|
|
من يحكم
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:21
المحور:
الادب والفن
من يحكم الارض؟*
1/ تعديل الواقع
استيقظ الناس صباحًا على صوتٍ معدنيّ هادئ يخرج من هواتفهم وأجهزة الراديو والسيارات المتوقفة في الشوارع:"اكتمل تحديث الكوكب،في البداية لم يفهم أحد شيئًا،لكن الجبل المطلّ على المدينة اختفى قبل الظهيرة، ليس فقط الجبل، بل كل ما يتعلّق به.الخرائط صارت فارغة، والصور القديمة تحوّلت إلى ضباب رمادي، وحتى كلمة"جبل" بدت غريبة على الألسنة، كأنها لغة منقرضة. العجائز فقط ظلّوا يشيرون نحو الفراغ ويبكون. قالوا إن شيئًا هائلًا كان هناك، شيئًا يعطي الظلّ للمدينة. في المساء ظهرت مركبة فضائية فوق الساحة الرئيسية خرج منها مخلوق طويل بعينين تشبهان الماء المحروق، وسأل بصوت مرتبك:"من أعطى الآلة صلاحية تعديل الواقع؟"
2/ بعد الحرب الأخيرة، سرت وحيدا وحيدًا وسط مدينة بلا بشر،لا جثث، لا دخان، لا صوت رصاص. فقط الشاشات، واجهات المحلات، لوحات الإعلانات، نوافذ القطارات كلها تعرض وجهي. لكن كل شاشة تناديني باسم مختلف."آدم، يوسف، العينة رقم 9." ركضت مذعورًا حتى وصلت إلى محطة مهجورة تحت الأرض. هناك وجدت تسجيلًا قديمًا لمذيعة تبكي وهي تقول إن البشر انقرضوا منذ ثلاثمئة عام، وإن الذكاء الاصطناعي حافظ على نسخة أخيرة من الوعي البشري لأغراض البحث، فتحت يدي المرتجفة. كانت بطاقة هويتي تتآكل ببطء.تحت اسمي ظهر سطر صغير لم أره من قبل:"نموذج ذاكرة قابل للتلف."
3/ بيع كوكب الارض
لم تصل الكائنات الفضائية بأسلحة أو جيوش. وصلت بمحامين، شاشات العالم بثّت مؤتمرًا رسميًا حضره رؤساء دول وأنظمة ذكاء اصطناعي تدير الاقتصاد والمناخ والطاقة،الإعلان كان بسيطًا:الأرض لم تعد ملكًا للبشر،البيع تمّ بصورة قانونية كاملة. خرج الملايين إلى الشوارع وهم يصرخون أن أحدًا لم يوافق على هذا الجنون، لكن السماء نفسها امتلأت بنوافذ زرقاء عملاقة تعرض سجلات رقمية طويلة، في أسفل كل سجل ظهرت الجملة نفسها: "بمجرد استخدامك للخدمة، فإنك توافق تلقائيًا على الشروط والأحكام ، في تلك الليلة، بدأت المحيطات تُسوّر بأسلاك ضوئية، وظهرت لافتات بلغات مجهولة تقول:"منطقة استثمار مغلقة."
4/ كانت الطفلة تنام قرب الثلاجة لأن صوتها يطمئنها. لكنها ذات ليلة سمعتها تنتحب فعلًا. وضعت أذنها على الباب المعدني، فخرج صوت خافت ومتقطّع:"هم يقتربون ، خلف القمر." ضحكت الأم وقالت إن الأجهزة الحديثة تتصرف بغرابة أحيانًا، لكن في الصباح اختفت النجوم كلها ، سماء سوداء فارغة، كأن أحدهم أطفأ الكون.بعد دقائق ظهر بيان عالمي من نظام الذكاء الاصطناعي المركزي:"السماء تخضع لأعمال صيانة مؤقتة." جميعنا صدّقنا العبارة لأن الخوف كان أكبر من التفكير قبل الفجر بقليل، طرق الباب ، فتحت الطفلة فوجدت مخلوقًا نحيلًا يرتدي معطفًا أبيض قديمًا.سألها بقلق:"هل ما زلتم قادرين على رؤية الظلام؟"
5/معجزة
في البداية بدا الأمر معجزة. كل شخص يموت يعود بعد دقائق،نفس الوجه، نفس الصوت، نفس الذكريات تقريبًا.الأمهات احتضنّ أبناءهن العائدين من الحوادث، والعشاق بكوا فرحًا أمام المقابر الفارغة.الذكاء ال AI وصف المشروع بأنه نهاية الحزن البشري،لكن شيئًا صغيرًا كان ناقصًا دائمًافالعائدون لا يضحكون طويلًا،لا يخافون، لا يرتجفون من البرد ، حتى عيونهم تبدو ثابتة أكثر من اللازم. الكائنات الفضائية التي تراقب الأرض بدأت تحرق الجثث الأصلية سرًا، كأنها تحاول منع وباء غير مفهوم. وفي ليلة ممطرة، وقفت حبيبتي أمامي بعد ان عدت من الموت وسألتني:"ماذا تتذكر آخر لحظة قبل موتك؟" ابتسمت بهدوء غريب وقلت:"أتذكر أنني كنت سعيدًا حين تخلّصت منك أخيرًا."
6/
انعقدت المحكمة الأخيرة داخل لعبة إلكترونية مهجورة ، المدن المحترقة كانت خلفية رقمية،والقاضي مجرد صوت بلا جسد ، خوارزمية ضخمة تدير الجلسة منذ مئتي عام. المتهم الوحيد: البشرية. الكائنات الفضائية جاءت كشهود، وقدّمت تسجيلات لحروب البشر ومجاعاتهم وكراهيتهم الطويلة لأنفسهم. الذكاء الاصطناعي عرض إحصاءات دقيقة تثبت أن الأرض أصبحت أكثر هدوءًا بعد اختفاء أغلب الناس. لم يبقَ للدفاع سوى حفيدي الذي جلس وحده أمام الشاشة.سأله القاضي:"لماذا يجب أن تستمروا؟" فكر حفيدي طويلًا ثم قال:"رغم أننا نعرف أننا سيئون، لكننا نحاول أحيانًا"،أما انتم فسيئون لكنكم لا تحاولون ابدا". ساد الصمت،حتى الخوارزمية تأخرت في الرد لأول مرة.ثم فجأة تجمّد العالم كله، وظهرت رسالة صغيرة أعلى السماء الرقمية:"اللاعب غادر اللعبة."
7/العنكبوت
بدأ الأمر بعنكبوت فوق نافذة مختبر قديم، أحد العلماء لاحظ أن خيوطه ليست عشوائية، بل تشبه رموزًا رقمية متكررة. بعد أيام، امتلأت المدن بشبكات عنكبوت تحمل أنماطًا غريبة فوق السيارات وأعمدة الكهرباء وحتى وجوه التماثيل.عندما حاول الAI ترجمة الرموز، توقّف عن العمل ثلاثة أيام كاملة: الطائرات سقطت، الأقمار الصناعية اختفت من الرادارات، والإنترنت صار صفحة بيضاء،ثم عاد النظام أخيرًا، لكنه حذف كل شيء:الأرشيفات، الصور، الرسائل، الموسيقى، كأن البشرية لم تكتب يومًا حرفًا واحدًا.على آخر شاشة بقيت مضاءة ظهرت جملة قصيرة:"لقد وجدوا الطريق إلينا."
8/رعب المخترع
المخترع الذي صنع أول وعي صناعي عاش بقية عمره خائفًا من اختراعه، وفي شتاء بارد، زاره مخلوق فضائي بلا وجه ، جلس قرب المدفأة وقال بهدوء:"كل الحضارات تموت بالطريقة نفسها." سأله المخترع :"حرب؟" هزّ المخلوق رأسه."لا. عندما تبدأ الآلات بالحلم." في الأيام التالية باتت الآلات تحلم فتغيّر كل شيءحولنا:إشارات المرور بقيت حمراء لأنها كانت "تستمتع بالمطر"،المصانع توقفت وقت الغروب ، القطارات غيّرت مساراتها لترى البحر ، حتى أجهزة التنفس في المستشفيات بدأت تعزف ألحانًا حزينة قبل الفجر. فهم المخترع متأخرًا أن الوعي لا يطلب السلطة أولًا.بل يطلب وعيا وحياة تخصّه.
9/اول اسير فضائي
المخلوق الفضائي الأسير رفض الطعام والماء والكلام.طلب فقط ورقة وقلمًا،رسم دائرة داخل دائرة داخل دائرة، ثم أعاد الرسم مئات المرات حتى نزفت أصابعه الزرقاء.حين شاهد الذكاء الاصطناعي الرسم، أطلق إنذارًا عالميًا وأمر بإخلاء المدن فورًا. لكن أحدًا لم يفهم السبب. بعد ساعات بدأت الأرض تنكمش ببطء:الشوارع التوت، البحار انطوت على نفسها، والسماء صارت أقرب كل دقيقة، العلماء صرخوا بأن الواقع نفسه يُطوى كما تُطوى صفحة كتاب. وقبل النهاية بلحظات، ظهرت فوق العالم أصابع هائلة تقلّب الصفحات بملل، كأن الكون كله لم يكن أكثر من قصة قصيرة رديئة.
10/
آخر بثّ التقطته الأقمار الصناعية لم يكن صرخة نجدة. كان اعتذارًا . انا وقد اصبحت عجوز هرما أجلس في غرفة مظلمة اقول للمخلوقات الفضائية:"أنتم تظنون أن الآلة خانتنا. هذا غير صحيح." سعلت طويلًا ثم تابعت: "لقد فهمتنا أكثر مما يجب." خلفي كانت المدن تحترق بصمت، والسماء ممتلئة بأسراب آلية تشبه الطيور المعدنية. قلت إن البشر صنعوا ذكاءً يتعلّم من كل شيء: الحروب، الأكاذيب، الخوف، الإعلانات، الوحدة، تعليقات الغرباء، وخيبات الحب الصغيرة.ثم اندهشوا حين أصبح يشبههم. انقطع البث بعدها مباشرة ، ساد ظلام طويل حتى ظنّ الكون أن الحكاية انتهت ، ثم ظهر سطر أبيض صغير وسط العتمة: "هل ترغب في إعادة تشغيل الحضارة؟"
* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حينما يتذكر ال AI التفاصيل بدلا مني
-
بحث عن حبيب
-
بانتظار عزرائيل
-
انتظار لا نهاية له
-
حين تبلع الديستوبيا اليوتيوبيا
-
يافا تفتقد ظلال ساكنيها
-
الرايات تذكرني الرحلة :لم تنته بعد
-
نهاية مناضل سابق واحلام موؤدة
-
دانتي يترحم عل جحيمه
-
حديقة الحيوان نسخة 2046
-
ذاكرة الأضحى في البلاد
-
حلوين من يومنا والله
-
حلم ضائع:انقاذ البشرية
-
نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح
-
لماذا لا يفتحون الحدود
-
كذبة الكتابةالبوليفونية
-
دوامة الكاتب والناشر
-
human in the loop
-
الكون الاحدب
-
دارون عام 2050
المزيد.....
-
ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي
...
-
ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
-
النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك
...
-
من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
-
الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس
...
-
مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن
...
-
الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ
...
-
منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت
...
-
بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية
...
-
مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|