أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح














المزيد.....

نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح


عماد أبو حطب

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 14:30
المحور: الادب والفن
    


نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح*


1/عدس

في قريةٍ نائمة داخل جيب معطف قديم، كانت البيوت تُربّى مثل الحمام، كل صباح، يفتح الناس النوافذ لتتنفّس الجدران قليلًا.
عندما وصلت الشاحنات العسكرية، اختبأت البيوت تحت التراب خوفًا من المصادرة، لكن المختار نسي بيتَه خارج الحفرة، اقتلعوه بحبلٍ طويل، فظلّ البيت يصرخ طوال الطريق:
"نسيتُم القِدر على النار!"
بعد خمسين عامًا، ظلّت قدر العدس تغلي وحدها، حتى صار أهل المخيم يدفئون أيديهم فوق بخارها المجاني.

2/ يافا

في بور يافا ، كانت الأسماك تعرف أسماء الصيادين أكثر من أبنائهم، ذات ليلة، امتلأ البحر بجثث المفاتيح ، كلّ بابٍ مخلوع رمى مفتاحه في الماء كي لا يُفتح لغير أصحابه ،لكن الأسماك ابتلعتها، وصارت تسبح قرب الشاطئ وهي تفتح أفواهها المعدنية مثل أقفالٍ صغيرة.
جدي الصيادٌ العجوز اصطاد سمكةً صدئة، وحين شقّ بطنها وجد غرفة جلوس كاملة وساعة حائط ما تزال تقول:"بعد قليل يعود الجميع."
ضحك جدي حتى بكى، ثم تذكّر أن البيت نفسه صار موقفًا للحافلات.


3/تعاطف

في قرية الجبل، كان الجنود يكتبون أرقامًا على الأبواب.
الأبواب خافت أن تتحول إلى حسابات رياضيات، فهربت ليلًا نحو الغابة، عند الفجر، استيقظ الناس بلا أبواب، فقط فتحات سوداء تشبه أفواهًا مذهولة، دخل البرد والكلاب والذكريات دفعةً واحدة.جدتي علّقت بطانية مكان الباب وقالت لي لا تقلق ، الفقراء لا يحتاجون خصوصية" ، وفي الليل، سرقت الريح البطانية أيضًا، ربما لأنها شعرت بالتعاطف.

4/هواية

في المخيم، كان الأطفال يجمعون أسماء القرى بدل الطوابع واحدٌ يحتفظ بصفورية، آخر بالطيرة،ثالث بالمجدل.طفلٌ نحيل امتلك اسم قريةٍ كاملة لكنه لم يجد مكانًا يخبئه فيه، فطواها ووضعها تحت لسانه.
كبر الاسم داخله حتى صار يتلعثم كلما نطق كلمة "وطن" الأطباء قالوا إنها حالة نادرة من تضخم الجغرافيا.أعطوه شرابًا للسعال وخيمةً إضافية.

5/ طحين عنيد

حين أُحرقت الحقول، خرج القمح مذعورًا وركض في الطرقات مثل غزلان صغيرة، الفلاحون حاولوا تهدئته، لكن السنابل كانت تصرخ:"من يزرعنا هذه المرة؟" ،في المساء، جلس أفراد عصابات الهاغانه يأكلون خبزًا ساخنًا قرب الرماد ، أحد الأرغفة ظلّ ينزف ترابًا من داخله.
قال احدهم وهو يمضغ:"هذا الطحين عنيد، بينما كانت امرأة عجوز تفتش في الدخان عن رغيفها الوحيد، لأن الدجاجة رفضت النوم جائعة.

6/ اختفاء المقابر

في اللد، اختفت المقابر أولًا ، نهض الموتى مرتبكين، يحملون شواهدهم تحت آباطهم، ويسألون عن الطريق إلى أجسادهم القديمة.المدينة تغيّرت تمامًا؛ حتى الأشباح احتاجت خرائط جديدة.
رجلٌ ميت منذ عشرين سنة طرق باب بيته، ففتح له مستوطنٌ نصف نائم وقال بانزعاج:"أنت متأخر جدًا."اعتذر الميت بأدب، وعاد إلى المقبرة المؤقتة قرب موقف السيارات.

7/نجاة ماكينة خياطة

في ليلة التهجير، حملت جارتنا ماكينة الخياطة بدل طفلها، وحين وصلت الحدود، اكتشفت أن الطفل بقي نائمًا في البيت، بينما الماكينة وحدها نجت.
منذ ذلك اليوم، راحت تخيط قمصانًا صغيرة بلا أصحاب ، كلما انتهت من قميص، علّقته على حبل الغسيل لعلّ طفلًا ضائعًا يأتي ويرتديه ، لكن الريح كانت تسرقها دائمًا وتحوّلها إلى أعلام بيضاء فوق الخيام.

8/ اسفلت ينطق عربية

في حيفا، كانت الأرصفة تحفظ وقع الأقدام الفلسطينية مثل أسطوانات موسيقى قديمة.
بعد التهجير و الطرد، ظلّت الأرصفة تكرر الأصوات وحدها ليلًا:باعة الكعك، الشتائم، ضحكات العشاق، صراخ السمك الطازج.
المحتلين اشتكوا من الضجيج الغامض ، أرسلت البلدية عمّالًا لصبّ إسفلت جديد فوق الذاكرة، لكن الإسفلت نفسه بدأ ينطق العربية بعد أول مطر.


9/زيتون يبيع زعتر

في قريةٍ محاصرة، تحوّلت أشجار الزيتون إلى عجائز حقيقيات صرن يثرثرن طوال النهار عن المواسم القديمة وأسماء الشهداء،حاولت الجرافات الإسرائيلية اقتلاعهن، لكن إحداهن خلعت جذورها بنفسها وسارت ببطء نحو الطريق وهي تتمتم:
"طالما أن البشر لاجئون، لماذا نبقى نحن؟"
بعد سنوات، ظهرت شجرة زيتون داخل مخيم بعيد، تبيع الزعتر والسجائر بالتقسيط.

10/طريق البيت
آخر رجل خرج من القرية حمل المفتاح في جيبه سبعين سنة،كبر المفتاح أكثر منه؛ صار ثقيلًا كمسدس صدئ في الشيخوخة، قرر أخيرًا العودة.
وجد مكان البيت وقد صار متحفًا للسياح، فيه متجر هدايا وثلاجة مثلجات.سأل الموظفة:"أين الباب القديم؟"ناولته مغناطيس ثلاجة عليه صورة القرية وقالت بابتسامة مدروسة:
"نفدت النسخة الأصلية."
اشترى اثنين، كي لا يضيع الوطن مرةً أخرى.

* من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها



#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يفتحون الحدود
- كذبة الكتابةالبوليفونية
- دوامة الكاتب والناشر
- human in the loop
- الكون الاحدب
- دارون عام 2050
- راوي يكتب من فوق كنبةمريحة
- نكبه ميتاسردية
- حياتك: كم ⭐⭐☆☆☆”؟*
- Xiaomi وراك وراك
- هلوسات عالم كله هلس
- اسمه ماتركس وليس تركس
- ميتافيزيقيا ادبية
- ما قبل النقطة وما بعد المؤلف و الناشر
- هلوسات مهمش في بلاد الجرمان
- وهاي دفشة/1
- بلا ستيك بلا بفتيك
- اسخم من قرن الخروب/نهاية الشبيه
- ابك اذا ما رايتني
- حط في الخرج


المزيد.....




- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد أبو حطب - نزيف ذاكرة فلسطينية/جثث المفاتيح