك، بل لأنها تفرض تعريفا معيّنا لما يعدّ ذا قيمة. ما يقاس يعترف به، وما لا يقاس يهمّش. العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، الرعاية، التضامن، المعرفة المفتوحة، كلها أنشطة حيوية لبقاء المجتمع، لكنها تقصى من مركز الحساب. أي مشروع تحرري لن ينجح إذا اكتفى بإعادة توزيع الناتج، دون أن يعيد تعريف ما ينتج ولماذا. هنا تتفتح إمكانات جديدة: اقتصاد المعرفة المفتوحة، البرمجيات الحرة، التعاونيات الرقمية، المنصات المملوكة لمستخدميها، الزراعة الإيكولوجية المرتبطة بالمجتمعات المحلية. هذه ليست شعارات، بل مختبرات حية تظهر أن أنماطا أخرى من التنظيم ممكنة داخل قلب العصر التقني نفسه. ليست المسألة في رفض التكنولوجيا، بل في نزع احتكارها. المعرفة حين تتحرر من براءات الاختراع الاحتكارية يمكن أن تتحول إلى قوة تعميم، لا إلى أداة ابتزاز. كما أن التمويل ليس قدرا واحدا. بجانب البنوك التجارية هناك نماذج تمويل تعاونية، مصارف أخلاقية، صناديق استثمار مجتمعية، عملات محلية، وآليات ادخار تضامني. حين يعاد توجيه الادخار الشعبي نحو الإنتاج الاجتماعي بدل المضاربة، تتغير معادلة القوة تدريجيا. هذا التحول قد يبدو بطيئا، لكنه يخلق طبقة من المؤسسات القادرة على الصمود أمام العواصف. ثمّة بعد آخر يتعلق بالمدن نفسها. التمدّن المعاصر غالبا ما ينتج فضاءات منقسمة: مراكز ثرية وأطراف مهمّشة. إعادة تخطيط المدن لتكون فضاءات مشاركة، نقل عمومي فعّال، إسكان اجتماعي متكامل، مساحات ثقافية مفتوحة، ليست تفاصيل عمرانية، بل سياسة توزيع يومية للفرص. المدينة يمكن أن تكون مختبرا للعدالة أو مصنعا للإقصاء. أي أفق تحرري لا يشتغل على الحيّ والشارع بقدر ما يشتغل على المصنع والميناء سيظل ناقصا. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال مسألة السيادة الغذائية والمائية. في عالم تتزايد فيه الأزمات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية، تصبح القدرة على إنتاج الغذاء وتأمين المياه مسألة استقلال حقيقي. الاعتماد المفرط على الواردات يجعل أي مشروع اجتماعي رهينة تقلبات خارجية. الاستثمار في الزراعة المستدامة، في إدارة الموارد، في البحث العلمي المرتبط بالبيئة المحلية، ليس خيارا بيئيا فحسب، بل خيارا سياديا. هناك أيضا عنصر الزمن السياسي. المجتمعات لا تتحول بخط مستقيم. ستحدث انتكاسات، ضغوط، أخطاء. المهم هو وجود آليات تصحيح داخلية: انتخابات شفافة، إعلام مستقل، قضاء نزيه، مجتمع مدني حي. بدون هذه الصمامات، يتحول أي مشروع إلى بنية مغلقة تخاف النقد، ومع الخوف يبدأ التآكل. القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه هي ما يمنح أي تجربة عمرًا أطول من موجة الحماس الأولى. وأخيرًا، يبقى العامل الإنساني: الثقة. لا يمكن بناء اقتصاد تضامني في مناخ انعدام الثقة. الشفافية في إدارة الموارد، المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، توزيع المعلومات، كلها عناصر تبني هذه الثقة ببطء. حين يشعر الفرد أن صوته مؤثر، وأن جهده معترف به، وأن مستقبله ليس مرهونا بقرار غامض، تتغير علاقته بالعمل وبالمجتمع. بهذا المعنى، المشروع التحرري في القرن الحادي والعشرين لن يكون نسخة عن تجارب سابقة، ولا مجرد رد فعل على إخفاقات الرأسمالية. سيكون شبكة من المبادرات المتكاملة: اقتصادية، بيئية، ثقافية، تكنولوجية، مؤسساتية. قوته لن تأتي من شعار واحد، بل من قدرة هذه الشبكات على الترابط. والسؤال الذي يظل مفتوحا: هل يمكن تحويل هذه البذور المتفرقة إلى منظومة مترابطة، قادرة على إنتاج نموذج متماسك للحياة المشتركة؟ ليس الجواب نظريا، بل عملي يختبر يوميا في المصانع، في الحقول، في الجامعات، في الأحياء. هناك فقط يقاس صدق أي أفق، وهناك تتحدد قدرته على الاستمرار. ثمة بعد غالبا ما يهمل في كل النقاشات الاقتصادية الكبرى: بعد الخيال. كل نظام يهيمن لأنه ينجح في جعل نفسه يبدو طبيعيا، بديهيا، خارج السؤال. الرأسمالية لم تنتصر فقط بالقوة أو بالتراكم، بل لأنها رسّخت في الوعي أن البديل إمّا مستحيل أو كارثي. لذلك فإن أي مشروع تحرري لا يبدأ بالميزانية والخطة فحسب، بل يبدأ بتحرير المخيلة من سجن “لا بديل”. تحرير المخيلة لا يعني الهروب إلى الطوباوية، بل إعادة فتح الممكن. حين يعتاد الناس على أن العمل الهشّ قدر، وأن الدين مسار حياة، وأن السكن امتياز، فإنهم لا يعودون يرون في هذه الوقائع اختيارات سياسية بل قوانين طبيعية. هنا يتحول الصراع إلى صراع على الإدراك ذاته: كيف نكشف أن ما يبدو حتميًا هو في الحقيقة نتيجة قرارات بشرية قابلة للتغيير؟ لكن الخيال وحده لا يكفي. لا بدّ من لغة جديدة تتجاوز ثنائيات مستهلكة. الأجيال الصاعدة لا تتحرك بالشعارات الثقيلة بقدر ما تتحرك بالمعنى الملموس: كرامة في العمل، وقت للحياة، بيئة نظيفة، مساواة فعلية، أفق مهني غير مرهون بالمحسوبية. المشروع الذي لا يستطيع ترجمة رؤيته إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية يفقد صدقيته مهما كان عمقه النظري. ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن التحول الاجتماعي سيواجه مقاومة شرسة من مصالح مترسخة. الاحتكارات لن تتخلى طوعا عن امتيازاتها، وشبكات النفوذ ستدافع عن مواقعها. لذلك فإن أي انتقال يحتاج إلى ذكاء استراتيجي: معرفة متى يدفع التغيير بسرعة، ومتى يبنى بالتدرج؛ متى تستخدم أدوات القانون، ومتى تستخدم أدوات التعبئة الشعبية؛ كيف يعزل المعطِّلون دون خلق انقسام أهلي واسع. التحول أيضا ليس حدثا واحدا، بل عملية طويلة تتخللها تسويات. ليست كل تسوية خيانة، وليست كل مواجهة بطولة. النضج السياسي يكمن في القدرة على قراءة ميزان القوى بدقة، دون التفريط في الاتجاه العام. البوصلة أهم من الخطوة المفردة. ثم إن البعد الإقليمي يفرض نفسه بقوة. لا دولة تعيش في فراغ. محيطها الجغرافي يمكن أن يكون سندا أو عبئا. بناء تكتلات اقتصادية متقاربة في المصالح، فتح أسواق تكاملية، تبادل الخبرات، إنشاء بنى تحتية مشتركة، كل ذلك يقلل من هشاشة أي مشروع محلي. التضامن هنا ليس شعارا عاطفيا، بل ضرورة عملية في عالم الكتل الكبرى. ويبقى العنصر الحاسم: التربية. ليس بمعناها المدرسي الضيق، بل كعملية مستمرة لتكوين مواطن قادر على التفكير النقدي والمشاركة. مجتمع لا يمتلك مهارات التحليل والمساءلة سيجد نفسه بسهولة تحت سطوة أي خطاب شعبوي، مهما كان لونه. التعليم الذي يزرع السؤال أهم من التعليم الذي يلقّن الإجابة. في المحصلة، التحول الاجتماعي ليس معركة ضد الفقر فقط، ولا ضد نظام اقتصادي بعينه، بل ضد العجز المتراكم في تصور بديل قابل للحياة. البديل لا يولد كاملا؛ يبنى طبقة فوق طبقة، تجربة فوق تجربة، خطأً يصحّح، ومكسبا يحمى. ويبقى السؤال الذي لا يُحسم بنصّ أو خطاب: هل تمتلك المجتمعات الشجاعة لتجربة طريق غير مألوف، مع وعيٍ كامل بالمخاطر؟ وهل تمتلك في الوقت ذاته الصبر الكافي لتحمّل تعقيد هذا الطريق دون الوقوع في اليأس عند أول عثرة؟ بين الشجاعة والصبر يتحدد مصير أي أفق جديد. هناك فقط يتبيّن إن كان المشروع مجرد ردّ فعل على أزمة، أم بداية زمن مختلف. وإذا فتحنا نافذة جديدة نحو فهم الإمبريالية الحديثة، نجد أننا أمام ظاهرة تختلف جوهريا عن الاستعمار التقليدي. لم تعد السيطرة مقتصرة على الأراضي أو المستعمرات المباشرة، بل صارت شبكة معقدة من النفوذ الاقتصادي، المالي، الثقافي، وتقنيا حتى. الإمبريالية اليوم لا تحتاج جيوشا لتسيطر على الموارد، بل شركات عابرة للقوميات، مؤسسات مالية دولية، تحالفات تكنولوجية، ونظم قانونية عالمية تجبر الدول على الامتثال لشروط السوق. الآليات متعددة ومتداخلة. هناك الديون السيادية التي تجعل الدول رهينة لتمويل أجنبي مشروط، وهناك سلاسل التوريد العالمية التي تفرض قيودا على الإنتاج المحلي، وهناك التحكم بالمعلومات والتكنولوجيا الذي يضع معظم العالم النامي في وضع تبعية معرفية، فلا يستطيع تطوير صناعات استراتيجية دون تراخيص أو تكنولوجيا أجنبية. وهكذا تتحوّل السيادة الوطنية إلى مجرد رسم على الورق، بينما القرار الفعلي يسكن في مراكز القوة الاقتصادية العالمية. الإمبريالية الحديثة ليست فقط استغلالا مباشرا للموارد، بل تشكيل الاحتياجات نفسها. الإعلام، المنصات الرقمية، الإعلانات، وحتى الأدوات التعليمية ترسّخ صورة للعالم تجعل الدول النامية تعمل وفق أطر إنتاج وتوزيع خدمة لرأسمالية مركزية. الثقافة والوعي مشكّلان أيضا في هذه العملية؛ فالشعوب تدخل في شبكات توقعها أن تعتمد على الخارج في الغذاء، الدواء، الطاقة، وحتى الأفكار. وهنا يصبح التحكم في الوعي جزء من الإمبريالية، ليس أقل تأثيرا من السيطرة على الموارد. وفي هذا السياق، يظهر الفرق بين الإمبريالية الحديثة والإمبريالية الكلاسيكية: الأولى أكثر خفاء وفعالية، تعتمد على أدوات اقتصادية وقانونية ومعرفية، لا على الاحتلال العسكري المباشر وحده. أما الثانية فكانت تعتمد على احتلال الأرض مباشرة، وزراعة الانقسامات المحلية، واستنزاف الموارد بالقوة. اليوم، الاستعمار الجديد ينجز ذلك كله بلا جيوش، من خلال العقود، القروض، وبرامج التنمية المشروطة، بينما يضعف قدرة الدول على المبادرة الاستراتيجية. لكن هذا النظام ليس مطلقا. مقاومة الإمبريالية الحديثة تتطلب وعيا مزدوجا: وعي محلي لفهم قيود النظام، ووعي عالمي للبحث عن تحالفات ونماذج بديلة. القدرة على بناء صناعات استراتيجية، شبكات مالية مستقلة، أسواق تكاملية إقليمية، ومؤسسات بحث وتطوير محلية تصبح أدوات السيادة الجديدة. هنا يلتقي التحليل الاقتصادي بالقوة الاجتماعية والسياسية: دون قاعدة مجتمعية واعية، لا يمكن تحويل الإمكانات التقنية أو الاقتصادية إلى قوة مقاومة حقيقية. الجانب الآخر المهم هو أزمة الشرعية العالمية. الإمبريالية الحديثة تعيش على تفاهمات ضمنية: الدول المتقدمة تسمح بحدود سيادة محدودة مقابل استقرار النظام العالمي. لكن هذه الشرعية مهزوزة؛ الأزمات البيئية، النزاعات على المياه، وتدهور الاقتصادات المحلية تكشف هشاشة هذا التوازن. أي مشروع تحرري أو اشتراكي يحتاج أن يراهن على هذه الهشاشة، ليس بإعادة إنتاج الصراع العسكري المباشر، بل ببناء نموذج مستقل قادر على إثبات جدواه اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا. من هنا، يصبح الحديث عن الإمبريالية الحديثة جزء لا يتجزأ من أي نقاش حول الاشتراكية، الفقر، والاعتماد الذاتي. الفقر اليوم ليس فقط نتيجة إخفاق داخلي، بل نتاج شبكة عالمية تعيد إنتاجه بنظم مالية، تكنولوجية، ومعرفية. ومنطق تروتسكي حول الثورة الدائمة يصبح ذا صلة مباشرة: الثورة المحلية، مهما كانت، ستظل مهددة إذا لم تتمكن من الانفتاح على التضامن الأممي والبدائل العالمية، وإلا ستبقى محاصرة ضمن أطر الإمبريالية الحديثة. باختصار، الإمبريالية الحديثة تعمل على إعادة تعريف الاستعمار بطريقة غير مباشرة: السيطرة ليست بالقوة العسكرية وحدها، بل بالتحكم في موارد المعرفة، التمويل، الإنتاج، والاستهلاك، بحيث تصبح معظم العالم تابعا لمراكز القوة دون أن يلاحظ ذلك بوعي كامل. أي أفق تحرري حقيقي اليوم يجب أن يضع هذا الواقع في قلب استراتيجيته: لا يمكن التحرر داخليا دون أن يكون التحرر مرتبطا بفهم بنية الهيمنة الجديدة واستثمار نقاط الضعف فيها. إذا عدنا إلى تهمة الفقر التي توجّه لكل من الاشتراكية والرأسمالية، نجد أن الفقر ليس مجرد نتيجة عجز اقتصادي أو سوء إدارة، بل نتاج سياق هيكلي وسياسي يفرضه كل نظام بطريقته الخاصة. في حالة الرأسمالية، يقدّم الفقر كأثر جانبي طبيعي للنموّ: هناك فائض للثروة وفائض للبؤس، ويسوّق على أنه “سوق حر” يمنح الفرص لمن يستحق. لكن هذا مجرد أقنعة شرعية؛ الفقر يعاد إنتاجه بنظام، من خلال هيمنة الشركات الكبرى، الدين، وأسواق العمل غير المتكافئة. إن هذا الفقر ليس عجزا عن الإنتاج، بل اختيارا اجتماعيا وسياسيا، يمكّن رأس المال من إعادة توزيع القوة لصالحه. أما تهمة “فقر الاشتراكية”، فتستند إلى الأرقام الملموسة للمعيشة، لكنها تتجاهل سياق العزلة والبناء السريع تحت ضغط عالمي معاد. تجربة الدول الاشتراكية المعزولة أظهرت أن الفقر يمكن أن يكون أداة دفاعية: يتم التحكم بالموارد لحماية التجربة من الانهيار الخارجي، وفي هذه العملية يعطّل أحيانا توزيع الثروة بالشكل الذي يخدم الحرية والكرامة الفردية. بمعنى آخر، اشتراكية الفقر ليست نتيجة فشل مبدئي، بل نتيجة التوتر بين غاية العدالة والضغط الموضوعي للعالم المحيط. من هنا يظهر تشابه مفاهيمي بين الفقر في النظامين: كلاهما ليس طارئا، بل حالة مهيكلة للنظام. الاختلاف في المسؤولية: في الرأسمالية، الفقر نتيجة تصميم اقتصادي يفضّل تراكم رأس المال على رفاهية الأغلبية؛ في الاشتراكية المحاصرة، الفقر نتيجة تصميم دفاعي يجعل إدارة الندرة أولوية على التوزيع الكامل للثروة. في الحالتين، يظل الإنسان هو الحلقة الأضعف، لكنه يتعرض للضغط من منطق مختلف: إما استغلال متعمد، أو إدارة دفاعية محدودة الإمكانيات. وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل الفقر حتمي أم مرتبط بالهيكل الاجتماعي والسياسي؟ إذا فهمناه كحتميّة، تصبح الاشتراكية والرأسمالية مجرد أفعال تاريخية عابرة، أما إذا فهمناه كنتيجة لخيارات وأولويات النظام، يصبح الفقر قضية سياسية يمكن معالجتها. أي مشروع تحرري اليوم يجب أن يبدأ بتحليل هذه الخيارات: كيف تنظم الموارد؟ كيف توزع السلطة الاقتصادية؟ كيف تدمج الأهداف الاجتماعية في مؤسسات الدولة والسوق دون أن تتحوّل إلى أدوات لإعادة إنتاج البؤس؟ وهكذا، تصبح تهمة الفقر أداة نقدية حقيقية، لا شعارات فقط. فهي تكشف أن أي نظام، مهما ادعى العدالة أو الحرية، يظل رهينا للشروط البنيوية للعالم المحيط به، وأن مهمة التحول ليست فقط في تغيير شكل الملكية أو قوانين السوق، بل في إعادة ترتيب أولويات المجتمع، بحيث يصبح الإنسان محور الإنتاج، وليس النظام نفسه أو تراكم رأس المال. وبذلك، يتضح أن قراءة الفقر في كلا النظامين تكشف مفهوما مشتركا: الفقر ليس مجرد نقص، بل آلية إنتاج اجتماعي وسياسي. الاختلاف يكمن في آلية الإنتاج والغاية المرجوة، والوعي بهذا الاختلاف هو ما يتيح لأي مشروع تحرري أن يخطط بشكل استراتيجي: لا مجرد إعادة توزيع، بل إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والاقتصاد، بين القوة والعدالة، بين الداخل العالمي المحلي والعالم الأكبر. إذا ربطنا بين دفعة الإمبريالية الحديثة ودفعة فقر الاشتراكية وفقر الرأسمالية، يتضح أن الفقر ليس مجرد أثر داخلي أو عجز وطني، بل جزء من بنية الإمبريالية نفسها. الرأسمالية العالمية، بآلياتها المالية والتكنولوجية وسلاسل التوريد، لا تنتج فقط ثروة هائلة لمراكز القوة، بل تنتج فقرا ممنهجا في الأطراف، وتحوّل الدول النامية إلى ساحات تبعية اقتصادية وسياسية. هنا يصبح فقر الرأسمالية تابعا لتوسع الإمبريالية الحديثة، إذ إنه ليس صدفة، بل وظيفة: إبقاء معظم العالم في حالة استهلاك متواضع، وابتعاده عن القدرة على منافسة المركز. وفي المقابل، اشتراكية الفقر في الدول المعزولة لم تكن مجرد سوء توزيع داخلي، بل نتيجة تفاعل مباشر مع الإمبريالية الحديثة. الحصار الاقتصادي، الضغط المالي، منع التكنولوجيا أو براءات الاختراع، كلها أدوات تجعل التجربة الاشتراكية مضطرة لإدارة موارد محدودة، مما يولد فقرا دفاعيا. هنا يظهر الترابط: فقر الاشتراكية ليس عجزا داخليا فحسب، بل انعكاس لضغوط الإمبريالية الحديثة على أي محاولة للتحرر، تماما كما أن فقر الرأسمالية تابع لضغط مراكز القوة العالمية التي تصيغ الأسواق وفق مصالحها. من هذا المنظور، يمكن القول إن الفقر كظاهرة عالمية يتشكل في نقطتين متقابلتين: في الدول التابعة للرأسمالية العالمية، حيث يفرض النظام نفسه عبر السوق، الدين، والشروط التكنولوجية، فينتج فقرا منهجيا يحافظ على تفوق المركز. في التجارب الاشتراكية المعزولة، حيث يولّد الحصار والعزلة فقرا دفاعيا، كتكلفة ضرورية للحفاظ على السيادة الاقتصادية والقدرة على الصمود أمام العالم المعادي. وبالتالي، يصبح الرابط واضحا: الإمبريالية الحديثة هي البيئة الشاملة التي تصنع الفقر في كل نظام، سواء أكان رأسماليا تابعا أم اشتراكيا محاصرا. الفقر ليس مجرد نتيجة السياسات الداخلية، بل نتاج شبكة قوى عالمية تتحكم في الموارد، المعرفة، الأسواق، والتكنولوجيا. أي محاولة للتحرر الاقتصادي أو الاجتماعي اليوم لا يمكن أن تتجاهل هذا السياق: الفقر ليس مشكلة محلية فحسب، بل تحد عالمي يتطلب تضامنا أمميا ومواجهة استراتيجية للهيمنة المعاصرة. وهنا يتضح الدرس المركزي: لفهم الفقر في العالم الحديث، لا يمكن الفصل بين الداخل والخارج، بين سياسات الدولة وأدوات الإمبريالية، بين الاقتصاد المحلي والهيمنة العالمية. أي مشروع تحرري، سواء اشتراكيا أو غيره، يجب أن يبني استراتيجيته على فهم هذه الشبكة الكونية للقوة، بحيث يصبح التحدي ليس مجرد إدارة الموارد، بل كسر النظام الذي يعيد إنتاج الفقر عبر الحدود. باختصار، الإمبريالية الحديثة وفقر الأنظمة ليستا ظواهر منفصلة، بل وجهان لعملة واحدة: سيطرة مركزية تعيد إنتاج الفقر، وتختبر قدرة المجتمعات على الاستقلال والتحرر ضمن عالم مترابط بقوة اقتصادية وسياسية. إذا انتقلنا إلى بعد آخر متقدم في التحليل، نجد أن المسألة لا تقتصر على الفقر أو الإمبريالية بمعناها المادي فقط، بل تتصل بالقدرة على تحديد المعايير نفسها للقوة والنجاح والموارد. الإمبريالية الحديثة، من خلال التحكم في الأسواق، التكنولوجيا، الإعلام، والديون، لا تنتج فقط تبعية اقتصادية، بل تصوغ ما يعتبر مهما ومطلوبا. فهي تحدد معيار القيمة، الإنتاج، الاستثمار، وحتى نوع التعليم والمعرفة المقبول، فتجعل معظم العالم تابعا لمقياس صنعه المركز. في هذا السياق، فقر الاشتراكية أو الرأسمالية لا يصبح مجرد نقص في المال أو الغذاء، بل اختلال في القدرة على المشاركة في إنتاج المعايير نفسها. الدولة الاشتراكية المعزولة، على سبيل المثال، يمكن أن تبني مصانع ومزارع، لكنها محرومة من أدوات المعرفة والتقنيات المتقدمة التي تحكم عصرها، فتضطر إلى تكييف الإنتاج وفق أدوات قديمة، بينما العالم الخارجي يفرض منطقا جديدا للنجاح. الرأسمالية التابعة، بالمقابل، تعمل وفق مقياس المركز: نجاحها يقاس بما يسمح به النظام العالمي، أي نمو محدود، دين متزايد، وفرص محدودة للابتكار المستقل. وهنا يظهر بعد جديد: السيادة ليست فقط في الأرض أو الموارد، بل في القدرة على صياغة المعايير نفسها. الفقر اليوم ليس فقط ماديا، بل معرفيا وقيميا. السيطرة على المعرفة والتكنولوجيا والبيانات هي أدوات القوة الجديدة، وأي تجربة تحررية أو اشتراكية تحتاج إلى إدراك أن مقاومة الهيمنة تتطلب امتلاك أدوات إنتاج هذه المعايير، أو القدرة على إعادة تعريفها ضمن شبكة بديلة من القيم والمؤسسات. ومن هذا المنظور، تصبح السياسات المحلية غير كافية إذا لم تترافق مع استراتيجيات معرفية وعلمية وتقنية. الاستثمار في التعليم، البحث العلمي، البنى التحتية الرقمية، واستقلالية البيانات، كلها عناصر تسمح للمجتمعات ليس فقط بالتحكم في مواردها، بل بالتحكم في قواعد اللعبة نفسها. هنا تتحول القدرة على الإنتاج الاجتماعي من مجرد إدارة ندرة إلى خلق أدوات تمكين حقيقية، تجعل المجتمعات أقل اعتمادا على ما يفرضه المركز. الدرس الاستراتيجي يصبح واضحا: أي مشروع تحرري أو اشتراكي لا يمكن أن يقف عند حدود الموارد المادية فقط. النجاح في مواجهة الإمبريالية الحديثة يعني التحكم في أدوات تحديد المعايير العالمية نفسها، أو بناء بدائل قادرة على إحداث تأثير عالمي مصغر، بحيث تصبح السيادة ليست مجرد الدفاع عن الحدود، بل القدرة على صياغة قواعدها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بهذا المعنى، الفقر، العزلة، التبعية، ليست مجرد نتائج، بل أدوات الهيمنة التي تحكم ما يمكن أن ينتج ويقاس ويعترف به. والفجوة بين المركز والهامش ليست فقط مالية، بل معارفية ومعيارية. أي مشروع يطمح للتحرر يجب أن يبتكر شبكات قوة قادرة على إنتاج قيم وأدوات معيارية مستقلة، قبل أن يبدأ في إدارة الفقر أو توزيع الموارد. وهنا تفتح نافذة جديدة لفهم الاشتراكية، الرأسمالية، والإمبريالية الحديثة على أنها صراع على القدرة نفسها على تحديد ما هو ممكن وذي قيمة. إذا انتقلنا إلى آفاق القرن الرقمي، نجد أن طبيعة الهيمنة الإمبريالية تغيّرت مرة أخرى. الرقميات لا تعني مجرد أجهزة وبرمجيات، بل شبكات تحكم المعرفة، البيانات، والسياسات الاقتصادية العالمية. في هذا العالم، تتحوّل القدرة على التحكم في المعلومات إلى قوة استراتيجية، تفوق كثيرا ما كانت تقدمه الموارد المادية التقليدية. الإمبريالية الحديثة لم تعد بحاجة فقط إلى السيطرة على الموارد الطبيعية أو الأسواق، بل على الخوارزميات، قواعد البيانات، والذكاء الاصطناعي، لتوجيه الإنتاج، الاستثمار، والتعليم بما يخدم مراكز القوة العالمية. في هذا الإطار، نشهد أممية الفقر بوصفها نتاجا مباشرا لهذه الآليات. الفقر لم يعد محصورا في حدود الدولة، بل أصبح منظومة مترابطة: الدول التابعة تجد نفسها مجبرة على الاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفق شروط تقليص العجز، تحرير الأسواق، وإعادة هيكلة الديون. هذه الآليات تحوّل الفقر إلى شبكة دائمة، حيث تصبح الدول الهامشية مضطرة إلى إعادة إنتاج تبعيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أي تحسين محدود في معيشة الشعوب يصبح مشروطا بالقروض، ولا يتجاوز حدود ما تسمح به سياسات المركز. التكنولوجيا الرقمية، في هذا السياق، تتيح توسيع نطاق السيطرة: البيانات الاقتصادية، نظم التحصيل الضريبي، رصد الإنتاج والتجارة، وحتى سلوك المستهلك، كلها تحلل لتوجيه السياسات بما يحقق مصالح المراكز، وليس المجتمعات المحلية. تصبح الرقميات أداة لإعادة إنتاج التبعية، ولخلق فجوات جديدة بين “مركز المعرفة” و”هامش التابعين”، بحيث لا يتوقف الأمر على موارد أو مصانع، بل على القدرة على إدارة المعلومات والفرص. هذا الوضع يفرض على أي مشروع تحرري أن يفكر في أفق مختلف للأممية: ليس مجرد شعار سياسي، بل شبكة متكاملة للتضامن الاقتصادي، المعرفي، والتكنولوجي. الأفق الجديد يعني أن المجتمعات المحلية يجب أن تتعاون لإنشاء بنى بديلة للتمويل، منصات تعليمية وتدريبية مستقلة، ودعم مشترك للبحث العلمي، بحيث يقل الاعتماد على المؤسسات الإمبريالية التقليدية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. الفكرة الجوهرية هي أن الأممية اليوم ليست مجرد امتداد جغرافي للثورة أو التضامن التقليدي، بل مجموعة من الشبكات الرقمية والاقتصادية التي يمكن أن تقلل من أثر الهيمنة الإمبريالية الحديثة. أي تجربة تحررية وطنية ستظل معرضة للفشل إذا لم تبنِ أدوات اتصال، مشاركة، وتمكين معرفي تمكنها من مواجهة التحكم المركزي في البيانات والخدمات المالية والتعليمية. ومن هذا المنظور، يبرز تحد مزدوج: مواجهة الهيمنة الاقتصادية الرقمية التي تعيد إنتاج الفقر والهامشية. بناء أفق أممي متجدد، يربط بين المجتمعات المتفرقة، ليس فقط بمفهوم التضامن الأخلاقي، بل بمفهوم القوة الرقمية والاقتصادية المشتركة. إذن، في عصر الرقميات، لم يعد الصراع مجرد موارد أو سيادة إقليمية، بل صراع على القدرة على إنتاج المعرفة، التحكم في الأدوات الرقمية، وإعادة توزيع الفرص بما يخلق استقلالية نسبية. هنا تصبح الاشتراكية، التحول الاجتماعي، وأي مشروع تحرري، مرتبطا مباشرة بإمكانات المجتمعات على بناء شبكة أممية رقمية واقتصادية، قادرة على مقاومة إعادة إنتاج الفقر والهامشية عبر آليات الإمبريالية الحديثة. إذا أحببت، يمكنني أن أواصل بالدفعة التالية لأوضح كيف يمكن بناء هذه الأممية الرقمية والتقنية كأفق تحرري عملي، بعيدًا عن الفقر والهامشية، مع أمثلة على أدوات واستراتيجيات ملموسة. هل تريد أن أفعل ذلك؟ حسنا، لننتقل إلى تصور بناء الأممية الرقمية كأفق تحرري عملي، بعيدا عن فخ الفقر والهامشية التي تفرضها الإمبريالية الحديثة: أولا، يجب التفكير في البنية التحتية الرقمية المستقلة. أي مشروع تحرري حديث يحتاج إلى منصات تواصل، قواعد بيانات، نظم دفع وتحويل، ومنصات تعليمية وبحثية يمكن التحكم بها محليا أو إقليميا، بعيدا عن خوادم ومؤسسات مركزية تفرض سيطرتها على المعلومات والتمويل. هذه البنية ليست مجرد أدوات تقنية، بل شبكة قوة استراتيجية: من خلالها يمكن توجيه الموارد، تدريب الكوادر، ومراقبة الإنتاج والتبادل بما يخدم السيادة المحلية ويقلل التبعية. ثانيا، الشبكات المالية البديلة. يمكن إنشاء صناديق تمويل إقليمية أو تعاونية، عملات رقمية مستقلة، وتسهيلات تمويلية تشارك فيها دول ومؤسسات شعبية، بحيث لا يكون الاعتماد على البنك الدولي أو صندوق النقد هو الخيار الوحيد. هذا يخلق سياجا ضد السياسات المعيقة للتنمية ويمنح المجتمعات هامش مناورة أكبر في تخطيط الاقتصاد الوطني والإقليمي. ثالثا، الأفق التعليمي والمعرفي المشترك. الجامعات، مراكز البحث، منصات التدريب المهني، وحتى المؤسسات الثقافية، يمكن ربطها في شبكة رقمية عالمية، تشارك المحتوى، الأبحاث، والمهارات، بحيث لا تبقى المعرفة ملكا لمراكز القوة التقليدية. هذا النوع من التضامن الرقمي يعيد توزيع القدرة على الابتكار، ويمنح الدول والمجتمعات هامشا أكبر لتحديد أولوياتها الإنتاجية والاجتماعية دون وصاية خارجية. رابعا، اقتصاديات التضامن الرقمية. المنصات التعاونية، مشاريع البرمجيات الحرة، الزراعة الذكية المشتركة، والتجارة الإقليمية المشروطة بالمعايير البيئية والاجتماعية، يمكن أن تدار عبر الشبكات الرقمية، بحيث تحول الفقر والهامشية إلى فرص إنتاجية ومجتمعية. هذا يخلق أمثلة ملموسة على كيف يمكن التحكم في الموارد دون الانصياع الكامل لقواعد الإمبريالية الحديثة. خامسا، التنسيق الاستراتيجي بين الدول والمجتمعات المتعددة. الأممية الرقمية ليست مجرد مفهوم أخلاقي، بل أداة عملية لتبادل الخبرات، دعم المشاريع المتعثرة، ومواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية. عبر آليات تنسيق رقمية ومالية مشتركة، يمكن خلق شبكة أمان جماعية تضعف قدرة مراكز القوة على فرض الشروط الأحادية. وأخيرا، هناك بعد الثقافة الرقمية والسياسية: توعية الأجيال الجديدة بأهمية السيادة الرقمية، القدرة على ابتكار حلول محلية، والفهم النقدي لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد، كلها عناصر تمنح المشروع التحريري مصداقية واستدامة. حين يصبح الفرد مدركا لأدوات التبعية وكيفية تجاوزها، يتحول من مجرد متلقي للسياسات إلى صانع قوة ضمن شبكة أممية حقيقية. بهذه الطريقة، يتشكل أفق تحرري عملي في عصر الرقميات: ليس فقط مقاومة الهيمنة الاقتصادية التقليدية، بل بناء شبكة متكاملة من المعرفة، التمويل، الإنتاج، والسياسات الرقمية، تستطيع أن تقلل الفقر وتزيد الاستقلالية، وتخلق نموذجا أمميا قادرا على مواجهة الإمبريالية الحديثة بطريقة مستدامة وفعالة. فبربط الفكرة بالاستراتيجية، بحيث يتحول الأفق الرقمي الأممي من تصور نظري إلى عملية متدرجة قابلة للتطبيق: في البداية، على المجتمعات المهتمة بالتحرر أن تبني الأساس التكنولوجي. ليس الهدف مجرد امتلاك أجهزة أو شبكة إنترنت، بل خلق بنية تحتية مستقلة تمتلكها المجتمعات نفسها، من خوادم بيانات محلية إلى شبكات آمنة للاتصال بين المدن والدول الشريكة. هذا الأساس يمكّن من إدارة الموارد الرقمية والمالية والمعرفية بعيدا عن أي مركز خارجي يفرض شروطه. كل خطوة في هذا المسار تحوّل المعرفة من كونها أداة تبعية إلى أداة تمكين واستقلال. في الوقت نفسه، يجب أن تنمو الشبكات المالية البديلة بالتوازي. الصناديق التعاونية الإقليمية والعملات الرقمية المستقلة هي أكثر من مجرد أدوات دفع، فهي وسائل لتوجيه الموارد نحو المشاريع المحلية والاستراتيجية بعيدا عن شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومنع الدول من الوقوع في الفقر الممنهج. هذه الشبكات تسمح بإدارة السيولة داخليا، دعم الإنتاج المحلي، وتمويل المشاريع الاجتماعية والتكنولوجية، فتخلق طبقة من القوة الاقتصادية المستقلة. التعليم والمعرفة يشكلان بعدا آخر حاسما. الجامعات ومراكز البحث والمنصات التعليمية المفتوحة يجب أن تتضافر في شبكة أممية رقمية تتيح تبادل المناهج، الخبرات، والابتكار. ليس الهدف نقل المعرفة فحسب، بل إعادة بناء القدرة على إنتاج المعرفة محليا، حتى تصبح المجتمعات قادرة على تطوير التكنولوجيا، الصناعة، والخدمات دون أن تبقى رهينة للمعايير والقواعد التي تفرضها المراكز الإمبريالية. التدريب المهني الرقمي يصبح هنا أداة تكوين جيل قادر على إنتاج أدواته الاقتصادية والثقافية والسياسية بنفسه، ويجعل الفقر والهامشية أقل قدرة على الاستمرار. في هذه البيئة الرقمية، ينمو اقتصاد التضامن الرقمي. المنصات التعاونية، الزراعة الذكية المشتركة، المصانع الصغيرة المرتبطة بالشبكات الرقمية، والتجارة الإقليمية المستدامة، كلها أدوات لتحويل الفقر إلى إنتاجية وكرامة. الإنتاج لا يصبح مجرد وسيلة لتلبية الحاجة، بل وسيلة لإعادة توزيع القوة، وخلق شبكة من الاعتماد المتبادل بين المجتمعات، بحيث يصبح الهامش قوة نشطة بدلا من أن يبقى ساحة تبعية. التنسيق الاستراتيجي بين المجتمعات والأمم يصبح العمود الفقري للأفق الرقمي. الهيئات الرقمية المشتركة، آليات المراقبة، والمنتديات التعاونية، ليست شعارات، بل أدوات لضمان أن مشاريع كل دولة أو منطقة لا تخضع للهيمنة الخارجية، وأن الفائدة المشتركة تتجاوز الحدود الوطنية. هذه الشبكة تسمح بإيجاد قوة أممية تجمع المعرفة والتمويل والخبرة، وتخلق توازنا معقدا ضد أي محاولة مركزية للهيمنة. وأخيرا، يبقى البعد الثقافي والسياسي. الإعلام المستقل، التوعية الرقمية، التدريب على السيادة المعرفية، والتعليم النقدي، كلها عناصر تخلق وعيا جماعيًا بالآليات الإمبريالية المعاصرة. هذا الوعي ليس ترفا نظريا، بل شرط أساسي لتحويل الشبكات الرقمية والمالية والمعرفية إلى قوة اجتماعية حقيقية قادرة على الاستدامة والمقاومة والتحرر. باختصار، هذا المسار يربط بين البنية التحتية الرقمية، التمويل البديل، المعرفة المستقلة، اقتصاد التضامن، التنسيق الأممي، والوعي الثقافي والسياسي، ليخلق شبكة متكاملة قادرة على مواجهة فخ الفقر والهامشية في عصر الرقميات والإمبريالية الحديثة. كل خطوة هنا تبني القوة الاستراتيجية تدريجيا، وتحوّل النظرية إلى أفق عملي قابل للتطبيق، بحيث تصبح الأممية الرقمية مشروعا حقيقيا للتحرر الاقتصادي والاجتماعي. ولنواصل برسم خارطة زمنية متكاملة لتطبيق الأفق الرقمي الأممي على أرض الواقع، من الخطوات القصيرة إلى المدى الطويل، بحيث تتحول الاستراتيجية النظرية إلى مشروع عملي متدرج ومستدام: في المرحلة الأولى قصيرة المدى، يصبح التركيز على تأسيس الأساس التكنولوجي والمعرفي والمالي. هنا يبدأ بناء خوادم البيانات المحلية والشبكات الرقمية الآمنة، بحيث تتحكم المجتمعات في معلوماتها وتواصلها الداخلي والخارجي. تنشأ منصات تعليمية مفتوحة، ومراكز تدريب رقمية، لإعادة إنتاج المعرفة محليا وتدريب الأجيال الشابة على أدوات البرمجة، إدارة البيانات، والابتكار التكنولوجي. بالتوازي، تبدأ الشبكات المالية البديلة مثل صناديق التآزر التعاونية والعملات الرقمية المستقلة، لتوفير سيولة محلية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولمنع أي اعتماد مباشر على شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. الهدف من هذه المرحلة هو تجهيز الأدوات الأساسية للسيادة الرقمية والمعرفية والاقتصادية، بحيث تبدأ المجتمعات في امتلاك القدرة على التحكم في مواردها دون وصاية خارجية. مع الانتقال إلى المرحلة المتوسطة المدى، يتحول التركيز إلى التكامل الشبكي والتضامن الإقليمي. هنا تربط الدول والمجتمعات المشاركة في منصات مشتركة للتعليم، البحث، والإنتاج، بحيث يتم تبادل المعرفة والتقنيات بشكل مستمر. تنشأ مصانع صغيرة ومشاريع زراعية ذكية متصلة بالشبكات الرقمية، تدار وفق اقتصاديات التضامن، ما يحوّل الفقر والهامشية إلى إنتاجية ملموسة. تعقد منتديات أممية رقمية لتنسيق المشاريع المشتركة، مراقبة التدفقات المالية، وتبادل الخبرات بين المجتمعات، ما يخلق توازنا أمام الهيمنة الإمبريالية. في هذه المرحلة، يبدأ الوعي الرقمي بالسيطرة العالمية على البيانات والخدمات المالية في التبلور، ويصبح جزء من الثقافة السياسية الجماعية، بحيث تتحول المعرفة إلى قوة استراتيجية ملموسة. أما المرحلة البعيدة أو طويلة المدى، فهي مرحلة التحول الهيكلي المستدام. في هذه المرحلة، لا تدار الموارد والمعرفة فقط على المستوى المحلي أو الإقليمي، بل تنسق في شبكة أممية قوية تربط الإنتاج، التعليم، التمويل، والتكنولوجيا، بحيث تصبح أي محاولة للهيمنة أو إعادة إنتاج الفقر عبر المؤسسات الإمبريالية صعبة التنفيذ. تنشأ قواعد ومعايير مشتركة للتحكم في البيانات، إنتاج التكنولوجيا، وتوجيه الاستثمار بما يخدم مصالح الشبكة الأممية بدلا من مصالح المركز التقليدي. في الوقت نفسه، تتعمق ثقافة الاستقلالية الرقمية والسياسية، بحيث يصبح كل فرد ومؤسسة على وعي بكيفية حماية سيادتها الرقمية والمجتمعية، ويستطيع المشاركة في المشاريع الاقتصادية والاجتماعية بطريقة فاعلة ومستدامة. خلال هذه المراحل، يظل الترابط بين البنية التحتية الرقمية، التمويل البديل، المعرفة المستقلة، اقتصاد التضامن، التنسيق الأممي، والوعي الثقافي والسياسي هو الجوهر الذي يضمن نجاح المشروع. فكل مرحلة تعتمد على السابقة: لا يمكن بناء إنتاجية مستدامة دون أدوات مالية وتقنية، ولا يمكن تعزيز السيادة الرقمية دون وعي جماعي بالمخاطر الإمبريالية، ولا يمكن مواجهة الهيمنة العالمية دون شبكة أممية مترابطة وقادرة على التعاون والمبادرة. في هذا المسار المسترسل، يصبح الأفق الرقمي الأممي أكثر من فكرة؛ إنه مشروع متكامل لتحويل التبعية والفقر والهامشية إلى قدرة إنتاجية واستقلالية استراتيجية. كل خطوة تقرّب المجتمعات من مرحلة تصبح فيها السيطرة على المعرفة والتكنولوجيا جزء من سيادة حقيقية، بعيدا عن القيود التي يفرضها البنك الدولي، صندوق النقد، أو أي مركز قوة عالمي. بهذا يتحول الأفق النظري إلى مشروع عملي قابل للتطبيق والتوسع، بحيث يصبح كل مجتمع قادرا على المشاركة الفاعلة في إعادة صياغة القواعد الاقتصادية، المعرفية، والسياسية للعالم الجديد. و في اطار رسم خارطة أمثلة عملية للأممية الرقمية مع أدوات قياس الأداء والاستدامة، بحيث تتحول الرؤية النظرية إلى شبكة ملموسة قابلة للتطبيق: في البداية، يمكن التفكير في مشاريع رقمية تعليمية مشتركة. على سبيل المثال، إنشاء منصة أممية مفتوحة للتعليم الإلكتروني، تضم محتوى أكاديمي وتقني من جامعات ومراكز بحثية مختلفة في العالم النامي. تصمّم هذه المنصة بحيث يمكن لكل دولة أو مؤسسة تحميل محتواها، مشاركة الأبحاث، وتدريب طلابها على البرمجة، إدارة البيانات، والابتكار التكنولوجي. أداة قياس الأداء هنا: عدد الدورات التي اكتمل فيها التدريب، عدد المشاريع البحثية المشتركة، ومستوى مشاركة الطلاب والباحثين من مختلف الدول في إنتاج المعرفة. هذا يضمن أن المنصة لا تصبح مجرد أرشيف، بل شبكة إنتاجية فعلية للمعرفة، تقلل التبعية للمراكز الإمبريالية. ثانيًا، شبكات التمويل التعاوني الرقمية. يمكن إنشاء صناديق تمويل إقليمية تديرها مؤسسات محلية مشتركة، تستخدم العملات الرقمية المستقلة لتسهيل الإقراض الداخلي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. تدار هذه الشبكات عبر برمجيات شفافة، بحيث يمكن للجميع مراقبة التدفقات المالية، تقييم المشاريع، وتحديد أولويات الاستثمار بما يخدم التنمية المحلية والإقليمية. أداة قياس الأداء: نسبة المشاريع الممولة التي تحقق الاستدامة الاقتصادية، حجم التمويل المحلي المتداول، وعدد المشاريع الجديدة التي تقلل الاعتماد على القروض الخارجية. ثالثا، مشاريع إنتاجية تعاونية ذكية. المصانع الصغيرة، الزراعة الذكية، والحرف الرقمية يمكن أن تربط بشبكة رقمية إقليمية تديرها منصات مشتركة. كل مشروع يسجّل بياناته، إنتاجه، ومؤشرات الجودة على النظام الرقمي، بحيث يمكن مراقبة الأداء ومقارنته عبر الشبكة. أدوات قياس الأداء هنا: كمية الإنتاج، جودة الموارد، نسبة المشاركة المجتمعية، ومدى تقليل الهدر والاعتماد على المراكز الخارجية. هذه المشاريع تحوّل الهامشية والفقر إلى قوة إنتاجية حقيقية، وتربط كل منتج بمعايير أممية مشتركة. رابعا، الشبكات الرقمية للبحث والابتكار. من خلال منصات مشتركة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، يمكن تبادل الخبرات في مجالات الطاقة المستدامة، الصناعات الخضراء، الصحة الرقمية، والأمن الغذائي. الشبكة توفر أدوات للتحليل، محاكاة المشاريع، وتقييم تأثير كل ابتكار على المستويين المحلي والإقليمي. أداة قياس الأداء: عدد الابتكارات المطبقة على أرض الواقع، حجم الاستثمارات المحلية في البحث، ومستوى التبادل العلمي بين الدول. خامسا، الوعي الثقافي والسياسي الرقمي. إنشاء منصات إعلامية مشتركة لنشر المعرفة حول آليات البنك الدولي وصندوق النقد، الرقابة الإمبريالية، والطرق البديلة لإدارة السيادة الرقمية والمالية. المنصات تتضمن محتوى تفاعلي، ورش عمل رقمية، ونقاشات مجتمعية، بحيث يصبح المواطن جزء فاعلا في رسم السياسات المحلية والإقليمية. أدوات قياس الأداء: مستوى التفاعل في المنصات، عدد المشاركين في النقاشات والورش، وتغيير المؤشرات المتعلقة بفهم الجمهور للسياسات الاقتصادية والإمبريالية الرقمية. وأخيرا، التكامل الأممي متعدد المستويات. كل هذه المشاريع ليست متفرقة، بل تدمج ضمن شبكة أممية متصلة: المعرفة، التمويل، الإنتاج، والوعي السياسي تعمل كمنظومة متكاملة. الأدوات الرقمية تتيح تقييم الاستدامة: قياس تأثير كل مشروع على الفقر، الهامشية، الاستقلالية الاقتصادية، واستمرارية التعاون بين الدول والمجتمعات. هذا التكامل يحوّل الأممية الرقمية من مفهوم مجرد إلى أداة عملية للتحرر، للسيادة، ولإعادة توزيع القوة بين المركز والهامش. من خلال هذه الأمثلة والأدوات، يصبح الأفق الرقمي الأممي مشروعا عمليا: شبكة مترابطة من التعليم، التمويل، الإنتاج، البحث، والتوعية، قادرة على مواجهة الفقر والهامشية، تقليل الاعتماد على المؤسسات الإمبريالية التقليدية، وتمكين المجتمعات من رسم مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي. كل مشروع هنا يقوي الآخر، وكل أداة تقيس النجاح وتضمن الاستدامة، لتصبح الأممية الرقمية نموذجا متكاملًا للتحرر العملي في القرن الحادي والعشرين. هذا ليس من باب الأحلام أو التخيّل المثالي، بل هو تصور عملي قائم على أدوات واستراتيجيات يمكن تطبيقها تدريجيا، خطوة بخطوة، مع مراعاة القيود الواقعية والقدرات المتاحة لكل مجتمع ودولة. ما يجعل هذا الأفق الرقمي أمميا وقابلا للتطبيق هو التركيز على شبكات مترابطة من مشاريع ملموسة: البنية التحتية الرقمية: خوادم محلية، شبكات آمنة، منصات برمجيات مفتوحة، كلها أدوات موجودة اليوم ويمكن البدء في تطويرها بميزانيات محدودة أو تعاون إقليمي. التمويل البديل: صناديق تعاونية، عملات رقمية مستقلة، منصات ادخار جماعي، يمكن إنشاؤها اليوم دون انتظار تغيّر النظام العالمي، فقط عبر إرادة سياسية ومجتمعية. التعليم والبحث: الجامعات والمراكز البحثية تستطيع ربط برامجها عبر منصات رقمية مفتوحة، ونشر المحتوى المشترك، ما يجعل إنتاج المعرفة مستقلًا جزئيًا عن الهيمنة الخارجية. الاقتصاد التضامني: مشاريع الزراعة الذكية، المصانع الصغيرة المدمجة رقميا، الأسواق الإقليمية المستدامة، كلها أدوات يمكن تفعيلها بشكل فعلي اليوم، وتقديم نموذج قابل للتوسيع. التنسيق الأممي الرقمي: المنتديات، الهيئات المشتركة، وآليات المراقبة الرقمية، هي أدوات يمكن إنشاؤها الآن لإدارة التعاون بين الدول والمجتمعات، وتقليل تأثير الشروط الإمبريالية. الوعي الثقافي والسياسي الرقمي: برامج تدريب، منصات إعلامية، محتوى تفاعلي، كلها أدوات موجودة ويمكن البدء في تنفيذها فورا لبناء قاعدة جماهيرية واعية تستطيع دعم مشاريع التحول. كل هذه الأدوات قابلة للتطبيق بالإمكانات الموجودة اليوم، وتتيح بدء خطوات ملموسة نحو تقليل الفقر والهامشية، وإعادة توزيع القوة الاقتصادية والمعرفية بعيدا عن الهيمنة الإمبريالية. الفكرة هي التحرك التدريجي والمتكامل: لا يمكن بناء شبكة أممية كاملة بين ليلة وضحاها، لكن يمكن بدء كل محور بشكل مستقل، وربطه تدريجيا بالشبكة الأكبر، بحيث تتحول الرؤية النظرية إلى واقع عملي مستدام. و هذا ليس من باب الأحلام أو التخيّل المثالي، بل هو تصور عملي قائم على أدوات واستراتيجيات يمكن تطبيقها تدريجيا، خطوة بخطوة، مع مراعاة القيود الواقعية والقدرات المتاحة لكل مجتمع ودولة. ما يجعل هذا الأفق الرقمي أمميا وقابلا للتطبيق هو التركيز على شبكات مترابطة من مشاريع ملموسة: البنية التحتية الرقمية: خوادم محلية، شبكات آمنة، منصات برمجيات مفتوحة، كلها أدوات موجودة اليوم ويمكن البدء في تطويرها بميزانيات محدودة أو تعاون إقليمي. التمويل البديل: صناديق تعاونية، عملات رقمية مستقلة، منصات ادخار جماعي، يمكن إنشاؤها اليوم دون انتظار تغيّر النظام العالمي، فقط عبر إرادة سياسية ومجتمعية. التعليم والبحث: الجامعات والمراكز البحثية تستطيع ربط برامجها عبر منصات رقمية مفتوحة، ونشر المحتوى المشترك، ما يجعل إنتاج المعرفة مستقلًا جزئيًا عن الهيمنة الخارجية. الاقتصاد التضامني: مشاريع الزراعة الذكية، المصانع الصغيرة المدمجة رقميا، الأسواق الإقليمية المستدامة، كلها أدوات يمكن تفعيلها بشكل فعلي اليوم، وتقديم نموذج قابل للتوسيع. التنسيق الأممي الرقمي: المنتديات، الهيئات المشتركة، وآليات المراقبة الرقمية، هي أدوات يمكن إنشاؤها الآن لإدارة التعاون بين الدول والمجتمعات، وتقليل تأثير الشروط الإمبريالية. الوعي الثقافي والسياسي الرقمي: برامج تدريب، منصات إعلامية، محتوى تفاعلي، كلها أدوات موجودة ويمكن البدء في تنفيذها فورا لبناء قاعدة جماهيرية واعية تستطيع دعم مشاريع التحول. كل هذه الأدوات قابلة للتطبيق بالإمكانات الموجودة اليوم، وتتيح بدء خطوات ملموسة نحو تقليل الفقر والهامشية، وإعادة توزيع القوة الاقتصادية والمعرفية بعيدا عن الهيمنة الإمبريالية. الفكرة هي التحرك التدريجي والمتكامل: لا يمكن بناء شبكة أممية كاملة بين ليلة وضحاها، لكن يمكن بدء كل محور بشكل مستقل، وربطه تدريجيًا بالشبكة الأكبر، بحيث تتحول الرؤية النظرية إلى واقع عملي مستدام. و في الختام إن ما ناقشناه لا ينتهي عند حدود الفقر، الاشتراكية، الرأسمالية، أو الإمبريالية الحديثة، بل يمتد إلى مسألة السلطة والقدرة على تحديد قواعد اللعبة نفسها في عالم مترابط بالرقميات والمعرفة والتمويل. الفقر ليس مجرد نقص مادي أو عجز اقتصادي، بل نتاج شبكة معقدة من التبعية، الهيمنة، والسيطرة على المعرفة، التكنولوجيا، والفرص. الرأسمالية تنتج الفقر وفق نظام واضح، والاشتراكية المحاصرة تعيش فقرا دفاعيا بفعل الضغوط العالمية. لكن في كل الحالات، يظهر أن السيادة الحقيقية ترتبط بالقدرة على التحكم في المعايير، المعرفة، والموارد، لا بالحدود أو الموارد وحدها. عصر الرقميات أضاف بعدا جديدا، إذ تحولت البيانات، الخوارزميات، والمنصات الرقمية إلى أدوات قوة استراتيجية، يمكن من خلالها التحكم في التعليم، الإنتاج، التمويل، وحتى الوعي الجمعي. الأممية الرقمية ليست مجرد فكرة أخلاقية أو شعور بالانتماء، بل شبكة عملية مترابطة: منصات تعليمية مشتركة، شبكات مالية بديلة، مشاريع إنتاجية ذكية، مراكز بحث وتطوير، ومنصات إعلامية للوعي السياسي والمعرفي، كل ذلك يخلق قدرة على مواجهة الهامشية والفقر بطريقة غير تقليدية. لكن هذا الأفق لا يضمن نفسه من تلقاء نفسه. هناك أسئلة مفتوحة بلا إجابة نهائية، فهي دعوة للتفكير والتجريب: كيف يمكن تحقيق تكامل حقيقي بين المعرفة الرقمية، التمويل المستقل، والإنتاج المحلي؟ كيف يمكن مواجهة الضغوط الإمبريالية على مستوى التمويل الدولي، الأسواق العالمية، وقواعد المعرفة؟ كيف يمكن للمجتمعات أن تبني وعيا جماعيا مستداما قادرا على تحويل القوة الرقمية إلى استقلالية حقيقية؟ كل مشروع تحرري اليوم يقف أمام هذا التحدي: ليس فقط إدارة الموارد أو توزيعها، بل إعادة بناء القدرة على المشاركة في صياغة القواعد والمعايير العالمية نفسها. أي محاولة للتحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تحتاج إلى رؤية شاملة تمتد من أدوات التعليم والبحث، مرورا بالتمويل والتضامن الرقمي، وصولا إلى الثقافة والوعي الجماعي. هذا الأفق لا ينتهي عند حدود الدولة أو الإقليم، بل يتسع ليشمل شبكة أممية حقيقية، قادرة على تحدي مركز القوة العالمي، وإعادة إنتاج قوة جماعية قائمة على المعرفة والإنتاج والتضامن. والأهم، أن هذه الخاتمة مفتوحة للنقاش والتجريب: لا يوجد طريق واحد للنجاح، ولا وصفة جاهزة للتطبيق. الأممية الرقمية يجب أن تبنى بالتجربة العملية، بالتعلم من الأخطاء، وبالقدرة على التكيف مع التغيرات المستمرة في التكنولوجيا، الاقتصاد، والسياسة العالمية. أي مشروع يسعى للحرية والاستقلالية يجب أن يراهن على إبداع الأجيال الجديدة، تعاون المجتمعات، ومرونة المؤسسات في مواجهة التحديات. وبذلك، يصبح السؤال الأكبر مفتوحا للجميع: كيف يمكن أن نخلق عالما حيث الفقر والهامشية ليسا أقدارا محكمة، بل ظروفا يمكن تحويلها إلى قوة، إلى إنتاج، إلى حرية؟ كيف يمكن أن تدمج أدوات الرقميات، المعرفة، التمويل، والإبداع الاجتماعي في شبكة أممية حقيقية، قادرة على مقاومة الإمبريالية الحديثة، وفتح أفق جديد للتحرر الجماعي؟ هذه الخاتمة ليست نهاية، بل بداية أفق واسع للتفكير، النقاش، والممارسة العملية. إنها دعوة لكل المجتمعات والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والثقافيين، للتساؤل، التجريب، والمبادرة في صياغة مشروع أممي رقمي يمكنه أن يعيد تعريف الفقر والهامشية، وأن يجعل الحرية والاستقلالية الاقتصادية والمعرفية هدفا واقعيا قابلا للتحقيق في القرن الحادي والعشرين.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو
...
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
-
عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال
...
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
-
الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل
...
-
جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
-
اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء
...
-
من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
-
السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو
...
-
الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ
...
-
الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا
...
-
الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم
...
-
من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
-
الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في
...
-
مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال
...
-
الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
-
أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
-
اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية
-
الصراع الطبقي: من المشاع الى اليوم ،تاريخ يعاد كتابته بالنار
...
المزيد.....
-
أفغانستان وباكستان.. ضربات متبادلة تشعل الأزمة بين البلدين
-
طهران تتحدث عن -الجولة الأفضل- من المفاوضات مع واشنطن.. ومنا
...
-
بينهم إسرائيليان.. السجن 8 سنوات لمدانين بفضيحة التجسس على ه
...
-
-اسألوا ترامب-.. هيلاري كلينتون تدلي بشهادتها في قضية إبستين
...
-
بعد أقل من شهر.. رئيسة وزراء الدنمارك تدعو إلى انتخابات تشري
...
-
واشنطن وكييف تناقشان في جنيف التحضيرات لمفاوضات مع موسكو.. و
...
-
في سابقة تاريخية.. ميلانيا ترامب تترأس مجلس الأمن الدولي
-
عاجل | مراسل الجزيرة: دوي انفجار هائل في العاصمة الأفغانية ك
...
-
بدأ بناؤه قبل 50 عاما.. افتتاح مسجد في مصر يستلهم تصميم آيا
...
-
إسرائيل تُجبر 37 منظمة إنسانية على مغادرة غزة
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|