أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مسار حكاياتهم















المزيد.....

المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مسار حكاياتهم


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 22:31
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم يكن كاتب العرائض مجرد رجل يجلس خلف طاولة ويخط الكلمات للناس بل كان في لحظة ما، جزءا من صناعة القرار نفسه.
بين ما يقوله المشتكي، وعين الموظف الذي يقرأ، كانت هناك كلمات يعاد صياغتها لتختصر، تضخم و ترتل بطريقة تجعلها قابلة للتصديق.
لم تكن العريضة مجرد ورقة… بل كانت نسخة معدلة من الواقع، يكتبها رجل يعرف كيف يجعل الألم يجد طريقة، ليحول الحكاية إلى قضية.
منذ منتصف السبعينات كنت انظر لكاتب العرائض على انه صاحب المفتاح للحصول على ما يريده الناس من الدولة.
لا يلجأ الناس اليه لانهم لا يعرفون القراءة أو الكتابة، بل لان كاتب العرائض في المجتمع العراقي شخص يؤدي دورا محوريا في تقديم طلبات البسطاء والأثرياء، عرف بمدينة الخضر باسم هو اختصار للكلمة التركية (العرضحالجي)، وهي (عرض حال) وتعني طلب أو شكوى يرفعها المواطن إلى دوائر الدولة او الشرطة أو المحكمة، أما (جي) فهي لاحقة تفيد المهنة، ليصبح المعنى (كاتب العرائض).
كان العَرضْجي (كما تلفظ اختصارا في مدينة الخضر) لا يجلس أمام أبواب المحاكم أو في الساحات القريبة من دوائر الدولة، كما يحدث الآن بل كان له مكتب خاص وسط المدينة وأمامه الأوراق والأقلام، يجلس بانتظار من يحتاج إلى صياغة شكوى لدائرة معينة، أو تقديم طلب للحصول على خدمة، أو كتابة دعوى الى المحكمة، أو حتى صياغة خطاب رسمي موجه الى القائمقام او المحافظ.

العرضجي بالخضر لم يكن كاتب للعرائض، بل كان مستشارا قانونيا ومهنته اجتماعية وقانونية لها شعبية خاصة، يلجأ إليه محيط المدينة من الفلاحون والعمال وابنائها ممن لديهم طلبات صغيرة او كبيرة، كانوا يحكون له طلباتهم وما يعانوه من مشاكل، فيقوم بصياغتها بأسلوب قانوني أو بلغة رسمية يفهمها مدير الدائرة او مراكز الشرطة او القاضي أو المسئول.
وهنا يظهر دور العرضجي في اختيار الكلمات بعناية ليجعل الشكوى مؤثرة، وقد يبالغ في التفاصيل ليقنع الطرف الآخر بجدية الموضوع، ولكل عريضة تسعيرة مختلفة حسب عدد كلماتها فهي ان كانت من المتداول يوميا لها سعر شبه ثابت اما الطلبات الخاصة فهي تختلف تسعيرتها.
لكن السؤال الذي لا يطرح عادة:
هل كان العرضجي ينقل الحقيقة… أم يصنعها؟
فالكلمات التي تكتب لا تصل كما قيلت، بل كما صيغت.
وكلما كان الكاتب أقدر على اللعب باللغة، كان أقرب إلى التأثير في القرار، وربما تغييره.
في تلك اللحظة، لا يعود العرضجي ناقلا للشكوى، بل شريكا في نتيجتها، يملك سلطة لا يعلنها، لكنها تعمل في صمت.
لذلك كان العرضجي في الخضر بسبب طبيعة عمله، يعرف الكثير عن أحوال الناس، مثل الخلافات داخل الأحياء، إلى النزاعات على الأراضي، وقضايا الميراث، لذلك يكسب احترام من يلجأ إليه.

كان المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه شخصية شعبية بملامح مميزة اشتهر بمظهره الجميل: بدلة رسمية، وربطة عنق، نظارة على عينيه، وشنطة أوراق يحملها بيده، مظهر يوحي بالجدية والثقافة، ليؤكد مظهره ان عمله ليس محدودا، وبسبب احتكاكه الدائم بالقضايا، فهو يعرف الكثير من المصطلحات القانونية، حتى يظنه البعض محاميا.
هذه الشخصية المميزة جعلته مهاب الجانب، حيث تحولت صورته إلى رمز للمثقف الشعبي الذي يعيش على هامش النظام القانوني، لكنه يحاول أن يجد لنفسه مكانا فيه…
لا يمكن لكل من يعيش في المدينة سواء المواطن او المسؤول من لا يعرف العرضجي، لان لابد ان تكون لك معه مواقف معينة، أحيانا بشكل رسمي وأحيانا اخرى الحياة اليومية وما فيها من تواصل بالمناسبات.
النظرة في مدينة الخضر للعرضجي هو وسيط بين الناس والقانون. لكن حقيقة شخصية المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه لم تكن مثل اكثر العاملين في المهنة من المثقفين الصغار الذين يكتبون للناس مقابل أجر، ويعيشون على الهامش.
بل كان من خلال معايشتي له يتأثر بهموم الفلاحين والفقراء، يمكن ملاحظة تأثيره من خلال اثر العرائض عندما تصل الى الجهات الرسمية.
شخصية العرضجي في مدينة الخضر هي جزء من المشهد اليومي في تعامل الناس مع دوائر الدولة والمحاكم.
تجسد مهنة العرضجي دور الرجل البسيط الذي يكتب الشكاوى لرفع الحيف عن اصحابها من الجهات المعنية ويكون دوره اكبر عند كتابة العريضة للمحكمة واحيانا يحاول ثني الاطراف عن تطور الخلافات كواجب يمليه عليه ضميرة كفاعل اجتماعي وله علاقة بالاطراف المتصارعة.
تحمل شخصية العرضجي جانبا إنسانيا عميقا، حيث يتحول إلى صوت للمظلومين ويحاول مساعدتهم بما يعرفه من القانون واللغة.
في ذاكرة مدينة الخضر، يظل هناك العديد من (العرضجية) رمزا لزمن كان فيه الناس يثقون بالكلمة المكتوبة كوسيلة للحصول على حقوقهم، كان شاهدا على قصص الوفاء والخيانة، والظلم والعدل، والخصومات والمصالحات، كان أحيانا محامي الفقراء، وأحيانا كاتب الطلبات لكبار القادة في الحكومة، وأحيانا حكيم المدينة الذي يعرف كل الأسرار.
مع توسع المدينة وارتفاع عدد السكان وبناء دوائر جديدة للدولة، وزيادة عدد الاحياء، وظهور الاجهزة المكتبية بأسعار زهيدة مع سهولة الحصول على موافقة منح اجازة كاتب العرائض، بدأ دور العرضجي يتراجع تدريجيا، كما أن الإجراءات القانونية الحديثة تطلبت وجود متخصصين معتمدين، ما جعل المهنة تنحصر في شارع او ساحة كل دائرة واصبح العرضجي في هذا المكان مختص في قضايا وطلبات معينه وليس كما هو في السابق… لم يعد هناك بقايا من اصحاب هذه المهنة القدماء، ودورها أصبح محدود كروتين ورقي يعمل البعض من افرادها معقبين داخل الدائرة المجاز للعمل في بابها.
في النهاية، يمكن القول إن شخصية العرضجي لم تكن مجرد دور ثانوي في مجتمع مدينة الخضر، بل كان موثقا لفترة اجتماعية وثقافية مهمة في تاريخ المدينة، رغم ان المهنة اختفى ابطالها تقريبا، لكن صورتها ما زالت حاضرة في الذاكرة، كجزء من ملامح الشارع الخضري في زمن مضى.
اليوم، اختفى العرضجي بشكله القديم، لكن وظيفته لم تختف.
تغيرت الأدوات فقط… من ورقة وقلم إلى شاشة ولوحة مفاتيح، ومن دكان صغير في وسط المدينة إلى فضاء رقمي مفتوح في اكشاك.
بقيت الفكرة كما هي…
هناك دائما من يعيد كتابة الحقيقة قبل أن تصل. وعلينا ان نتفق ان صورة العرضجي القديم مهنة اندثرت…
لتصبح المهنة اليوم نموذجا مبكرا لنظام ما زلنا نعيش داخله حتى الآن عبارة عن مسودات مطبوعة جاهزة لكل طلب.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...
- بين الحارس والمحيط كتاب جديد عن سرقة آثار العراق
- هل السعادة وهم ام حقيقة؟
- ظاهرة المسير على الأقدام (المشاية)، هل هو تقليد حديث العهد؟
- الثاني من آب : هل الكراهية وسيلة ذكية وناجعة لصناعة سور كويت ...


المزيد.....




- زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت ...
- وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مسار حكاياتهم