أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جابر احمد - نقد الروايات المتعلقة بعلاقة لغات الأخمينيين والساسانيين والفارسية الحديثة















المزيد.....


نقد الروايات المتعلقة بعلاقة لغات الأخمينيين والساسانيين والفارسية الحديثة


جابر احمد

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 18:21
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الدكتور ضياء صدر الأشراف – كاتب وباحث في التاريخ
ترجمة جابر احمد


المقدمة

إنَّ كلَّ باحثٍ ومؤرِّخٍ مُنصِفٍ في تاريخ إيران لا بدَّ أن يشعر بالحيرة والدهشة أمام كثرة الأكاذيب ووفرة التزويرات الواضحة لدى معظم المؤرِّخين والباحثين الأجانب ومُقلِّديهم من الإيرانيين، وكذلك لدى السياسيين المدافعين عن تلك الأكاذيب، وذلك منذ عهد بَهلَوي (1304هـ ش/1925م) وحتّى اليوم.
تحاول جميع الأمم – عادةً – أن تُطيل أمد حِقَبها التاريخيّة قدر الإمكان؛ فعلى سبيل المثال، يُعتبَرُ قوم «أورارتو» – نظرًا لكونهم سكنوا أيضًا في أرمينيا الحالية – جزءًا من تاريخ أرمينيا والشعب الأرمني.

أمّا في كتابة التاريخ الأيديولوجي لإيران، فمنذ العهد البَهلَوي (1304هـ ش/1925م) وحتّى اليوم نجد أنّ معظم المؤرِّخين الإيرانيِّين الذين ابتُلوا بأيديولوجيَّتَي البان-آريانية (Pan-Aryanism؛ وهي نزعة أيديولوجيّة تدّعي تفوّق الجنس الآري ووحدته) والبان-فارسية (Pan-Persianism؛ أي النَّزعة القوميَّة الفارسيَّة الشموليَّة) – ولم يتعافَ بعضُهم من هذا الداء حتّى الآن – قد دَأَبُوا على اتباع نهجٍ يقوم على ما يلي:
أولًا: حذف الجزء المُزعِج – تمَّ حذف جميع الحضارات التالية من تاريخ إيران: عيلام، قوتي (غوتي)، لولّوبي، كاسي، مانّا، أورارتو؛ لأنَّ لغاتِها وأصولها جميعًا كانت – وفقًا للمؤرِّخ رومان غريشمان في كتابه «إيران من البداية حتى الإسلام» (ص 39، ترجمة محمد معين) – من اللغات «الإلصاقيَّة» (مثل التركيَّة والفنلنديَّة والكوريَّة وغيرها). لذا حُذفت هذه الحضارات من التاريخ الإيراني الرسمي «الآري» إبّان الحكم البَهلَوي.
ثانيًا: إبراز الجزء المطلوب أيديولوجيًا – وضعوا تحت الأضواء كلَّ ما يخدم أيديولوجيَّتَي «البان-آريانية» و«البان-فارسية»، أي عهود الأخمينيين والساسانيين والصفويين والبَهلَويين (قبل سقوطهم).
ثالثًا: تهميش الفترات غير المرغوبة – تمَّ وضع الفترات التاريخيَّة المزعجة في الظلّ وازدراؤها قدر الإمكان، والنظر إلى عصورها على أنّها فترات أزمة بالنسبة للنَّزعتَين «البان-آريانية» و«البان-فارسية». ومثالُ ذلك الفترة الممتدَّة من عهد السلاجقة إلى عهد القاجاريين (باستثناء فترة الدولة الزنديَّة ذات النظام شبه الإقطاعي بقيادة كريم خان زند بصفته «وكيل الرعاية»). ويستشهد الكاتب هنا بما قاله إبراهيم پورداوود في كتابه «فرهنگ إيران» (الذي يعني «الثقافة الإيرانيَّة الآرية» بحسب تفسير الكاتب)، حيث يرى ضرورة فصل «الزندية الآرية» عن فترة «حكم العرب والأتراك» في إيران.
رابعًا: طرح الأساطير وإضافة الأكاذيب التاريخية – ومن أمثلة ذلك الادِّعاء بحرق مكتبات الفُرس الساسانيين في جُنْدي سابور (زمن الخليفة عمر بن الخطاب) وفي خوارزم (زمن الخليفة الوليد بن عبد الملك) في حين انه لم يكن الورق موجودًا في إيران قبل الإسلام أصلًا، فلم تكن هناك مكتبات بالمعنى المتعارف يمكن إحراقها. ويُضيف الكاتب أنَّ صناعة الورق والحبر الصينيَّين انتشرت في بغداد بعد معركة تالاس سنة 751م (129هـ ش) بواسطة أسرى صينيِّين، وذلك عقب تأسيس بغداد في عهد الخليفة العبَّاسي الثاني المنصور. وهكذا أصبحت بغداد تحوي أكبر مكتبة في العالم حتّى اجتاحها هولاكو سنة 1258م (656هـ ق/636هـ ش).

وفي السياق نفسه، واتباعًا لسياسة «دولة واحدة، راية واحدة، لغة واحدة...»، قامت الأيديولوجيا الحاكمة منذ سنة 1304هـ ش (1925م) وحتّى اليوم بحظر نظام التعليم التقليدي الذي كانت تُدرَّس فيه اللغات الأُم إلى جانب اللغة الفارسية باعتبارها لغة التفاهم العامّة، واللغة العربية باعتبارها لغة الدين والفلسفة. فقد استُبدل تدريس كتاب «گلستان سعدي» (باستثناء الباب الخامس منه) بتدريس « جُزء عَمَّ » (الجزء الثلاثين من القرآن الكريم). وهكذا حوَّلت هذه السياسة الشوفينية اللغةَ الفارسيَّة من لغة تواصلٍ مشتركة إلى لغةٍ احتكارية؛ وكلُّ لغة احتكاريَّة تتحوَّل إما إلى «لغة بديلة» أو «لغة قاتلة». وفي حالة فرض الفارسية لغةً رسميَّةً وحيدةً، فإنَّ هذه الخطوة – بحسب الكاتب – افتقرت إلى أدنى درجات الرُّقيّ الذوقي، ذلك أنَّ الأدب الفارسي الكلاسيكي يحمل في طيَّاته رسائل إنسانية مشرِّفة وحديثة تتوافق مع الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، وتناقض – بل تتعارض – مع السياسات الاستعماريَّة المتمثِّلة في النزعتَين «البان-فارسية» و«البان-آريانية». ومن ذلك قصيدة سعدي الشهيرة:

بنو آدم أعضاء بعضهم لبعض (أو: جسد واحد)
لأنهم في الخلق من جوهر واحد
فإذا اشتكى عضوٌ تألَّمت له بقية الأعضاء
ومن لا يبالي بمحنة الآخرين
فلا يليق أن يُسمّى إنسانًا.

ويشير الكاتب إلى أنَّ السيد أحمد كسروي كتب تصحيحًا لهذه الأبيات، قاصدًا به التقليل من شأنها ومعارضة سعدي بصورة غير مباشرة، إذ قال إن البيتين الأوَّلين ليسا إلّا ترجمة فارسية لحديثٍ نبويٍّ شهير:
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.»
لكنَّ الكاتب يرى أن كسروي تجاهل عمدًا أن البيت الثالث هو استنتاج إنسانيٌّ رفيع استنبطه سعدي بنفسه من هذا الحديث النبوي الشريف.
كما يستشهد الكاتب ببيتٍ للشاعر حافظ الشيرازي، ويرى أنّه ينبغي كتابته على أبواب جميع المدارس التابعة لوزارتَي التربية والتعليم والثقافة، مع ترجمته إلى لغة كلِّ منطقة. ويقول إن هذا البيت يكشف في الوقت نفسه مدى التوحش والتخلُّف الإنساني لدى أولئك الذين حوَّلوا اللغة الفارسية – منذ قرن مضى – إلى أداةٍ للقمع الثقافيِّ ومحاربة اللُّغات. يقول حافظ – أحدُ أعظم شعراء الغزل الفارسي، والذي كان يسمِّي لغته «الدَّرِيّة» (أي البلاطية) داعيًا إلى الحب والحرية لا إلى الكراهية وإزهاق اللُّغات:
«التركية والعربية سواءٌ في هذه المعاملة يا حافظ،
فتحدَّث عن الحب بأيِّ لغةٍ تعرفها.»

بعد هذه المقدِّمة التي كتبها المؤلِّف بمناسبة بداية العام الدراسي واستمرار ما يصفه بمائة عامٍ من الوحشيَّة المعادية للثقافات واللغات، ينتقل إلى موضوع المقال المتعلق باللغات الإيرانيَّة التالية:
الفارسية القديمة
الفارسية الوسطى
الفارسية الدَّرية – الطاجيكية (أي: الفارسية الحديثة)
ويُطلِق بعض الباحثين على هذه اللغة أيضًا اسم الفارسية الجديدة أو الفارسية الحديثة، ويعتبرونها امتدادًا للفارسية الوسطى، بحيث تُعَدُّ الفارسية الوسطى بمثابة الأب، والفارسية القديمة بمثابة الجد للغة الفارسية الحديثة.

تسمية لغة داريوس:
يقول الكاتب إنّه أثناء دراسته لنقوش داريوس الأول الأخميني لاحظ أنّ داريوس في نقش بيستون كان يُطلِق على لغته اسم «آري-ين» أو «آري-يا»، وليس «الفارسية القديمة» (انظر الحاشية رقم 2 في نهاية النص). وفي النُّسخة العيلامية من النقش وردت هذه التسمية بصيغة «هار-يا».

نص داريوس في نقش بيستون:
في العمود الرابع، الفقرة (20)، الرقم (89)، الصفحة (73) من كتاب «فرمانهاي شاهنشاهان هخامنشي» (أي: «أوامر الملوك الأخمينيين»)، كتب داريوس:
«يقول الملك داريوس:
بمشيئة أور-مَزَد – (ويشير الكاتب إلى أنّهم تعمّدوا كتابتها بشكلٍ مُحرَّف: «أهورامزدا») – هذا النقش من إنجازي.
وقد أُلّف أيضًا باللغة الآرية (في النص: «آري-يا»)، سواءً على اللوح أو على الجلد.»

مسألة الورق والجلود:
يُشير الكاتب إلى أن قمبيز الثاني ابن كوروش الثاني (كوروش الكبير) فتح مصر سنة 525 ق.م. لكنَّ الأخمينيِّين – وعلى خلاف العباسيِّين بعد معركة تالاس – لم ينقلوا الورق المصري (البردي) إلى إيران، ولم يصنعوا ورق البردي على ضفاف نهر كارون كما صُنِع على ضفاف النيل. بل ظلّ الأخمينيون حتى سقوط دولتهم سنة 330 ق.م يكتبون على الحجر والألواح الطينية والجلود، واستمرَّ هذا التقليد حتى سقوط الدولة الساسانية.

كتاب «أوامر الملوك الأخمينيين»:
يوضح الكاتب أنَّ هذا الكتاب أُلِّف بمناسبة الاحتفال بمرور 2500 سنة على قيام الملكيَّة في إيران. وقد وضعه المستشرق رالف نورمن شارب (أستاذ جامعة بهلوي في شيراز آنذاك) باللغة الفرنسية في 197 صفحة، ثم نقله إلى الفارسية الدكتور شاپور شهبازي في 201 صفحة. وقد أُلِّف الكتاب عام 1968م (1346هـ ش) وطُبع سنة 1977م (1355هـ ش). ويتضمَّن هذا الكتاب نُصوص نقوش الملوك الأخمينيين من داريوس الأول حتّى أردشير الثالث، بالخط المسماري مرفقةً بترجمة فرنسية بالحروف اللاتينية وترجمة فارسية بخط النَّسخ.

انتقاد عدم ترجمة النصوص العيلامية والبابلية:
يقول الكاتب إن نقش بيستون يضمّ نصًا عيلاميًا مطوَّلًا يتألّف من 593 سطرًا، ونصًا بابليًا من 212 سطرًا، لكن بسبب ما يسمّيه «مرض البان-آريانية» لم تُترجَم هذه النصوص إلى الفارسية. ويضيف أن داريوس والملوك الأخمينيين – على خلاف ملوك بهلوي وفقهائهم المعاصرين بحسب رأيه – كانوا دائمًا ينقشون جميع كتاباتهم بثلاث لغات: العيلامية، الفارسية القديمة (بحسب التسمية الشائعة)، البابلية. ويرى الكاتبُ في ذلك شَبَهًا بالتعايش التاريخي بين العربية والفارسية والتركية في العصور الإسلامية، ولا سيما إبان حكم السلالات التركيّة من الغزنويين حتّى القاجاريين.

معنى «آريا» عند داريوس:
ويرى الكاتب أنَّ أنصار «الآرية» في عهد بَهلوي أولَوا اسم اللغة عنايةً كبرى، ولم يلتفتوا إلى المعاني الأخرى التي استُخدمت بها كلمة «آري» ومشتقّاتها في نقوش داريوس وغيرها. ثم يستعرض الكاتب تلك المعاني، وأوَّلها ما ظهر في نقش نقش رستم.
أوّلًا: «آريائي چهره» (الهيئة أو الملامح الآرية):
في نقش داريوس في نقش رستم (Na D)، الفقرة (2)، السطرين (14–15) بالصفحة (85) من الترجمة الفارسية والصفحة (82) من النص الفرنسي الأصلي، ورد:
«أنا داريوس، الملك العظيم، ملك الملوك، ملك البلدان التي تضم مختلف الشعوب، ملك هذه الأرض الواسعة البعيدة.
ابن وِشْتاسْب الأخميني،
فارسي،
ابن فارسي،
آريائيّ اللغة،
آريائيّ الهيئة (آريائي چهره).»
ويقول الكاتب إنَّ الدكتور شاپور شهبازي حرَّف عبارة «آريائي چهره» في ترجمته الفارسية إلى «من العرق الآري»، مُضفيًا عليها معنى بان-آريانيًا (نازيًا). بينما يرى الكاتب أنَّ النص الفرنسي الأصلي الذي صاغه رالف نورمن شارب استعمل التعبير lignée aryenne والذي يعني – في رأيه – «السلالة العائلية» أو «الخط العائلي» أو «النسب الأسري»، وليس «العرق الآري» كما جاء في الترجمة الفارسية (انظر الحاشية رقم 3 في نهاية النص). ويعتقد الكاتب أنَّ هذا التحريف جاء إرضاءً لمحمد رضا شاه بعد أن أصبح يحمل لقب «آريامهر» (شمس العرق الآري).

معنى «فارسي» عند داريوس:
يُضيف الكاتب أنَّ داريوس في هذا النص يعرِّف نفسه قياسًا إلى «پارسه» (بارسه) التي تُلفظ «پارسا» (بارسا) في اللغة الأخمينيّة، وهي إقليم فارس الحالي؛ فيصف نفسه بأنّه «فارسي» و«ابن فارسي»، أي منسوبٌ إلى أرض فارس. ويرى الكاتب أنَّ اسم «پارسه» كان اسمًا لمنطقةٍ جغرافية أطلقه عليها العيلاميّون – أصحاب اللغة الإلصاقيّة – بحُكم مجاورتها للبحر، وأن معنى «پارسه» لديهم هو «الجانب» أو «الحافة» أو «المنطقة الواقعة على طرف البحر».
ذكر داريوس للخليج الفارسي:
في نقشٍ مصريٍّ لداريوس (يُشار إليه بالرمز D Zc؛ ص 105 من الترجمة الفارسية، وص 102 من النص الفرنسي)، يقول داريوس:
«أنا فارسي.
ومن فارس أخذتُ مصر.
وأمرتُ بحفر هذه القناة من نهر النيل الجاري في مصر إلى البحر الذي يمضي إلى فارس.
وبعد ذلك حُفرت القناة كما أمرتُ، وسارت السُّفن من مصر عبر هذه القناة نحو فارس كما أردتُ».
ويُشير الكاتب إلى أنَّ المقصود هنا القناةُ التي تصل بين نهر النيل والبحر الأحمر، والتي كان الشروع بحفرها قد بدأ في عهد الفرعون نِخو قرابة سنة 600 ق.م ولكنّها لم تُستكمل بسبب وفاته؛ فأتمّها داريوس فيما بعد. كما يذكر الكاتب أنَّ ثلاثًا وعشرين سفينةً محمَّلةً بخزائن مصر أبحرت عبر تلك القناة ونقلت الممتلكات إلى إقليم فارس وإلى مدينة سوسة.

أسماء القبائل الفارسية العشر:
ويقول الكاتب إنَّ القبائل العشر التي استوطنت إقليم فارس العيلامي لم يكن أيٌّ منها يحمل أصلًا اسم «فارس»؛ بل أُلحق بها هذا الاسم بعد استقرارها في تلك الديار. ويشبّه ذلك بما حدث لبعض الأتراك السلاجقة الذين أضافوا لاحقًا اسم أذربيجان إلى ألقابهم بعد استيطانهم في ذلك الإقليم. وينقل الكاتب عن هيرودوت أن القبائل الفارسية العشر إبّان صعود كوروش سنة 550 ق.م كانت تتألّف من:
القبائل المُستقرّة: الباسارغاديون (Pasargadae)، المارافيّون (Maraphii)، الماسبيّون (Maspii)، البانتاليّون (Pantialaei)، الدَّروسيون (Derusiaei)، الجرمانيّون (Germanii)؛ ويذكر الكاتب أنَّ بعض الكتاب النازيّين في عهد رضا شاه حاولوا إيجاد صلة بين الجرمانيّين (Germanii) وبين الألمان (German) وأيضًا بين إقليم كرمان الحالي.
القبائل الرُّحَّل: الدائيّون (Daei)، المرديّون (Mardi)، الدروبيكيّون (Dropici)، الساغارتيّون (Sagartii).

تفسير أورانسكي لعبارة «آريائي چهره»:
يذكر الكاتب أنَّ الباحث السوفييتي إ. م. أورانسكي في كتابه «مقدّمة في فقه اللغة الإيرانية» (ترجمة كريم كشاورز) لم يترجم عبارة «آريائي چهره» بمعنى الوجه أو الملامح أو الهيئة، بل ترجمها إلى «الأصل الآري». ويرى الكاتب أنَّ عبارة «الأصل الآري» في النظام الشيوعي تؤدِّي المعنى نفسه الذي تُؤدِّيه عبارة «العرق الآري» في الفكر النازي، وإن أتت بصيغةٍ ألطف.

المعنى الثالث لكلمة «آري»:
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ما يراه المعنى الثالث لكلمات «آري» و«آريا» و«آريكا» في نقش بيستون. ويقول إنها استُخدمت بمعنى «الخبيث» و«الشرير» و«عديم الوفاء». ويستشهد بمواضع مختلفة من نقش بيستون، ثم يذكر أنَّ كتاب «أوامر الملوك الأخمينيين» في صفحة (151) يورد أربع صيغٍ مختلفة لهذه الكلمة. ويبدأ بشرح الصيغة الأولى منها:
1- أَرِيكَا (ariyaka): جاءت هذه الصيغة صفةً للمفرد المذكَّر الفاعل، ومعناها: «عديم الوفاء» و«شرِّير». ويستشهد بنقش بيستون (العمود الأول، الفقرة 8، الرقم 22) حيث يرى داريوس أنَّ أهورامزدا والآلهة الأخرى أيَّدته لأنَّه كان مُؤمنًا صادقًا ومُخلصًا، بينما لم يُؤيِّدوا خصمه الذي كان شرِّيرًا عديم الوفاء.
وجديرٌ بالذكر هنا أنَّ «الفارسية القديمة» كانت لغةً تصريفيّةً (أي تمتاز بالتصرّف في أواخر الكلمات تبعًا لأدوارها النحوية) وتشتمل على ثلاث صِيَغٍ نحويَّة للجنس (المذكّر والمؤنّث والمحايِد) على غرار اللغات السلافية القديمة.
2- أَرِيكَا – هذه صيغة مُشابهة ولكن في حالة الجمع، وقد استُخدمت أيضًا بمعنى «عديمي الوفاء» أو «أشرار». ويستشهد بنقش بيستون (العمود الخامس، الفقرة 57) حيث يقول داريوس بشأن قوم «الخوزي»: «كانوا أشرارًا عديمي الوفاء؛ لم يكونوا يعبدون أهورامزدا، أما أنا فكنتُ أعبد أهورامزدا، ففعلت بهم ما شئت.» ويُعلِّق الكاتب هنا أنَّ هذا يؤذِن ببداية الحرب الدينية والقتل العَقَدِي في إيران!
3- آَرِي (Ārī) – جاءت بمعنى «خبيث» أو «شرير» أو «عديم الوفاء». ويرى الكاتب أنَّ المترجمين في العهد البهلوي تجنّبوا ترجمتها بهذه الدلالات الحرفيّة (خوفًا من إثارة حفيظة «آريامهر») وحرَّفوها في ترجماتهم لتوحي بمعانٍ إيجابيّة، من قَبيل «النُّبل والحرية والطهارة» – وهي معاني لفظة «آريا» في اللغة الأڤِستية والسنسكريتية – وذلك على نهج عبدالعظيم رضائي الذي أورد كلمة «إير» في «كتاب الأصل والنّسَب» (ص 81) ضمن سلسلة «إير-أن/آن-إيران» بمعنى «غير الآري – غير النبيل – الدنس – مجهول النسب (ابن زنا)».
4- آَرِيَا (Āryā) – استُخدمت بوصفها اسمًا للُغة، في حالة المفعول به، بمعنى «اللغة الآرية». وهذا هو الاسم الذي استخدمه داريوس في قوله عن النقش: «وقد أُلِّف أيضًا باللغة الآرية (في النص: «آريّا») ... سواءً على اللوح أو على الجلد».

خلاصة: وهكذا يتبيّن – عقليًا ومنطقيًا – أنَّ هذه اللغات الثلاث، بحكم اختلاف أصولها الجغرافيَّة وتفاوت أزمنة وفودها إلى إيران (بحدودها المعاصرة)، لا تربطها ببعضها أيُّ علاقة علّيّة أو سببيّة؛ فلم تكن يومًا ذات صلة «أبويّة – بنويّة» فيما بينها. وبالتالي فإنّ إطلاق أسماء «الفارسية القديمة» و**«الفارسية الوسطى»** و**«الفارسية الدَّرية – الطاجيكية» (الفارسية الحديثة)** على هذه اللغات ليس سوى صورةٍ من «تجاهل العارف» (أي التظاهر المتعمَّد بالجهل)، ولا يستند إلى أيِّ أساسٍ علميٍّ متين.

الحواشي:
الحاشية رقم (1): وفقًا لبعض المصادر، كانت السيّدة نوش‌آفرين آيرُملُّو (والدةُ رضا شاه) من عشيرة آيرُملُو التركيَّة في جورجيا (وكان اسمها غير الرسمي فاطمة). وقد جاءت إلى كنجه (گنجه) ثم طهران، وبعد زواجها من عباس علي داداش‌بيگ – المنتمي إلى الترك القزاق في سوادكوه – انتقلت إلى طبرستان (فيما بعد تُسمَّى مازندران). ويُرجَّح أنَّ اسمها الأصلي كان فاطمة (فقد سمَّى والداها ابنَهما الوحيد رضا تيمنًا بالإمام الرضا عليه السلام)، لكنَّ رضا شاه – ضمن لعبته القوميَّة – الشوفينيَّة – استبدل الاسم العربي الديني «فاطمة» بالاسم الفارسي «نوش‌آفرين» (ومعناه بالفارسية «أهل خراب فارس»)!
الحاشية رقم (2): في النُّسخة العيلامية من نقش بيستون (DB IV) – وتحديدًا في السطر الثالث – ورد ما يأتي (نقلًا عن كتاب فرانسواز غريلو-سوزيني المذكور، الصفحتان 64–65):
يقول داريوس، الملك، ما معناه:
«بعد ذلك، وبمباركة «أور-مَزْد» (الإله المانح للأقاليم والمدن)، دوَّنتُ [النقش]. لم تكن هناك كتابةٌ بهذه [[اللغة]] قبل ذلك، فكتبتُ اسمي وذكري على الألواح الجلديّة بحضوري، وقُرئت مرةً أخرى، ثم أذنتُ بنسخه وتوزيعه في جميع البلدان.»
ويُذكر أيضًا العثورُ على لوحين ذهبيين في همدان. كُتِب الأوَّل منهما بأمر داريوس على لسان جدِّه الأكبر «أَريامِنِس» (AmH‎)، وكُتِب الثاني على لسان جدِّه «أَرَشام» (AsH‎)، وقد أملى داريوس نصَّهما بنفسه وقام الكتَّاب بنقشه. وأمّا النقش الثالث – المنسوب إلى كوروش (قورش) الأكبر في باسارغاد (مشهد مُرغاب) والمعروف بعبارة: «منم كوروش هخامنشي» (C M) – فقد صنعه داريوس نفسه ليدعم انتسابه إلى نسل «أخمِنَش»؛ وذلك لأنَّ كوروش الكبير لم يذكُر اسم «أخمِنَش» (سلف السلالة) قطّ في أسطوانته الشهيرة.
الحاشية رقم (3): كشفت الدراسات الجينية الحديثة (منذ سنة 2000م تقريبًا) – عبر مشروع فك الشفرة الوراثية البشرية في ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا – أنَّ ما كان يُظَنّ «أعراقًا بشرية» متميزة ليس سوى تباينات ظاهريّة سطحية. ولذا فلا وجودَ علميًّا لما كان القدماء يُسمّونه «العرق الآري» أو «العرق السامي» أو «العرق التركي»؛ فهذه جميعًا تنضوي تحت ما كان يُدعى خطأً «العرق الأبيض»، والاختلافات بينها تقتصر على السمات الفيزيائية المكتسبة – لا الوراثية الجوهرية – للأجناس البشرية المختلفة.
الحاشية رقم (4): كان داريوس قائد حرس كامبوجيا الثاني (قمبيز) وقت عودته من مصر إلى إيران؛ وقد زعم داريوس في نقوشه أنَّ كامبوجيا قُتل بطعنة خنجر من تلقاء نفسه أثناء امتطاء جواده في سوريا (أي من دون أيِّ قاتل). كما أورد أنَّه قضى على الپرتندر الگوبي (غاوماتا الميديّ)، الذي ادَّعى عرش الإمبراطورية مُنتحلًا شخصية «برديّا» الأخ الأصغر لكامبوجيا. ويُذكَر أيضًا أنَّ داريوس الأول هو الملك الأخميني الوحيد الذي جمع بين الفتوحات العسكرية والبراعة الثقافية، إذ تفوّقت كتابات نقوشه – كنقش بيستون – من حيث كثافةُ محتواها على جميع نصوص ملوك الأخمينيين الآخرين.
الحاشية رقم (5): يُبيِّن الكاتب أنَّ المترجمين إبّان احتفالات مرور 2500 عام على الملكيَّة الأخمينية في إيران قد تعمدوا تحريف بعض النصوص لخدمة أجندتهم الآيديولوجية. فعلى سبيل المثال؛ كُتبت الصيغة المسمارية لاسم الإله «أور-مَزْد» (اسم معبودٍ يعني «المانح للأقاليم») بصورة محرَّفة في جميع الترجمات البهلوية على هيئة «أهورامزدا»، وهي التسمية الزرادشتيَّة للإله بمعنى «الإله الحكيم العظيم خالق الوجود». وقد قام المؤلِّف شخصيًّا بتصويب هذه القراءة في ترجمته للنقوش (ص 146 من النص الفارسي المطبوع) لرسم الاسم بصورة «أور-مَزْد» الصحيحة، لكنَّ المترجم د. شهبازي أضاف في هامشه تفسيرًا خاطئًا يفيد أنَّ «أهورامزدا» هو اسم الإله في العقيدة الزرادشتيَّة، ويعني «داناي بزرگ هستي بخش» (أي: العالِم العظيم مانح الوجود). وفي نقش «D Sk» لداريوس في سوسة – على سبيل المثال – ظهر التحريف بصيغة «أنا أهورامزدا» (وهي صِيغة شبيهة بادِّعاء الفراعنة للألوهيّة لأنفسهم) بسبب إضافة المترجم فعلًا مُسقَطًا عمدًا من النص الأصلي؛ بينما لم يكن داريوس نفسه ليدَّعي الألوهية أبدًا. كما أنَّ مثل هذه التحريفات كثيرة في النقوش الأخمينية، وهي تهدفُ إلى إضفاء بُعدٍ سماويٍّ وقُدسيٍّ زائفٍ على حُكم أولئك الملوك لأغراضٍ أيديولوجيّةٍ دعائيّةٍ بحتة.
: Françoise GRILLOT-SUSINI, Éléments de grammaire élamite, Éditions Recherche sur les Civilisations, Paris, 1987 (سلسلة «سِنتيز» Synthèse، الرقم 29) – ص 64–65.
: باسارغاد (Pasargadae) هو الاسم اليوناني القديم لمدينة مشهد مُرغاب قرب شيراز، حيث قبر كوروش (قورش) الكبير.
: C M هو الرمز الاصطلاحي الذي يُشير إلى النقش المنسوب لكوروش الأكبر في موقع مقبرته في مشهد مرغاب ويبتدئ بعبارة «منم كوروش هخامنشي» (ومعناه بالعربية: «أنا كوروش [من سلالة] الأخمينيين»).



#جابر_احمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​حديث حول الفيدرالية في إيران
- تأييد حكم الإعدام الصادر بحق الناشط الثقافي الأهوازي -حسن مص ...
- الشعب العربي الأهوازي والأساليب التي اتبعها للحفاظ على لغته ...
- رحيل شخصية اهوازية مرموقة ساهمت في النضال الوطني الأهوازي
- رثاء رفيق الدرب المناضل رحيم جاردي -أبو فادي-
- النظام الإيراني ومعاناة الشعب التي لا تنتهي
- أوضاع الكادحين في إيران: بين الاستغلال الطبقي والاضطهاد القو ...
- تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان في إيران - القوميات أول الضحايا
- نظام ولاية الفقيه واستهدافه دول مجلس التعاون الخليجي
- أوضاع السجون في إيران ودعوة للتضامن مع السجينة نرجس محمدي
- عيد العمال العالمي… ومعاناة الكادحين في الأقاليم الإيرانية
- رحيل مناضل أهوازي… ووجع لا يُحتمل
- بمناسبة الذكرى الحادية بعد المئة لإنهاء الحكم العربي في إقلي ...
- ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم في إيران
- حضور فاعل لحزب التضامن الديمقراطي الأهوازي في البرلمان الأور ...
- المفاوضات بين أمريكا وإيران الحاضر آفاق المستقبل
- مضيق هرمز: شريان العالم الذي يترنح على حافة الصراع
- الحرب ومعيشة المواطنين: حينما تدفع الأطراف ثمن سياسات المركز
- الأطفال من حقول الألغام إلى شوارع المدن
- حضور اهوازي لافت في مؤتمر تحرير ايران


المزيد.....




- سيارة ذاتية القيادة تعيق المرور قرب موقع انفجار مميت في تكسا ...
- إيران.. الوسيط الباكستاني يلتقي عباس عراقجي.. ماذا نعلم؟
- الهجوم الإسرائيلي منح حزب الله جرأةً أكبر زاعما أنه المدافع ...
- -الإبادة لم تتوقف-: رئيسة سلوفينيا ترفع العلم الفلسطيني بالق ...
- فشل ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار يعد جزءاً من الفوضى ...
- رهان جيوسياسي بين روسيا وأوروبا في الانتخابات البرلمانية في ...
- هجوم بإطلاق نار يسفر عن قتيل و5 مصابين بوسط إسرائيل
- شقيقة كيم: برنامج كوريا الشمالية النووي -غير قابل للتفاوض-
- ملف جديد يلاحق إسرائيل في لاهاي بعد استهداف -أسطول الصمود-
- كيف تحول ملف الأموال المجمدة إلى مفتاح لتقدم المفاوضات الأمر ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جابر احمد - نقد الروايات المتعلقة بعلاقة لغات الأخمينيين والساسانيين والفارسية الحديثة