أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - راندا شوقى الحمامصى - مشكلة العالم اليوم















المزيد.....

مشكلة العالم اليوم


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 18:50
المحور: قضايا ثقافية
    


أرى أن مشكلة العالم اليوم هي: الانفصال، انفصال الإنسان عن أربع دوائر أساسية:
1. الانفصال عن ذاته
الإنسان اليوم يعرف كل شيء… إلا نفسه.
غارق في الضجيج، مشتت بين الشاشات، يلهث خلف صورة لا تمثّله....فقد صوته الداخلي، فأصبح يعيش حياة مُستعارة لا حياة حقيقية.

2. الانفصال عن المعنى
لم تعد المشكلة فقرًا في الموارد… بل فقرًا في المعنى.
العالم يقدّم وسائل بلا غايات، سرعة بلا اتجاه....ولهذا ترى الاكتئاب والفراغ رغم الوفرة.

3. الانفصال عن الآخر
رغم أننا “متصلون” أكثر من أي وقت، إلا أن القلوب أبعد.
الخلافات تتضخم، والهويات تنغلق، والإنسان يرى الآخر تهديدًا لا امتدادًا له.

4. الانفصال عن الله
وهنا الجذر الأعمق…
حين ينفصل الإنسان عن مصدره، يفقد البوصلة...فتتحول القوة إلى استغلال، والعلم إلى سيطرة، والحرية إلى فوضى.

والمشكلة الأهم هى…
أن العالم لا يعاني من “شرّ متزايد” بقدر ما يعاني من وعي لم ينضج بعد بما يكفي لاحتواء ما وصل إليه من قوة.
كأن البشرية طفل يحمل أدوات عملاقة… ولم يتعلم بعد كيف يستخدمها بحب.
والحل؟ ليس خارجيًا فقط… بل يبدأ من الداخل:
أن يعود الإنسان إلى نفسه… فيصمت قليلًا.
أن يسأل: لماذا أعيش؟ لا فقط: كيف أعيش؟
أن يرى في الآخر مرآة لا خصمًا.
أن يعيد وصل قلبه بالمطلق… أيًا كان اسمه لديه.
فمشكلة العالم ليست نقص النور… بل كثرة القلوب التي أغلقت نوافذها....فالعالم اليوم لا يعاني من أزمة نوع… بل أزمة ترابط.

أولًا: هل هي مشكلة روحية بحتة؟
ليست “بحتة”… لكنها جذرية.
فحين يفرغ الداخل: يتحول الإنسان من “كائن ذو معنى” إلى “كائن يبحث عن إشباع”....تصبح القيم نسبية، والغاية ضبابية.... ويفقد الإنسان ضميره الحي… لا لأنه شرير، بل لأنه تائه.
الروح هنا ليست دينًا فقط… بل: صلة الإنسان بالمطلق، بالحقيقة، بالمعنى، بالضمير.

ثانيًا: هل هي مشكلة اقتصادية؟
نعم… ولكن كـ عرض، لا كأصل.
نرى:
*فجوة هائلة بين الغني والفقير
*استهلاك بلا حدود
*تحويل الإنسان إلى “مُنتِج/مُستهلك” فقط

لكن لنسأل أنفسنا:
لماذا يُبنى نظام اقتصادي غير عادل؟
لأن:
الطمع لم يُهذَّب (مشكلة روحية).......والإنسان لم يُرَ كقيمة بل كوسيلة (خلل في الرؤية)

ثالثًا: هل هي مشكلة سياسية؟
بالتأكيد… لكن السياسة هنا مرآة، لا مصدر.
صراعات، حروب، استقطاب سلطة تُستخدم للهيمنة لا للخدمة.
لكن: السياسة هي انعكاس لوعي البشر الذين يصنعونها.
إذا كان الداخل منقسمًا… ستخرج السياسة منقسمة.
إذا كان الوعي قاصرًا… ستُدار القوة بجهل.

إذن… أين الحقيقة؟
الحقيقة الأعمق هي:
المشكلة روحية في الجذر… اقتصادية في المظهر… سياسية في السلوك.
مثل شجرة:
الجذر = الوعي والروح
الجذع = الأنظمة (اقتصاد، سياسة)
الثمر = الواقع الذي نعيشه
فإن فسد الجذر… مهما حاولنا إصلاح الثمر، سيعود الفساد.
وفي النهاية:
العالم لا يحتاج فقط: إلى قوانين أفضل....أو توزيع عادل للثروات
بل يحتاج إلى: إنسان جديد بوعي جديد.
إنسان:
يرى نفسه جزءًا من الكل....لا يخاف من الاختلاف....لا يعبد المادة.....ولا ينفصل عن روحه
فلو أُصلِح الإنسان داخله…هل سيحتاج العالم إلى كل هذا الصراع خارجه؟

كيف يولد الخلل داخل النفس؟
ليس فجأة… بل عبر مسار دقيق، يكاد يكون غير مرئي:
1. لحظة النقاء (الأصل)
في البداية…الإنسان يولد بحالة صفاء: حضور، بساطة...اتصال فطري بالحياة.....لا يوجد انقسام داخلي…هو كما هو.

2. لحظة الانفصال الأولى
تحدث بهدوء…يُرفض شعور....يُقمع تعبير.....يُخاف من خطأ فيتعلم الإنسان:
“لكي أُحب… يجب أن أكون شيئًا آخر غير حقيقتي.”
وهنا يحدث أول شرخ: أنا الحقيقية ≠ أنا المقبولة
3. تكوّن “الشخصية المصنوعة”
يبدأ في بناء قناع:
يتصرف ليُرضي....يتكلم ليُقبل.....ينجح ليُثبت نفسه....فتتشكل “نسخة” منه…لكنها ليست هو.

4. الانفصال يتعمّق
يمر الوقت… فينسى الأصل....يصدق القناع.....يخاف من الصمت.....يهرب من الداخل
وهنا يظهر: القلق.....المقارنة.....الشعور بالنقص
5. الإسقاط على العالم
الآن يبدأ الخلل في الخروج:
ما لا أقبله في نفسي… أرفضه في الآخر.....خوفي يتحول إلى سيطرة......نقصي يتحول إلى طمع
وهكذا… تتكوّن الأزمات “الخارجية” من جذور داخلية.
الخيط الخفي لكل ذلك:
هو الخوف…الخوف من الرفض....الخوف من الفقد.....الخوف من أن أكون “لا شيء”
فيهرب الإنسان:
إلى المال....إلى السلطة.....إلى الصورة......أو حتى إلى التدين الشكلي.....أي شيء… إلا أن يواجه نفسه.
وهنا سر التحول:
الإنسان لا يحتاج أن “يصبح شيئًا جديدًا”…بل أن:
يتذكر من كان قبل أن يخاف.
مشكلة العالم اليوم… ليست ضجيج الحروب، ولا صراع السياسة، ولا حتى قسوة الاقتصاد.
هذه كلها مظاهر فقط… سطح متحرّك لشيء أعمق بكثير.
المشكلة الحقيقية… أن الإنسان تعب من نفسه، فهرب منها.
لم يعد يحتمل صوته الداخلي، فملأ حياته بالأصوات. لم يعد يفهم مشاعره، فاستبدلها بالانشغال.
لم يعد يعرف من هو، فصار يقلّد كل شيء… إلا ذاته. وهكذا، شيئًا فشيئًا، فقد الإنسان علاقته بنفسه.
فحين ينفصل الإنسان عن نفسه، يصبح كل شيء خارجه مهددًا:يرى الآخر غريبًا، والاختلاف خطرًا، والحياة ساحة صراع لا مساحة لقاء.
فيبدأ في الدفاع…
عن صورة، لا عن حقيقة. عن فكرة، لا عن فهم. عن خوف، لا عن وعي.
المؤلم في الأمر…
أن معظم الناس لا تدرك أنها تعيش بهذا الانفصال، يظنون أن المشكلة في: الظروف…أو الناس…أو العالم…
ولا ينتبهون أن بداخلهم فراغًا صغيرًا، لو أُصغي إليه… لقال كل شيء.
لكن رغم ذلك…هناك شيء مطمئن جدًا: الإنسان لا يفقد نفسه بالكامل.
مهما ابتعد، يبقى بداخله خيط رفيع…يربطه بحقيقته.
يظهر هذا الخيط في لحظات نادرة:
حين يهدأ فجأة دون سبب، حين يتأثر بكلمة صادقة، حين يشعر أنه “يريد أن يعود”… دون أن يعرف إلى أين.
العودة لا تحتاج معجزة…ولا تحتاج أن تغيّري العالم. هي تبدأ بلحظة بسيطة جدًا:
أن تجلس مع نفسك دون هروب…دون محاولة إصلاح…دون حكم…فقط… حضور.
ومع هذا الحضور، تبدأ أشياء صغيرة في التغيّر:
يهدأ الداخل قليلًا، تصفو الرؤية قليلًا، ويصبح العالم أقل قسوة… لأنكِ لم تعودي تقاتلينه من داخلك.
في النهاية…
العالم ليس منفصلًا عنا كما نظن، هو انعكاس واسع… لما يحدث في أعماقنا.فإذا عاد الإنسان إلى نفسه،
عاد العالم — ولو ببطء — إلى توازنه.

ولو بقي فيك هذا السؤال حيًا:
“كيف أعود؟”
فهذا بحد ذاته…بداية الطريق



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “انعدام المنطق… أم عجزنا عن رؤية الحقيقة؟”
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (6) والأخ ...
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (5)
- إلى أين يتجه السلام العالمي؟
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
- فضلا دعمكم لنا ...دعم إنساني لقضية إنسانية-
- دعمكم من فضلكم..يا أصدقائي… يا شركاء الأرض والإنسان،
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (3)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (1)
- النظام الإنساني والنظم الإلهي
- الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم
- تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
- -العدالة وبني الإنسان-
- الغيب… أفق العقل المفتوح
- نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر
- -إلى متى نستمر بهذه العبثية الفكرية وبعيداً عن إعمال العقل و ...
- تطوّر الوعي وتلاشي الهوية: من سجن الأنا إلى ميلاد الحرية
- معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب
- الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان


المزيد.....




- مصادر لـCNN: إغلاق وإخلاء عدة طوابق في البنتاغون لهذا السبب ...
- الصين تختبر روبوتات تنظيف مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل المن ...
- النيابة الإسرائيلية تقدم لائحة اتهام بحق مستشار نتنياهو في ق ...
- ترامب يمنع لقاءً بين ممداني والرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ...
- إيران تدرج شركات إيلون ماسك ضمن قائمة أهدافها العسكرية.. ما ...
- ترامب واعتراف مفاجىء عن الصفقة مع إيران وما يمنعه من توسيع ا ...
- اعتداء على معلمة مصرية لفظيا وجسديا لرفضها الغش بالامتحانات ...
- الخارجية السورية تتحقق بشأن معلومات عن تسريب وثائق ومراسلات ...
- إغلاق طوابق وممرات متعددة في البنتاغون إثر حادثة -مواد خطرة- ...
- حزب الله يعلن إسقاط مسيرة إسرائيلية من نوع -هيرون 1- بصاروخ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - راندا شوقى الحمامصى - مشكلة العالم اليوم