أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر














المزيد.....

عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 01:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تتحوّل الفوضى إلى خطاب اجتماعي


ليست العيّارية حادثة عابرة في تاريخ بغداد، ولا هي ظاهرة لصوصية يمكن اختزالها في وصف أخلاقي سريع. إنها حركة اجتماعية تنشأ وتترعرع في ظروف سياسية واقتصادية مضطربة، وترتبط دائما بضعف الدولة واختلال ميزان السلطة، فكانت تظهر كلما تراخت قبضة الحكم، وتخبو حين تستعيد الدولة هيبتها.
والعيّار ليس لصا عاديا. هو فرد من جماعة لها تنظيم، ولها قواعد داخلية، بل ولها خطاب أخلاقي خاص بها. يسرق، يسطو، لكنه يزعم انه يدافع عن المظلومين من فساد الجبارين. وهذه الازدواجية هي التي جعلت المؤرخين يقفون أمام الظاهرة مترددين: أهي حركة احتجاج اجتماعي؟ أم انحراف أخلاقي؟ أم تمرد سياسي مقنع؟
العيّار في زمن الدولة العباسية
عندما نعود إلى بغداد في القرن الثالث والرابع الهجريين، نجد المدينة في أوج ازدهارها العلمي والاقتصادي، ولكننا نجد في الوقت ذاته تنازعا بين القوى العسكرية، وصراعا بين أذرع الأتراك والديلم والفرس، وانقساما داخل المؤسسة العباسية نفسها. وفي تلك الفجوات التي تخلفها السلطة، يظهر العيّار.
لم يكن العيارون من طبقة واحدة. كانوا من الفقراء وأبناء الحرفيين وأبناء الأسواق، بل ومن بعض أبناء الأسر المتعلمة التي دفعتها الظروف إلى الهامش. كانوا يتحركون في الأزقة، في الأسواق، على ضفاف دجلة، ينصرون فريقا سياسيا حينا، وينقلبون عليه حينا آخر.
وقد سجلت كتب التاريخ انهم أحيانا دافعوا عن بغداد ضد الغزاة، وأحيانا نهبوها بأنفسهم. وهذه المفارقة تكشف أن الظاهرة لم تكن أخلاقية خالصة، بل سياسية اجتماعية في عمقها.
فإذا اشتد الظلم، وارتفعت الأسعار، وانهارت الإدارة، انتشرت العيّارية. وإذا قوي الخليفة أو الوالي، وانضبط الأمن، اختفت.
هنا نفهم أن العيّارية ليست شجاعة مطلقة، ولا انحرافا مطلقا، بل هي نتيجة خلل.

خطاب الشجاعة والفتوة

كثير من المصادر تربط العيارين بحركة الفتوة، تلك الحركة التي رفعت شعار الشجاعة والمروءة ونصرة المظلوم. لكن الفرق بين الفتوة والعيّارية أن الأولى حاولت أن تنظم الأخلاق، بينما الثانية انزلقت إلى الفوضى حين فقدت المرجعية.
العيّار كان يتباهى بقوته، بقدرته على اقتحام الدور، وبحمله السيف دفاعا عن نفسه أو عن جماعته. لكنه في الوقت نفسه كان يعيش خارج القانون، لا يعترف بسلطة الدولة إلا إذا كانت قوية بما يكفي لردعه.
وهنا تكمن المعضلة: حين تفقد الدولة مشروعيتها في نظر الناس، تنشأ مشروعات موازية، بعضها أخلاقي، وبعضها انتقامي.

العيّارية في الحاضر: تغير الأسماء وبقاء الظاهرة

اليوم لا نسمع كلمة (عيّار) في بغداد الحديثة، لكننا نسمع كلمات أخرى: عصابات، جماعات مسلحة، اقتصاد ظل، نفوذ خارج إطار الدولة. الأسماء تغيرت، لكن الآلية واحدة: فراغ في السلطة يولد قوة موازية.
في كل مجتمع يضعف فيه القانون، تتشكل جماعات تدعي حماية الناس أو الدفاع عنهم، لكنها سرعان ما تتحول إلى سلطة بديلة. تبدأ بشعار، وتنتهي بمصلحة.
والتاريخ يعلمنا أن هذه الظواهر لا تنشأ من فراغ. إنها تولد حين يشعر الناس أن العدالة غائبة، وأن الدولة بعيدة، وأن الفساد متجذر. عندها يبحث المجتمع عن حماية ولو كانت خارج الإطار القانوني.

هل كانت العيّارية ثورة؟

ليس كل تمرد ثورة، وليس كل احتجاج إصلاحا. العيّارية لم تقدم مشروع دولة، ولم تبن نظاما بديلا، بل كانت رد فعل. ولهذا ظلت مرتبطة بمرحلة الضعف، لا بمرحلة البناء.
فحين قويت الدولة في بعض العصور، اختفت. وحين انهارت، عادت.
وهذا هو الدرس الأهم:
إن الظواهر الاجتماعية المسلحة ليست قدرا تاريخيا، بل نتيجة مباشرة لميزان القوة بين المجتمع والدولة.

بين الماضي والحاضر

إذا أردنا أن نقرأ العيّارية قراءة معاصرة، فعلينا أن نعلم ان الحاضر قد انتج عيارون وعيّارات علينا ان نبتعد عن الأحكام الأخلاقية السريعة، وأن ننظر إلى السياق. بغداد كانت دائما مدينة مركزية، مدينة ثروة وصراع ونفوذ. وكل مدينة من هذا النوع تنتج في لحظات ضعفها قوى ظل.

والسؤال ليس: لماذا ظهر العيارون والعيّارات الآن؟
بل: لماذا ضعفت الدولة بحيث ظهروا؟

فحين يكون القانون عادلا، والمؤسسات قوية، والاقتصاد متوازنا، لا يجد العيّارون أرضا خصبة.
أما إذا اختل الميزان، فإن التاريخ يعيد نفسه، بأسماء جديدة ووجوه مختلفة…



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...
- بين الحارس والمحيط كتاب جديد عن سرقة آثار العراق
- هل السعادة وهم ام حقيقة؟
- ظاهرة المسير على الأقدام (المشاية)، هل هو تقليد حديث العهد؟
- الثاني من آب : هل الكراهية وسيلة ذكية وناجعة لصناعة سور كويت ...
- ليس من السهل التحول الى إنسان؟!


المزيد.....




- -هدد باستهداف ابن ترامب-.. أول تعليق من الخدمة السرية على في ...
- باكستان: مباحثات طهران -أحرزت تقدما- وركزت على خفض التصعيد و ...
- الأمن الأمريكي يفحص فيديو خروج 3 أشخاص من مجاري الصرف الصحي ...
- سياسي إسرائيلي عن سارة نتنياهو: -مدمنة كحول عنيفة وعنصرية-
- إيبولا يحصد أكثر من 2500 ضحية في الكونغو.. وتحذيرات أممية من ...
- ترمب يمد يده إلى كيم.. لماذا يثير ذلك قلق حلفاء أمريكا في آس ...
- دراسة حديثة: لا فائدة من زيادة البروتين حتى للرياضيين
- مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين في هجوم بمسيرات على إقليم كراس ...
- ترامب يهدد برفع الرسوم الجمركية على المركبات وقطع الغيار الك ...
- بيرنهام يتحدى تهديدات روسيا -الفظيعة- ويقدم أسرار تصنيع صارو ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم الحناوي - عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر