عبد المنعم عجب الفَيا
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 10:45
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مدخل:
"حتى جاء أمثال ابن عربي وأخرجوا للناس النماذج المدهشة الأولى للكوميديا الإلهية".
المستشرق البريطاني ألفريد جيوم
*
ظل الأوربيون ينظرون إلى الملحمة الشعرية (الكوميديا الإلهية) للايطالي دانتي (١٢٦٥١٣٢١)، كأعظم أثر أدبي أوربي يقف شاهدا على عمق الأصالة والابتكار، إلى أن جاء المستشرق والقس الكاثوليكي، ميجيل آسين بلاثيوس، أستاذ الأدب العربي بجامعة مدريد، وأعلن عن اكتشافه تأثر دانتي بالمصادر العربية الإسلامية، وذلك في المحاضرة التي ألقاها بالمجمع الملكي اللغوي باسبانيا سنة١٩١٩ بعنوان: "علم الآخرة الإسلامي في الكوميديا الإلهية"، بمناسبة اختياره عضوا فيه، وقد صدرت في كتاب. وترجم الكتاب الي العربية تحت عنوان (أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية).
وكان اسين بلاثيوس قذَ خلص في هذا البحث المتين، إلى أن دانتي قد حاكي في (الكوميديا الإلهية) قصة إسراء ومعراج النبي محمد (ص) على النحو الذي ترويه الأحايث النبوية، واتبع منهج ابن عربي ورمزيته في التأليف وتبني فلسفته في المعراج الروحي إلى السماء، إلى جانب إفادته من أفكار ابي العلاء المعري واغراضه الأدبية في تاليف (رسالة الغفران).
ولكنا سوف نقصر الحديث هنا على تأثر دانتي بابن عربي وهو الأمر الذي اغلفه أو قلل من شانه الباحثون في العالم العربي الإسلامي. فقد درج الناس على الربط بين دانتي وابي العلاء المعري كلما جاء ذكر الكوميديا الإلهية. ولكنهم نادرا ما ياتون علي ذكر ابن عربي الصوفي الأندلسي الذي طبقت شهرته الآفاق، والمتوفي قبل ميلاد دانتي بخمس وعشرين سنة، والملهم الأول لدانتي في الكوميديا الإلهية ومؤلفاته الأخرى.
ولذلك يصف ميغيل آسين بيلاثيوس ابن عربي بالكاتب "النموذجي الذي تزودنا مؤلفاته بمفاتيح لعوالم دانتي في الكوميديا الإلهية وفي مؤلفاته الشعرية والنثرية الأخرى حتى لا نكاد نجد كاتبين يتقارب مزاجهما الشعري والديني هذا التقارب الكبير كما نجده بين دانتي وابن عربي".
ولم يقف التأثير عند حدود الموضوعات والمضامين الفكرية، كما يقول بلاثيوس "بل تعداه إلى الأسلوب. فقد اتبع دانتي في مؤلفاته ذات الحيل الفنية والأدبية وطرائق التأليف التي تميز أسلوب ابن عربي في التأليف وذلك مثل خلط الشعر بالنثر وتوظيف أسلوب السيرة الذاتية في الكتابة واستخدام الرؤيا والأحلام في التعبير عن المشاهدات العرفانية".
وتعزيزا لما خلص إليه بيلاثيوس يقول المستشرق البريطاني هميلتون جِبّ،" الأمر الذي لا شك فيه، إن الأفكار الفلسفية العربية ورموز الوجد والشبق الروحي في الصوفية الإسلامية قد وجدت طريقها إلى أعمال دانتي بل وانعكست أيضاً في الأفكار الرئيسة للشعراء الآخرين من الجماعة المعروفة باسم (الأسلوب العذب الجديد".
رمزية الأنثى :
(الكوميديا الإلهية) هي ملحمة شعرية عن رحلة متخيلة لعروج الشاعر إلى السماوات تروى بضمير المتكلم. وتتالف الملحمة من ثلاثة أقسام رئيسة: القسم الأول ويسمى (النار) أو الجحيم، والقسم الثاني وهو (المطهر) ويقابل جنة الأعراف في التصور الإسلامي، ثم القسم الاخير المسمى (الفردوس).
وتبدأ رحلة معراج الشاعر، وهو نائم أو شبه نائم، حيث يجد نفسه فجأة وسط غابة مظلمة فتمتلي نفسه رعبا من تلك الغابة فينظر حوله ويرى جبلا شاهقا فيسعى لتسلقه للخروج من الغابة ولكنه عندما يهم بصعود الجبل تعترض طريقه ثلاثة وحوش والواحد تلو الآخر وهي نمر وأسد وذئبة. ولكن العناية الإلهية، وبتدخل من محبوبة الشاعر بياتريشا (والتي كانت قد توفيت قبل كتابة الكوميديا)، تنقذه وترسل إليه "فرجيل" شاعر الرومان الأكبر، ليأخذ بيده ويصعد به إلى السماوات فيطوف معه درجات النار ومشاهدة صور العذاب المختلفة، ثم يعبر به إلى (المطهر) وهي منطقة بين الجنة والنار حيث يقيم فرجيل. وفي (المطهر) يتطهر الشاعر من ذنوبه ثم يسلمه فرجيل إلى بيتاريشي لتصعد به إلى الفردوس ومن ثم تتركه إلى حيث الحضرة (الإلهية).
وهنا يشدد آسين بيلاثيوس في اطروحته، وهو القس الكاثوليكي، على أن العلم المسيحي بحياة ما بعد الموت سواء في الكنيسة الشرقية أو الغربية علم فقير جدا، وأن الاسلام أكثر الأديان جميعا ثراءً بالقصص التي تصور الحياة الأخرى". وينتهي من ابحاثه إلى ان دانتي استوحى تصوره هذا للحياة الأخرى من المصادر الإسلامية كما تقدم.
وأما عن اتخاذ دانتي امراة دليلا روحيا في عروجه الي السماء ووسيطا وشفيعا لدى العناية الإلهية، فيقول بيلاثيوس انه "تعبير عن خيال شاعر نعجز تماما عن التماس أصول له في الاعمال الأديبة المسيحية السابقة للكوميديا الإلهية". فهذا الموقف "يتناقض مع حياة الزهد والاشمئزاز الشديد من الحب الجنسي، وهما عنصران مميزان للأدب الأكليروسي عموما وأدب القرون الوسطى المسيحي وبخاصة". فهذا النوع من العشق "غريب جدا عن روح المسيحية، ولكنا نجد له مقابل لافت للنظر في تأملات المتصوفة المسلمين وذلك قبل ظهور التروبادور في أوربا بزمان طويل".
لذلك نحن نرى ان أفضل مدخل للحديث عن تأثر دانتي بابن عربي هو واقعة اتخاذ دانتي الأنثى رمزاً للعشق الإلهي ومعراجاً للتأمل الفلسفي ووسيطاً لتجلي سر الوجود الأعظم. وهذه الرمزية هي أظهر ما يميز الشعر الصوفي العرفاني الإسلامي. إن أشعار الصوفية العرفانية التي تبدو لنا في ظاهرها قصائد غزلية، هي في حقيقتها تعبيراً رمزياً عن مواجدهم وأحوالهم ومشاهداتهم ومقاماتهم العرفانية. فهم يرمزون بحب الأنثى إلى محبة الخالق وكشف جمال سر الوجود وتحقيق الذات والتوحد مع المحبوب والفناء في ذاته، تحقيقا للسلام الداخلي والانسجام النفسي.
وأفضل من تحدث عن هذه الصورة الرمزية للأثني الصوفي الكبير محي الدين ابن عربي الأندلسي (١١٦٤ ١٢٤٠) والذي توفي قبل ميلاد دانتي بخمس وعشرين سنة. وفي ذلك يقول ابن عربي في (الفتوحات المكية) "إن الله يتجلى لكل محب تحت حجاب المحبوبة، لأن الخالق يحتجب عنا حتى نحبه تحت مظاهر زينب الجميلة، وسعاد وهند وليلى، وكل الأوانس المحبوبات اللائي يتغزل في جمالهن الشعراء دون أن يدركوا ما يدركه الصوفية أصحاب الكشف، وهو أن المقصود في كل غزلياتهم الغرامية هو الله، فهو وحده الجمال الوحيد الحقيقي الجدير بالحب، وقد احتجب تحت نقاب الصور الجسمانية".
ومن اشعارهم في تجسيد هذا المعنى قول الشاعر الصوفي العرفاني الشيخ عبد الغني النابلسي، وهو من الصوفية المتأخرين:
لا تلمني يا عذولي في هوى الغيد الحسان
إنّ ديني واعتقادي بالذي خلف الجيوب
ومن ذلك أيضاً قول الصوفي عبد الرحيم البرعي اليماني، وهو من الصوفية المتأخرين أيضاً:
أُغالطُ عن سلمى بسُعدى تنصلاً
ولبنى وما قصدي سعادٌ ولا لبنى
على ان ابن عربي يعد أكثر المتصوفة استعمالا لهذه الرمزية الروحية للأنثى، فكل مؤلفاته تزخر بهذا النوع من الغزل العرفاني. وقد اقتفى دانتي خطى ابن عربي فيما كتبه عن المرأة التي اتخذها رمزا للعشق الإلهي.
ففي اول كتيب يضعه دانتي وهو كتاب (الحياة الجديدة) يخبرنا أنه قد احب فتاة صغيرة تدعى بياتريشي لم يراها الا مرة واحدة، ولكن الفتاة ما لبثت ان توفيت ومع ذلك لم يتخلى عن عشقه لها فظلت صورتها عالقة بوجدانه، يخاطب خيالها، ويناجيها في صحوه ومنامه ويستمد منها وحيه الكتابي. وقد اشتمل كتاب (الحياة الجديدة) على قصائد يتغنى فيها دانتي بعشقه لها وشروحات لهذه القصائد ورؤى.
وفي إشارة إلى رمزية حبه لهذه الفتاة يقول دانتي في الكتاب المذكور: "كانت تلك السيدة ستاراً أخفي وراءه الحب العظيم". يعني ان عشقه لها ما هو إلا قناع لعشق أسمى واكبر، سوي رمز للتعبير عن العشق الالهي.
ويصف دانتي في الكتاب نفسه حالات الهيام التي كانت تعتريه ومنها قوله: ".. بعد ذلك بأيام قليلة حدث أن مرضت مرضا مؤلما هدّ جسمي وقاسيت فيه مر العذاب لمدة تسعة أيام وسبب لي وهناً جعلني ألزم الفراش. وفي اليوم التاسع وقد أحسست بآلام لا تطاق أدركني طيف مولاتي".
ثم يرى رؤيا فيقرر أن يتوقف عن الكتابة عن معشوقته حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها أهلاً للحديث عنها بما يليق بمكانتها الروحية السامية. يقول: "بعد أن فرغت من هذه القصيدة (السونيتة) تجلت لي رؤيا رائعة فرأيت أشياء جعلتني أكف عن الكلام عن (السيدة) إلى حين أقدر أن أكون جديرا بذلك".
فيعمل على إعداد نفسه: "وحتى أدرك تلك الغاية كنت أجهد في الدراسة قدر إمكاني كما تعرف هي ذلك جيدا. وإذا شاء الذي به الأشياء كلها تحيا وأعطاني بضعة أعوام أخرى، فإنني آمل أن أقول فيها ما لم يقله أبدا أحد في أنثى. وبعد فإني أرجو من رب العناية أن أوفق في ملاقاة مجد مولاتي، أعني بياتريشي، التي ما تنفك تحدق في إشراقة وجهه الكريم في كل العصور".
وما كان يامل ان يقوله عنها بعد أن اعد نفسه جيدا لهذه الغاية قاله في (الكوميديا الإلهية) حيث أخذها مرشدا له في الصعود إلى السماوات العلى ووسيطاً لملاقاة الله. وما فعله دانتي كان قد فعله ابن عربي، ومن ذلك انه كان قد وضع ديوانا كاملا في هذا النوع من الشعر العرفاني اسماه (ترجمان الأشواق)، وهو شعر يبدو في ظاهره شعراً غزلياً ولكن في حقيقته تعبيراً رمزياً عن مواجد الشاعر ومكاشفاته ومشاهداته العرفانية الإلهية. يقول في مقدمة الدايون عن مناسبة وضعه لهذه الأشعار، وهي انه اتخذ من جمال فتاة عذراء، عالمة، ملهمة لهذا الشعر العرفاني. ".. فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أُكني، وكل دار أندبها دارها أعني، ولم أزل على ما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية جرياً على طريقتنا المثلى.. والله يعصم قارىء هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، آمين".
ولكن ما كان يخشاه ابن عربي قد وقع بالفعل، فقد أسىء مقصده من قصائد الديوان، فانكر بعض الناس كما يقول: "ان يكون هذا الغزل من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ يتستر لكونه منسوباً إلى الصلاح والدين. فشرعت في شرح ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية، أشير بها إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهات شرعية. وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها. وقد نبهت على المقصد من ذلك بأبيات..".
ثم أخذ ابن عربي يشرح للقارىء المعاني الرمزية العرفانية في قصائد الديوان التي يدل عليها المعنى الحرفي الظاهر. فيقول "إن محبوبته رمز للحكمة العلوية، وإنها إذا ابتسمت وجد المحب ذاته كلها نورا، وأشرقت أرضه وسماؤه بنورها. وأن عينيها رمزان للنور والكشف، وأن أنين المحب هو حنين الروح الكلي فيها".
وقد تعرض ابن عربي في شرحه للديوان إلى مناقشة الكثير من المعارف منها المتعلقة بأصل الروح الإنسانية والقدر الذي ينتظرها وظاهرة الحب وطبيعته وماهية الجمال الروحي كما ناقش العلاقة بين العقل والايمان والقيم الانسانية المشتركة بين الأديان وأن الإسلام دين الحب.
هذه الطريقة التي انتهجها ابن عربي في ديوانه (ترجمان الأشواق) وفي تفسيره له في (ذخائر الأعلاق)، اتبعها دانتي في كتابيه (الحياة الجديدة) و(المأدبة). فمثلما فعل ابن عربي، فقد ذكر دانتي أن دافعه إلى تأليف كتاب (المأدبة) هو أنه كان قد نشر عدداً من قصائد (الحب) وقد أسي فهم هذه القصائد. فقال البعض إنها تعالج شئون الحب الجنسي بأكثر ما تعالج شئون الحب العقلي والعرفاني. فأراد أن يبرئ نفسه من تهمة الإنغماس في الشهوات الحسية، فعمد إلى وضع كتاب (المأدبة) Convito أو Convivio ليفسر فيه المعاني العرفانية الرمزية الغامضة الواردة في هذه القصائد. فيقول عن مناسبة تأليفه لهذه القصائد إنه: كان يتمشى ذات يوم منفرداً بعد وفاة محبوبته بياتريشي، فإذا به يقابل على حين غفلة فتاة ريفية رائعة الجمال واسعة الثقافة فيقع في حبها ولما عجز ان يصارحها بعواطفه اكتفى بنشدان السلوى والعزاء في تأمل معبوده تأملات صوفية واطلق لمشاعره العنان لتتغنى بأشعار حزينة".
وعلى طريقة ابن عربي يعمد دانتي إلى شرح الأسلوب الرمزي التمثيلي allegorical لهذه القصائد ويقول إن هناك معنيان في كتابة الشعر: المعنى الحرفي والمعني الرمزي. ويرى أن المعنى الرمزي يتضمن الدلالة الإخلاقية والدلالة العرفانية الصوفية، وبذلك تكون هناك أربعة مستويات من الدلالة في القصيدة، المعنى الحرفي ما ينبي عنه ظاهر القصائد، وهو حب الشاعر لهذه الفتاة الفاضلة الحلوة المثقفة والمخلصة والتغني بكمالاتها الجسمانية والأخلاقية. ووراء هذا المعنى الحرفي يكمن معنى رمزي وهو تمجيد المعارف الإلهية المجسدة في هذه الفتاة. فعينا هذه الفتاة "يرمزان للحكمة وابتسامتها تمثل معتقداتها واشعاعات الحب التي تنبثق من سماء الزهرة فهي المعارف الفلسفية، وأما تنهدات الحب التي يطلقها الشاعر فترمز إلى معاناة العقل وقد عذّبه الشك والتوق إلى الحقيقة المطلقة".
كما ناقش دانتي في (المأدبة) ذات المسائل التي سبق أن ناقشها ابن عربي في شرحه لديوان (ترجمان الأشواق) وذلك من منظور فلسفي وصوفي عرفاني مثل أصل الروح وعلاقتها بالجسد والحب وطبيعته ورمزيته إلخ..
فلسفة المعراج لدى ابن عربي ودانتي:
اتبع دانتي في قصة عروجه إلى السماء في (الكوميديا الإلهية) الخطة التي سبق أن رسمها ابن عربي في تصوير المعراج الصوفي العرفاني. وكان ابن عربي قد وصف رحلتين مختلفتين عن العروج الي السماء. الرحلة الأولى حدثت له شخصيا وقد شرحها في كتيب اسماه: (الإسراء إلى المقام الأسرى). وأما رحلة المعراج الثانية، في صورها ابن عربي في الجزء الثاني من كتابه (الفتوحات المكية).
في رحلة العروج الأولى التي حدثت لابن عربي شخصيا يقول أنه خرج من أرض الأندلس متجها إلى القدس، وهناك التقى بفتى له طبيعة روحانية، أرسل إليه ليقوده في صعوده إلى السماء من القدس. وعندما يبلغ مرحلة معينه من معراجه الي السماء يتخلف عنه ذلك الفتى، ليصطحبه شخص آخر يصفه بأنه "مبعوث العناية الإلهية" فيعرج به إلى السماوات السبع حتى يبلغ الحضرة الإلهية".
وهنا نجد أن دانتي قد اصطحب أيضا في رحلة عروجه في الكوميديا الإلهية شخصين هما فرجيل الشاعر الروماني وبياتريشي معشوقة دانتي. الأول يصعد به إلى السماوات ويعرفه بدرجات الجحيم وأنواع العذاب ثم ينتقل به إلى المطهر ما بين الجيم والفردوس وعند المطهر يسلمه الي بياتريشي لتقوده الي حيث الحضرة الإلهية.
وأما رحلة العروج الثانية التي يصورها ابن عربي في بالجزء الثاني من كتاب (الفتوحات المكية) وتحت عنوان (في معرفة كيمياء السعادة)، فهي قصة عروج رجلين: الأول رجل عابد سالك، والآخر فيلسوف. يسمي ابن عربي الرجل العابد بالمقلد أو التابع، أي مقلد للنبي محمد (ص). والرجل الثاني يصفه ابن عربي بالفيلسوف أو صاحب النظر، أي النظر العقلي والتأمل الفلسفي.
يبدأ معراج الرجلين بأن يركب الفيلسوف براق الفكر، ويركب المقلد التابع رفرف العناية الإلهية. وتشمل المراحل الأولى من الرحلة الصعود إلى السماوات السبع: القمر وعطارد ولزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل التي يزورها المسافران بالتتابع. فيصلان في وقت واحد لكن يستقبل كل منهما في الملأ الأعلى استقبالا مختلفا عن الآخر. اذ يستقبل أنبياء كل سماء العابد التابع بالبشر والرتحاب، بينما يستقبل الفيلسوف الملائكة الذين يقتصر دورهم على خدمة الأنبياء. فيسر العابد التابع سرورا عظيما، وأما الفيلسوف فلا يزداد إلا غما على غم بسبب اختلاف المعاملة التي يلقاها كل منهما، وهو يشهد من بعيد ذلك الاستقبال الحار الذي يقابل به الأنبياء التابع المقلد ولا يستطيع أن يدرك إلا نتفاً من الأسرار التي يبوح بها الأنبياء للتابع.
وعلى الرغم من أن الملك المكلف بكل سماء، كان يرشد الفيلسوف إلى مشكلات في العلوم الطبيعية والكونية، يلاحظ الفيلسوف أن الأنبياء إنما يشرحون معاني هذه المشكلات للصوفي التابع للنبي محمد، من وجهة نظر، أرقى وأوضح مما يمكن أن تفسره العلوم الطبيعية وحدها.
ولا شك أن ابن عربي أراد بهذه الرحلة السماوية التمييز يميز بين طريقين للمعرفة، هما طريق العقل والبرهان الذي يمثله الفيلسوف، وطريق القلب أو الحدس الذي يمثله الصوفي. وعلى الرغم من أن الطريقتين يؤديان الي الحقيقة الا ان معرفة (العرفان الصوفي) اكمل من معرفة (البرهان العقلي) في عقيدة ابن عربي.
وفي الأدب الصوفي الإسلامي يرمز جبريل في المعراج النبي محمد الي العقل. ونحن نعلم من السيرة النبوية أن جبريل قد تخلف عن النبي محمد عند سدرة المنتهي مخاطباً النبي الكريم بقوله: "أها أنت وربك". فيقول له النبي (ص): أهذا مقام يترك فيه الخليل خليله؟، فيجيبه جبريل: "هذا مقامي لو تقدمت خطوة لاحترقت".
و في الكوميديا الإلهية، يسال دانتي أيضا فرجيل حينما تخلف عنه في (المطهر) وسلمه الي بياتريشي. فيرد عليه فرجيل انه غير مسموح له أن يتجاوز هذه الحدود. ويتوافق شراح دانتي وأشياعه من الأوروبيين مع التفسير الصوفي الإسلامي ويقررون بان فرجيل يرمز في (الكوميديا) إلى العقل والفكر البشري والفلسفة، بينما ترمز بياتريشي إلى القلب والوحي والعلم الإلهي.
ومؤدى ذلك أن دانتي وابن عربي يؤمنان ان العقل والقلب كلاهما طريقان إلى المعرفة، غير أن معرفة العقل عندهما قاصرة ومعرفة القلب كاملة. العقل له حدود لا يستطيع أن يتجاوزها والقلب وحده القادر على بلوغ الحقيقة المطلقة والإحاطة بسر الوجود الأعظم.
وهنا تحضرني قصة واقعية عظيمة الدلالة على نظرية المعرفة عند ابن عربي، وردت بالجزء الأول من كتابه (الفتوحات المكية)، تحكي عن موقف حدث له مع الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، يقول ابن عربي:
"دخلت يوما بقرطبة على قاضيها ابو الوليد ابن رشد. وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي. وكان يظهر التعجب مما سمع. فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه أن يجتمع بي...، فلما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة وإعظاماً، فعانقني، وقال لي: نعم؟. فقلت: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده. فقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها. فاصفر لونه وقعد يحوقل وعرفت أنه فهم ما أشرت به إليه".
خاتمة:
في ختام بحثه المعنون (الفلسفة والإلهيات) والذي شارك به في تاليف كتاب (تراث الإسلام) يرى المستشرق والقس البريطاني ألفريد جيوم (١٨٨٨١٩٦٦) ان الأوروبيين لم يخرجوا الي النور حتى الآن كل ما كتبه اسلافهم عن الأثر الخالد الذي احدثته الحضارة العربية الإسلامية في النهضة الأوربية، وذلك في سياق حديثه:
"لقد استطاع اهل العلم ممن اوتوا الجرأة في مباحثهم مثل ابن حزم القرطبي ان يعكف على تاليف اول كتاب شامل لتاريخ الديانة في أوربا، وان ينجز اول دراسة نقدية منظمة عالية تتناول العهدين: القديم والجديد، حتى جاء أمثال ابن عربي وأخرجوا للناس النماذج المدهشة الأولى للكوميديا الإلهية. وقد قضى جهل اسلافنا، من اهل الغرب، بلغة العرب الا يتذوفوا الا القليل من هذه الحياة الخصبة المتنوعة..، وسوف نرى عندما تخرج الي النور الكنوز المودعة في دور الكتب الأوربية ان تأثير العرب الخالد في حضارة العصور الوسطى كان أجل شانا وأكبر خطرا مما عرفناه حتى الآن".
* المصادر والمراجع:
١ اسين بيلاثيوس، أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية، ترجمة جلال مظهر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، طبعة ٢٠١٥
٢ دانتي، الحياة الجديدة، ترجمة: محمد بن صالح، دار كلمة، الطبعة الأولى 2009،
٣ دانتي، الكوميديا الإلهية، ترجمة حنا عبود، دار ورد، سوريا، ط الأولى، 2002
٤ ابن عربي، ديوان ترجمان الأشواق، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة،
٥ ابن عربي، ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، المطبعة الأنسية ، 1213 هــ.
٦ اسين بلاثيوس، ابن عربي: حياته ومذهبه، ترجمه عن الإسيانبة عبد الرحمن بدوي، دار الفكر، بيروت.
٧ أبو حامد الغزالي، مشكاة الأنوار، تحقيق عبد العزيز عز الدين السيروان، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٨
٨ ألفريد جيوم، الفلسفة والإلهيات، بحث بكتاب: تراث الإسلام، ترجمة لجنة الجامعيين، القاهرة، طبعة ١٩٨٣
٩ عبد المنعم الفَيا، الأثر العربي في نشاة الشعر الأوربي الحديث، دار المصورات، ٢٠٢٤
Dante, la vita nouva "the new life" translated into English by A. S. Kline, 2001
Dante, Convivio "the Banquet", translated into English by A. S. Kline, 200
#عبد_المنعم_عجب_الفَيا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟