أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار التونسيّ















المزيد.....



تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار التونسيّ


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 14:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكنِ الصراع بين العقل والنقل في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ مجرّد خلاف فقهيّ بسيط، بل كان صراعا عميقا حول صورة الإنسان نفسه: هل الإنسان كائن حرّ قادر على الفعل والتفكير، أم مجرّد ظلّ يتحرّك داخل قفص القدر والطاعة؟ ومن هنا ظهرت المعتزلة باعتبارها واحدةً من أكثر الحركات الفكريّة جرأة في التّراث الإسلاميّ، لا لأنّها امتلكت الحقيقة المطلقة، بل لأنّها تجرّأت على طرح الأسئلة في زمن كانت الأسئلة فيه تشبه إشعالَ النار في مخزن قشّ.
لقد دافعت المعتزلة عن العقل بوصفه أداة لفهم العالم والدين معا، وقالت إنّ العدالة الإلهيّة تقتضي أن يكون الإنسان مسؤولا عن أفعاله، لأنّ العقاب والثواب يفقدان معناهما إذا كان البشر مسلوبي الإرادة. وكان واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما يحاولون بناء رؤية تجعل العقل شريكا للنصّ لا عبدا أعمى له. ومن هنا جاءت مقولتهم الضمنيّة الكبرى: «لا كرامة لإيمان يخاف من التفكير».
غير أنّ التّاريخ لا يرحم الأفكار الضعيفة سياسيّا. فحين تغيّرت موازين السلطة، تحوّلت المعتزلة من تيّار نافذ إلى فرقة مطاردة، وأصبح العقل نفسه موضع ريبة. لقد انتصرت الأرثوذكسية الدينيّة لا لأنّها كانت دائما أكثر إقناعا، بل لأنّها كانت أكثر التصاقا ببنية السلطة والمجتمع التقليديّ. وكما قال ابن خلدون : «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب»، والغالب هنا لم يكن العقل، بل المؤسّسة التي تخشى العقل حين يتحوّل إلى قوّة نقديّة.
وعندما ننظر إلى اليسار التونسيّ، نجد مفارقة تاريخيّة تكاد تشبه مصير المعتزلة بشكل أو بآخر. فاليسار في تونس نشأ أيضا من الإيمان بالعقل والعدالة والتحرّر، وحاول منذ ستينات القرن الماضي أن يطرح أسئلة كبرى حول الدولة والطبقات والحرّيّة والهيمنة الثقافيّة. كانت الجامعة التونسيّة، والنقابات، وبعض الأوساط الثقافيّة، فضاءاتٍ لتشكّل وعي يساريّ يرى أنّ الاستبداد ليس قدرا، وأنّ الفقر ليس لعنة سماويّة، بل نتيجة سياسات اقتصاديّة واجتماعيّة ملموسة.
وقد لعبت تنظيمات مثل حركة آفاق و العامل التّونسي وأجيال من الطلبة والنقابيين والمثقفين دورا مهمّا في مقاومة الاستبداد، سواء في عهد حبيب بورڨيبة أو في عهد زين العابدين بن علي . لكنّ المشكلة التي واجهها اليسار التونسي كانت دائما تلك الهوّة بين اللغة النظريّة والواقع الشعبيّ. فقد ظلّ جزء منه يتحدّث بلغة أكاديميّة معقّدة، في حين كانت الأحياء الفقيرة والجهات المهمّشة تبحث عن الخبز والعمل والكرامة قبل أيّ شيء آخر.
وهنا تظهر نقطة التشابه مع المعتزلة: كلاهما راهن على قوّة العقل، لكنّهما اصطدما بمجتمعٍ تحكمه شروط اقتصاديّة ونفسيّة وثقافيّة أكثر تعقيدا من مجرّد الأفكار. فالجائع لا يقرأ كثيرا في الفلسفة، والعاطل عن العمل قد يجد في الخطاب الشعبويّ أو الدينيّ عزاء أسرع من الكتب النظريّة الثقيلة. ولذلك استطاعت قوى أخرى، دينيّة أو شعبويّة أو ليبراليّة، أن تخاطب المشاعر المباشرة للجمهور بشكل أكثر فاعليّة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة اليسار التونسي في الفشل. فالكثير من الحقوق النقابيّة والطلابيّة، والكثير من المعارك من أجل حرّيّة التعبير وحقوق النساء والعدالة الاجتماعيّة، ارتبطت بشكل أو بآخر بنضالات اليساريّين. كما أنّ جزءا كبيرا من اللغة الحقوقيّة والمدنيّة الحديثة في تونس خرج من رحم هذه التقاليد الفكريّة والسياسيّة.
لكنّ السؤال المؤلم اليوم هو: لماذا يبدو اليسار التونسي عاجزا عن التحوّل إلى قوّة شعبيّة واسعة؟ الجواب ليس بسيطا. فهناك القمع الذي تعرّض له تاريخيّا، وهناك الانقسامات الإيديولوجيّة المزمنة، وهناك أيضا تحوّل العالم نفسه بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وصعود الرأسماليّة المعولمة. غير أنّ هناك سببا آخر أكثر عمقا: إنّ كثيرا من الخطابات اليساريّة العربيّة عموما لم تستطع أن تنتج لغة قريبة من الناس، لغة تفهم الخبز كما تفهم الفلسفة، وتفهم الهامش كما تفهم الكتب.
قال غرامشي: «الأزمة تتمثّل في أنّ القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد». وربّما ينطبق هذا تماما على الواقع التونسيّ اليوم. فالنموذج القديم للدولة يتآكل، والثقة في الأحزاب تنهار، والطبقة الوسطى تنكمش، والشباب يهرب إمّا نحو البحر أو نحو اللامبالاة. وفي هذا الفراغ تنمو الشعبويّة، وينتعش الخطاب الغاضب، وتتحوّل السياسة أحيانا إلى مجرّد إدارة للخوف الجماعيّ.
ومع ذلك، يبقى الإرث العقلانيّ للمعتزلة، والإرث النقديّ لليسار، ضروريّين لأيّ محاولة جديّة للخروج من الأزمة. فالمجتمعات التي تخاف من التفكير محكومة بإعادة إنتاج مآسيها، والمجتمعات التي تتخلّى عن فكرة العدالة تتحوّل تدريجيّا إلى غابة اقتصاديّة يأكل فيها الأقوى الأضعف.
إنّ تونس اليوم لا تحتاج فقط إلى حلول اقتصاديّة عاجلة، بل تحتاج أيضا إلى إعادة بناء معنى المواطن، ومعنى الدولة، ومعنى الحرّيّة نفسها. تحتاج إلى عقل لا يخاف، وإلى سياسة لا تحتقر الناس، وإلى ثقافة لا تعيش داخل الأبراج المغلقة. فالعقل دون عدالة يتحوّل إلى ترف نخبويّ، والعدالة دون عقل قد تتحوّل إلى فوضى أو تعصّب. وبين هذين الحدّين ظلّت المعتزلة واليسار، كلّ بطريقته، يحاولان الدفاع عن الإنسان في وجه القهر، وإن خسرا كثيرا من المعارك.
غير أنّ أخطر ما واجهته تونس، وربّما العالم العربيّ كلّه، ليس سقوط المشاريع الفكريّة الكبرى فحسب، بل تحوّل المجال العامّ إلى فضاء هشّ تدار فيه الأفكار بمنطق السوق لا بمنطق الحقيقة. لقد أصبح المثقّف مطالبا بأن يكون خفيفا، سريعا، قابلا للاستهلاك، مثل إعلان تجاريّ أو مقطع قصير على هاتف. أمّا التفكير الطويل، المزعج، الذي يحرّك الأسئلة العميقة حول السلطة والثروة والدين والهويّة، فقد صار عبئا على زمن يريد كلّ شيء فورا، حتى الغضب نفسه.
في هذا المناخ، خسر اليسار كثيرا من أدواته القديمة. فالنقابات لم تعد تلك القلاع الصلبة كما كانت، والجامعة فقدت جزءا من دورها بوصفها مصنعا للنقاش الفكريّ، فيما تحوّلت وسائل التواصل إلى ساحات للصراخ المتبادل أكثر منها فضاءات للوعي. لقد تغيّر شكل السيطرة نفسها؛ لم يعد القمع دائما دبّابة أو زنزانة، بل قد يكون خوارزميّة تعيد تشكيل الأذواق، أو اقتصادا يدفع الإنسان إلى العمل المتواصل كي لا يجد وقتا للتفكير.
وهنا يبدو استحضار المعتزلة أمرا لافتا. فالمعتزلة لم يكونوا مجرّد فقهاء عقلانيّين، بل كانوا أيضا محاولة مبكّرة لفهم العلاقة بين المعرفة والسلطة. كانوا يدركون، ولو بشكل غير مكتمل، أنّ تأويل النصّ ليس مسألة بريئة، وأنّ من يحتكر تفسير العالم يحتكر قيادة الناس. لذلك كان الصراع حول “خلق القرآن” في جوهره صراعا سياسيّا بقدر ما كان لاهوتيّا، لأنّه يتعلّق بمن يملك سلطة المعنى.
واليسار التونسي، حين خاض معاركه ضدّ الاستبداد، لم يكن يصارع الدولة فقط، بل كان يصارع أيضا سرديّات كاملة عن المجتمع والطاعة والنجاح والخوف. غير أنّه كثيرا ما تعامل مع الثقافة باعتبارها ملحقا بالنضال السياسيّ، لا ميدانا حاسما فيه. بينما كانت التيارات المحافظة أو الشعبويّة تفهم جيّدا قوّة الرمز والدين واللغة البسيطة والوجدان الجماعيّ.
لهذا لم يكن غريبا أن ينجح خطاب دينيّ أو شعبويّ أحيانا في الوصول إلى الأحياء الشعبيّة أكثر من خطاب يساريّ مليء بالمصطلحات الثقيلة. فالناس لا يعيشون بالنظريّات وحدها؛ إنّهم يعيشون أيضا بالصور والأحلام والخوف والكرامة المجروحة. والسياسة التي لا تفهم البعد العاطفيّ للمجتمع تبقى ناقصة، مهما بلغت دقّتها النظريّة.
ثمّة مأساة أخرى كذلك: كثير من المثقّفين العرب، يسارا وغير يسار، ظلّوا يتعاملون مع الجماهير بنوع من التعالي الخفيّ. كانوا يريدون “تثقيف الشعب” أكثر ممّا يريدون الإصغاء إليه. وهنا حدث الانفصال الكبير بين النخبة والشارع. فالناس الذين يعيشون البطالة والتهميش والعنف اليوميّ لا ينتظرون فقط من يشرح لهم العالم، بل من يشعر بأنّ آلامهم ليست مادّة لتحليل بارد.
ومن المفارقات أنّ تونس، التي امتلكت واحدة من أكثر التجارب المدنيّة تقدّما في المنطقة، عاشت في الوقت نفسه تعمّقا للفوارق الاجتماعيّة والجهويّة. الساحل شيء، والداخل شيء آخر. العاصمة كوكب، والأطراف كوكب مختلف. ولذلك بقيت فكرة “العدالة الاجتماعيّة” شعارا معلّقا أكثر منها واقعا ملموسا. وحين تفشل الدولة في توزيع الكرامة، تبدأ الهويّات الضيّقة في النموّ: العروشية، الجهوية، التديّن الغاضب، أو حتى العنف العبثيّ.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أنّ الديمقراطيّة وحدها لا تكفي إذا كانت منفصلة عن العدالة الاقتصاديّة. فصندوق الاقتراع لا يشبع البطون، والخطابات الدستوريّة لا تقنع شابّا يرى البحر أقرب إلى أحلامه من وطنه. ومن هنا جاءت الأزمة العميقة للسياسة في تونس: الناس فقدوا الثقة ليس في حزب بعينه، بل في فكرة السياسة نفسها.
ومع ذلك، فإنّ انهيار الثقة لا يعني نهاية التاريخ. فالأفكار الكبرى قد تنكسر، لكنّها تترك شظاياها في الوعي الجمعيّ. وربّما يكون التحدّي الحقيقيّ اليوم هو القدرة على إنتاج شكل جديد من التفكير النقديّ، لا يكرّر شعارات القرن الماضي، ولا يستسلم في الوقت نفسه لابتزاز السوق أو لسطوة الخطاب الدينيّ المغلق. تفكير يعيد وصل الثقافة بالحياة اليوميّة، والفلسفة بالخبز، والحرّيّة بالكرامة الملموسة.
إنّ أيّ مشروع نهضويّ جديد في تونس لن يستطيع تجاهل هذه الأسئلة: كيف يمكن بناء دولة عادلة في اقتصاد عالميّ متوحّش؟ كيف يمكن حماية الحرّيّات دون ترك الفقراء فريسة للهشاشة؟ كيف يمكن استعادة قيمة العقل دون تحويله إلى أداة احتقار للناس البسطاء؟ وكيف يمكن للسياسة أن تعود عملا جماعيّا نبيلا لا مجرّد موسم للوعود والانفعالات؟
تلك هي الأسئلة التي تجعل المعتزلة، رغم قرون الغياب، واليسار، رغم أعطابه الكثيرة، حاضرين بطريقة ما داخل الأزمة التونسيّة الراهنة. لأنّ جوهر المسألة لم يتغيّر كثيرا: من يملك الحقّ في التفكير؟ ومن يملك الثروة؟ ومن يملك القدرة على تعريف الحقيقة والعدالة معا؟
ولعلّ ما يزيد المشهد التونسيّ تعقيدا أنّ البلاد تعيش اليوم نوعا من التمزّق الصامت بين صورتين متناقضتين عن نفسها. فمن جهة، هناك سرديّة رسميّة وقديمة ترى تونس “استثناء” عربيّا في التعليم والحداثة وحقوق المرأة وبناء الدولة المدنيّة. ومن جهة أخرى، هناك واقع يوميّ تتآكل فيه المؤسّسات، ويشعر فيه كثير من الناس بأنّهم يعيشون خارج هذا “الاستثناء” المعلن. كأنّ الدولة تتحدّث بلغة، فيما المجتمع يتألّم بلغة أخرى.
وهنا تظهر أزمة المعنى بوصفها أخطر من الأزمة الاقتصاديّة نفسها. فالمجتمعات تستطيع تحمّل الفقر لفترة، لكنّها تنهار حين تفقد قدرتها على فهم ما يحدث لها. وحين يصبح المستقبل غامضا إلى هذا الحدّ، تتكاثر أشكال الهروب: الهجرة، الإدمان، الانغلاق الدينيّ، السخرية السوداء، أو العنف الرمزيّ الذي يملأ الفضاء العامّ.
لقد كان اليسار، تاريخيّا، يعد الناس بصورة ما من المستقبل: مجتمع أكثر عدلا، إنسان أكثر تحرّرا، توزيع أقلّ وحشيّة للثروة. أمّا اليوم، فإنّ الرأسماليّة المعاصرة لا تعد بشيء تقريبا، بل تكتفي بإدارة الخوف. العامل يخاف من البطالة، والموظّف يخاف من التضخّم، والطالب يخاف من الفراغ، وصاحب الشهادة يخاف من تحوّله إلى رقم فائض. وهكذا يصبح المجتمع كلّه معلّقا داخل قلق دائم، فيما تقدّم له الترفيهات السريعة كمسكّنات نفسيّة جماعيّة.
في هذا السياق، يبدو سؤال العدالة أكثر تعقيدا ممّا كان عليه في القرن الماضي. فالاستغلال لم يعد دائما واضحا ومباشرا كما في صورة العامل داخل المصنع الكلاسيكيّ. هناك اليوم اقتصاد هشّ، وعمل مؤقّت، ومنصّات رقميّة، وطبقات وسطى تتآكل ببطء دون أن تدرك أحيانا أنّها تسقط. وهذا ما جعل الخطاب اليساريّ التقليديّ يفقد جزءا من فعاليّته، لأنّه ظلّ أحيانا أسير تصوّرات قديمة عن المجتمع والصراع الطبقيّ.
لكنّ المشكلة لا تكمن فقط في الأدوات النظريّة، بل أيضا في الخيال السياسيّ. لقد أصبحت السياسة العربيّة فقيرة في قدرتها على الحلم. إمّا خطابات تقنيّة باردة تتحدّث بلغة الأرقام، أو خطابات انفعاليّة تعيش على صناعة العدوّ والمؤامرة. أمّا السؤال الكبير: “كيف نريد أن نعيش معا؟” فقد اختفى تقريبا من المجال العامّ.
ولأنّ الفراغ لا يبقى فارغا، ملأته أشكال هجينة من الشعبويّة. والشعبويّة هنا ليست مجرّد أسلوب سياسيّ، بل هي أيضا نتيجة لفشل النخب في بناء ثقة حقيقيّة مع الناس. فعندما يشعر المواطن أنّ الأحزاب لا تسمعه، وأنّ المثقّفين يتحدّثون من فوقه، يصبح مستعدّا لتصديق أيّ صوت يعده بالخلاص السريع، حتى وإن كان هذا الخلاص وهما.
ومن المفارقات المؤلمة أنّ تونس، التي أنجبت نقاشات فكريّة وثقافيّة عميقة طوال عقود، تكاد تبدو اليوم منهكة فكريّاً. فالمشهد الثقافيّ نفسه أصابه التشظّي. الكاتب يعاني التهميش، والجامعة تعاني البيروقراطيّة، والفنّ يعيش بين الرقابة والسوق، بينما تحوّلت الثقافة في كثير من الأحيان إلى نشاط موسميّ معزول عن الحياة الفعليّة للناس.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا الانهيار بوصفه نهاية مطلقة. فكلّ أزمة تاريخيّة تحمل داخلها إمكانيّات جديدة. وربّما تكون إحدى المهمّات الأساسيّة اليوم هي إعادة اكتشاف السياسة باعتبارها فعلا أخلاقيّا وثقافيّا أيضا، لا مجرّد تنافس على السلطة. أي إعادة الاعتبار لفكرة أنّ المجتمع لا يبنى فقط بالقوانين، بل كذلك بالثقة والمعنى والتضامن.
ومن هنا قد يصبح من الضروريّ تجاوز الثنائيّات القديمة التي استنزفت النقاش العربيّ طويلا: أصالة/حداثة، دين/علمانيّة، شرق/غرب. فهذه الثنائيّات، رغم أهمّيتها التاريخيّة، لم تعد كافية لفهم واقع أكثر تشابكا. السؤال اليوم لم يعد فقط: “أيّ نموذج فكريّ نختار؟” بل أيضا: “كيف نمنع الإنسان من التحوّل إلى كائن معزول، خائف، فاقد القدرة على المشاركة؟”
لقد فهمت المعتزلة مبكّرا أنّ العقل ضرورة أخلاقيّة. وفهم اليسار، في لحظاته الأفضل، أنّ العدالة ليست شعارا بل شرطا لاستقرار المجتمع نفسه. أمّا تونس اليوم، فهي تقف أمام امتحان تاريخيّ يتجاوز الأحزاب والتيّارات: هل تستطيع إنتاج أفق جديد يربط الحرّيّة بالكرامة، والدولة بالمواطنة، والثقافة بالحياة؟ أم أنّها ستظلّ تدور داخل حلقة الإنهاك نفسها، حيث يتكرّر الغضب دون أن يتحوّل إلى مشروع؟
ثمّة جانب آخر كثيرا ما يهمل عند الحديث عن اليسار التونسيّ أو عن التراث العقلانيّ عموما، وهو علاقة الفكر بالهامش. فمعظم السرديّات السياسيّة العربيّة كتبت من داخل المدن الكبرى، من العاصمة، من الجامعة، من الصحف، بينما بقيت الجهات الداخليّة تظهر غالبا بوصفها “موضوعا” للحديث لا ذاتا تتكلّم. وهذا ما خلق فجوة نفسيّة وثقافيّة عميقة بين المركز وبقيّة البلاد.
فالمدن الداخليّة في تونس لم تكن تشعر فقط بالتهميش الاقتصاديّ، بل أيضا بالتهميش الرمزيّ. لقد بدا كأنّ ثمّة تونس ترى وتسمع وتصوّر باستمرار، وتونس أخرى تستدعى فقط عند الكوارث أو الاحتجاجات أو مواسم الانتخابات. وحين يتحوّل الإنسان إلى مجرّد رقم في تقارير التنمية، يفقد تدريجيّا إحساسه بأنّه جزء فعليّ من الوطن.
لهذا لم يكن انفجار الاحتجاجات الاجتماعيّة في الجهات مجرّد ردّ فعل على البطالة، بل كان أيضا صرخة ضدّ الإقصاء المعنويّ. فالكرامة ليست مفهوما مجرّدا؛ إنّها شعور الإنسان بأنّ وجوده معترف به، وأنّ صوته لا يضيع في الفراغ. ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّل شعار “الشغل، الحرّيّة، الكرامة الوطنيّة” إلى تعبير مكثّف عن أزمة أعمق من السياسة التقليديّة.
لكنّ المعضلة الكبرى أنّ الدولة العربيّة الحديثة، ومنها الدولة التونسيّة، بنيت في كثير من الأحيان بمنطق الإدارة لا بمنطق المشاركة. كانت الدولة قويّة في جمع الضرائب والمراقبة والضبط، لكنّها أقلّ قدرة على بناء فضاء يشعر فيه المواطن بأنّه شريك فعليّ في القرار. وهكذا نشأت علاقة مرتبكة بين الفرد والمؤسّسة: خوف متبادل، وشكّ متبادل، وانتظار دائم لأن يأتي الحلّ من الأعلى.
وقد ساهمت البيروقراطيّة الثقيلة في تعميق هذا الإحساس. فالمواطن الذي يقضي ساعات في طابور إدارة مهترئة، أو يواجه اللامبالاة والفساد الصغير يوميّا، لا يختبر الدولة بوصفها فكرة دستوريّة، بل بوصفها تجربة نفسيّة مرهقة. وهنا تصبح السياسة مسألة يوميّة ملموسة، لا نقاشا نظريّا فقط.
ومن المفارقات أنّ الخطاب النيوليبراليّ الذي انتشر عالميّا منذ عقود قدّم نفسه بوصفه طريقا للنجاعة والحداثة، لكنّه في كثير من البلدان الهشّة أدّى إلى نتائج معاكسة. إذ جرى تقليص دور الدولة الاجتماعيّ دون بناء بدائل حقيقيّة، فتوسّعت الهشاشة، وازداد الشعور بأنّ الفرد ترك وحيدا أمام السوق والبطالة وارتفاع الأسعار. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن “الحريّة الاقتصاديّة” فارغا بالنسبة إلى من لا يملك أساسا القدرة على العيش الكريم.
هنا بالذات يعود سؤال العدالة ليظهر من زاوية جديدة. فالعدالة ليست فقط توزيعا للثروة، بل أيضا توزيع للاعتراف والفرص والمعرفة. والمجتمع الذي يحتكر فيه جزء صغير إمكانيّات التعليم الجيّد والثقافة والتأثير الإعلاميّ هو مجتمع يعيد إنتاج الفوارق نفسها حتى وإن رفع شعارات المساواة.
ولذلك فإنّ الأزمة التونسيّة ليست أزمة حكومة أو دستور أو مرحلة انتخابيّة فحسب، بل أزمة نموذج كامل في فهم التنمية والمواطنة والثقافة. لقد ظلّت فكرة “التقدّم” مرتبطة طويلا بالبنية التحتيّة والمؤشّرات الرقميّة، بينما ترك الإنسان نفسه في كثير من الأحيان وحيدا أمام التفكّك النفسيّ والاجتماعيّ.
إنّ أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس الفقر المادّي فقط، بل الاعتياد على القبح العامّ: مدارس تتداعى، لغة عنيفة، إعلام يستهلك التفاهة، فضاءات مهملة، وعلاقات اجتماعيّة تتآكل تحت ضغط الخوف والضغط الاقتصاديّ. حينها يصبح الانحدار شيئا طبيعيّا لا يثير الصدمة، ويبدأ الناس بالتكيّف مع الرداءة كأنّها قدر.
وربّما لهذا تبدو الحاجة إلى مشروعٍ ثقافيّ جديدة بإلحاح كبير. ليس مشروعا دعائيّا أو نخبويّا، بل مشروعا يعيد بناء الحسّ النقديّ والذوق العامّ والثقة في إمكانيّة التفكير الجماعيّ. لأنّ السياسة، مهما تغيّرت وجوهها، تبقى عاجزة إذا كان المجتمع نفسه فاقدا للقدرة على تخيّل مستقبل مختلف.
لقد أدركت قوى كثيرة عبر التاريخ أنّ السيطرة الحقيقيّة لا تقوم فقط على القوّة، بل على تشكيل الوعي أيضا. ومن ينجح في جعل الناس يعتقدون أنّ التغيير مستحيل، يكون قد انتصر قبل أيّ معركة. لذلك فإنّ استعادة الأمل ليست مسألة عاطفيّة بسيطة، بل فعل مقاومة بحدّ ذاته.
وتونس، رغم كلّ الإنهاك، ما تزال تمتلك عناصر حيّة يمكن البناء عليها: إرثا نقابيّا، طاقات شبابيّة، ذاكرة مدنيّة، وتقاليد ثقافيّة متجذّرة. غير أنّ هذه العناصر تحتاج إلى أفق جامع، لا إلى مزيد من التفتّت والخصومات العقيمة. لأنّ المجتمعات لا تنهض فقط حين تغضب، بل حين تنجح أيضا في تحويل غضبها إلى وعي وتنظيم وخيال تاريخيّ جديد.
غير أنّ أيّ حديث عن الخيال التاريخيّ الجديد يظلّ ناقصا إذا لم يطرح سؤال اللغة نفسها. فاللغة في تونس، كما في أغلب البلدان العربيّة، لم تعد مجرّد وسيلة تواصل، بل أصبحت ساحة صراعٍ اجتماعيّ ورمزيّ. هناك لغة الإدارة الجامدة، ولغة الإعلام المستهلكة، ولغة الشارع الغاضبة، ولغة النخب التي كثيرا ما تنغلق داخل مصطلحاتها. وبين هذه اللغات تتشظّى صورة الإنسان التونسيّ، كأنّه يعيش في عدّة عوالم متوازية لا تتفاهم تماما.
لقد كان للمعتزلة، في زمنهم، وعي مبكّر بخطورة اللغة وتأويلاتها، لأنّ المعنى ليس بريئا. وكلّ سلطة تحاول دائما أن تجعل كلمات معيّنة تبدو طبيعيّة ونهائيّة: الطاعة، الأمن، الواقعيّة، المصلحة الوطنيّة. بينما وظيفة الفكر النقديّ هي تفكيك هذه البداهات وكشف ما تخفيه من علاقات قوّة. واليسار التونسيّ، رغم مساهماته المهمّة، لم ينجح دائما في ابتكار لغة سياسيّة قادرة على الجمع بين العمق والوضوح. فظلّت بعض خطاباته تبدو مترجمة عن قواميس أخرى، أكثر ممّا هي نابعة من التربة الاجتماعيّة المحليّة.
وهذا أحد أسباب الأزمة الثقافيّة العربيّة عموما: كثير من المفاهيم الحديثة دخلت بوصفها ألفاظا جاهزة قبل أن تتحوّل إلى تجارب حيّة داخل المجتمع. الديمقراطيّة، المواطنة، العلمانيّة، الحريّة الفرديّة، العدالة الاجتماعيّة… كلمات كبيرة، لكنّها كثيرا ما بقيت معلّقة في الخطاب دون أن تجد تجسيدا فعليّا في الحياة اليوميّة. لذلك بدا النقاش السياسيّ أحيانا منفصلا عن واقع الناس، أو كأنّه يدور فوق رؤوسهم.
ومن هنا نفهم لماذا تنجح أحيانا الشعارات البسيطة والعاطفيّة أكثر من البرامج المعقّدة. فالإنسان لا يتفاعل فقط مع المنطق، بل مع الإحساس بالانتماء أيضا. والسياسة التي لا تمنح الناس معنى نفسيّا وجماعيّا تظلّ هشّة مهما بلغت عقلانيّتها. ولهذا استطاعت تيّارات كثيرة أن تبني نفوذها عبر الرموز والهويّات والذاكرة الجماعيّة، لا عبر الحلول الاقتصاديّة وحدها.
ثمّة تحوّل آخر لا يقلّ أهميّة: تراجع فكرة “المثقّف العضويّ” الذي تحدّث عنه غرامشي. ففي مراحل سابقة، كان المثقّف جزءا من معركة اجتماعيّة أوسع، مرتبطا بالنقابات أو الحركات الطلابيّة أو الصحافة الثقافيّة. أمّا اليوم، فقد أدّى التفكّك الإعلاميّ والرقميّ إلى نوع من العزلة المتبادلة. الكاتب يكتب لجمهور ضيّق، والسياسيّ يخاطب جمهوره الخاصّ، والناس يعيشون داخل فقاعات نفسيّة وإعلاميّة متباعدة.
ولعلّ أخطر ما أنتجته المرحلة الراهنة هو تآكل الثقة في إمكانيّة الفعل الجماعيّ نفسه. فالكثير من الشباب لم يعد يعتقد أنّ الأحزاب قادرة على التغيير، ولا أنّ النقابات تملك مشروعا واضحا، ولا أنّ الدولة تمتلك رؤية طويلة المدى. وهذا الفراغ يولّد نوعا من الفردانيّة القاسية: كلّ شخص يحاول النجاة وحده، إمّا بالهجرة، أو بالاقتصاد الموازي، أو بالانسحاب الكامل من الشأن العامّ.
لكنّ المجتمعات لا تستطيع العيش طويلا بهذه الطريقة. لأنّ انهيار الروابط الجماعيّة يفتح الباب أمام أشكال متزايدة من العنف والقلق وفقدان المعنى. فالإنسان يحتاج إلى الإحساس بأنّه جزء من قصّة أكبر من حياته الفرديّة، وإلّا تحوّلت الحياة العامّة إلى مجرّد تنافس مرهق على البقاء.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في معنى “التحرّر” نفسه. فالتحرّر لا يعني فقط إسقاط الرقابة السياسيّة أو توسيع هامش التعبير، بل يعني أيضا تحرير الإنسان من الخوف الدائم، ومن التبعيّة الاقتصاديّة، ومن الإحساس بالعجز أمام المستقبل. إنّ الحرّيّة التي لا تترجم إلى قدرة فعليّة على العيش الكريم تبقى ناقصة، مثل نافذة مفتوحة داخل غرفة بلا هواء.
وربّما كان أحد أخطاء التجارب السياسيّة العربيّة الحديثة أنّها تعاملت مع الإنسان إمّا بوصفه مواطنا قانونيّا مجرّدا، أو بوصفه تابعا داخل جماعة مغلقة، بينما أُهملت أبعاده النفسيّة والثقافيّة والرمزيّة. والحال أنّ الإنسان لا يعيش بالاقتصاد وحده، كما لا يعيش بالشعارات وحدها. إنّه يحتاج إلى الاعتراف، إلى الجمال، إلى الأمان، إلى القدرة على الحلم.
لهذا فإنّ المعركة الحقيقيّة في تونس اليوم ليست فقط حول من يحكم، بل حول شكل المجتمع الذي يراد بناؤه. هل سيكون مجتمعا يقوم على الخوف والانقسام والتدبير المؤقّت للأزمات؟ أم مجتمعا يعيد الاعتبار للفكر والعمل والثقافة والتضامن؟ ذلك هو السؤال الذي يتجاوز اليسار والمعتزلة وكلّ التصنيفات التقليديّة، لأنّه يتعلّق في النهاية بصورة الإنسان التي تريدها البلاد لنفسها.
وإذا كان ثمّة ما يكشف هشاشة البناء الاجتماعيّ في تونس اليوم، فهو ذلك التناقض الحادّ بين الوفرة الرمزيّة والفقر الواقعيّ. فالمجال العامّ ممتلئ بالكلام: تصريحات، منابر، تحاليل، سجالات لا تنتهي، لكنّ هذا التضخّم الخطابيّ يخفي في العمق عجزا متزايدا عن إنتاج الفعل. كأنّ المجتمع يتحوّل تدريجيّا إلى آلة للكلام عن أزماته بدل القدرة على تجاوزها.
لقد أصبحت السياسة نفسها نوعا من الفرجة المتوتّرة. يتابع الناس الخلافات والتجاذبات كما لو أنّهم يتابعون سلسلة طويلة من الحلقات المتكرّرة، دون اقتناع حقيقيّ بأنّ شيئا جوهريّا سيتغيّر. وهذا الشعور بالتكرار المنهك هو ما يدفع كثيرين إلى الانسحاب النفسيّ من الشأن العامّ، حتى وإن ظلّوا غاضبين في العمق. فاللامبالاة ليست دائما غيابا للاهتمام، بل قد تكون شكلا متعبا من فقدان الثقة.
ومن العلامات الدالّة أيضا على الأزمة الراهنة ذلك التحوّل في صورة النجاح الاجتماعيّ. ففي مراحل سابقة، كان التعليم ينظر إليه بوصفه سلّما للترقّي والاندماج. أمّا اليوم، فإنّ كثيرا من الشباب يعيشون قطيعة مؤلمة بين سنوات الدراسة الطويلة وواقع البطالة أو العمل الهشّ. وهنا يحدث شرخ خطير بين ما تعد به المؤسّسات وما يعيشه الأفراد فعلا. وحين تفقد المدرسة قدرتها على منح الأمل، تفقد الدولة أحد أهمّ مصادر شرعيّتها الرمزيّة.
ولذلك لم يعد الاحتجاج في تونس مرتبطا فقط بالمطالب التقليديّة، بل أصبح أيضا تعبيرا عن أزمة اعتراف. فالكثير من الناس يريدون أن يروا ويسمعوا قبل أيّ شيء آخر. يريدون الإحساس بأنّهم ليسوا فائضا بشريّا على هامش الاقتصاد والسياسة. ومن هنا نفهم الغضب الكامن في الأحياء المهمّشة، وفي الخطاب اليوميّ، وحتى في السخرية السوداء التي أصبحت لغة شائعة بين الشباب.
إنّ السخرية، في جانب منها، ليست مجرّد مزاح، بل آليّة دفاع جماعيّة ضدّ الإحباط. وحين يتحوّل المجتمع إلى منتج دائم للنكات القاتمة حول السياسة والمعيشة والمستقبل، فذلك يعني أنّ الألم صار أعمق من أن يعبّر عنه مباشرة. لهذا تبدو الفكاهة أحيانا الوجه الآخر للعجز التاريخيّ.
ثمّة مسألة أخرى بالغة الأهميّة، وهي علاقة التونسيّين بالزمن. فالمجتمع الذي عاش عقودا على فكرة “الانتظار” بدأ يفقد قدرته على الصبر. انتظار الوظيفة، انتظار التنمية، انتظار الإصلاح، انتظار العدالة… إلى أن أصبح الانتظار نفسه شكلا من أشكال الاستنزاف النفسيّ. وعندما يطول الانتظار بلا أفق، يتحوّل إلى شعور جماعيّ بالاختناق.
وفي هذه النقطة تحديدا تظهر خطورة الشعبويّة مجدّدا. فهي لا تقدّم حلولا معقّدة، بل تقدّم وعدا بإلغاء المسافة بين الرغبة والنتيجة. تعد الناس بأنّ المشكلة بسيطة، وأنّ الخلاص قريب، وأنّ ثمّة “خونة” أو “فاسدين” يمكن تحميلهم كامل المسؤوليّة. إنّها تمنح تفسيرا سهلا لعالم شديد التعقيد، ولذلك تبدو مغرية في لحظات الإحباط الجماعيّ.
غير أنّ اختزال الأزمات في أشخاص أو مؤامرات يخفي البنية العميقة للمشكل. فالأزمة التونسيّة نتيجة تراكمات طويلة: اختلال التنمية، ضعف الإنتاج، هشاشة الإدارة، الارتهان الاقتصاديّ، تدهور التعليم العموميّ، وغياب مشروع ثقافيّ جامع. وهذه القضايا لا تحلّ بالشعارات أو الانفعالات السريعة، بل بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وبين الفرد والمستقبل.
لكنّ بناء الثقة يتطلّب قبل كلّ شيء إعادة الاعتبار لفكرة الحقيقة في المجال العامّ. إذ لا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض إذا كان غارقا في الضجيج والتضليل والخوف المتبادل. والحقيقة هنا لا تعني امتلاك يقين مطلق، بل تعني القدرة على النقاش العقلانيّ، وعلى الاعتراف بالأخطاء، وعلى مواجهة الواقع دون تجميل أو تهويل.
ولعلّ هذا ما يجعل الإرث العقلانيّ للمعتزلة، والإرث النقديّ لليسار، مهمّين رغم كلّ شيء. فالقيمة الأساسيّة فيهما ليست في الحلول الجاهزة، بل في الإصرار على أنّ الإنسان قادر على التفكير في مصيره بدل الاستسلام الكامل للسلطة أو للخرافة أو لليأس. وهذه الفكرة، في حدّ ذاتها، تصبح فعلا مقاوما في زمنٍ تدفع فيه المجتمعات نحو الإنهاك واللامعنى.
إنّ تونس تقف اليوم أمام مفترق يتجاوز السياسة اليوميّة الضيّقة. فإمّا أن تنجح في تحويل أزماتها إلى فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعيّ والثقافيّ على أسس أكثر عدلا ووضوحا، وإمّا أن يستمرّ التآكل البطيء الذي يجعل الدولة موجودة شكلا، فيما يذوب الإحساس الجماعيّ بالمستقبل شيئا فشيئا. وفي مثل هذه اللحظات التاريخيّة لا يكون السؤال الحقيقيّ: “من ينتصر انتخابيّا؟” بل: “أيّ نوع من البشر ستنتجه هذه المرحلة؟”
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأيّ مجتمع ليس فقط أن يفقد ثرواته أو استقراره، بل أن يفقد صورته عن نفسه. وعندما تتشوّش هذه الصورة، يبدأ الناس في النظر إلى الوطن باعتباره عبئا مؤقّتا لا مجالا مشتركا للحياة. وهذا ما يفسّر جزئيا ذلك الإحساس المنتشر بالاقتلاع الداخليّ، حتى لدى من لم يغادروا البلاد فعليّا. فالهجرة لم تعد دائما عبورا جغرافيّا؛ قد تتحوّل أيضا إلى حالة ذهنيّة يعيشها الفرد وهو داخل مدينته، حين يشعر بأنّه غريب عن اللغة السياسيّة السائدة، وعن الاقتصاد، وعن الإيقاع العامّ للحياة.
لقد نشأ جيل كامل بعد الثورة وهو يسمع باستمرار كلمات ضخمة مثل “الانتقال الديمقراطيّ” و”الإصلاح” و”الحوكمة”، لكنّه في المقابل كان يرى المدرسة العموميّة تتراجع، والمستشفى العموميّ يختنق، والفضاء الحضريّ يفقد توازنه، وفرص العمل تتقلّص. وهذا التناقض بين الخطاب والتجربة المعيشة خلق نوعا من الإرهاق الرمزيّ؛ إذ لم تعد الكلمات قادرة على إقناع الناس بسهولة، مهما كانت بليغة.
ومن هنا يمكن فهم صعود النزعات العدميّة لدى بعض الشباب. فحين يفقد الإنسان ثقته في السياسة والاقتصاد والمؤسّسات، يبدأ أحيانا في فقدان ثقته في فكرة المستقبل نفسها. لذلك لم تعد بعض أشكال العنف أو المخاطرة القصوى تفهم فقط بوصفها انحرافات فرديّة، بل بوصفها أعراضا لاختلال أعمق في علاقة المجتمع بأفراده. إنّ الإنسان الذي يشعر بأنّ حياته بلا أفق يصبح أكثر استعدادا للاندفاع نحو الحدود القصوى، سواء في البحر أو في الشارع أو داخل العالم الافتراضيّ.
وفي المقابل، تتشكّل داخل المجتمع أشكال جديدة من التديّن والروحانيّة والبحث عن المعنى. وهذا ليس أمرا عرضيّا، لأنّ الإنسان حين يعجز عن إيجاد تفسير عقلانيّ مطمئن لما يحدث حوله، يعود غالبا إلى أنظمة رمزيّة تمنحه الإحساس بالتماسك النفسيّ. لكنّ المشكلة تظهر حين تتحوّل الحاجة إلى المعنى إلى أداة تعبئة مغلقة، أو حين يستغلّ القلق الجماعيّ لصناعة الطاعة والخوف.
لقد كان سؤال المعتزلة المركزيّ، في جانبٍ منه، سؤالا حول مسؤوليّة الإنسان. أمّا اليوم، فإنّ الأزمة تبدو وكأنّها انتقال معكوس نحو تآكل الإحساس بالمسؤوليّة الجماعيّة. الجميع يتّهم الجميع: الدولة تتّهم المواطن، والمواطن يتّهم السياسيّ، والسياسيّ يتّهم الخارج، والخارج يقدّم كقوّة غامضة تتحكّم بكلّ شيء. وهكذا يتحوّل المجتمع إلى شبكة من التبريرات المتبادلة بدل أن يكون فضاء للفعل المشترك.
ومن نتائج هذا الوضع أيضا تفكّك العلاقة مع المجال العامّ. فالشارع، والحديقة، والنقل العموميّ، والمدرسة، والإدارة… كلّها فضاءات تعكس مستوى الثقة بين الأفراد والدولة. وعندما يشعر الناس بأنّ هذه الفضاءات لا تحمي كرامتهم ولا تعبّر عنهم، يبدأ الانسحاب نحو الدوائر الضيّقة: العائلة، الجماعة الصغيرة، المصالح الفرديّة. وهنا يتراجع الحسّ المدنيّ تدريجيّا لصالح منطق النجاة الشخصيّة.
غير أنّ المجتمع لا يمكن أن يستمرّ طويلا بهذه الصيغة المتفكّكة دون أن يدفع ثمنا باهظا. فحين تتآكل الثقة، تتعطّل القدرة على التعاون، وحين يتعطّل التعاون يصبح كلّ إصلاحٍ هشّا وقابلا للانهيار. ولذلك فإنّ المسألة لا تتعلّق فقط بالاقتصاد أو بالدستور، بل بإعادة بناء الروابط التي تجعل الناس يشعرون بأنّهم يعيشون داخل مشروع جماعيّ، لا داخل حشد متجاور من الأفراد القلقين.
وهنا يبرز دور الثقافة مرّة أخرى، لا بوصفها البنية العميقة التي تشكّل طريقة فهم المجتمع لنفسه. فالأغنية، والرواية، والمسرح، والسينما، واللغة اليوميّة، كلّها ليست تفاصيل هامشيّة، بل أدوات لصناعة الوعي والذاكرة والخيال. والمجتمع الذي يترك فضاءه الثقافيّ للفوضى أو للتسليع الكامل يفقد تدريجيّا قدرته على إنتاج معنى مشترك.
وربّما لهذا تبدو الحاجة ماسّة اليوم إلى نوع جديد من التفكير السياسيّ والثقافيّ يتجاوز الحنين العقيم إلى الماضي، ويتجاوز أيضا الانبهار الساذج بالنماذج الجاهزة. تفكير ينطلق من الواقع التونسيّ كما هو، بتناقضاته وهشاشته وتعدّده، لا كما ترغب الإيديولوجيّات في تخيّله. لأنّ الأزمات الكبرى لا تحلّ باستيراد الشعارات، بل بفهم البنية الحقيقيّة للمجتمع.
لقد أثبت التاريخ أنّ المجتمعات القادرة على النقد الذاتيّ هي الأكثر قدرة على البقاء. أمّا المجتمعات التي تحوّل أوهامها إلى مقدّسات، فإنّها تؤجّل انفجاراتها فقط. وتونس اليوم، بكلّ ما تملكه من ذاكرة إصلاحيّة وتعليميّة ومدنيّة، ما تزال تملك فرصة نادرة لإعادة طرح الأسئلة الصحيحة بدل الاكتفاء بإدارة الأعطاب اليوميّة. لأنّ الأمم لا تنهض حين تخفي جراحها، بل حين تمتلك الشجاعة للنظر إليها دون خوف أو إنكار.
في النهاية، لا تبدو أزمة تونس مجرّد تعثّر اقتصاديّ أو اضطراب سياسيّ عابر، بل تبدو كأنّها لحظة مواجهة تاريخيّة بين مجتمع يريد أن يبقى حيّا، وبين قوى التآكل التي تنخره ببطء من الداخل. فالأمم لا تسقط دائما بالزلازل والحروب الكبرى؛ أحيانا تسقط بالتعب الطويل، بالاعتياد على الرداءة، بالتكيّف التدريجيّ مع القبح، بالصمت الذي يتحوّل مع الوقت إلى طبيعة ثانية.
لقد صار واضحا أنّ المشكلة أعمق من أسماء الحكومات والأحزاب والتيّارات. إنّها أزمة رؤية للإنسان نفسه. هل ينظر إلى المواطن باعتباره كائنا حرّا قادرا على التفكير والمشاركة والإبداع؟ أم باعتباره مجرّد رقم انتخابيّ، أو ملفّا إداريّا، أو مستهلكا خائفا يطلب منه فقط أن يطيع ويصبر ويتحمّل؟ هنا بالتحديد يلتقي الإرث العقلانيّ للمعتزلة مع السؤال الاجتماعيّ الذي حمله اليسار في أفضل لحظاته: الدفاع عن قيمة الإنسان ضدّ كلّ ما يحاول تحويله إلى أداة أو قطيع أو ظلّ بلا صوت.
لكنّ المأساة الحقيقيّة ليست في الهزائم الفكريّة وحدها، بل في تحوّل اليأس إلى مناخ عامّ. حين يبدأ الناس بالاعتقاد أنّ الفساد قدر، وأنّ العدالة وهم، وأنّ السياسة مجرّد مسرح مغلق، وأنّ الثقافة لا تغيّر شيئا، يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر. فالمجتمعات لا تموت عندما تضعف فقط، بل تموت حين تفقد قدرتها على تخيّل بديل لما هي عليه.
ومن أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة أنّ الخوف تمدّد في كلّ الاتجاهات: خوف اقتصاديّ من الغد، خوف اجتماعيّ من السقوط، خوف سياسيّ من الفوضى، وخوف وجوديّ من فقدان المعنى نفسه. والخوف، حين يصبح مناخا دائما، يدفع الناس إمّا إلى الانغلاق، أو إلى العنف، أو إلى التسليم الكامل بأيّ سلطة تعدهم بالأمان ولو على حساب الحرّيّة. وهكذا تدخل المجتمعات في دائرة مرعبة: كلّما ازداد القلق طلبت مزيدا من السيطرة، وكلّما ازدادت السيطرة تقلّصت القدرة على التنفّس والتفكير.
ومع ذلك، فإنّ التاريخ لا يتحرّك بخطوط مستقيمة. فالبلدان التي تبدو منهكة قد تفاجئ الجميع بلحظات يقظة غير متوقّعة، حين تنجح فجأة في تحويل الغضب إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى أفق جديد. وما تزال تونس تمتلك، رغم الخراب المتراكم، شيئا نادرا في المنطقة: ذاكرة حيّة عن إمكانيّة النقاش، وعن قيمة المدرسة، وعن معنى الفضاء المدنيّ، وعن قدرة المجتمع على مقاومة الاستبداد حين يبلغ الاختناق ذروته.
غير أنّ هذه الإمكانيّة لن تتحقّق تلقائيّا. فالأوطان لا تنقذ بالشعارات وحدها، ولا بالخطب الغاضبة، ولا بالتغنّي بالماضي. إنّها تحتاج إلى شجاعة أخلاقيّة وفكريّة هائلة: شجاعة الاعتراف بالأعطاب الحقيقيّة دون إنكار، وشجاعة نقد الذات دون تحوّل ذلك إلى جلد عبثيّ، وشجاعة بناء مشروع يتجاوز الحسابات الضيّقة والعصبيّات المؤقّتة.
إنّ تونس لا تحتاج فقط إلى إصلاح الاقتصاد، بل إلى إعادة بناء الحسّ العامّ نفسه؛ إعادة الاعتبار لفكرة العمل، لفكرة المدرسة، لفكرة الثقافة، لفكرة التضامن بين الناس. تحتاج إلى استعادة معنى الدولة بوصفها حماية للكرامة لا جهازا لإدارة التعب، ومعنى السياسة بوصفها خدمة للشأن العامّ لا مهنة للنجاة الشخصيّة، ومعنى الحرّيّة بوصفها قدرة على الحياة لا مجرّد حقّ نظريّ في الكلام.
لقد أثبتت العقود الأخيرة أنّ المجتمعات التي تهمل الفكر تدفع الثمن باهظا، وأنّ احتقار الثقافة ليس موقفا بريئا بل انتحارا بطيئا. لأنّ الخراب يبدأ دائما من اللغة قبل أن يصل إلى الحجر، ومن تشويه الوعي قبل انهيار المؤسّسات. وحين تصبح التفاهة معيارا، والعنف لغة يوميّة، واليأس شكلا من أشكال الواقعيّة، يكون المجتمع قد دخل مرحلة خطيرة من التآكل الداخليّ.
وربّما لهذا تبدو المعركة القادمة في تونس أعمق من مجرّد صراع سياسيّ. إنّها معركة على صورة الإنسان الممكن في هذه البلاد: هل سيكون إنسانا خائفا، متعبا، معزولا، يبحث فقط عن منفذ فرديّ للهرب؟ أم إنسانا قادرا على استعادة ثقته بنفسه وبالمعنى الجماعيّ للحياة؟ ذلك هو السؤال الذي سيتحكّم في شكل المستقبل أكثر من أيّ انتخابات أو تحالفات عابرة.
فالأمم، في نهاية الأمر، لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من قدرة على الحلم. وحين يفقد شعب ما القدرة على الحلم، يصبح قابلا لكلّ أشكال الهيمنة والانطفاء. أمّا حين ينجح في استعادة خياله التاريخيّ، ولو وسط الركام، فإنّه يفتح بابا لم يكن يبدو موجودا من قبل. وتونس، رغم كلّ شيء، ما تزال تقف على هذا الحدّ الفاصل بين الإنهاك والإمكان، بين السقوط والبداية، بين بلد يذوب ببطء داخل أزماته، وبلد قد يكتشف، في لحظة وعيٍ قاسية، أنّ خلاصه يبدأ أوّلا من استعادة ثقته في الإنسان نفسه.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.


المزيد.....




- فيديو يظهر كرة نارية في سماء صور.. إسرائيل توسّع عملياتها ال ...
- لماذا تمثل المقاتلة -إف-35- مفتاح التفوق الجوي الأمريكي في ع ...
- فضيحة تهز الـCIA: مسؤول استخباراتي أخفى 303 سبائك ذهب داخل م ...
- جاموسة -دونالد ترامب- الشهيرة تنجو من أضحية العيد وتُنقل إلى ...
- رغم الأزمات.. كيف أصبحت تركيا فجأة -واحة استقرار- في المنطقة ...
- حزب الله يقول إنه يخوض اشتباكات خارج الخط الأصفر من مسافة صف ...
- الصيف يصل مبكرا إلى أوروبا.. حر خانق في بريطانيا وإيطاليا
- فرنسا: النواب يصوتون بالإجماع لإلغاء -المرسوم الأسود-.. ماذا ...
- تونس: -بلغ السيلُ الزبى-؟
- إيبولا يتفاقم في الكونغو الديمقراطية في ظل شح الموارد الصحية ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار التونسيّ