أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.















المزيد.....

حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 22:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الحروب التي تشعلها الولايات المتحدة وحلفاؤها مجرد نزاعات عابرة على النفوذ، بل هي التعبير الأكثر عريا عن منطق الإمبريالية في مرحلتها المتأخرة: حين يضيق هامش السيطرة الاقتصادية، تُفتح أبواب النار. وما الصراع مع إيران، في تداخلاته مع الكيان الصهيوني، إلا حلقة في سلسلة إعادة تشكيل العالم وفق ميزان قوة متصدّع، يبحث عن تثبيت نفسه فوق ركام الشعوب.
لقد بشّر سقوط تفكك الاتحاد السوفيتي بعالم أحادي القطب، تديره قبضة واحدة، تشرّع الحروب باسم "الديمقراطية"، وتفرض الحصار باسم "الشرعية الدولية". لكن هذا العالم، الذي بدا صلبا، كان يحمل في داخله بذور تفككه. فالرأسمالية، حين تبلغ ذروة تغوّلها، تُنتج تناقضاتها بأقصى حدّة: فائض قوة يقابله فائض مقاومة.
اليوم، ونحن على تخوم تحوّل تاريخي، يتداعى ذلك القطب، لا بفعل "أخلاق" القوى المهيمنة، بل تحت ضغط الوقائع: تتقدّم الصين بثقل اقتصادي يخلخل مركزية السوق الغربية، وتناور روسيا في فضاءات الصراع لتكسر الطوق، فيما تحاول الإمبراطورية الأمريكية إعادة ترتيب أولوياتها، لا انسحابا، بل إعادة تموضع، حيث يصبح العالم بأسره ساحة اشتباك مفتوحة.
لكن، في قلب هذا الصراع بين الكبار، تُطرح المسألة الحقيقية: أين موقع الشعوب؟
إن ما يعاد ترتيبه اليوم ليس فقط خرائط النفوذ، بل أيضا خرائط الاستغلال. فالحرب، في جوهرها، ليست سوى امتداد للاقتصاد بوسائل أخرى؛ تعاد عبرها هيكلة الأسواق، وتُفرض عبرها شروط جديدة على الدول الضعيفة: ديون، تبعية، وإخضاع ممنهج للإرادة الوطنية.
في هذا السياق، تتحول منطقتنا إلى مختبر: ليست ساحة صراع فقط، بل ساحة اختبار لنماذج السيطرة. تتقاطع فيها القواعد العسكرية مع خطوط الغاز و البترول، وتُرسم فيها الحدود بالبارود كما تُرسم بالعقود.
غير أن التاريخ لا يُكتب فقط من فوق.
فكما أن الحرب العالمية الثانية أفرزت نظاما جديدا، فإن الحروب الجارية اليوم تحمل في طياتها إمكانية نقيضها: إمّا إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات أكثر عنفا، أو انفجار تناقضاتها في وجهها.
إن اللحظة الثورية لا تُصنع في غرف القرار، بل في الشارع، في المصنع، في الحقول، حيث يُدرك الناس أن ما يُقدَّم لهم كـ"صراعات دول" هو في الحقيقة صراع على مصائرهم هم.
من هنا، لا يكون الموقف الاشتراكي الثوري مجرد اصطفاف جيوسياسي، بل انحياز جذري: ضد الإمبريالية، أيّا كان مركزها، ضد تحويل الأوطان إلى ساحات حرب بالوكالة، ومن أجل تفكيك منظومة الاستغلال التي تجعل من الحرب ضرورة دائمة لبقائها.
إن العالم الذي يتشكل اليوم، بين أنقاض الهيمنة، ليس قدرا محتوما. فإمّا أن يُعاد ترتيبه كغابة تتقاسمها الوحوش، أو يُعاد بناؤه كأفق مفتوح للعدالة.
وهنا، فقط، يصبح السؤال الحقيقي: ليس من ينتصر في الحرب، بل من يملك القدرة على تحويلها إلى بداية النهاية لعصر الإمبراطورية… وبداية التاريخ للشعوب.
فحين تُفتح قارات العالم لا كجغرافيا، بل كملفات على طاولة إعادة الصياغة، ندرك أن ما يجري ليس صراعا محدودا، بل عملية جرد شاملة للسيطرة: من يملك، من يُنتج، ومن يُقرّر.
إفريقيا، التي ظلت طويلا منجما مفتوحا للنهب، تُعاد قراءتها اليوم كخزان استراتيجي: معادن نادرة، طاقة، وموقع جغرافي يربط الممرات. تتزاحم فيها القوى، من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا، لا حبا في تنميتها، بل لإعادة توزيع حصص السيطرة. لكن القارة التي أُنهكت بالاستعمار القديم، تحمل اليوم بذور تمرّد جديد، حيث لم تعد الشعوب تقبل أن تكون مجرد هامش في دفاتر الآخرين.
آسيا، قلب التحوّل العالمي، ليست فقط مسرح صعود الصين، بل أيضا ساحة شدّ الحبال الكبرى. من المحيط إلى الخليج، تتقاطع التجارة مع العسكر، وتصبح الممرات البحرية شرايين حياة للنظام العالمي. هناك، يتكثف الصراع لا كحرب مباشرة دائما، بل كسباق طويل على الزمن: من يفرض إيقاع القرن؟
أوروبا، التي كانت يوما مركز العالم، تجد نفسها اليوم في موقع التابع الاستراتيجي، تعيد ترتيب أمنها تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، وتدفع كلفة صراعات لا تملك قرارها الكامل. تتقلص سيادتها الاقتصادية تحت ضغط الطاقة والحروب، بينما تتآكل أوهام "الاستقلال" لصالح اصطفاف قسري في معسكرات الصراع.
أمريكا اللاتينية، المختبر القديم للهيمنة، تعود إلى الواجهة. هناك، حيث الانقلابات والديون والوصاية، تبعث من جديد أسئلة التحرر. شعوبها التي خبرت تدخلات الولايات المتحدة لعقود، تعيد طرح مشروع السيادة، لا كشعار، بل كضرورة للبقاء خارج طاحونة الاستنزاف.
الشرق الأوسط، الجرح المفتوح، يبقى عقدة الصراع ومفتاحه. تتكثف فيه التناقضات: طاقة، دين، جغرافيا، وتاريخ مثقل بالانكسارات. في ظله، يتحرك الكيان الصهيوني كسرطان و قاعدة متقدمة لمنطق الهيمنة، فيما تحاول قوى إقليمية، مثل إيران، فرض معادلات ردع تعيد التوازن أو تعمّق الانفجار.
لكن، وسط هذا التقسيم الكوني، يظل الخيط الناظم واحدا: إعادة إنتاج السيطرة… أو كسرها.
فالقارات، حين تُفتح كملفات، تُختزل إلى أرقام وموارد وممرات. يُعاد تعريف الإنسان فيها كيد عاملة أو رقم استهلاك. وتُمحى الحكايات الصغيرة لصالح خرائط كبرى ترسمها مراكز القرار.
غير أن هذه الخرائط، مهما بدت محكمة، تخفي هشاشتها: لأنها تتجاهل القوة الوحيدة التي لا يمكن ضبطها بالكامل… الشعوب.
إن لحظة إعادة الصياغة هذه، التي تبدو وكأنها تُفرض من فوق، تحمل في عمقها إمكانية انقلاب جذري: حين تدرك الشعوب في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا، أن ما يجمعها ليس الانتماء الجغرافي، بل موقعها في معادلة الاستغلال.
عندها، لا تعود القارات ملفات، بل جبهات.
ولا يعود الصراع بين دول، بل بين عالمين: عالم يُعاد ترتيبه ليبقى كما هو، وعالم يُمكن أن يولد… إذا ما قررت الشعوب أن تكتب، هذه المرة، تاريخها بيدها، لا بمداد الحروب المفروضة عليها.
وفي قلب هذا الزحام الكوني، حيث تُفتح القارات كملفات وتُعاد كتابة الخرائط بمداد المصالح، تقف فلسطين لا كقضية هامشية، بل كمرآة مكثّفة لكل التناقضات.
هناك، في غزة العزّة، لم يكن الانفجار مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة كشف كبرى: انكشف وجه العدو ككيان غريب استيطاني قائم على الإقصاء والقوة، وانكشفت معه ازدواجية المعايير التي حكمت النظام الدولي لعقود.
غزة، المحاصرة، الجريحة، لم تكتف بالصمود، بل فجّرت غضب الشارع العالمي، من الجامعات إلى الساحات، حيث بدأ وعي جديد يتشكّل: أن ما يُقدَّم كـ"صراع معقّد" ليس إلا استعمارا في أبسط صوره، وأن العدالة، حين تُقاس بموازين القوة، تتحول إلى أداة ظلم.
ومن فلسطين يمتد الخيط…
إلى لبنان، حيث الجنوب المقاوم لا يزال يكتب معادلة مختلفة: أن الردع ممكن، وأن الهيمنة ليست قدرا ، بل توازن يُفرض بدماء من يرفضون الانكسار.
إلى سوريا، الأرض التي تحوّلت إلى ساحة تقاطع استخباراتي، حيث اختلطت مشاريع الهيمنة بأدوات التفكيك، وتحوّلت الثورة إلى ميدان تصفية حسابات، بين قوى دولية وإقليمية، دفعت بالشعب إلى حافة التمزق.
إلى اليمن، حيث خرجت الإرادة الشعبية من تحت الركام، لتعلن أن الحصار لا يُنهي الحكاية، بل قد يؤجّل انفجارها.
وإلى السودان، حيث تتحول الحرب الأهلية إلى مرآة أخرى لفشل الدولة الوطنية حين تُترك فريسة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، وحين تُختزل السلطة إلى غنيمة.
أما "الثورات" العربية 2011/2012، فقد كانت لحظة صدع في جدار الخوف، لكنها وُوجهت بثلاثية قاتلة: القمع، و الاجهاض، والتفكيك.
لم تُهزم لأنها كانت وهما، بل لأنها واجهت منظومة متكاملة: أنظمة، مصالح دولية، وأدوات إعادة إنتاج السيطرة.
في هذا المشهد المركّب، يتأكد أن ما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل بنية واحدة: حيث تتقاطع الإمبريالية مع الاستبداد، والاحتلال مع الوكالة، والثورة مع محاولات قتل جنينها.
لكن، وسط هذا الركام، يظل شيء واحد عصيّا على الكسر:
أن الشعوب، حتى حين تُهزم، لا تختفي.
فـغزة ليست فقط جغرافيا تُقصف، بل فكرة تُقاوم.
وفلسطين ليست فقط أرضا محتلة، بل معيارا: من خلالها يقاس صدق العالم أو زيفه.
إن إعادة ترتيب العالم، التي تجري اليوم تحت هدير الحروب، لن تُحسم فقط في غرف الاستراتيجيا، بل في الشوارع التي بدأت تستعيد صوتها.
فإمّا أن يُعاد إنتاج هذا النظام، أكثر قسوة وافتراسا، حيث تتحول فلسطين إلى "ملف"، والسودان إلى "أزمة"، واليمن إلى "هامش"…
وإمّا أن تنجح الشعوب في قلب المعادلة:
أن تتحول الملفات إلى قضايا، والقضايا إلى وعي، والوعي إلى فعل.
حينها فقط، لن تكون غزة شرارة منطفئة في زمن الحروب، بل شهاب بداية زمن جديد…
زمن لا تُعاد فيه كتابة العالم فوق أجساد الناس، بل بأيديهم.
لكن، أمام هذا المشهد المتفجّر، يبرز سؤال لا مفرّ منه:
أين يقف اليسار العالمي؟
بين أطلال القرن العشرين، حيث لا يزال بعضه يتكئ على يقينيات جامدة، وبين حاضر متحوّل بسرعة الضوء، يجد اليسار نفسه ممزقا:
إمّا أن يتحنّط في لغة قديمة لا تلامس الواقع،
أو أن يخوض معركة جديدة بأدوات هذا العصر.
لقد تغيّر العالم جذريا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، لا فقط في موازين القوى، بل في طبيعة السيطرة نفسها. لم تعد الهيمنة تُمارَس بالدبابة فقط، بل بالخوارزمية؛ لم تعد الحدود تُرسم بالخرائط وحدها، بل بالبيانات.
نحن أمام رأسمالية من نوع آخر:
رأسمالية رقمية، تُدار من منصات عابرة للقارات، حيث تتحكم شركات مثل Google وMeta وAmazon ... و غيرها ،في تدفق المعرفة، و اعادة تشكيل الوعي، و تحويل الإنسان من مواطن إلى "مستخدم"، ومن فاعل سياسي إلى نقطة بيانات.
في هذا العالم، الذي يبدو كـ"قرية كونية"، لا تسود المساواة، بل تحيط بها الكواسر: احتكارات رقمية، أنظمة مراقبة، وسرديات مُصنّعة تُوجّه الرأي العام وتُعيد إنتاج الطاعة.
هنا تتكشف أزمة اليسار:
ليس لأنه خسر فقط معاركه السياسية،
بل لأنه لم يُدرك بعد أن ميدان الصراع قد تغيّر.
فلا يكفي أن يُرفع شعار العدالة الاجتماعية،
إذا كانت أدوات تشكيل الوعي بيد خصومه.
ولا يكفي الدفاع عن العمال،
إذا كان مفهوم "العمل" نفسه قد تغيّر، من مصنع إلى منصة، ومن يد تنتج إلى عقل يستنزف رقميا.
فاليسار المحنّط هو ذاك الذي لا يزال يخوض معارك الأمس: يعيد ترديد مفاهيم دون تفكيكها، ويتعامل مع الدولة كأداة مركزية وحيدة، بينما السلطة تتسرّب اليوم إلى شبكات غير مرئية.
امّا اليسار الممكن فهو الذي يفهم أن:
-الخوارزميات ليست حيادية، بل أدوات سلطة.
-المنصات ليست فضاءات حرّة، بل ساحات مُدارة.
-وأن الصراع الطبقي لم يختف، بل تغيّر شكله.
إنه يسار يعيد تعريف النضال: من الشارع … إلى الشارع والشبكة، من النقابة … إلى النقابة والمنصة، من البيان… إلى السيطرة على السردية.
في زمن تتحكم فيه الخوارزميات في ما نرى ونفكر، تصبح المعركة مزدوجة:
-معركة على الأرض… ضد الاستغلال المباشر،
-ومعركة على الوعي… ضد الاستلاب الرقمي.
إن اليسار، إن لم ينجح في كسر هذه المعادلة،
سيتحوّل إلى شاهد على عصر لا يفهمه.
أما إن امتلك جرأة القطيعة مع جموده،
وأعاد بناء نفسه بلغة هذا الزمن،
فقد يصبح، من جديد،
صوتا عالميا يربط بين غزة التي تقاوم بالنار،
والعامل الذي يُستنزف خلف شاشة،
والشعوب التي تبحث عن مكان لها في عالم تُعيد الخوارزميات رسمه…
عالم يبدو كقرية،
لكنها قرية… تحرسها الكواسر،
ولا ينجو فيها
إلا من يملك القدرة على المواجهة.
فليس ما نعيشه مجرّد انتقال من توازن إلى آخر، ولا مجرّد تبدّل في مواقع القوة بين دول تتناوب على عرش العالم. إنّه انكشاف عميق لفكرة العالم نفسها: لمن يُكتب، وكيف يُدار، ومن يُقصى منه بصمت. فحين تتكاثر خطوط التصدّع، لا تعود المسألة في من يربح الجولة، بل في طبيعة اللعبة التي تجعل الربح نفسه شكلا من أشكال الخسارة المؤجّلة.
لقد صار واضحا أنّ البنية التي حكمت الكوكب لعقود لم تعد قادرة على إخفاء تناقضاتها. لا لأنّ خصوما أقوياء ظهروا فحسب، بل لأنّ الأساس الذي قامت عليه ، تراكم بلا حدود، وهيمنة بلا مساءلة ، بدأ يأكل ذاته. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون العالم في طور “إعادة ترتيب”، بل في حالة تعرية: تتساقط الأقنعة، وتطفو الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلا.
في هذا الأفق، لا يمكن الاكتفاء بقراءة ما يحدث كصراع بين مشاريع متنافسة على القيادة. فالمسألة الأعمق هي أنّ مفهوم “القيادة” ذاته لم يعد بريئا. من يقود من؟ ولأجل ماذا؟ وبأي كلفة إنسانية؟ إنّ كل مشروع لا يضع حياة الإنسان وكرامته في المركز، محكوم بأن يعيد إنتاج المأزق نفسه، ولو بأسماء مختلفة.
ثمّة تحوّل صامت يجري تحت الضجيج: انتقال مركز الفعل من البنى الصلبة إلى التدفقات غير المرئية؛ من القرار المعلن إلى التأثير الخفي؛ من الحدود التي تُرى إلى تلك التي تُرسم داخل العقول. وهنا، يصبح الصراع أقلّ قابلية للقياس التقليدي، وأكثر التصاقا باليومي والهشّ والعابر. إنّه صراع على المعنى بقدر ما هو صراع على المادة، وعلى القدرة على تخيّل بدائل بقدر ما هو صراع على فرض الوقائع.
وفي هذا المستوى، لا يعود الانقسام بين “داخل” و“خارج” صالحا كما كان. ما يجري في بقعة ما يترك أثره في أخرى، ليس فقط عبر الاقتصاد أو السياسة، بل عبر الإحساس المشترك باللايقين. إنّنا أمام عالم تتقاطع فيه المصائر دون أن تتكافأ، وتتجاور فيه الإمكانات دون أن تتوزّع بعدل. وهذا التفاوت ليس طبيعيا، بل نتيجة خيارات، وأنظمة، ورؤى يمكن ، ويجب ، مساءلتها.
إنّ أخطر ما قد يرسخ في مثل هذه اللحظات هو القبول الضمني بأنّ العنف قدر، وأنّ الاختلال شرط لازم للاستقرار، وأنّ بعض البشر خلقوا ليدفعوا كلفة “التوازن”. هذا القبول، إن حدث، لن يكون نهاية للصراع، بل بداية لزمن أطول من القسوة المقنّعة. لذلك، فإنّ الرهان الحقيقي ليس على إيقاف دورة بعينها، بل على كسر المنطق الذي يعيد إنتاجها.
من هنا، يبرز معنى جديد للفعل: ليس كاستجابة متأخرة للأحداث، بل كقدرة على إعادة تعريفها. ليس كاحتجاج ، بل كتصوّر مستمر لما يجب أن يكون. إنّ الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى خيال سياسي واجتماعي يجرؤ على تجاوز القوالب، ويعيد ربط ما فصل: الاقتصاد بالأخلاق، التكنولوجيا بالمسؤولية، القوة بالمساءلة.
ولأنّ المستقبل لم يعد امتدادا خطيّا للماضي، فإنّ كتابته لن تتمّ بالأدوات ذاتها. إنّه يتطلّب لغة جديدة تُنصت قبل أن تُعلن، وتبني قبل أن تُجادل، وتختبر قبل أن تُعمّم. يتطلّب أشكالا من التنظيم لا تختنق في المركز، ولا تتبدّد في الهامش؛ أشكالا تُوازن بين المرونة والالتزام، بين المحلي والعالمي، بين السرعة والعمق.
في نهاية المطاف، ليست القضية أن ينتصر طرف على آخر داخل المنظومة القائمة، بل أن يُفتح أفق يسمح بتجاوزها. أن يعاد الاعتبار لما هو بسيط وأساسي: أن يعيش الإنسان دون خوف دائم، وأن يكون صوته ذا وزن، وأن لا تتحوّل حياته إلى رقم في معادلة. هذا ليس حلما مثاليا، بل شرطا لأي استقرار حقيقي.
العالم، إذ يقف على عتبة كهذه، لا يحتاج إلى من يفسّره فقط، بل إلى من يعيد تخيّله. وبين التفسير والتخيّل مساحة للفعل، حيث يمكن للخيارات الصغيرة أن تتراكم، وللمبادرات الهامشية أن تصير مسارات، وللأفكار التي بدت مستحيلة أن تجد طريقها إلى الواقع.
هناك، في تلك المساحة، يُكتب ما بعد الخرائط. لا بوصفه نهاية للصراع، بل بداية لمعنى آخر له: صراع لا يكتفي بتبديل المواقع، بل يسعى إلى تغيير القواعد. صراع لا يكتفي بوصف العالم، بل يجرؤ على أن يجعله قابلا للعيش.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...


المزيد.....




- السيناتور غراهام يؤيد إنذار ترامب لإيران: الجدول الزمني سيُل ...
- سيارة تصدم 15 شخصًا بموكب احتفالي بأمريكا.. والشرطة: لا يبدو ...
- 5 أمور لا نعلمها عن إنقاذ طاقم الطائرة الأمريكية التي سقطت ف ...
- ليل يحقق فوزا ساحقا على لنس ويسدي خدمة كبيرة للمتصدر باريس س ...
- لبنان: الرئيس جوزاف عون يجدد دعوته لمفاوضات مع إسرائيل تجنب ...
- غارت إسرائيلية على لبنان ووزارة الصحة تعلن مقتل خمسة أشخاص ف ...
- محاكاة.. سقوط طائرتين أمريكيتين يكشف تعقيدات اختراق السماء ا ...
- هجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية تستهدف منشآت بدول الخليج
- مرض يربك الإدراك: ماذا يحدث داخل عقل مريض الفصام؟
- قرارات ترمب تعطل مساعي بناء مراكز البيانات الأمريكية.. كيف ه ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.