أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد














المزيد.....

صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 23:51
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يميل الإنسان دائما إلى استعادة صور الماضي، خصوصا تلك التي ارتبطت بطفولته وأيامه الأولى مع الناس والأماكن. فبعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها صنعت داخلنا شعورا خاصا بالحياة، وظلت عالقة في القلب مهما مر الزمن.
كنا ننتظر العيد بشغف كبير، لا بسبب الملابس الجديدة وحدها، بل لأن العيد كان يحمل لنا شيئا مختلفا كل مرة. لعبة جديدة، مشهد جديد، أو دهشة صغيرة تجعل العالم يبدو أوسع مما كنا نتصور. واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، ندرك أن الذين صنعوا تلك التفاصيل البسيطة لم يكونوا أشخاصا عابرين، بل كانوا جزء من ذاكرة مدينة كاملة.
ومن بين أكثر الوجوه حضورا في أعياد الخضر آنذاك، يبرز اسم المرحوم صبحي المصور، الرجل الذي ارتبطت صورته بالكاميرا والناس والفرح، حتى صار جزءا من مشهد العيد نفسه.
أتذكر جيدا ذلك اليوم في سبعينات القرن الماضي حين ظهرت خيمة بيضاء كبيرة قرب ساحة العيد بجانب حمام المدينة القديم، وكان الدخول إليها بخمسة وعشرين فلسا، وهو مبلغ ليس بسيطا بالنسبة لطفل كان أكبر ما يحصل عليه في العيد ربع دينار. يومها قالوا لنا إن داخل الخيمة (سينما)، وهي كلمة كنا نسمع بها أكثر مما نعرفها. كان المرحوم صبحي وراء تلك الفكرة، محاولا أن يقدم شيئا مختلفا عما اعتاده الأطفال في الأعياد.
ذلك العيد بقي حاضرا في الذاكرة لسنوات طويلة. ليس بسبب الفيلم وحده، بل لأننا شعرنا للمرة الأولى أننا نرى العالم بطريقة أخرى. حتى الذين لم يدخلوا الخيمة ظلوا يستمعون لحكايات من شاهدوها، وكأن الأمر يتعلق بسر كبير نحمله معنا أياما طويلة.
كان صبحي المصور يفهم الناس جيدا، ويعرف كيف يصنع من المناسبة البسيطة ذكرى تبقى في الذهن. وربما لهذا السبب بقي اسمه حيا في ذاكرة أبناء الخضر حتى اليوم.
قبل أن تدخل مدينة الخضر في السبعينات، كان عليك أن تعبر الجسر أولا، وهناك قرب النهر، يلفت انتباهك دكان صغير تتدلى على واجهته صور رجال وأطفال وعرسان وموظفين بملابس رسمية. ذلك المكان لم يكن مجرد استوديو تصوير، بل نافذة صغيرة تطل منها المدينة على نفسها.
كان أبناء الخضر يطلقون عليه ببساطة: (دكان صبحي المصور).
في ذلك الزمن، لم تكن الصورة أمرا عاديا كما هي اليوم. كانت حدثا بحد ذاته. كثير من الناس لم تكن لديهم سوى صورة أو صورتين طوال حياتهم، ولهذا اكتسبت الصورة قيمة خاصة، وصار الاحتفاظ بها يشبه الاحتفاظ بجزء من العمر.
ومن بين الصور التي ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم، صورة التقطها لي المرحوم صبحي وأنا بعمر ست سنوات تقريبا، عندما طلبت المدرسة صورة شخصية. أتذكر كيف وضعني على كرسي صغير، وكيف كان يطيل النظر من خلف الكاميرا محاولا اقتناص اللحظة المناسبة لطفل لا يستطيع الثبات طويلا.
كان يتعامل مع التصوير بهدوء وصبر، وكأنه لا يلتقط صورة عابرة، بل يوثق شيئا سيبقى بعد سنوات طويلة.
ومع مرور الوقت، أصبح استوديو صبحي جزءا من حياة المدينة اليومية. الناس تقصده منذ الصباح؛ هذا يريد صورة للمدرسة، وآخر يحتاجها لوظيفة أو معاملة رسمية، وغيرهم ينتظرون صورا التقطت قبل أيام في مناسبة أو عرس أو احتفال.
وكان المرحوم صبحي يتنقل بكاميرته بين المناسبات الاجتماعية والرسمية، حتى أصبحت الكاميرا جزءا من هيئته التي يعرفه الناس بها.
دكانه الواقع قرب النهر، إلى يمين الجسر في الصوب الكبير، لم يكن مجرد محل عمل، بل (فلتر) صغير تمر منه حكايات المدينة وأخبارها وصورها. ومن خلال الصور المعلقة في واجهة الاستوديو، كنا نتابع تغير ملامح ابناء الخضر عاما بعد آخر.
اليوم اختفت تلك الواجهات تقريبا، ولم يعد أحد ينتظر تحميض الصور كما كنا نفعل في ذلك الزمن، لكن صور المرحوم صبحي ما زالت تحتفظ بشيء لا توفره كاميرات الهواتف الحديثة… روح الزمن نفسه.
لقد ساهم الرجل، دون أن يشعر ربما، في توثيق جانب مهم من تاريخ المدينة الاجتماعي. أرشيفه لم يكن مجرد مجموعة صور، بل ذاكرة كاملة لرجال ونساء وأطفال مرّوا أمام عدسته ثم مضت بهم الحياة.
ولهذا أتمنى أن يحافظ أولاده وأحفاده على ذلك الأرشيف، لأنه لا يمثل تاريخ عائلة فقط، بل يمثل جزءا من ذاكرة الخضر نفسها.
كلما مررت قرب مكان دكانه القديم، أشعر أن المدينة فقدت شيئا من ملامحها معه. فالكاميرا التي كانت تلتقط الناس، كانت في الحقيقة تحفظ أعمارهم بصمت.
وربما لهذا السبب، كلما نظرت إلى صورتي القديمة بعمر ست سنوات، أشعر أن المرحوم صبحي لم يكن يلتقط صورة لطفل فقط…
بل كان ينقذ لحظة من الضياع.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...


المزيد.....




- ترامب -غير راضٍ- عن المقترحات الإيرانية.. ويهدد بـ-تفجير- عُ ...
- ترامب يحذر إيران: أبرموا اتفاقا وإلا -سننهي المهمة-
- إيران تسخر من صورة تذكارية لوزير الخارجية الأمريكي في الهند. ...
- النمسا.. السجن المؤبد لسوري أدين بتنفيذ هجوم باسم داعش
- موجة الحر تحصد أرواح 9 أشخاص غرقا في بريطانيا
- وسط غارات مكثفة.. الجيش الإسرائيلي يصنّف أجزاء واسعة من جنوب ...
- اتهامات لعراقجي بالخيانة وتهديدات بإسقاط الحكومة.. كيف يحاول ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يمهل طهران -فرصة وجيزة- وتصعيد إسرائي ...
- سوريا تفرج عن دفعة جديدة من موقوفي -قسد-
- الناتو أمام اختبار البقاء.. هل يتفكك الحلف الأطلسي من الداخل ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد