أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - يافا تفتقد ظلال ساكنيها















المزيد.....

يافا تفتقد ظلال ساكنيها


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


يافا تفتقد ظلال ساكنيها*



1/ الساعة التي تسمع الخطى
في الليل، كانت ساعة السرايا تتوقف عمدًا كي تسمع خطى أبي وهو يعبر السوق.تقول المآذن إن عقاربها كانت تخاف عليه من الوصول متأخرًا إلى حزنه، بينما تؤكد الحجارة أن الوقت نفسه كان يختبئ في جيبه الأيسر.
في الطابق العلوي، ما تزال رائحة أوراق البلدية العثمانية تتقشر مثل جلد بحر قديم. مرّ من هنا سياسيون وخطباء، ووقف ذات يوم شاعر شاب يراقب الميناء كأنه يقرأ مستقبله في الماء.
الساعة الآن ترسل إليه دقائقها المكسورة:
“يا صاحب الظل الطويل، عد قليلًا… فالعصافير التي كانت تضبط وقتها على كتفيك صارت تصل متأخرة إلى الفجر.”

2/الكراسي التي تتكلم

كل الكراسي في مقهى الحمراء تتكلم بصوت واحد حين يغيب جدي، الكرسي القريب من النافذة يدّعي أنه سمع أم كلثوم تضحك هنا مرة، بينما يقسم النادل الميت منذ ثلاثين عامًا أن محمد عبد الوهاب نسي قفازه على الطاولة الرخامية، لكن الطاولة نفسها تنفي الروايتين، وتقول إن الذي بقي حقًا هو ظل جدي حين كان يدخن ببطء ويصغي إلى أخبار الثوار القادمين من القدس.
في آخر الليل، تخرج فناجين القهوة إلى الشارع، تبحث عنه بين المارة، ثم تعود وهي تبكي بنًا مرًا فوق الصحون.

3/ميناء يافا يمثل النوم

الميناء لا ينام؛ إنه يمثل النوم فقط كي لا يخيف البحر ، السفن القديمة تتبادل الحكايات عن البرتقال الذي كان يُشحن إلى أوروبا، وعن الصيادين الذين كانوا يعلقون القمر داخل الشباك إذا اشتدت العتمة.
يقول الرصيف الرابع إن أبي كان يمشي فوقه بخفة شخص يعرف أن المدن يمكن أن تغرق فجأة.
ويقول البحر إنه رأى ذات مساء الشاعر إبراهيم طوقان يحدق طويلًا في الأفق، كأنه يفاوض الغياب.
أما النوارس، فهي مقتنعة أن ظل أبي ما يزال مربوطًا بحبل سري تحت الماء، لذلك تصرخ كل فجر:
“اقترب… اقترب… لقد بردت الذاكرة.”


4/ الشخصيات تتجول بين الكراسي
حين انطفأت سينما فاروق للمرة الأخيرة، خرجت الشخصيات من الشاشة ولم تعد ، البطل صار يبيع السجائر قرب الباب، والممثلة ذات الفستان الأبيض تسكن الآن داخل المرآة المعلقة في البهو.
كان عمي يجلس دائما في الصف الثالث، في المقعد ذاته، حتى إن المقعد تعلم شكل تعبه ، زارت السينما وجوه كثيرة: مطربون، صحافيون، وسياسيون جاءوا ليروا كيف يمكن للفيلم أن يخفي الهزيمة ساعتين كاملتين، كل ليلة، يعيد جهاز العرض بثّ صورة ظل عمي وحده، بلا فيلم، فتجلس المقاعد الأخرى صامتة كجمهور من الأشباح.

5/السمك يعرف أسماء المشترين

في سوق العجمي، السمك يعرف أسماء المشترين.
النعناع يثرثر مع الليمون، وأكياس القمح تنام واقفة كي لا تسقط أحلام الفلاحين منها.
عمي يؤكد أنه رأى محمود درويش طفلًا يمر هنا ذات صباح، بينما يرفض بائع التوابل تصديقه لأن الشعر (برأيه ) لا يشتري القرفة.لكن السوق كله يتفق على شيء واحد:
ظل عمي كان يبرد الحرّ عن الحجارة، ولهذا، منذ رحيله، صارت الأزقة تتعرق حتى في الشتاء.


6/ فندق البحر الكبير

الفندق المطل على الميناء يحتفظ بمفاتيحه مثلما يحتفظ الناس بأسرارهم الثقيلة.
في الغرفة رقم ١٢، ما تزال المرآة تتذكر شاعرًا لبنانيًا كان يمشط شعره قبل أمسية أدبية، بينما تؤكد الستائر أن سياسيًا عربيًا بكى هنا بعد خطاب طويل عن الحرية.
لكن الممرات لا تهتم بكل ذلك؛ هي فقط تسأل عن أبي، كل باب يفتح نفسه قليلًا عند منتصف الليل، ظنًا منه أن ظله عاد متأخرًا من المقهى.


7/شارع الملك فيصل الذي يكذب

الشارع يعرف كيف يكذب ، يدّعي دائمًا أنه ما يزال مزدحمًا بالترام والسيارات والباعة، لكنه في الحقيقة فارغ إلا من أصداء الأقدام القديمة.
واجهات المحلات تتحاور طوال الليل:
محل الأقمشة يقول إن أبي كان يبتسم للغرباء، بينما يرد عليه بائع الأسطوانات بأن الرجل كان يخبئ حزنه في الموسيقى.
مرّ من هنا فنانون وخطباء وكتّاب جاءوا من القاهرة وبيروت ودمشق، وكانت يافا تستقبلهم مثل ممثلة تعرف قيمة التصفيق.أما الآن، فالشارع يرسل غباره إلى أبي كي يتذكر شكل خطواته.

8/بيت آل دجاني

البيت العتيق في حي المنشية يرفض أن يشيخ.
كلما تساقط حجر من جداره، أعاده الليل إلى مكانه.
السلم الداخلي يتحدث بصوت نسائي، بينما النوافذ تتكلم كبحارة.
في إحدى الغرف، اجتمع مثقفون ووطنيون يناقشون أخبار الانتداب البريطاني، وكان الدخان يصعد نحو السقف كأنه بيان سياسي مرتبك.
البيت كله يتذكر الحوارات أكثر مما يتذكر سكانه؛
لأن همساتهم ، كما يقول الباب الخشبي، كان صداها يسبق الهمسات بثانية كاملة.

9/بساتين البرتقال عصية على الموت

أشجار البرتقال لا تؤمن بالموت ، حين اقتُلعت، خبأت جذورها داخل التراب مثل رسائل سرية,كانت البساتين تمتد حول يافا كعباءة خضراء، وكانت رائحة الزهر تصل حتى الميناء.يقول الفلاحون إن فريد الأطرش مر ذات ربيع بين الأشجار وغنى قليلًا، بينما تصر السنابل أن الأغنية الحقيقية كانت خطوات أبي وهو يعبر الفجر.
الآن، كل ثمرة برتقال تحمل وجهًا صغيرًا يشبهه، ثم تسقط عمدًا كي يتذكره التراب.


10/ صدى أطول من البشر

في جامع المحمودية، للصدى ذاكرة أطول من البشر.
الأعمدة العثمانية تتبادل الأدعية القديمة، والسجاد يحنّ إلى أقدام المصلين الذين اختفوا فجأة من التاريخ.ذات ظهيرة، وقف خطيب وطني هنا يتحدث عن البلاد كأنها أم مريضة، وكان جدي في الصف الأخير، يراقب الضوء المتسرب من النوافذ الملونة، ومنذ رحيله، صار الضوء نفسه يتأخر قليلًا كل يوم، كأنه ينتظر ظله كي يكتمل المشهد.
حتى الحمام الذي يحط على المئذنة صار يعرف اسمه، وينقر الحجر كل صباح:“ارجع… فالمدينة تنام ناقصة من دونك.”

11/اقواس تتبادل الاسرار

حيّ النزهة كان يعتقد أنه خُلِق كي يُشاهَد من الشرفات فقط.الأشجار فيه مرتبة كجنود متعبين، والبيوت ذات الأقواس الحجرية كانت تتبادل الأسرار عبر النوافذ المفتوحة صيفًا، كل بيت يروي نسخة مختلفة عن أبي.الدرج الحجري يقول إنه كان يصعد ببطء كمن يحمل مدينة كاملة فوق كتفيه، بينما تؤكد شجرة التوت قرب السور أنه كان يضحك أحيانًا حتى تتساقط أوراقها من الدهشة.
في إحدى الفيلات، أقيمت أمسيات حضرها أدباء وصحافيون قادمون من بيروت والقاهرة، وكانت السياسة تُقال همسًا كي لا تسمعها عيون الانتداب.
لكن الحي نفسه لا يتذكر الخطب ولا القصائد؛
إنه يتذكر فقط ظل أبي الطويل وقت المغيب، حين كانت الشمس تتأخر فوق الأسطح كي تمشي معه أكثر.
وفي الليل، تخرج الشرفات الفارغة من الجدران قليلًا، وتناديه باسمه، ثم تعود قبل الفجر كي لا يلاحظها أحد.

12/ حيّ لا يثق بالخرائط

حيّ العجمي لا يثق بالخرائط ، كلما رسمه أحد، غيّر أزقته سرًا أثناء الليل ، البيوت المطلة على البحر كانت تتنفس ملحًا، والأبواب الخشبية الثقيلة تحفظ أصوات سكانها حتى بعد اختفائهم بسنوات.
بيت قديم هناك يقسم أن أبي خبأ ظله تحت بلاطة قرب المدخل قبل الرحيل، ولهذا يشعر المارة دائمًا بأن أحدًا يراقبهم من الأرض، كانت العائلات الثرية تسكن الحي، وكانت عربات الخيل تمر قرب المقاهي الصغيرة، حيث يجلس الفنانون والتجار والبحارة، ويقال إن بعض الموسيقيين العرب الذين مرّوا بيافا جلسوا هنا يستمعون إلى هدير البحر أكثر مما استمعوا إلى الناس.
أما البحر نفسه، فيقول إن العجمي كان يشبه سفينة حجرية مربوطة باليابسة مؤقتًا فقط.
كل ليلة، تتبادل البيوت الحديث بصوت منخفض:
بيت يقول إن أبي سيعود من الميناء، وآخر يؤكد أنه عاد فعلًا في فلوكة مختبئة في الميناء ،لكنه صار شفافًا لدرجة أن أحدًا لم يره.

13/ جامع لا يحب الصمت

جامع حسن بيك لا يحب الصمت الكامل ،حين يهدأ كل شيء، تبدأ قبته البيضاء بالكلام مع البحر.المئذنة تدّعي أنها رأت جنودًا، وثوارًا، وعشاقًا، ولاجئين يعبرون أمامها مثل فصول سريعة من حلم طويل.بُني الجامع قرب الساحل، وكانت نوافذه تلتقط رائحة الموج مع الأذان.
الحمام الذي يدور حول القبة يعرف أسماء المؤذنين القدامى، ويعرف أيضًا أسماء جميع من سكن يافا
كلما مرّ طيف احدهم قرب المكان، انخفض طيران الحمام قليلًا احترامًا لظلالهم ، في الساحة الخارجية، تناقش الحجارةُ بعضها بعضًا:
حجر يقول إن صديق ابي ابن عاشور، صاحب مخمر الموز في مخيم صبرا ، صلى هنا ذات فجر وبكى، بينما ينفي آخر ذلك ويؤكد أن الذي بكى كان البحر نفسه.حتى السجاد الداخلي انقسم إلى روايات عديدة،بعضه يقول إن الرجل رحل منذ زمن، وبعضه يصرّ على أنه ما يزال في الصف الأخير، فقط صار أخف من الضوء.وبينهما اكذب عيني اللتان حضنتا رائحة يافا عبره في مخمر الموز في صبرا.
وعند آخر الليل، ينعكس القمر على زجاج الجامع كوجه قديم، ثم يرسل لمعانه بعيدًا، نحو المكان الذي يقيم فيه أبي ومن هجر من اليافاوية ، كرسالة لا يعرف أحد إن كانت تصل أم لا.

* لمحات من ذاكرة جدي وابي وجدتي واعمامي الذين غادروا يافا ولم تغادرهم.
** من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرايات تذكرني الرحلة :لم تنته بعد
- نهاية مناضل سابق واحلام موؤدة
- دانتي يترحم عل جحيمه
- حديقة الحيوان نسخة 2046
- ذاكرة الأضحى في البلاد
- حلوين من يومنا والله
- حلم ضائع:انقاذ البشرية
- نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح
- لماذا لا يفتحون الحدود
- كذبة الكتابةالبوليفونية
- دوامة الكاتب والناشر
- human in the loop
- الكون الاحدب
- دارون عام 2050
- راوي يكتب من فوق كنبةمريحة
- نكبه ميتاسردية
- حياتك: كم ⭐⭐☆☆☆”؟*
- Xiaomi وراك وراك
- هلوسات عالم كله هلس
- اسمه ماتركس وليس تركس


المزيد.....




- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - يافا تفتقد ظلال ساكنيها