أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي














المزيد.....

الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 16:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أكتب هذا المقال من موقع المراقب لا الواعظ، ومن موقع السؤال لا اليقين الجاهز. فما يشغلني اليوم ليس طقس المناسبة، بل معناها، ولا كثافة الحضور، بل ما يبقى بعد انفضاض الجمع.

ليست كل الانتصارات صاخبة، ولا كل الهزائم تُقاس بالخروج من السجن. في تاريخنا نماذج انتصرت وهي مقيدة، وهُزمت السلطة وهي تمسك المفاتيح. من بين هذه النماذج يبرز الإمام موسى الكاظم (ع)، لا بوصفه رمزًا طقسيًا يُزار، بل بوصفه مثالًا مبكرًا للنضال السلمي الذي يحوّل السجن من أداة قمع إلى فضاء مقاومة أخلاقية.

اعتادت الذاكرة الجمعية أن تتعامل مع الشخصيات الدينية من زاوية الرثاء، لا من زاوية الفعل. نحيي المناسبة، نكرر الطقس، ثم نمضي. لكن السؤال الغائب هو: ماذا تعلّمنا هذه السيرة؟ وأي معنى يحمل سجينٌ خرج من التاريخ منتصرًا، فيما اندثر سجّانوه؟

النضال الذي مثّله الإمام الكاظم (ع) لم يكن تمرّدًا مسلحًا، ولا مساومة مع السلطة، بل كان فعل رفض طويل النفس، يقوم على الصبر الواعي، وتجريد الحاكم من شرعيته الأخلاقية. هذا النمط من المقاومة سبق بكثير ما عُرف لاحقًا في تجارب عالمية حديثة، حيث أدرك الإنسان أن هزيمة الاستبداد لا تبدأ بكسر القضبان، بل بكسر منطقه.

من هنا يمكن فهم العلاقة بين عاشوراء ورمضان بعيدًا عن الفصل الطقسي بينهما. عاشوراء ليست حزنًا خالصًا، بل درسًا في رفض الظلم مهما كان الثمن. ورمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تدريبًا طويلًا على الصبر وكبح الإغراء. الاثنان معًا يشكّلان مدرسة أخلاقية متكاملة: صبر داخلي، ورفض خارجي. ومن دون هذا التلازم، تتحول الشعائر إلى طقوس مؤقتة لا تغيّر السلوك ولا تعيد تشكيل الوعي.

المشكلة لا تكمن في إحياء الشعائر، بل في اختزالها. حين يُختصر الدين في مواسم انفعالية، دون أن ينعكس ذلك على الموقف من الظلم أو على السلوك اليومي، يصبح الطقس بديلاً عن المعنى. الركوع والسجود، بوصفهما التزامًا يوميًا، هما ما يمنح الشعائر قدرتها على تهذيب النفس وربطها بالفعل الأخلاقي المستمر، لا الانفعال العابر.

في هذا السياق، تأخذ زيارة الإمام الكاظم (ع) معناها الحقيقي. ليست مجرد حشود مليونية، بل إعلان رمزي متجدد لرفض الطغيان. غير أن هذه المليونية تفقد قيمتها إن لم تُستكمل بالوعي، وإن لم تتحول إلى موقف أخلاقي واضح ضد استغلال الدين، وضد تحويل المناسبات الدينية إلى أدوات دعاية أو سلّمًا لمكاسب دنيوية.

نعيش اليوم في عالم مفتوح، تنتقل فيه الصورة والفكرة بسرعة غير مسبوقة. وهذا يفرض مسؤولية مضاعفة: إما أن نقدّم نموذجًا دينيًا أخلاقيًا ناضجًا، أو نسمح بتشويه المعنى وتحويله إلى مادة استهلاك. المحاولة الجادة، حتى لو بدت محدودة الأثر، هي بحد ذاتها بداية صحيحة؛ فالقيمة لا تُقاس فقط بالنتائج الفورية، بل بالفعل المتراكم والنية الصادقة.

لا أكتب هذا الموقف دفاعًا عن فئة ضد أخرى، ولا انحيازًا لمتدين ضد علماني، ولا اصطفافًا طائفيًا أو قوميًّا. المعيار الوحيد هو الموقف الأخلاقي من الظلم، ومن استغلال الدين، ومن تحويل الفترات المضطربة إلى فرص للثراء أو السلطة. الانحياز هنا للإنسان: للمواطن البسيط، وللمراقب الصامت، وللسياسي النزيه إن وُجد.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء المساحة المشتركة بيننا، لا إلى تعميق الخصومة. الاتهام السريع، ونشر الغسيل، وإغلاق باب الحوار، لا تنتج إلا مزيدًا من التشرذم. المجتمعات لا تنهض بالتصنيف، بل بحدّ أدنى من الاتفاق الأخلاقي.

التاريخ يقدّم لنا دروسه بوضوح: كلما فُهم الدين بوصفه منظومة قيم منفتحة، ارتقت الأمم. وكلما تحوّل إلى أداة إقصاء أو شعارات فارغة، ضعفت المجتمعات وسهل اختراقها. وقد نبّه المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن وحدة البشرية لا يمكن أن تتحقق دون بُعد روحي يضبط السلوك، لأن الإنسان، بحكم طبيعته الاجتماعية، لا يحتمل العيش في فراغ قيمي طويل.

الإمام الكاظم (ع) لم يهزم سجّانه لأنه خرج من السجن، بل لأن سجنه كشف زيف السلطة، وترك لنا نموذجًا صالحًا لكل زمان: مقاومة بلا عنف، وصبر بلا خضوع، ودين لا يُختزل في الطقس، بل يُترجم موقفًا.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...
- بين الحارس والمحيط كتاب جديد عن سرقة آثار العراق
- هل السعادة وهم ام حقيقة؟
- ظاهرة المسير على الأقدام (المشاية)، هل هو تقليد حديث العهد؟
- الثاني من آب : هل الكراهية وسيلة ذكية وناجعة لصناعة سور كويت ...
- ليس من السهل التحول الى إنسان؟!
- عيد النوروز( الدخول) مشترك يجمع البلدان الواقعة على طول طريق ...
- دور الأكراد في القضاء على حركة الشواف في 8-آذار/مارس1959
- لقاء مع الظل
- ماذا إستفاد المشرع العراقي من دستور المملكة البلجيكية؟
- الرؤية الاقتصادية... نقطة تحول في تاريخ المملكة العربية السع ...
- رؤية 2030 الاقتصادية... نقطة تحول في تاريخ المملكة العربية ا ...
- العراق مهدد بالخروج من بطولة كاس الخليج العربي لكرة القدم
- ماهي الطرق أمام المدرب كاساس لتصحيح أوضاع المنتخب العراقي بك ...
- خصوم برشلونة: كيف يتم الاعداد لافشال مصيدة هانز فليك؟!
- حوكمة الفساد لخدمة المستثمر في محافظة المثنى
- هل ستعود(الخرابيط) للدوري السعودي.. والسبب -مهازل التحكيم لم ...
- كمبش فداء عيد العراق؟!!.


المزيد.....




- مسؤول أمريكي: الحاملة -جورج واشنطن- في طريقها لتحل محل -أبرا ...
- طهران تؤكد سيطرتها على مضيق هرمز: ردنا على أي تهديد سيكون مد ...
- بعد حادثة -رحلة بوكيت-.. الخطوط الجوية الهندية تُلزم جميع طي ...
- ألمانيا في عيون العرب.. شعبية مرتفعة ونفوذ محدود!
- انفجار بمول مصري شهير يسقط قتلى وجرحى
- الجيش السوداني يعلن التصدي لهجوم واسع من جانب الدعم السريع
- مصادر أمنية روسية: 5% من مخزون صواريخ باتريوت لن تكفي زيلينس ...
- غموض حول التحرك الأمريكي في بلدة قصرة.. هل أجبرت واشنطن إسرا ...
- وول ستريت جورنال: واشنطن تستعد لإرسال حاملة -جورج واشنطن- إل ...
- الجيش المصري ينفذ مشروعا تعبويا شرقي البلاد (فيديو)


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي