أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم














المزيد.....

الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 16:47
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ليس الموت هو ما يوجع في الغربة، بل أن يغيب الذين كانوا يشكلون جزءا من ذاكرتك، وأنت بعيد عن وداعهم.
في كتابات كاظم الحناوي، كما في حياته، تمتزج الذاكرة بالحكاية، ويغدو الماضي خيطا ممتدا لا ينقطع عن الحاضر.

في مدينته، يمر الموت على العديد من الذين كانت له معهم ذكريات ومواقف حياتية، مثل عائلة الشمال، التي كانت شخصياتها عنوانا للحياة في المدينة. إذ لا يمكنك أن تمر في أحد أسواقها دون أن تجد واحدا منهم، فهم في قلب مركزها التجاري، عندما كنا نعيش على تخومها، بين البقاء والفقد، بين الذكرى والنسيان، حيث تظل الممارسة الحياتية شاهدة على أثر الزمن.

وأشبه بذلك كانت علاقتي معهم. لم يكن المشهد بعيدا حين أستعيد شريط الذكريات إلى لحظة الطفولة، حيث كان لهم الأثر الكبير على التعليم في مدينة الخضر. فعند ذهابك إلى فصول الدراسة، قد تجد منهم طالبا يتلقى العلم، أو معلما يثري الصف بعلمه. كانوا شخصيات متفردة في تعاملهم، سواء كانوا في القاعدة أم في القمة، طالبا بين طلاب، أو أستاذا يقف أمامهم، لكن ليس كمعلم عادي، بل كنجم يبهرهم، يضيء عقولهم وخيالاتهم الصغيرة في المدارس الابتدائية، فيجمع بين دفتي الكتاب والحياة، بين تعليم المدرسة والتربية الحياتية.

المرحوم حميد شمال وأخوه المرحوم كريم شمال،
المرحوم حميد شمال شخصية عاشت وعاصرت وشاهدت الكثير من الأحداث والوقائع من القرن الماضي وبالأخص بداية الستينات، وقد جالست هذه الشخصية واستفدت منها ومن مروياتها عن أحداث وشخصيات في داخل مدينة الخضر وخارجها، فضلا عن تجاربه الشخصية طيلة حياته، وكذلك آراؤه في الأحداث والأخبار التي شاهدها أو سمع عنها من أناس شاهدوها، وكان لديه ملكة وقدرة فائقة على التحليل للحدث أو التفسير لذاك الواقع التاريخي المعاصر أو القديم، وكنت أسجل أحيانا هذه الأحداث في تقاريري الصحفية، وكان أحيانا يستطرد في المعلومة وأحيانا يوجز حسب توفرها ومعاصرته للحدث، باختصار كان موسوعي المعلومات.
إذا الإخوة الشمال المعلمان اللذان لم يكونا مجرد ناقلين للمعرفة، بل أصحاب أثر يتجاوز حدود المنهج. كانوا في نظر طلابهم، ومنهم العديد من أبناء المدينة الذين أصبحوا فيما بعد نجوما مضيئة في مجالات عملهم، شخصيات تستحق التقدير.

أما المرحوم أحمد كريم شمال، الذي فارقنا مبكرا، فكنت أجده كل مساء يقدم خدماته في مختبره للتحاليل الطبية، بنصف الأسعار السائدة، وبأسلوب يخجلك بأخلاقه قبل أن تستلم نتيجة فحصك. لذلك كان متميزا بين أقرانه، ليس بعمله فقط، بل بما يحمله من إنسانية. هذا الإنسان الذي فقدناه لم يكن مجرد صاحب مختبر، بل كان رمزا للقدرة على العيش بأكثر من حياة، في المختبر مساء، وفي المستشفى صباحا، وفي ذاكرة من عرفوه دائما.

مرت الأيام، وتقلبت، وأنا حائر ماذا أكتب عن هذه الشخصيات، خصوصا أنني كنت خارج العراق عندما التحقوا بالرفيق الأعلى. فعند وفاة المرحوم حميد شمال، تواصلت مع حفيده، لأننا كنا على تواصل. وعند عودتي إلى العراق، قدمت التعازي للمرحوم كريم شمال بوفاة ابنه أحمد، وعند وفاة المرحوم كريم أرسلت رسالة إلى عائلة الشمال عبر الأخ والصديق علي الشمال.

كانت الأيام، حين أعود إلى العراق، تحمل لي غيابهم الثلاثة. لم يتحقق اللقاء الذي كنت أتمناه، لا صدفة ولا قصدا، لأستمتع بمجالستهم، كما كنت أفعل دائما مع الأشخاص الذين هم امتداد لذاكرة المدينة، ذاكرة لم تبهت لديهم. فحين نستحضر ذكرى إنسان أو صورة قديمة أو حادثة ما، نجدها محفورة في أرشيف قلوبهم قبل ألبومات الصور، تأكيداً على أن الأثر لا يزول.
واليوم، بعد أن ترجل الثلاثة عن خشبة الحياة، لا تغيب ملامحهم عن ذاكرة المدينة، ولا عن ذاكرة من تتلمذ لدى الآباظ أو تعالج على يد المرحوم أحمد، لأن الوجدان يحمل أصواتهم وما تركوه من دروس لا تمحى.

وإذا كان لا بد من ذكر اسم اكثر من الآخر في هذا السياق، فإن الثلاثة كل في مجاله يمثل نموذجا من المهنيين الخالدين، الذين لم يكتفوا بما مطلوب منهم في المناهج، بل زرعوا في القلوب وعيا لا يتوقف عن النمو، وأثرا لا ينتهي برحيله.
المدن لا يرحل أهلها الحقيقيون منها، بل يبقون فيها… في ذاكرة من عاشهم، وفي أثر لا يموت.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...
- بين الحارس والمحيط كتاب جديد عن سرقة آثار العراق
- هل السعادة وهم ام حقيقة؟
- ظاهرة المسير على الأقدام (المشاية)، هل هو تقليد حديث العهد؟
- الثاني من آب : هل الكراهية وسيلة ذكية وناجعة لصناعة سور كويت ...
- ليس من السهل التحول الى إنسان؟!
- عيد النوروز( الدخول) مشترك يجمع البلدان الواقعة على طول طريق ...
- دور الأكراد في القضاء على حركة الشواف في 8-آذار/مارس1959


المزيد.....




- بينهم قيادي في حماس.. 5 قتلى فلسطينيين بغارتين إسرائيليتين ع ...
- وسط فوضى حفل مراسلي البيت الأبيض..هل سرقت دبلوماسية أوكرانية ...
- حرب إيران مباشر.. تصعيد إسرائيلي بلبنان وترقب لمقترح إيراني ...
- ترامب خلال استقبال تشارلز الثالث: لا أصدقاء أقرب منكم
- الساعة الإضافية في المغرب.. جدل متصاعد ومطالب بالإلغاء
- التجارة الخارجية غير النفطية لإمارة أبوظبي تحقق نموا لافتا
- نتنياهو: فجّرنا نفقا ضخما لحزب الله وندمر بنيتهم ??التحتية
- عبد الله بن زايد يمثل رئيس الإمارات في قمة الخليج التشاورية ...
- واشنطن تفرض عقوبات على كيانات مرتبطة بنظام إيران المصرفي
- ترامب يشن هجوما حادا على ميرتس بعد تصريحاته عن إيران


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم