أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المنعم عجب الفَيا - المتنبي في عيون أوربا قبل مائتي عام : سلطان الشعر وعرافه















المزيد.....

المتنبي في عيون أوربا قبل مائتي عام : سلطان الشعر وعرافه


عبد المنعم عجب الفَيا

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


منذ أن اتصل العرب بأوربا عبر الأندلس وجنوبي فرنسا وجنوبي إيطاليا وصقلية ظل شعر المتنبي حاضرا بقوة يتناقله الرواة والشعراء شفاهة وينشدونه في بلاط الملوك والاباطرة، ويقرأونه من مصادره الأصلية، فقد كانت اللغة العربية هي لغة التعليم العالي والبحث العلمي وتحتل في أوربا في العصور الوسطى وحتى النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر، المكانة نفسها التي تحتلها اللغة الانجليزية في العالم اليوم.
على أن أقدم كتاب أوربي مطبوع ورد فيه ذكر لشعر المتنبي هو كتاب (قواعد النحو العربي) في تعليم اللغة العربية لطلاب الجامعات في أوربا في طبعته الثانية الصادرة عن جامعة ليدن بهولندا سنة ١٦٥٦م.
هذه الطبعة احتوت على ملحق ادرجت به نصوص عربية أدبية متنوعة لمساعدة الطلاب على التدريب على القراءة العربية، واشتملت هذه النصوص على فصل بعنوان (حكم شعرية) ثم قصيدة كاملة لأبي العلاء المعري، ثم مقامة من مقامات الحريري، واخيرا سورتين من القرآن الكريم هما سورة لقمان وسورة الصف، وقد ادرجت كل هذه النصوص المختارة في الكتاب بنصها العربي متبوعا بترجمتها إلى اللاتينية.
وقد تحصلنا على نسخة من هذا الكتاب ووجدنا ان السواد الاعظم من هذه "الحكم الشعرية" المختارة من قصائد المتنبي، وهي الأبيات التي أشهرت بين الناس وظلوا يتداولونها في المشرق والمغرب حتى يومنا هذا.
ويدل اختيار مصنف الكتاب لهذه الأبيات على أنه قد درس ديوان المتنبي دراسة متعمقة، واحاط بشعره احاطة تامة، الأمر الذي يشير إلى أن ديوان المتنبي كان معروفا على نطاق واسع بين المثقفين الأوروبيين قبل صدور الكتاب لأجيال خلت.
في العام ١٦٩٧ صدرت بفرنسا موسوعة (المكتبة الشرقية) للمستشرق الفرنسي ديربلو والتي خصص فيها فصلا عن سيرة ابي الطيب المتنبي.
وفي ألمانيا نشر يعقوب رايسكه رائد مدرسة الاستشراق الألماني سنة ١٧٧٥م ستة عشرة مقطوعة في الغزل وقصيدتين في الرثاء من شعر المتنبي، مطبوعة بنصها العربي ومشفوعة بالترجمة إلى الألمانية وذلك في كتاب صدر بعنوان (نماذج من فن الشعر العربي عند المتنبي).
وأما في بريطانيا فقد اصدر المستشرق البريطاني جون هندلي في سنة ١٧٩٧ م كاتبا موجزا في سيرة ابي الطيب وادبه مشفوعة بترجمة لقصيدتين في سيف الدولة بمناسبة شفائه من المرض، وخاتمة يعبر فيها عن إعجابه اللامحدود بشعر المتنبي جاء فيها "ان الكثير من قصائده عظيمة جدا، وتبلغ درجة عالية من السمو والروعة".
وهكذا بدأت الدراسات عن شعر المتنبي وترجمات قصائده تتوالى، وشهدت ازدهارا مع بدايات القرن التاسع عشر. ففي العام ١٨١٣ نشر المستشرق الفرنسي دوفال ديتان بمجلة (ميركوري للآداب الأجنبية) ترجمة قصيدة المتنبي في رثاء فاتك الرومي وزير كافور الأخشيدي وواليه على الفيوم، وكتب لها دوفال مقدمة يعبر فيها عن اعجابه بشعر المتنبي جاء فيها: "إن أبياته المليئة بالطاقة والحرارة وصوره الشعرية المرسومة بجرأة، ولمساته الجميلة القوية، كل هذا وفرّ له بين الشعراء العرب مكانة ممتازة، وبما أنه معتدل في أسلوبه، فلسنا واجدين عنده ذلك المديح الحقير المتكلف. إن المتنبي يصور بقوة، ويمدح بلطافة، إنه ينثر في شعره الأفكار الأخلاقية، ولا يخضع لقواعد الذوق الشعري السائدة في عصره".
ويعد العام ١٨٢٤ هو عام المتنبي في دراسات الاستشراق الأوربي إذ صدرت في هذا العام ثلاثة كتب أوربية تمثل افضل ما كتب عنه حتى الآن. اولها كتاب الفرنسي جرانجريه دي لاكرانج (مختارات عربية)، وثانيها الترجمة الكاملة لديوان المتنبي إلى الألمانية بقلم قطب الاستشراق الألماني يوزف فون همر ونشرها بمقدمة نقدية وافية بكتاب تحت عنوان (المتنبي أعظم الشعراء العرب)، وثالثها كتاب الألماني بيتر بوهلن بعنوان (المتنبي أشهر الشعراء العرب) باللغة اللاتينية.
نتوقف اولا عند كتاب المستشرق الفرنسي جرانجريه دي لاكرانج ( مختارات عربية) :
Grangeret de lagrange, Anthologie Arabe
والذي خصص فيه فصلا للمتنبي هو الفصل الأول ، والذي تضمن ترجمات لثلاث قصائد من ديوان المتنبي، اثنان في فاتك الرومي وزير كافور ، الأولى في مدحه والثانية في رثائه. ثم اتبع الترجمة بملاحظات وتعليقات جاء فيها:
"حين يشرع المرء، في قراءة أبي الطيب المتنبي، بعد دراسة جادّة للغة العربية ومتقنة، فلا مناص أمامه سوى الإقرار بكل الصفات التي تكوّن عبقرية الرجل. فهذا الشاعر يملك الخيال، والجزالة، والحماسة، ويتصف قبل كل شيء، بسمات الرجولة والصلابة وبسموّ الفكر. وله أسلوب موجز، متقد، يشع بالعبارات الثاقبة، والروح الوثابة التي تنزع بطبعها إلى كل ما هو سامي".
والأهم من ذلك أن لاكرانجيه ينتبه الي حقيقة في غاية الأهمية، وهذه الحقيقة كثيرا ما يتجاهلها القراء والنقاد الأوربيون عند قراءتهم للشعر العربي وتقييمهم له وهي ادراك الفوارق الجوهرية التي تميز الشعر العربي عن الشعر الأوربي الكلاسيكي: شعر اليونان والرومان. فالشعر العربي شعر غنائي كله ويعتمد على التصوير البلاغي والبياني للفكرة. وأما الشعر الأوربي الكلاسيكي فيعتمد على الخيال القصصي والسرد واللغة التقريرية المباشرة. الصورة الشعرية في الشعر العربي، تقوم مقام الخيال القصصي في الشعر الأوربي. لذلك فإن الدقة في رسم الصورة الشعرية في الشعر العربي ليست مبالغة جوفاء أو تكلفا، وإنما خاصية بلاغية تمثل غاية الشعر عند العرب ومنتهاه. يقول:
"فالعرب يعرفون كيف يصوّرون، بخطوط عريضة وألوان ملائمة، المآثر المجيدة، وعظمة النفس، والكرم. وفي المراثي، توحي إليهم الأحزان بنبرات صادقة رقيقة. وفي الشعر الأخلاقي والديني يكونون جادّين مؤثّرين؛ بل إنهم أحيانًا ينافسون الكتاب المقدس في قوة التعبير وعمق الشعور. أما القصائد التي يتغنون فيها بالخمر ويشكون فيها لهيب الجوى والحب، فتشتمل على مقاطع شعرية رشيقة تنشر البهجة في النفوس؛ ونحس فيها ذلك الوجد الذي يسحرنا عند قراءة الشعراء الكبار".
لذلك يدعو لاكرانجيه بني جلدته بالا يقيسوا الشعر العربي بمقاييس الشعر الأوربي الكلاسيكي وان يتذوقوه وفق خصائصه الفنية الداخلية، وينوه إلى أن الترجمة تفقد الكثير من روعة الشعر العربي لان الفكرة والصورة في القصيدة العربية لا ينفصلان. يقول:
"يوجد في الشعر العربي أنماطا من الأفكار والصور، قد لا تكون مقبولة لذوقنا الأوربي. ذلك أن هذه الأفكار والصور خاصة باللغة العربية، وهي مقبولة ومكرّسة فيها، ولا تحمل عند الكاتب العربي دائمًا تلك الحدة التي تبدو لنا. ولأن ألفاظ لغتنا لا تطابق دائمًا التعبيرات العربية بدقة، ولأن أفكار الشاعر وصوره تفقد أحيانًا قوتها وحيويتها وحتى دقتها نفسها اذا ما ترجمت، فتؤثر فينا أقل مما تؤثر في أصلها العربي، حيث توجد دائمًا علاقة كاملة بين التعبير والفكرة".
حقا العبارة والفكرة في الشعر العربي كوجهي الورقة الواحدة. الصورة البلاغية هي لحمة الفكرة وسداها في القصيدة العربية. وأما في الشعر الأوربي الكلاسيكي الفكرة منفصلة عن التعبير. الأساس هو القصة والمتعة في الخيال القصصي. في الشعر العربي المتعة في التعبير البلاغي البياني عن الفكرة.
اما الترجمة الكاملة لديوان المتنبي فانجزها ونشرها في ذات العام ١٨٢٤م المستشرق النمساوي الكبير، جوزيف فون همر، قطب مدرسة الاستشراق الألماني في كتاب يحمل عنوان:
Motenebbi, der grösste arabische Dichter
(المتنبي، أعظم الشعراء العرب). وقد اثبت فون همر في هذا الكتاب ان الفن الأصيل لا يعرف الحدود وحواجز اللغة واختلاف الأذواق، وان الشرط الوحيد لتذوق الفن الإنساني الخالد اي كان مصدره، هو تجرد القارىء والدارس من الاهواء والتحيزات الثقافية والقومية والدينية واخلاء ذهنه من التصورات النمطية الخاطئة والأحكام المسبقة.
ولم يكتف همر بوصف المتنبي في العنوان بأنه أعظم الشعراء العرب، بل وضعه في اسمي مرتبة يمكن أن يوضع فيها شاعر عبقري ليس في اللغة العربية بل في كل لغات العالم. فهو عنده "سلطان" فن الشعر، وابو الشعر والشاعر الرائي أو "الساحر" العارف الذي لا يجارى. يقول في مستهل مقدمة الترجمة :
"إن المتنبي هو أعظم الشعراء العرب. صحيح أن بعض النقاد الشرقيين قد حاولوا أن يضعوا أبا تمام إلى جانبه، بل وأن يفضلوه عليه، غير أن تسعة قرون مضت، رفعت مرتبة المتنبي فوق كل نزاع حول استحقاقه المقام الأول؛ حتى إن اسم أبي تمام لا يُذكر اليوم إلا بوصفه جامع ديوان (الحماسة)، بينما يكاد ديوانه الخاص يبقى مجهولًا. أما مجد المتنبي فلا يزال حيًّا في الشرق والغرب متلالأ لا يخبؤ، فهو : «سلطان فن الشعر»، و«أبا الشعر»، والشاعر "الساحر" الذي لا يجارى".
قوله في آخر سطرين من المقتطف" سلطان فن الشعر"، وردت كلمة سلطان بلفطها العربي ورسمها الافرنجي sultan وهي من الكلمات العربية التي استوطن اللغات الأوربية بمعناها الحرفي والمجازي. كما أنه استخدم كلمة ساحر العربية ذاتها برسمها الألماني seher وهي تعني في اللغة الألمانية من جملة ما تعني: رائي ومتنبي وعراف وكاهن.
لقد قرأ همر المتنبي من داخل تقاليد الشعر العربي وجماليات القصيدة العربية الكلاسيكية، ووفق الذوق العربي لفهم ماهية الشعر، ولم يسقط عليه معايير الشعر الأوربي الكلاسيكي، لذلك نجح في ان يتذوق شعر المتنبي وان يقدره حق قدره وان يدرك سر المكانة الشعرية السامية التي يحتلها في ديوان الشعر العربي.
ان الشعر العربي، كما يرى همر ، شعر غنائي كله ولا يجوز ان نطبق عليه معايير شعر الملحمة القصصية والشعر المسرحي والشعر التعليمي. فالشعر العربي لا يعرف سوى القصيدة الغنائية: "والقصيدة من القصد وهو الغرض فهي لها دائما موضوع مقصود بعينه، أي مدح شيء بعينه: مدح الفرس، أو الخمر، أو السيف، أو المرأة، أو الفضائل العربية الثلاث الكبرى: الشجاعة، والبأس، والكرم. فإن النغمة الأساسية لهذا الشعر هي النبرة المدح". فالقصيدة العربية لها أغراض معينة لا تخرج عنها هي الغزل أو النسيب والمدح والفخر الهجاء والرثاء.
لذا لا يرى فون همر في تعدد المواضيع والانتقال من موضوع الي موضوع في القصيدة الواحدة عيبا أو تفككا أو افتقارا للوحدة العضوية للقصيدة. فهذا الانتقال كما يرى "تقليد راسخ في الشعر الشرقي، ويمكن تبريره بسهولة أكبر إذا تذكرنا أن القصيدة في أصلها قصيدة مديح وصفية، وأن الانتقال فيها من الموضوعي إلى الذاتي، ومن الممدوح إلى الشاعر نفسه، حيلة فنية لكسر رتابة المديح".
فالمتنبي كما يقول همر "ليس في حاجة إلى دفاع في نظر العارفين بالشعر الشرقي، إلى تبريرٍ الانتقال المفاجئ الذي يشيع في القصيدة، من بيت إلى بيت أو من غير رابطة ظاهرة بين الأفكار والعواطف المعبر عنها ، بل الانتقال حتى من غرضٍ مألوف من أغراض المديح إلى غرضٍ آخر، من غير أن يُمهَّد للقارئ لهذا الانتقال. فليس للقارى ان يستغرب أن يُخاطَب الممدوح في القصيدة بصيغة المخاطَب، ثم يعود فيظهر بصيغة الغائب؛ أو أن تبدأ القصيدة بالمفرد (كذكر الفتاة)، ثم تنتهي بالجمع (كأبناء القبيلة). وكثيرًا ما يتخلل ذلك أيضًا مدح الناقة أو الفرس أو السيف، غير أن الشاعر يعود دائمًا في النهاية إلى البطل نفسه".
ولا يرى همر في فخر المتنبي بنفسه واعتدادها بها عيبا أو منقصة بل يراه خاصية جوهرية من خواص شعر الشرقب عامة والشعر العربي خاصة. لذلك يجب علينا كما يقول "ألا نلوم المتنبي بالفخر بنفسه، وعلى ذلك الشعور الطاغي بقيمة ذاته، وما يقترن به من اعتداد بالنفس، أو على تلك المرارة الساخطة في نظرته إلى العالم".
إن تمجيد الشاعر لذاته "ليس أمرًا غريبًا حتى في التراث الأوروبي نفسه". ويستشهد همر على ذلك بقول شاعر الرومان الكبير هوراس exegi
monumentum :"إني أقمت لنفسي نصبًا أقوى من البرونز". أي تمثالا وتذكارا ليكون شاهدا عليه واعماله الشعرية. وذلك في قصيدة مشهورة له يستهلها هوراس بهذه الجملة.
كما يستدل على أحقية الشاعر بالفخر بنفسه بتقاليد القصيدة الفارسية والتي "تقتضي في خاتمة كل قصيدة تقريبًا إقامةَ نصبٍ من المديح الذاتي بأن يذكر الشاعر اسمه في نهاية القصيدة. وان كانت القصيدة العربية لا تلتزم لهذه القاعدة الا انها تتيح للشاعر العربي حرية أوسع في اغتنام كل مناسبة للفخر بنفسه؛ وهو ما يفعله الشاعر الغنائي العربي حيثما سنحت الفرصة".
كما يدافع همر عن نظرة المتنبي التراجيدية الي الحياة وعن التعبير عن احساسه بماساة الوجود الإنساني والشكوى من الزمان والناس أو ما يصفه "بالكآبة الناشئة عن نفس ساخطة على العالم ليست أمرًا غريبًا عن تقاليد الشرق، بل نجد نظيرها حتى في أسفار العهد العبري المقدسة". على حد تعبيره.
واعجاب همر بالمتنبي لا يقف عند شعره، بل يتعداه الي الإعجاب بشخصه وانسانيته، وذلك "بما يتجلى فيه من إباءٍ نبيل، وتوقٍ بدويٍّ إلى الاستقلال، وصلابةٍ حديدية كان يقرن بها أقواله بالأفعال". فمن المستحيل "أن يقرأ المرء شعره دون أن يشعر في الوقت نفسه بمودّة نحو الشاعر نفسه؛ ذلك الرجل الذي، رغم ما كان يلازمه من مبالغة شرقية في تقدير ذاته، يظهر مع ذلك فارسًا جسورًا من أبناء الصحراء، ومحاربًا شجاعًا في ميدان القتال، وفارسًا نبيلًا في تعظيم النساء. وبقدر ما نعرف من سيرته، فقد ظل محتفظًا بهذه الصفات منذ شبابه المبكر حتى آخر حياته".
ويلقى همر نظرة كلية على شعر المتنبي في مختلف مراحل حياته ويخلص الي ان عبقرية المتنبي الشعرية كانت تتعاظم مع مرور الايام "وحيث أن القصائد مرتبة ترتيبًا زمنيًا بحسب سنوات حياته، فإنه يمكن للقارئ أن يدرك بوضوح، من خلال القراءة المتتابعة، كيف أن عبقرية الشاعر، التي كانت في مطلع شبابه كأنها برق بعيد يلمع من وراء سحب رقيقة عند أقصى الأفق، أخذت تشتد مع السنين كعاصفة متراكمة، حتى بلغت ذروة الأفق والحياة، فإذا هي برق إثر برق، وصاعقة إثر صاعقة، شعاع عاصف مشتعل، ورعد متدحرج لا ينقطع".
ويرى همر ان قصائد المتنبي المعروفة "بالشاميات" ومن بينها تلك التي مدح بها المتنبي سيف الدولة الحمداني هي "تاج ديوان المتنبي كله"، لا لقيمتها الشعرية وحدها، بل أيضًا "لما تتضمنه من ثروة من الملاحظات التاريخية والجغرافية المتعلقة بحملات سيف الدولة، والتي تُكمل بذلك ما في كتب المؤرخين الأخرى من نقص في الأخبار".
واما شعر المتنبي في الرثاء والحكمة فيعده همر "النموذج الأسمى في الشعر العربي كله".
ان هذه المكانة الشعرية السامية التي يحتلها المتنبي في الشعر العربي، لم يشهد له بها العرب وحدهم، بل يشاركهم فيها الفرس. ويستشهد همر على ذلك باقوال كبار الشعراء والنقاد والمؤرخين في بلاد فارس علي راسهم "دولة شاه" والذي بنقل عنه وصفه المتنبي في سياق حديثه عن تاريخ الشعر الفارسي: “عُقدة سلطان الشعر، المتنبي، فليشرق عليه النور الأبدي! إنه سيد دولة الشعر، وقد بلغ من الفصاحة والبيان ما يفوق كل تصور. وقال عنه رشيد وطواط، رحمه الله: "إن جميع شعراء العالم الإسلامي يتتلمذون لديه في البلاغة والطلاقة والجزالة".
ويختم همر مقدمة ترجمته لديوان المتنبي بالقول انه "سيكون سعيدا لو نجح في هذا العمل مثل نجاحه من قبل في ترجمة ديوان حافظ الشيرازي الشاعر الصوفي الفارسي، ويامل ان يدفع نجاحه في ترجمة ديوان المتنبي شعراء ألمانيا مثل"جوته وروكرت وبلاتن، إلى منح هذا العربي المرتدي الزيّ الألماني حقّ المواطنة الأدبية في ألمانيا". على حد وصفه.

هوامش:
* كتاب (النحو العربي) وضعه المستشرق الهولندي يعقوب "ابينوي" أو ابينوس، ونشره أول مرة بدون نصوص ادبية، فقام تلميذه يعقوب جوليوس عالم الرياضيات والأستاذ بجامعة ليدن بإصدار طبعة ثانية من الكتاب سنة ١٦٥٦م مضيفا إليها مختارات عربية متنوعة ومبوبة لكي يساعد الطلاب على التدريب على قراءة النصوص العربية.
* يوزف فون همر (١٧٧٤١٨٥٦) هو ثاني اكبر رموز مدرسة الاستشراق الألماني بعد زعيمها الاول يعقوب رايسكه، وهو أول رئيس لأكاديمية العلوم بفيينا، واغزر المستشرقين كافة انتاجا، فقد كان يتقن العربية والفارسية والتركية تحدثا وكتابة الي جانب لغات أخرى. وترجم ونشر آلاف الوثائق والمخطوطات ووضع عشرات الكتب: ومن أبرز ترجماته: ديوان المتنبي، وديوان حافظ الشيرازي، وكتاب طوق الحمامة لابن حزم، ومقدمة ابن خلدون، وبردة البوصيري، وتائية ابن الفارض، تكملة ترجمة حكايات الف ليلة وليلة، ومن أشهر مؤلفاته: (تاريح حكم الاتراك العثمانيين) في عشرة مجلدات، وهو المرجع العمدة في أوربا كلها. ووضع كتاب (تاريخ الآداب العربية) في سبع مجلدات، وغيرها من البحوث والدراسات والتحقيقات. وأسس مجلة اطلق عليها اسم (كنوز الشرق) وهي اول مجلة أوربية متخصصة في دراسات الشرق وتراس تحريرها، ووضع الآية القرآنية: (ولله المشرق والمغرب) شعارا ثابتا في غلاف المجلة.

مصادر ومراجع :
١ريجيس بلاشير، ابو الطيب المتنبي، ترجمة ابراهيم الكيلاني، دار الفكر، سوريا، ط١، ١٩٧٥
٢ ارسطو، فن الشعر، نقله عن اليونانية: عبد الرحمن بدوي.
٢ عبد المنعم الفَيا، الأثر العربي في نشاة الشعر الأوربي الحديث، دار المصورات، القاهرة، ٢٠٢٤
Arabicae linguae tyrocinium, id est, Thomae Erpenii grammatica Arabica. Thomas Erpenius
Grangeret de lagrange, Anthologie Arabe
Motenebbi, der grösste arabische Dichter, Von Hammer



#عبد_المنعم_عجب_الفَيا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صناعي هي الأصل واصطناعي مولدة بلا ضرورة
- دانتي على خطى ابن عربي
- من كتاب -تاريخ المادية- : -فضل التفكير العربي على العلم-
- الف ليلة وليلة اساس فن السرد الأوربي الحديث
- ألف ليلة وليلة منبع الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية
- قصائد شكسبير في معشوقته السوداء
- نعوم تشومسكي والمثقفون العرب
- الطيب صالح: الكتابة لعنة والشهرة توبيخ!
- الطيب صالح يحكي عن اللهجة السودانية
- الطيب صالح : كنت هناك حينما ضرب خروتشوف المنضدة بحذائه
- الطيب صالح وقصة ذاك الصومالي
- الطيب صالح وجواز السفر السوداني
- الطيب صالح و-الخوف- من امريكا
- دارفور في نصوص أحمد الطيب زين العابدين الإبداعية
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (١٠)
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (٩)
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (٨)
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (٧)
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (٦)
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (5)


المزيد.....




- -تفضيل جهنم وتحدي الخالق-.. حزب مصري يطالب بإجراءات ضد -برشا ...
- مصر.. السيسي يبحث خطة الحكومة لـ-تصدير التعليم-
- في ذكرى ميلادها المئة: وفاة مارلين مونرو لا تزال لغزاً مفتوح ...
- قاليباف: طهران لن توافق على اتفاق مع الولايات المتحدة لا يضم ...
- كتائب حزب الله العراقية تعرض شراء المسيّرات والصواريخ من الف ...
- ضبط رسالة من رجل ستيني للأميرة النرويجية الشابة إنغريد ألكسن ...
- النيل والفيدرالي وقضايا أخرى.. من يختار الإثيوبيون غدًا لحسم ...
- صرخات أسر تفصلها أمتار.. كيف مزق الصراع النووي أوصال العائلا ...
- عضو بلجنة إدارة غزة للجزيرة نت.. لن ندخل القطاع قبل تشكيل قو ...
- ميانمار.. أزمة أسمدة تهدد زراعة الأرز ومخاوف من تراجع الأسعا ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المنعم عجب الفَيا - المتنبي في عيون أوربا قبل مائتي عام : سلطان الشعر وعرافه