أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -














المزيد.....

بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 01:52
المحور: الادب والفن
    


في زاوية من زقاق خفيّ في مدينة التّدقيق و التّمحيص ، على قول الكاتب الحر سليم دولة ، حيث تنام شظيّة من تاريخ منسيّ ،
وشارع يضحك على نفسه
تقع مقهى "صغيّر" .. بار النّخيل
الذي كما يحلو لنا تسميته ، بار الجامعة العربية
ربّما لأنّ الداخلين لا يخرجون بفهم أوضح
وربّما لأنّ الخروج أصعب من الدّخول ...
عند الباب،
رجل بعين شرطيّ
يفتح لك الطّريق بنظرة لا معنى لها
كأنّه يمنحك تأشيرة دخول إلى دولة غير موجودة ...
في الدّاخل،
الأضواء باهتة
والنّبيذ يتحدث بلغات قبصة القديمة
والجعّة تضحك كأنّها تفهم النّكتة قبل أن تقال ،
النّادل له شبكة ايادي
عيناه مصباحان مطفآن
يفتح لي قارورة شراب بشيء يشبه الوقت
ثم يهمس :
"هنا، كلّ قارورة قرار مؤجّل
وكلّ طاولة مؤتمر فاشل
اشربْ… فاللّيلة لا جدول أعمال!" ...
في الزّاوية،
سفير سابق يلعب الدومينو مع نفسه
يضع حجرا… ثم يسحبه
ينظر حوله بحذر
كأنّه يخشى تصويتا مفاجئا ،
قربه، شاعر بخياطة في رأسه
ينزف قصائد فوق الطّاولة
ويكتب بيانا ختاميّا على ورق جريدة سرّية مبلّل بعرق المقموعين
منجميّ من فسفاط يجلس بالقرب
كفّاه خارطتان دون حدود
قال لي: "أنا كنت هنا منذ القمّة الأولى
ولا زلت أنتظر البيان الأخير."
ضحكت
لم يضحك
رفع كأسه وقال :
"إلى الوحدة الكبرى!"
فانفجرت الكأس بين أصابعه
وتساقط النبيذ كأنّه دم معاهدة ماتت قبل التوقيع
في تلك اللّحظة
انعقدت الجلسة الأخيرة في رأسي،
وتقرّر بالإجماع:
أن أطلب بيره
و أترك حقيبتي خارج التاريخ
و أنام هنا
حيث لا أحد يتذكّر اسمه الحقيقي
و حيث فقط هنا نتّحد ....

يقف بار النّخيل مثل سفينة نسيها البحر القديم في جوف حوت قبصيّ ،
يصرخ : " لا نغلق أبدا، لا نفتح تماما."
الداخلون يتركون أسماءهم عند العتبة
يرتدون وجوها مستعارة
يتحدّثون بلهجات من آثار
ويجلسون حول الطّاولات كأنّهم ينتظرون حكما لم يصدر ..
الهواء ثقيل برائحة فرح عتيق
والكؤوس ممتلئة بنبيذ يشبه المتاحف
كلّما شربت رشفة
رأيت فيها ماضيك
وحين تفرغ الكأس
يتحوّل الماضي إلى لوحة فسيفساء قديمة على الجدار...
صوت اجشّ اكلت السّجائر الرّديئة بعض حباله ، آت من طاولة السّفير السّابق ،، انّه صوت متسوّل يجوب كلّ يوم قفصة لاصطياد زجاجتين أو ثلاثة من خمر ببار "صغيّر" ..
المتسوّل: (يرفع كأسا فارغة، يبتسم نصف ابتسامة)
"أيها النّادل، لي بقارورة من بعض وطني!"
النّادل: (يحدّق فيه )
"الوطن لدينا يباع بالكؤوس، لكنّك لا تملك الثّمن."
المتسوّل: (يضحك)
"لا أحد هنا يملك الثّمن، و الجميع يشرب!"
النّادل: (يمسح الطاولة كأنّه يمحو شيئا من أمام السّفير السّابق )
"الجميع هنا عطشى لشيء لا يعرفونه،
وحين يرتوون… يكتشفون أنّ العطش كان أرحم."
يتدخّل السّفير السّابق في الحوار دون إذن مما أثار بعض غضب لدى المتسوّل ،
السّفير السّابق: (يحدّق في كأسه التي تعكس وجهه، يحرك أصابعه ببط كأنه يفتّش في أعماق النبيذ عن ذاكرة مفقودة)
"هل تعتقد أن النبيذ له ذاكرة؟"
المتسوّل: (يحرّك كأسه، فتتلاشى ملامحه في الموجة الحمراء الصغيرة، يغمغم بصوت يشبه ارتطام الموج بالحجارة)
"كلّ نبيذ يشرب من أعيننا
ويمتلئ بأحلامنا
لكن حين نفرغ منه،
ينسانا تماما."
السّفير السّابق: (يضحك، يشعل سيجار ليس بالكوبيّ )
"إذن… النبيذ يشبه التّاريخ!" ....
على الطّاولة المجاورة
رجل يشبه خريطة ممزّقة
يقطع الزّمن بسكين أفكاره،
يغمس الخبز في كأسه بدلا من الخمر
وكلّما مضغ لقمة،
استفاق سجين في ذاكرته،
و بشدّة يصفعه فيبكي ، و يصرخ : " يا ليتني لم أكن في الصفّ الآخر، و لم اتعلّم كتابة التّقارير ، و لا حراسة الانذال " .....

السّفير السّابق يرجّ كاسه الشبه الفارغ كأنّه يحاول تحريك مجرى الأحداث،
يهمس بصوت شاحب:
"كلّ شيء يمكن تدويله،
حتى هذه الخمرة…"
ثم يغرق في نخب طويل،
شبيه باجتماع طارئ لم يحضره أحد....
في ركن قصيّ من بار الجامعة العربية
شاعر يكتب قصيدته الأخيرة ،
كلّما كتب سطرا
تساقطت منه الكلمات في الكأس
وحين انتهى،
لم يبق في القصيدة سوى صفير الفواصل ..
رفع المنديل،
نفخ فيه كما يفعل الأطفال ،
لم يطر...
في وسط البار
رجل يعزف على الطّاولة
أصابعه سرايا سفائن تعبر غمار الملح
أنغامه طيور بلا ريش تخرج من فمه
و تسقط في كؤوس الحاضرين....
عند الجدار،
عاطل يجلس على كرسيّ نصفه ماض،
و نصفه الآخر حاضر
في مكان وصله غضبه الطّازج كاملا
عيناه نوافذ تطلّ على حروب لم تبدأ بعد،
يقول لي: "كلّنا هنا نبحث عن حدود داخل الكأس،
لكنّنا لا نجد سوى أسماء ممحوّة."
البار يدور،
الأضواء ترتجف
والطاولات تعقد تحالفات سرّية،
والنّادل يراقب بصمت،
كأنّه ينتظر أن يتعب حبري من الدّوران....
قبل أن أغادر،
رأيت في المرآة رجلا يشبهني،
لكنّه لم يكن أنا،
كان نسخة قديمة منّي،
أو ربّما كنت صورة لم تأت بعد.
سألت النّادل:
"كم السّاعة؟"
قال لي:
"في بار الجامعة العربية… لا أحد يعرف الوقت،
لكنّ الجميع يشعر أنّه متأخّر على شيء ما." ..
باعدت بين دقيقتين ، تسللت خارجي ، امتطيت جثّتي ، و هربت خارج زمن الحان ......



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.


المزيد.....




- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -