أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!














المزيد.....

من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 22:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين اخترع السومريون الكتابة قبل أكثر من خمسة آلاف عام، لم يكونوا يعلمون أن بعض الأرقام ستعيش أطول من المدن التي كتبتها، وأطول من الملوك الذين حكموا بها. فالمدن تموت، والأنهار تغيّر مجاريها، والإمبراطوريات تسقط، لكن بعض الأرقام تواصل رحلتها بصمت عبر الزمن.
من بين تلك الأرقام يقف الرقم 50.
في سومر لم يكن الرقم خمسين مجرد قيمة حسابية. كان يحمل معنى السلطة نفسها. فقد ارتبط بالإله إنليل، سيد السماء والأرض في المعتقد السومري، حتى أصبح الرقم رمزا لمكانته بين الآلهة. وعندما انتقلت الزعامة الإلهية إلى مردوخ في بابل، منحته النصوص الدينية خمسين اسما، وكأن السيادة لا تكتمل إلا إذا مرت عبر هذا الرقم.
كان الرقم ينقش على ألواح الطين داخل المعابد والقصور، ويشير إلى النظام والهيبة والقوة. أما اليوم فإنه يظهر في مكان مختلف تماما. لم يعد يسكن المعابد، بل انتقل إلى أحاديث الانتخابات والمناصب والصفقات.
رحلة طويلة قطعها الرقم
من أوروك إلى بغداد.
ومن ألواح الطين إلى شاشات الهواتف.
ومن رمزية السلطة إلى سعرها.
في العراق الحديث ظهر الرقم خمسون بصورة أخرى. لم يعد عددا في سجل كاهن أو ناسخ سومري، بل أصبح رقما يتردد في المقاهي ومجالس السياسة وأحاديث الناس.
يقول العراقيون إن بعض الأصوات الانتخابية وصل سعرها إلى خمسين ألف دينار. ولا يهم هنا إن كان الرقم دقيقا أو متغيرا من منطقة إلى أخرى، فالمهم أن الفكرة نفسها أصبحت مألوفة إلى درجة لم تعد تثير الدهشة. فحين يدخل المال إلى العملية الانتخابية، تتحول البرامج إلى تفاصيل ثانوية، ويصبح للصوت سعر، وللناخب قيمة قابلة للتفاوض.
خمسون ألف دينار.
رقم يبدو صغيرا إذا ما قورن بما ينفق في الحملات الانتخابية، لكنه كبير بما يكفي ليكشف حجم الخلل في العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
ثم يكبر الرقم أكثر.
في الأوساط الرياضية العراقية تترددت في انتخابات اتحاد كرة القدم حوارات واتهامات عن أموال صرفت للحصول على المناصب المؤثرة. وبين ما يقال وما ينفى وما يسرب، ظهر رقم آخر أكثر إثارة للانتباه: خمسون مليون دينار للصوت الواحد.
قد يكون الرقم صحيحا أو مبالغا فيه أو جزءا من صراع انتخابي، لكن مجرد تداوله يكشف شيئًا مهما عن طبيعة المرحلة التي نعيشها.
فالرقم نفسه يؤدي الوظيفة ذاتها.
تحويل الاختيار إلى صفقة
وتحويل القناعة إلى ثمن
وتحويل الصوت إلى سلعة.
الغريب أن الرقم خمسين لم يتغير منذ آلاف السنين، لكن معنى السلطة هو الذي تغيّر.
في سومر كان الرقم مرتبطا بالقدرة على إدارة الكون.
أما اليوم فأصبح يرتبط أحيانا بالقدرة على إدارة الأصوات.
هناك مسافة طويلة بين إنليل وورقة الاقتراع، لكنها ليست أطول من المسافة بين السلطة بوصفها مسؤولية والسلطة بوصفها غنيمة.
وربما لهذا السبب يبتسم الرقم خمسون بسخرية من مكانه في التاريخ.
فهو شاهد على قيام المعابد وسقوطها.
وشاهد على ولادة الممالك واختفائها.
وشاهد على تبدل الرايات والحدود واللغات.
ثم وجد نفسه في النهاية شاهدا على مزادات لا تقام في الأسواق، بل في أماكن يفترض أنها وجدت لحماية إرادة الناس.
لو عاد كاتب سومري من أوروك اليوم وسألنا عن الرقم خمسين، لأخبرناه أنه ما زال حاضرا في العراق.
سيظن أول الأمر أننا نتحدث عن إنليل ومردوخ والملوك والآلهة.
لكننا سنقوده إلى مكان آخر.
إلى موسم انتخابي تشترى فيه الأصوات.
وإلى مؤسسات يتحدث الناس فيها عن أسعار للمناصب لا عن برامج للإصلاح.
هناك فقط سيدرك أن الرقم الذي كان يوما رمزا للسيادة أصبح أحيانا رمزا للسعر.
وأن الأرقام لا تتغير، لكن البشر هم الذين يغيرون معانيها.
فبين خمسين اسما لمردوخ وخمسين مليونا للصوت، تختصر خمسة آلاف عام من الحكاية العراقية.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...


المزيد.....




- -لبنانية أمّاً عن ستّ-.. جوانا خلف في عرض مسرحي بفرنسا
- مصدران: نتنياهو كان يجهز لهجوم كبير على إيران قبل تدخل ترامب ...
- هل ستلتقي بنتنياهو؟ وما الاتفاق الذي يريده لبنان؟ شاهد ما قا ...
- معَنَّفات على -الخط الساخن- بألمانيا.. تفاقم الظاهرة أم ارتف ...
- إيران - إسـرائيل: عـودة الـحـرب مـن جـديـد؟
- البابا يحث على استجابة دولية لـ-دراما- الهجرة ويؤكد أن العال ...
- أرمينيا: انـتخابات تغـيـر الـتـوازنات؟
- لماذا تصعّد إسرائيل في غزة وترفض استحقاقات التهدئة؟
- عُمان تجلي 24 بحارا هنديا من ناقلة اندلعت فيها النيران قبالة ...
- خصوم ترمب مستعدون لتشديد الرقابة على البنتاغون في هذه الحالة ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!