أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..















المزيد.....

عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..


ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 08:21
المحور: القضية الفلسطينية
    


ترويض الجماهير العربية في إسرائيل كان وسيبقى مهمة كافة الحكومات على اختلاف مشاربها، وهي لا تتوانى منذ قيام الدولة عن اتباع كل السبل لتحقيق هذا الهدف. وبعد أن جربت في الماضي التغلغل في ذهن العربي من خلال تنصيب مخاتير موالين للحاكم العسكري، وفشلت في استقطاب الجميع حوله لتجعله صاحب الكلمة الفصل، لجأت لاحقًا إلى زرع القوائم العربية التابعة لحزب مبام ومن بعده المعراخ علّها تأتي بالنتيجة المرجوة، ولكن هيهات.
لم تستكن الجماهير العربية وواصلت إنجاب المتمردين والمفكرين وكل من يقول "لا" لسياسة الهيمنة والغطرسة والقهر والكبت القومي. وتزامنًا مع "الصحوة الإسلامية" في مطلع السبعينيات، نبشت المؤسسة الإسرائيلية في الرماد وأخرجت لنا بعض الجذوات الإسلامية التي كادت أن تنطفئ آنذاك، وأرخت لها المنابر والجمعيات وتغاضت عن سيولة الأموال في كفيها علّها تميل بالجماهير نحو السماء بعيدًا عن الأرض؛ فكان الرد مجلجلاً في "يوم الأرض"، ليعيد اللعبة إلى بدايتها. أمام هذا المد الجماهيري انشطر التيار الإسلامي إلى نصفين؛ انتقل نصفه إلى الخندق المقابل، ومنهم من يقبع الآن في السجون بعد رفضه أداء الدور المتوخّى منه.
ومنذ حكومة رابين الثانية أبدت السلطات استعدادها لانتهاج منهج جديد راق للبعض تسميته "الجزرة"، بترديد وعود صاخبة لاستثمارات سخية في المجتمع العربي. صارت تردد علينا حكاية "المليارات الأربعة" أكثر مما تردد أغنية "عيون بهية" التي كانت رائجة في تلك السنوات، وأطربنا بها رابين ومن بعده بيرس وحتى إيهود باراك. وحين نصحو من سكرة الوعود وندس أيادينا في جيوبنا فلا نجد إلا أطراف جواربنا، إلا أنه، وللحق يقال، تمكنت هذه الوعود من تخدير بعضنا بأن شيئًا جديدًا قادم بدل المواجهة.
وهكذا لم تنجح المؤسسة بمحاولة تلو المحاولة، على مدار عقود، في نثر بذورها في حديقتنا. وحين كانت تتسلل في حلكة الليل وتغرس شتلة في ركن خفي من ساحتنا، كنا ننتزعها مع أول خيوط الفجر قبل أن تثمر. لكن مع مرور الزمن تعبنا واستسلمنا لنمطية اللعبة المرهقة، ظننا أننا خبراء في التصدي، فلم ننقب الحديقة جيدًا، فإذا ببعض البذور المستترة قد بزغت فجأة بين الشتلات، وأشرأبت بسرعة في غفلة منا. وسرعان ما تبين أن من يرعاها هو جارنا، يغدق عليها الماء والسماد حتى تدرّ بثمارها علينا، فنستحسن وجودها ونبذّر حبيباتها في أرجاء الحديقة لتصبح مستقبلًا ثمرتنا الأولى والأخيرة، يرويها جارنا إن رضي عنا ويجففها إن غضب منا، يطعمنا إن أطعناه ويجوعنا إن عصيناه.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في البذور وحدها، بل في التربة حين تنهكها الكثرة، وفي الوعي حين تستنزفه الحراسة وتعدد المواجهات، حتى يغدو الناس، وهم أصحاب الحق، بين متعبٍ من الصد ومتعبٍ من الشك. وهنا تمامًا، في تلك المنطقة الرمادية بين الإنهاك والارتباك، تسللت الفكرة الجديدة التي لبست ثوب الواقعية، ورفعت راية "البراغماتية"، وتقدمت نحونا بخطى واثقة كأنها تحمل الخلاص في جيبها، بينما كانت تحمل في الحقيقة مفتاحًا صغيرًا لبوابة أخرى، بوابة الانزلاق البطيء من موقع الندية إلى موقع التبعية، ومن لغة الحقوق إلى لغة الاستجداء، ومن صلابة المواقف إلى رخاوة الحسابات.
لقد أرادوا لنا، منذ بن غوريون، أن نكون رقمًا مهذبًا في سجلات الدولة، لا صوتًا يزعج ولا موقفًا يحرج. أرادونا أن نتعلم التصفيق الدائم، وأن نتعلم التبسم الدائم، وأن نضبط إيقاع الاحتجاج عند الحد المسموح به من التمرد. بعد ان جربوا العصا وفشلت، مدوا لنا الجزرة. وحين وجدوا أن بعضنا يبتلعها على مضض، أضافوا إليها شيئًا من البريق، وأسموها "إنجازًا"، وراحوا يلوحون بها في وجوه الجياع والعطشى والمنتظرين على أبواب السنين، وكأن الكرامة بند يمكن تأجيله إلى ميزانية لاحقة.
غير أن أخطر ما في هذه اللعبة ليس ما يفعله الخصم، بل ما نفعله نحن حين نبدأ، من فرط الإرهاق، بتسويق الهزيمة باعتبارها حكمة. عندها لا يعود التراجع تراجعًا، بل "تكتيكًا"، ولا يصبح التنازل مهادنة، بل "مرحلة"، ولا يغدو الانحناء استسلاماً، بل "قراءة واقعية للظرف". هكذا يقتلون المعاني ببطء، لا برصاصة واحدة، بل بألف مصطلح ناعم، وبألف تبرير مصبوغ بالحرص على المصلحة العامة.
ومن هنا، لم تعد المسألة مجرد حزب أو قائمة أو مقعد. المسألة أعمق وأخطر من ذلك بكثير. المسألة أن يعتاد الجسد على القيد حتى يظنه سوارًا، وأن يعتاد اللسان على الانكسار حتى يظنه لغة حكمة، وأن يعتاد القلب على القليل حتى ينسى شكل الكثير. هذه هي الحرفة القديمة الجديدة التي أتقنتها السلطة: لا تقهر خصمك دفعة واحدة، بل عليك تربيته على قبول القهر جرعة بجرعة، حتى يصبح هو نفسه حارس الباب الذي كان بالأمس يضرب عليه بقبضته.
وهكذا، حين انتقل المشوار من بن غوريون إلى بن غفير، لم يكن الانتقال في الأسماء فقط، بل في اللغة التي تخاطبنا بها الدولة، وفي الأدوات التي تضيق بها الخناق على أعناقنا، وفي الوجوه التي تتبدل بينما تبقى الوظيفة واحدة: تطويعنا، تدجيننا، وإقناعنا بأن سقف الممكن هو كل ما ينبغي أن نحلم به. من حكم عسكري يوزع الرضا والحرمان كما يشاء، إلى سياسة أكثر مكرًا تجيد تزيين السقف المنخفض حتى يبدو بيتًا واسعًا. من مخاتير الأمس إلى سماسرة اليوم، من العصا إلى الجزرة، ومن "الأمر الواقع" إلى "التمثيل السياسي" الذي تم تصميمه ليكون قبرًا أنيقًا للفكرة الوطنية لا منصة لها.
لكننا، رغم كل شيء، لسنا أبناء هذه الرحلة إلا بقدر ما نرفض أن تنتهي عند المحطة التي أرادوها لها. فالمشوار، في جوهره، ليس من اسم إلى اسم، بل من وعي إلى وعي، من ذاكرة إلى أخرى، من قدرة على الرفض إلى قدرة على إعادة تعريف الذات. فإن كانت السلطة قد أرادت من بن غوريون أن يبدأ الحكاية، ومن بن غفير أن يضع آخر مسمار في صندوقها، فإن واجبنا أن نعيد فتح الصندوق، لا لنتفقد ما تبقى فيه من فتات، بل لنعلن أن الحكاية لم تنته، وأن الشعب الذي تعلم كيف يرفض بالأمس، قادر أن يتعلم كيف يستعيد نفسه اليوم.
فما بين بداية المشوار ونهايته، لم يكن الخصم ثابتًا وحده، نحن أيضًا كنا نتغير. بعضنا اشتدت قامته، وبعضنا أرهقته الجروح، وبعضنا ضل الطريق حين ظن أن الطريق هو أقصر مسافة بين المطلب وفتحة الباب. لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن ندفنها تحت طبقات التعب هي أن الأوطان لا تقاس بما يمنون عليها، بل بما تحتفظ به من قدرة على قول "لا". وحين تفقد الجماعة قدرتها على قولها، تبدأ رحلة أخرى، أشد قسوة من الأولى: رحلة تحويل الضحية إلى متلقي، والمتلقي إلى تابع، والتابع إلى شاهد صامت على تآكل المعنى.
لذلك، فإن مشوارنا من بن غوريون إلى بن غفير ليس مجرد عبور زمني بين رجلين، بل هو مرآة طويلة تكشف كيف حاولت السلطة، بكل وجوهها، أن تعيد تشكيلنا على مقاسها. وإذا كانت الدائرة قد اكتملت عند هذا الحد، فليس لأننا بلغنا النهاية، بل لأننا صرنا أخيرًا نرى شكلها كاملًا: دائرة الترويض، ودائرة الإغراء، ودائرة الاختبار، ودائرة الانزلاق. ومن يرى الدائرة لا يعود أسيرًا لها بالضرورة، فقد يكون أول من يضع قدمه خارجها، إذا استعاد يقظته، وأعاد إلى الوعي سنانه، وإلى الانتماء صوته، وإلى الكرامة عنادها القديم.



#ناضل_حسنين (هاشتاغ)       Nadel_Hasanain#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرب الداخل: بين التمسك بالحقوق أو استبدالها
- الإنسانية الإسرائيلية شوفينية مقنعة
- الذكاء الاصطناعي سيتمرد على صانعيه
- تحت المجهر: التطهير العرقي الحديث...!
- حين تصبح -المشاعر- معيارًا انتقائيًا..
- بلغاريا: عودة اليسار البراغماتي
- بين الردع والانفجار: صراع الحافة الرخوة في الإقليم
- سقوط الغرب ليس مشروعًا لنهضتنا
- أزمة مضيق هرمز، من المستفيد؟
- المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته
- الحرب على إيران: مخاض شرق أوسط جديد
- دقة قديمة ؟
- هكذا يقشرون أدمغتنا بملعقة صدئة
- السيدة التي امسكت بطرف الخيط ولم تفلته حتى فضحت ابستين
- بين المهنة والفكر: من يقود المستقبل؟
- العيش داخل الكذبة…
- رفض الملالي لا يعني الحنين الى الشاه
- لنفكر معا: المدرسة وما أدراك ما المدرسة!
- وقفة مع الإيمان الصامت والتدين الصاخب
- السامية: من الفضاء اللغوي إلى التوظيف السياسي


المزيد.....




- لقاء بلا صور بين البابا و-باد باني-.. مصادفة لافتة مع اسم أل ...
- غزيون يشكون من نقص المساعدات رغم إعادة فتح المعابر
- روسيا.. مقتل سائق سيارة إسعاف استهدفتها مسيّرة أوكرانية
- الاعتداء الأوكراني على متحف سيفاستوبول أدى إلى دمار لوحة تخل ...
- الدفاع المدني السوري ينقذ رجلا وابنه سقطا في بئر عميق بريف ا ...
- نائب وزير الخارجية الروسي يبحث مع أبو مرزوق الوضع في قطاع غز ...
- فوتشيتش: أوروبا تقترب من موقف ترامب الداعي لمفاوضات أوكرانيا ...
- اختتام برنامج InteRussia-2026 لتدريب الصحفيين الأجانب في روس ...
- واشنطن: ترامب سيستخدم الجيش بكامل قوته إن لم تقبل إيران الات ...
- بوتين: أعداء روسيا لا يتورعون عن الأعمال الإرهابية التي تسته ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - ناضل حسنين - عرب الداخل: من بن غوريون إلى بن غفير..