أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - راوي يكتب من فوق كنبةمريحة














المزيد.....

راوي يكتب من فوق كنبةمريحة


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 16:31
المحور: الادب والفن
    


* راوي يكتب من فوق كنبةمريحة

1/تقرير الحشرة

استيقظت في غزة لأجد نفسي قد تحوّلت إلى تقرير أممي.ليس حشرة، كما حدث مع بطل كافكا، بل إلى ملف PDF من ٤٧ صفحة، يحمل شعارًا أزرق باهتًا، وتذييلًا يقول: “ندين جميع الأطراف.”
حاولت أن أصرخ، لكن كل ما خرج مني كان هوامش سفلية.حاولت أمي أن تلمسني، فظهرت نافذة منبثقة تقول: “هذا المحتوى غير متاح في منطقتك.”
في الخارج، كانت الطائرات تمر ببطء فوق الحي كأنها موظفون حكوميون متأخرون عن الدوام.
أما في جنوب لبنان، فكان صديقي يكتشف أنه يتحول تدريجيًا إلى خريطة “مناطق نزاع”.كلما مشى، ظهرت حوله خطوط حمراء وأسهم واتجاهات إخلاء.
الغريب أننا نحن الاثنين كنا نسمع الراوي الواقف على منصة ثقافية،و بصوته المحايد المرتبك :
“أنا لا أعرف لماذا أكتب هذه القصة. ربما لأن الأخبار صارت أقصر من اللازم، ولأن الموت يحتاج إلى استعارات كي يدخل الأدب.”
حاولت الاحتجاج من داخل ملف الـPDF صارخا :“لكن هذا استغلال جمالي للمأساة.”أجاب الراوي بصوته المحايد :
“صحيح. وأنا أيضًا عالق داخل النص.”
ثم انقطعت الكهرباء عن المنصة.

2/ وزارة الأنقاض

في مدينة بلا اسم تشبه غزة وتشبه بنت جبيل، افتتحت الحكومة “وزارة الأنقاض”.
كان على المواطنين استخراج تصاريح رسمية للبكاء.
في الطابق الأول: قسم الأشلاء.
في الثاني: قسم الروائح العالقة بعد القصف.
وفي الطابق الثالث: أرشيف البيوت التي لم يعد أحد يتذكر شكلها.
وقفت في الطابور، أحمل بابًا خشبيًا نصف محترق.
سألت الموظف:“هل هذا دليل ملكية؟”
قال الرجل:“بل ابنك.”الموظف، الذي كان يشبه حشرة ضخمة ترتدي ربطة عنق زرقاء ، ختم الورقة وقال:
“الرجاء إحضار نسخة أصلية من الجثة.”
هنا يتدخل الراوي مرة أخرى ليقول إنه يدرك المبالغة، لكن المبالغة فقدت معناها منذ صار الواقع يسبق الكابوس.ثم يعتذر للمستمع او المشاهد لأنه لا يستطيع وصف الرائحة.

3/القارئ الذي كان يقصف

في تل أبيب، كان ضابط يقرأ هذه القصة الآن.
كلما قرأ فقرة، سقط مبنى.
كلما وصل إلى نقطة، انطفأت عائلة كاملة.
لاحظ ذلك في الصفحة الثالثة، لكنه أكمل القراءة بدافع الفضول الأدبي.
قال لنفسه:“ربما الكاتب يبالغ.”
في جنوب لبنان، كان طفل يراقب السماء ويرى الكلمات نفسها تسقط كقنابل:
صفة… فعل… صاروخ ذكي… فاصلة… جثة.
أما أنا، الراوي، فأحاول حذف بعض الجمل لتقليل الخسائر، لكن النص صار مستقلاً عني منذ البداية.
هناك قارئ آخر أيضًا، ربما أنت، وكلما تابعت القراءة يزداد طول الركام قليلًا.
لهذا أفكر بإنهاء القصة سريعًا.
لكن الحرب لا تفعل ذلك.

4/ المحكمة

استُدعيت غزة وجنوب لبنان إلى المحكمة بتهمة “إزعاج الضمير العالمي”.
دخلتا القاعة كمدينتين متعبتين.
غزة تحمل أطفالًا تحت ذراعيها، والجنوب يحمل أشجار زيتون محترقة.
القاضي كان بلا وجه.
وحين تكلم، خرج صوت المذيعين جميعًا:
“هل لديكما دليل على الألم؟”
قدمت غزة صورًا.
قال القاضي: “يمكن التلاعب بها.”
قدم الجنوب أسماء قتلاه.
قال القاضي: “الأرقام غير مؤكدة.”
عندها طلب الراوي استراحة قصيرة لأنه بدأ يكره لغته نفسها.
فاللغة، كما اكتشف، جيدة جدًا في ترتيب المجازر داخل جمل أنيقة.
في نهاية الجلسة، حُكم على الضحايا بمواصلة الموت حتى إشعار آخر.

5/ تعليمات الإخلاء
وصلت رسالة نصية إلى سكان غزة وسكان الجنوب اللبناني تقول:
“لأجل سلامتكم، يرجى الانتقال فورًا إلى مكان أكثر أمانًا.”
لكن الرسالة لم تذكر أين يوجد هذا المكان.
تحرك الناس كأنهم شخصيات ثانوية تبحث عن مؤلف رحيم.
كل شارع يؤدي إلى شارع مقصوف سابقًا، وكل ملجأ يحتوي على قنبلة مؤجلة.
أحد الرجال طرق باب الراوي نفسه.
قال له:
“بما أنك تكتب القصة، ألا يمكنك تعديل النهاية؟”
أجابه الراوي:“حاولت، لكن المحرر حذف الفقرة بحجة الحياد.”
ثم يضيف الراوي ملاحظة هامشية:
في الأدب الكافكاوي، لا ينجو أحد لأن النظام نفسه هو الوحش.
لكن الوحش هنا يملك طائرات أيضًا.

6/ أرشيف الغبار

بعد الحرب بسنوات، أُنشئ متحف رقمي للغبار.
كل ذرة كانت تحتوي على بيت.أم.نافذة.صرخة غير مكتملة.
في القاعة الرئيسية، وُضعت مكنسة كهربائية إسرائيلية باعتبارها “قطعة تاريخية”.
الزوار الأوروبيون التقطوا صورًا تذكارية أمام الركام المعروض بعناية.
وفي متجر الهدايا، بيعت أكواب كتب عليها:
“Never Again Again.”
الراوي هنا يفقد السيطرة على النبرة.
فهو لا يعرف إن كانت السخرية تحمي الحقيقة أم تهينها.في زاوية المتحف، يجلس طفلين احدهما من جنوب لبنان والآخر من غزة، ينفضان الغبار عن بعضهما البعض بصمت، كأنهما يحاولان إعادة تكوين العالم من مسحوقه.

٧. النهاية التي رفضت أن تنتهي

كان يفترض أن تنتهي هذه المجموعة هنا.
لكن كلما كتب الراوي كلمة “النهاية”، ظهر قصف جديد، فتتراجع الجملة إلى الخلف كموظف خائف.
حاول الراوي مرة أن يكتب نهاية سعيدة:
عودة الناس، إعادة البناء، بحر هادئ، قهوة في صور وغزة.
لكن الصفحة احترقت قبل أن تكتمل.
في النسخة الأخيرة من المخطوطة، يظهر تعليق من المحرر:
“النص قاتم أكثر من اللازم.
نرجو إضافة مساحة للأمل كي يكون قابلًا للنشر.”
لذلك يضيف الراوي هذا السطر الأخير على مضض:
في مكان ما، تحت الركام كله، ما يزال هناك شخص يحاول أن يروي ما حدث قبل أن يتحول هو أيضًا إلى هامش.

* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات غير منطقية أعمل على تجميعها بانتظار ناشر غير منطقي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نكبه ميتاسردية
- حياتك: كم ⭐⭐☆☆☆”؟*
- Xiaomi وراك وراك
- هلوسات عالم كله هلس
- اسمه ماتركس وليس تركس
- ميتافيزيقيا ادبية
- ما قبل النقطة وما بعد المؤلف و الناشر
- هلوسات مهمش في بلاد الجرمان
- جديد في عام جديد
- حسد


المزيد.....




- بنسق روائي يبدأ من الموت لينتهي بالولادة.. رامي طعامنة يفوز ...
- من سيتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 2026؟ ...
- آلاف القطع المنهوبة تعود.. دمشق تعرض آثارها المستردة
- الشاب خالد.. حين يغيب الصوت ويحضر الصدى في ذاكرة -الرأي-
- الأمن الفكري يبدأ من المدرسة.. ورشة بمعرض الدوحة للكتاب ترسم ...
- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - راوي يكتب من فوق كنبةمريحة