أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة














المزيد.....

حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 00:17
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أصبح المرحوم حميد أبو گلل مختارا في مدينة عطوفة بأهلها وبتشكيلها الجغرافي، فأغلب سكانها عوائل مترابطة من أعمام وأخوال وأقارب، وكأن المدينة عائلة كبيرة متآلفة ومتحابة. لذلك فإن من يأتي إليها من مدينة أخرى لا يشعر بالغربة، بل يجد نفسه مرتبطا بذلك النهر الذي يشطرها إلى ضفتين، ويتنفس في بيئة تحيط بها البساتين والأراضي الزراعية، قبل أن يكتشف ما يحمله أهلها من قبول ومحبة وتشجيع للوافد الجديد.

أُقر منصب المختار من قبل الدولة العثمانية بعد منتصف القرن التاسع عشر ليكون حلقة الوصل الرسمية بين السلطة والسكان في الولايات والأقضية والنواحي العراقية، لكن هذا المنصب في المدن الصغيرة لم يكن مجرد حلقة حلقة وصل إدارية يمثل حجر الزاوية بين الأهالي من جهة والجهات الحكومية من جهة اخرى، بل تحول مع الوقت إلى مكانة اجتماعية ترتبط بالثقة والسمعة والقبول بين الناس.

وحين تروي مدينة الخضر تاريخها، فهي لا تبدأ من الشوارع والساحات، بل من رجال عاشوا فوق ترابها وتركوا أثرا في وجدانها، ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم المرحوم حميد أبو گلل، أو كما يحب أبناء المدينة تسميته: (حميد المختار).
رجل ذو ملامح فيها وقار خاص، تطمئن له النفوس وتأنس به الوجوه، يشبه جيلا كاملا من الرجال الذين غابوا عن العيون لكنهم بقوا أحياء في الذاكرة والسيرة.

في السبعينات والثمانينات كان لمنصب المختار معنى مختلف، إذ لم يكن مجرد ختم على ورقة أو توقيع معاملة، بل عنوانا للوجاهة الاجتماعية، ومرجعا يعرف تفاصيل الناس وأحوالهم وعلاقاتهم.
وكان حميد المختار يتواجد في مقره الكائن في الصوب الكبير، في الجهة المقابلة لمقام الخضر (عليه السلام)، وكنت أراه دائما محاطاً بالأصدقاء والمراجعين وأبناء المدينة الذين يأتون لإكمال معاملاتهم أو طلب المشورة، في جلسات يغلب عليها الدفء وروح الطرفة التي يمتاز بها أهل الخضر وريفها.

لم يكن يتعامل مع المهمة كتشريف، بل كتكليف ومسؤولية اجتماعية وأخلاقية.
وأتذكر وأنا صغير يوما تابعت تفاصيل مزاد للتمور في الصوب الكبير بمدينة الخضر، وكان الناس ينتظرون حضور حميد المختار قبل أن يبدأ المزاد، لا بصفته الرسمية فقط، بل لأن وجوده يمنح الجميع الطمأنينة.
كان البائع والمشتري يثقان به، ويعرفان أن حضوره يمنع التلاعب ويمنح المكان هيبة هادئة لا تحتاج إلى صراخ أو نزاع.

وكان المختار آنذاك يؤدي أدوارا تتجاوز تعريف السكان أو المصادقة على الأوراق الرسمية، فهو شاهد على الولادات والوفيات والزواج، ووسيط بين الأهالي ودوائر الدولة، وصاحب كلمة مسموعة عند كثير من الجهات الرسمية.
ولعل من أكبر المشكلات التي كانت تواجه الناس في تلك المرحلة، مسألة تثبيت الولادات والوفيات واستخراج الأوراق الثبوتية، خاصة أن كثيراً من أبناء الريف كانوا يسجلون أبناءهم بعد سنوات طويلة من ولادتهم، وهنا كان دور المختار أساسيا في تثبيت الوقائع والمساعدة على حل التعقيدات الإدارية.

ولم يكن أبو ماجد مختار أوراق فقط، بل ذاكرة موسوعية تعرف الكبير قبل الصغير، وتصغي للناس وكأنهم أفراد من عائلته.
كان يتعامل مع قضاياهم كما يتعامل المحامي مع صاحب حاجة عزيز عليه، يتنقل بين أحياء المدينة، يطمئن على المرضى، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، ويزور المجالس والمضايف والمناسبات الاجتماعية، لذلك لم يكن غريبا أن يتحول دكانه إلى ملتقى يومي يرتاده الوجهاء وأبناء المدينة.

كان ذلك المكان بسيطا في شكله، لكنه ممتلئ بالحياة؛ هناك تروى الحكايات، وتحل بعض الخلافات، وتقال النصيحة، وتختم الأوراق، وتتشابك العلاقات الإنسانية بعيدا عن التكلف.
ولهذا بقي اسمه حاضرا في ذاكرة المدينة، لأن الناس لم تتذكره كمختار فقط، بل كرجل خدمهم بمحبة وصدق.

ومع توسع المدن وازدياد عدد الدوائر الحكومية، وتغير طبيعة المجتمع، تراجع الدور التقليدي للمختار كثيرا، وأصبحت العلاقة بين المواطن والدولة أكثر مباشرة مما كانت عليه في الماضي، لكن ذلك لا يلغي أهمية تلك المرحلة، ولا قيمة الرجال الذين حملوا هذا الدور الاجتماعي والإنساني في زمن كانت فيه الثقة الشخصية جزءا من نظام الحياة اليومية.

لقد ترك المرحوم حميد المختار إرثاً اجتماعيا لا يقاس بالبناء أو المال، بل بالأثر الذي بقي في نفوس الناس، وبالسمعة الطيبة التي حافظ عليها طوال سنوات عمله.
هذا ما لاحظته شخصيا من خلال مراجعاتي لبعض الأوراق الرسمية، أو عبر اللقاءات التي كانت تجمعنا في مناسبات مختلفة، خصوصا في بيت الحاج أبو صادق (حسن آل مطر).

سلام على تلك الروح التي عرفت كيف تخدم الناس من غير ادعاء، وتحب من غير مقابل، وترحل من غير أن تغادر الذاكرة.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان
- فخ المنصات.. حين يبتلع -الضجيج- صوت الحوار
- النخب الثقافية: من صناعة الوعي إلى اختبار المنصّة
- نوري المالكي: هل تمكنه المراوغة من تمرير ولايته الثالثة ؟
- ما هي الثقافة؟ وكيف تُعاد برمجة أولوياتك دون أن تقرأ كتابًا ...
- الإمام الكاظم (ع): السجين المنتصر ونموذج النضال السلمي
- نحترم الاختلاف في الرأي ونرفض الإساءة للصحفي الرياضي ضياء حس ...
- أوروك الحارس والمحيط في معرض الرياض للكتاب
- رسالة الى سماحة السيد مقتدى الصدر هل مقاطعة الانتخابات تخدم ...
- بين الحارس والمحيط كتاب جديد عن سرقة آثار العراق


المزيد.....




- فايننشال تايمز: إيران تهزم ترمب في -فن الصفقة- عبر مضيق هرمز ...
- معضلة ترمب وطموح طهران.. من يربح سباق المفاوضات؟
- زلزال بقوة 6.9 درجة يضرب شمال تشيلي
- ترامب: اليورانيوم الإيراني المخصب سيتم تدميره أو نقله
- الحج مشيا.. حين أرعب -ركب الحج المغربي- جيش نابليون
- قطر تنفي مزاعم بعرض 12 مليار دولار على إيران لضمان التوصل لا ...
- بعد 341 عاما.. فرنسا تواجه إرث -المرسوم الأسود- وتاريخها الا ...
- الولايات المتحدة تنفذ -ضربات دفاعية- في جنوب إيران
- نقل نتنياهو إلى مستشفى في القدس
- في بيان لـCNN.. الجيش الأمريكي يعلن شن -ضربات دفاعية- استهدف ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة