أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد














المزيد.....

عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 13:53
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قبل أن نراه، كنا نعرف أنه قادم.
يصل صوت حوافر الحصان أولا، فيلتفت الصغار نحو الطريق، ويتوقف بعض الرجال عن حديثهم لحظات وهم ينظرون إلى جهة الصوت. وبعد دقائق يظهر المرحوم عبد شمخي العسكري ممتطيا جواده، يشق الطريق بين البساتين والقرى التابعة لقضاء الخضر، في مشهد كان مألوفاً في ذلك الزمن، لكنه يبدو اليوم أقرب إلى الحكايات.
في طفولتنا لم نكن ننظر إلى عبد شمخي بوصفه رجل شرطة فقط. كنا نراه ممثلا للدولة كلها. فالرجل الذي يصل على ظهر جواده كان يختلف في أعيننا عن بقية الموظفين الذين نراهم في الدوائر الرسمية. كان حضوره يحمل شيئا من الهيبة وشيئا من الغموض، لذلك كنا نتابع مروره بصمت حتى يبتعد عن المكان.
ولم يكن الحصان مجرد وسيلة نقل بالنسبة لأهالي القرى والأرياف. كان جزءا من صورة السلطة نفسها. فعندما يصل عبد شمخي إلى إحدى القرى لحمل تبليغ أو متابعة شكوى أو تنفيذ مهمة رسمية، يجد من يستقبله ويهيئ لحصانه ما يحتاجه من شعير وماء، في تقليد يعكس احترام الناس للمهمة التي يؤديها أكثر مما يعكس اهتمامهم بالحيوان نفسه. وكانت العليقة (العليجة) المملوءة بالشعير تعلق في رقبة الحصان تقديرا لصاحبه وللمهمة التي جاء من أجلها.
أتذكر أن كثيرا من الأطفال كانوا يبتعدون عن الطريق عند مروره. لم يكن خوفا من المرحوم عبد شمخي بقدر ما كان رهبة من تلك الصورة التي تجمع الرجل والحصان والسلطة في هيئة واحدة. وبعد مغادرته المكان تبدأ الحكايات الصغيرة بيننا، فيصف كل واحد ما شاهده وكأنه يتحدث عن فارس خرج من قصة قديمة.
في ذلك الزمن لم تكن الطرق المعبدة تصل إلى معظم المناطق التي يمر بها. وكانت بعض القرى لا يمكن الوصول إليها بسهولة بالسيارات، خصوصا في مواسم الأمطار أو الفيضانات إلا عبر الممرات الضيقة والجسور الخشبية الصغيرة والقناطر المنتشرة على السواقي. لذلك كان الحصان بالنسبة لعبد شمخي وسيلة عملية قبل أن يكون رمزا للمكانة أو الهيبة.
ولعل الأجيال الجديدة لا تتخيل اليوم حجم المسافات التي كان يقطعها رجال الشرطة آنذاك. فالكثير من القرى كانت متباعدة، وبعضها يقع وسط البساتين أو الأراضي الزراعية، ولا تصل إليه السيارات بسهولة. لذلك كان الحصان جزءا من العمل اليومي لرجل الشرطة، يساعده على الوصول إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى.
وكان المرحوم عبد شمخي يعرف تلك الطرق كما يعرف الفلاح أرضه. يمر بين البساتين، ويعبر الممرات الضيقة، ويتنقل من قرية إلى أخرى حاملا التباليغ أو متابعا الشكاوى والنزاعات التي تحتاج إلى حضور رسمي.
ومع مرور الوقت أصبح وجوده مألوفا لدى الجميع. يعرفه الشيوخ والفلاحون وأصحاب الدكاكين، وحتى الأطفال الذين كانوا يراقبون مروره من بعيد. وكان مجرد ظهوره على الطريق كافيا لأن يدرك الناس أن الدولة وصلت إلى هذه القرية أو تلك.
ومن الأشياء التي بقيت عالقة في ذهني أن الناس كانوا يتعاملون معه بود واحترام في الوقت نفسه. لم يكن مجرد شرطي يحمل سلطة القانون، بل شخصية معروفة بين الأهالي، ولذلك كانت الأحاديث معه لا تخلو من المجاملة والسؤال عن الأحوال قبل الانتقال إلى الغرض الذي جاء من أجله.
ومع تطور وسائل النقل وازدياد استخدام السيارات في العمل الشرطي، اختفت تلك الصورة تدريجيا. لم تعد الخيول جزءا من المشهد اليومي في مراكز الشرطة، وأصبحت السيارات تقوم بمعظم المهام التي كانت تحتاج سابقا إلى جواد وصبر طويل ومعرفة دقيقة بالطرق والمسالك.
وربما لهذا السبب بقي المرحوم عبد شمخي العسكري حاضرا في ذاكرة أبناء الخضر. ليس لأنه كان آخر رجل شرطة يمتطي صهوة حصان في القضاء فحسب، بل لأنه يمثل زمنا كاملا اختلفت فيه صورة الدولة وعلاقة الناس بها ووسائل الوصول إلى أبعد القرى والأرياف ضمن صنف من الشرطة يسمى شرطة الخيالة.
اليوم، كلما تذكرت ذلك الفارس الذي كان يعبر الطرق الترابية ويعبر السواقي وسط الحقول، أشعر أن المشهد لم يكن مجرد رجل على حصان. كان جزءا من ذاكرة مدينة كاملة، ومن زمن مضى بهدوء تاركا وراءه صورا لا تزال تعيش في أذهان من شاهدوه.
رحل عبد شمخي العسكري، وغاب الحصان الذي ارتبط باسمه، لكن صورة الرجل وهو يشق طرقات الخضر على صهوة جواده ما زالت حاضرة في الذاكرة، وكأنه رفض أن تغادر مع الأيام.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي


المزيد.....




- إيران تُعلن مقتل 3 أشخاص خلال هجوم إسرائيل الأخير
- متوعدًا بالرد.. ترامب: إيران أسقطت مروحية -الأباتشي- خلال دو ...
- سبع حيل بسيطة تساعدك على تناول طعام صحي
- إسبانيا: آلاف يتجمعون مع وصول البابا ليون 14 إلى برشلونة
- ترامب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد بالرد
- تقرير السلام: هكذا يُقَوِّض-أمراء الحرب الجدد- النظام الدولي ...
- تصعيد جديد.. ترمب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد با ...
- نافذة من لبنان.. تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان
- مدينة صور.. الحرب تعيد رسم المشهد خلال دقائق من إنذار الإخلا ...
- كاميرا الجزيرة ترصد حركة الملاحة بمضيق هرمز


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد