كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 22:49
المحور:
قضايا ثقافية
لنتفق أولاً أننا لم نعد نستخدم "المنصات الرقمية" لمجرد الدردشة أو التواصل العابر؛ لقد تحولت فعلياً إلى "ميدان عام" لا يهدأ، فيه تُصاغ المواقف، وتُبنى السمعة أو تُهدم في لحظات. لكن المفارقة المُرّة التي نواجهها اليوم، هي أنه كلما زادت كثافة الآراء، تراجع الحوار الحقيقي، ليحل محله "ضجيج" لا ينتج إلا الفراغ.
الحقيقة أن هذه المنصات، بطبيعتها التقنية، لا تكافئ مَن يتأنى في التفكير، بل ترفع من شأن مَن يستجيب أسرع. هي بيئة لا تشجع على الإصغاء بقدر ما تدفعنا نحو "التفاعل اللحظي" المحموم. وهكذا، انزلق النقاش من محاولة جادة للفهم إلى ما يشبه السباق على الظهور، وتحول الاختلاف الطبيعي في الرؤى إلى اصطفاف حاد وخنادق مغلقة: إما أن تكون "معي" أو "ضدي".
في هذا الزحام الرقمي، تُذبح القضايا المعقدة على مذبح "العناوين المستفزة". لم يعد عمق الفكرة هو المقياس، بل عدد "الإعجابات" التي تحصدها، حتى لو كانت فكرة سطحية. وليس السبب دائماً أن الناس لا يملكون رأياً، بل لأن "شروط الحوار" نفسها صودرت منا؛ فالحوار، بظني، يحتاج إلى زمن، وإلى شجاعة في المراجعة والتردد، وقبول مبدئي بأن الحقيقة أكبر من أن يحتويها "منشور" واحد. أما الضجيج، فيقتات على اليقين الفوري والشهوة في الغلبة، لا البحث عن معنى مشترك.
والخراب الحقيقي لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يتسلل إلى طريقتنا في التفكير. إن اعتيادنا على "الرد السريع" أضعف فينا ملكة التأمل، والانجراف خلف "الإدانة الفورية" قتل قدرتنا على الفهم والتمحيص. والأخطر، أن هذا الاصطفاف الدائم أغلق في وجوهنا باب السؤال، وهو جوهر أي فعل ثقافي.
نحن إذا أمام "أزمة ثقافة" قبل أن تكون أزمة تواصل. نحن أمام ثقافة لم تعد تدرب أفرادها على إدارة الخلاف أو التمييز بين "الرأي" وبين "الانفعال" العابر، بل تدفعهم –ربما دون وعي– نحو تسطيح العالم واختزال قضاياه الكبرى في جمل رشيقة لكنها فارغة.
إن استعادة الحوار في فضاء المنصات لن تبدأ بتغيير "الخوارزميات"، ولا بفرض وصاية على ما يكتبه الناس، بل تبدأ من تغيير سلوكنا الثقافي نفسه. علينا أن ندرك أن ما نلقي به في هذا الفضاء ليس مجرد كلمات عابرة، بل هي مساهمة في تشكيل مزاج عام؛ فإما أن نضيف معنىً يرمم هذا الوعي، أو نكون مجرد رقم إضافي في جوقة الضجيج.
فإذا استمر هذا الصخب في احتلال مكان الحوار، فلن نخسر "جولة نقاش" فحسب، بل سنخسر القدرة على التفكير معاً.. وحينها، لن تكون المشكلة في المنصات، بل فينا نحن؛ في الثقافة التي ارتضت أن يكون الضجيج بديلاً عن الفهم.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟