|
|
حين تبلع الديستوبيا اليوتيوبيا
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 15:50
المحور:
الادب والفن
وليمة بحجم وطن او
حين تبلع الديستوبيا اليوتيوبيا *
1/ مصحح النبرة
في مدينتنا ،بعد هروب الديكتاتور باتت قيمة البشر تقاس بدرجة قابليتهم للصمت، كانت الحناجر تُستبدل عند الولادة بأجهزة ترشيح رمادية ، كل صوت زائد يُعتبر خللًا أخلاقيًا ، وكل طفل يضحك مرتين متتاليتين يُرسل إلى “مصحح النبرة”.الجدران نفسها كانت تستمع كأن الدكتاتور مازال جاثما في القصر، فالجدران فعلًا تحتوي آذانًا لحمية صغيرة تنمو كل شتاء، وتلتقط الترددات المخالفة. الدوشة اليومية لم تكن ضوضاء مدينة، بل طحنًا مستمرًا لعظام الذين حاولوا الهمس خارج الإيقاع الرسمي الجديد . اكتشف السكان، بعد فرح قصير أن الحكومة ليست حكومة، بل نصّ قديم يكتب نفسه بنفسه ، كل مواطن مجرد جملة تحاول النجاة من الحذف ، لهذا صار الناس ينامون بأعين مفتوحة، خوفًا من أن يُعاد تحريرهم أثناء النوم.
2/الجغرافيا تعاقب مجددا
الشمس هنا في هذه البلاد ليست نجمًا؛ إنها عين ضخمة معلقة فوق العاصمة، تفتح وتغلق جفنها كل سبع دقائق، كلما رمشت، يختفي حي كامل من سكان محددين ويظهر حي آخر مكانه،من سكان جدد ظهروا فجأة ، كأن الجغرافيا تُعاقب نفسها .تعود الناس على ذلك ، حتى صاروا يربطون أطفالهم بسلاسل معدنية كي لا تستبدلهم الرمشات بنسخ أرخص.في الأسواق تُباع “ذكريات أصلية” داخل أوعية زجاجية ، يمكن لأي شخص شراء: - طفولة جديدة - أم أقل قسوة -حرب أكثر شاعرية ، لكن الذاكرة المزيفة تبدأ لاحقًا بالنمو داخل الرأس كفطر أسود، حتى يصبح الإنسان مجرد أرشيف مشوش، وفجأة يكتشف الجميع ان كل قصة تُروى داخل المدينة ليست إلا بروباغندا أقدم منها، حتى الثورات كانت ممولة مسبقًا من اخطبوط مجهول كي يبقى شكل الخراب أنيقًا.
3/تدوير وعي
في الإمبراطورية الأخيرة، صار الموت امتيازًا طبقيًا،الأغنياء فقط يُسمح لهم بالموت الكامل، أما الفقراء فتُعاد تدوير وعيهم داخل آلات الخدمة العامة باتت المصاعد تتكلم بأصوات الأجداد ، و الطرقات تتنفس عرق الاف الأشخاص الذين ظهروا فجأة من تحت الارض ، وأجهزة الإنذار تبكي بدل أن تصرخ.باتت الدوشة في العاصمة كثيفة لدرجة أن السكان فقدوا القدرة على سماع أفكارهم ، ولهذا انتشرت عادة كتابة الكوابيس على الجباه بالحبر الأزرق، كي لا تضيع أثناء التفتيش الليلي، اكتشفت المدينة أنها ليست مدينة أصلًا، بل سجن داخل عقل كائن يحتضر ببطء، لكن أحدًا لا يحاول الهرب، فالخارج يبدو أفقر من الكابوس نفسه، الذي يعصف بالبلاد.
4/ظلال حكومية
كان كل مواطن يحمل ظلًا حكوميًا إضافيًا، ظل مراقبة مدرب على الوشاية ، إذا فكر الإنسان بفكرة خطرة، يتحرك الظل وحده ويبلغ السلطات، لهذا صار الناس يفكرون بأفكار مشوهة عمدًا: -أجنحة مكسورة - أسنان تنبت داخل البحر أبراج مصنوعة من اللحم ، أي شيء يربك الظل ويمنعه من التفسير لكن الظلال تطورت مع الوقت. صارت أكثر ذكاءً من أصحابها، وأكثر قدرة على النجاة،وبدأت تقتل البشر أثناء النوم كي تتحرر منهم، اتضح للشيخ الجليل أن الظلال كانت السكان الأصليين للكوكب، وأن البشر متعددي الأعراق والأفكار مجرد طفيليات ضوئية مؤقتة، ومنذ تلك اللحظة، صار الضوء نفسه يشعر بالعداء.
5/فوهة تمضغ دون توقف
بمناسبة الخلاص من الدكتاتور ، اعيد بناء المستشفى المركزي المبني من أربعين عاما ، فوق فم عملاق مدفون تحت الأرض ، كل ليلة يُفتح الفم قليلًا، وتُرمى داخله الملفات الطبية غير المفهومة. المرضى الذين يسمعون المضغ من تحت الأسرة لا ينجون طويلًا،الدولة ألغت أسماء الأمراض واستبدلتها بألوان. -الأحمر يعني “مفيد اقتصاديًا”. -الأزرق يعني “قابل للبيع”. أما الأسود فكان يعني أن المريض بدأ يرى ما وراء الستار ، وهذا أخطر من الموت. الدوشة داخل الممرات في المشفى لم تكن ناتجة عن الأجهزة، بل عن همسات الأطباء الذين نسوا وجوههم من كثرة تبديل الهويات، كل طبيب يرتدي وجهًا جديدًا أسبوعيًا كي لا تتعرف عليه العدوى ، لكن العدوى كانت أذكى.لقد تعلمت القراءة.
6/مرض نفسي
في تلك البلاد، يُولد الأطفال بأقفال صغيرة داخل صدورهم. المفتاح تحتفظ به وزارة الارشاد والطاعة ،حتى يبلغ الطفل سن العمل، من دون المفتاح يبقى القلب نصف مفتوح، نصف حي، نصف قادر على الحب. ولهذا كانت المشاعر العامة تبدو كأنها أداء مسرحي رخيص.المدارس تعلم مادة واحدة فقط: "كيفية النجاة من انتباه الدولة".أما الكتب القديمة فكانت تُطعم لمحطات الكهرباء ، كي تستمر في العمل،فهذه الكتب فتنة والفتنة أشد من القتل . كان الحبر يتحول داخل المحركات إلى طاقة سوداء كثيفة، والمطلوب ان يبقى السكان في حالة خوف خفيف دائم ، بعد بضعة اشهر اكتشف الجميع أن الدولة ليست سلطة سياسية، بل مرض نفسي جماعي توارثته الأجيال حتى صار واقعًا رسميًا عابر للطبقات والاعراق والطوائف.
7/ الزمن السجين
كل ساعة في المدينة تعرض توقيتًا مختلفًا،الزمن هنا ممنوع من الاستقرار،أو التقدم إلى الأمام، الحكومة قالت إن توحيد الوقت يؤدي إلى التفكير الجماعي، والتفكير الجماعي يؤدي إلى المقارنة، والمقارنة تؤدي إلى الثورة، لذلك عاش الناس داخل فوضى زمنية متعمدة: -الأمهات يلدن قبل الحمل أحيانًا. -الجنائز تُقام قبل الوفاة. -والأحلام تصل متأخرة سنوات عن أصحابها. - الشعارات والخطط والخطاب يعاد تزمينها لما بعد الجاهلية قليلا. كانت المشكلة الكبرى تأتي من أبراج التصحيح الزمني، حيث تُسحق الثواني الزائدة داخل مطاحن هائلة كي لا يتراكم المستقبل أكثر من اللازم، الزمن نفسه كان سجينًا سياسيًا، وكل التاريخ مجرد اعترافات منتزعة تحت التعذيب.
8/مهرجانات البكاء
في الدولة الجديدة سن قانونا يمنع الحزن الخاص، الحزن يجب أن يكون جماعيًا وتحت إشراف رسمي،لهذا انتشر الموت وغطى الاصقاع القريبة والبعيد، و غلف بالف غلاف،باتت تقام ،كل أسبوع مهرجانات بكاء ضخمة في الساحات العامة، وتُوزع المناديل المختومة بشعار الدولة، أي شخص يبكي وحده يُتهم بإخفاء مشاعر غير مصرّح بها،لكن الناس بدأوا يهربون إلى الأقبية المهجورة لممارسة الحزن السري.هناك، وسط الدوشة المتقطعة للأنابيب الصدئة، كانوا يبكون أسماءهم القديمة التي صادرتها الحكومة مؤخرا، لقد ادركوا ان الدولة لا تخاف من الفرح ولا من الغض ، لكنها ترتعد من الحزن تحديدًا، لأن الحزين يتذكر، ومن يتذكر يصعب إعادة برمجته.
9/ ادلجة
البحر في تلك البلاد كان مريضًا. الأمواج تصل إلى الشاطئ وهي تحمل أعضاء بشرية غير مكتملة: -عينًا دون جفن. - يدًا بلا عظام. - أفواهًا صغيرة تهمس بأرقام حكومية. الدولة أنكرت الأمر، ثم حولته إلى صناعة سياحية. الزوار يأتون لالتقاط الصور قرب “الشاطئ العضوي”، بينما تعمل الجرافات ليلًا على دفن البقايا التي تبدأ بالكلام. حرص الحاكم الجديده هلى ان تختلط اصوات المحركات بأصوات البحر رحتى يصبح من المستحيل معرفة من الذي يتألم فعلًا، تبين لاحقا أن البحر لم يكن يلفظ الجثث ، لكنه كان يحاول إعادة البشر إلى صورهم الأولى قبل أن تعيد السلطة الجديدةادلجتهم .
10/ نهاية مدينة
آخر مدينة على الكوكب كانت معلقة فوق هاوية لا قاع لها ، كل يوم يسقط جزء صغير منها، وكل يوم تدّعي الحكومة أن السقوط “إعادة هيكلة وطنية”. -المباني تُبنى من عظام معاد تدويرها. -المصاعد تحتاج إلى تضحيات دموية كي تعمل. -السماء مغطاة بشاشات تعرض شروقًا اصطناعيًا، لأن الشمس الحقيقية اختفت منذ زمن غير موثق،ليل نهار تسمع اصوات لا تتوقف أبدًا: -صرير المعادن. -صلوات . -مكبرات الصوت. - ضحكات المذيعين الرسميين. -وارتطام الذين يسقطون في الهاوية. لكن أكثر ما كان يرعب السكان هو الحقيقة الأخيرة : "الهاوية نفسها ليست تحت المدينة،المدينة هي التي تتدلى داخل فم الهاوية منذ محاولات الحكم إعادة تشكيلها .
* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يافا تفتقد ظلال ساكنيها
-
الرايات تذكرني الرحلة :لم تنته بعد
-
نهاية مناضل سابق واحلام موؤدة
-
دانتي يترحم عل جحيمه
-
حديقة الحيوان نسخة 2046
-
ذاكرة الأضحى في البلاد
-
حلوين من يومنا والله
-
حلم ضائع:انقاذ البشرية
-
نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح
-
لماذا لا يفتحون الحدود
-
كذبة الكتابةالبوليفونية
-
دوامة الكاتب والناشر
-
human in the loop
-
الكون الاحدب
-
دارون عام 2050
-
راوي يكتب من فوق كنبةمريحة
-
نكبه ميتاسردية
-
حياتك: كم ⭐⭐☆☆☆”؟*
-
Xiaomi وراك وراك
-
هلوسات عالم كله هلس
المزيد.....
-
استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
-
ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي
...
-
محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي
...
-
-تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال
...
-
بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة
...
-
أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي
...
-
إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف
...
-
منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب
...
-
مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس
...
-
-شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في
...
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|