أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة إنتاج الهيمنة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثالثة















المزيد.....

الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة إنتاج الهيمنة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثالثة


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 00:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة الثالثة

نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة

حلقات نقدية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي

مقدمة من الرفيق د. علي طبله

2026 آيار 21

هذه السلسلة ليست خروجًا على الحزب، ولا هجومًا عليه، ولا محاولة لتصفية حساب مع تاريخه أو رفاقه. إنها مساهمة نقدية رفاقية تنطلق من الوفاء للحزب، ومن الحرص على معناه التاريخي، ومن القلق على مستقبله، ومن الإيمان بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يستحق المجاملة الصامتة، بل النقد الجاد الذي يساعده على أن يعود حزبًا للكادحين والاشتراكية والحياة.

تُنشر هذه الحلقات تباعًا بوصفها أجزاء من وثيقة موسعة تحمل عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وكل حلقة تعالج محورًا محددًا من محاور الأزمة وإمكانات النهوض: الحزب، الدولة، الطبقة، الدين، الطائفية، العشيرة، النساء، الشباب، كردستان، البرنامج، النظام الداخلي، الذاكرة الرفاقية، الأممية، ووحدة الحركة الشيوعية واليسارية.

الغاية ليست الادعاء بامتلاك الحقيقة النهائية، بل فتح نقاش مسؤول. فالحزب الذي لا يخاف من النقد لا يموت. والحزب الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه يظل قادرًا على النهوض.



الحلقة الثالثة

د. علي طبله

2026 آيار 21

الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة إنتاج الهيمنة

«ليست الدولة قوة مفروضة على المجتمع من خارجه، بل هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ إنها اعتراف بأن هذا المجتمع قد تورط في تناقض لا حل له مع نفسه».
فريدريك إنجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، 1884.

«الإمبريالية ليست سياسة عارضة، بل هي مرحلة من تطور الرأسمالية، حيث يصبح تصدير رأس المال وتقاسم العالم بين الاحتكارات والدول الكبرى أساسًا للهيمنة».
لينين، الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، 1916.

هذه الحلقة هي الثالثة من سلسلة حلقات نقدية رفاقية تُنشر تباعًا تحت عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وهي تحاول أن تضع سؤال الحزب داخل شرطه التاريخي الراهن: عراق ما بعد الاحتلال، حيث لم تعد الأزمة مجرد أزمة حكومة فاسدة أو طبقة سياسية رديئة أو إدارة ضعيفة، بل أزمة دولة أُعيد تشكيلها على قاعدة الريع، والطائفية، والتبعية، وتفكيك المجتمع إلى مكونات متنافسة على الحصص والموارد.

لم يكن ما جرى في العراق عام 2003 مجرد تغيير نظام سياسي أو إسقاط سلطة استبدادية واستبدالها بأخرى. لقد كان تحوّلًا بنيويًا عميقًا أعاد تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد والهوية السياسية على أسس جديدة. ولهذا فإن فهم العراق المعاصر لا يمكن أن يبدأ من الحكومات المتعاقبة وحدها، ولا من الأشخاص، ولا من الفساد بوصفه انحرافًا إداريًا فقط، بل من طبيعة النظام الذي تأسس بعد الاحتلال الأمريكي، ومن الوظيفة التي أُعيد بناء الدولة العراقية لكي تؤديها داخل البنية الإقليمية والعالمية الجديدة.

لقد دخل الاحتلال الأمريكي العراق وهو يحمل مشروعًا مزدوجًا: تحطيم الدولة القديمة، ومنع ولادة دولة وطنية مستقلة جديدة. لم يكن الهدف مجرد إسقاط حزب البعث أو معاقبة النظام السابق، بل إعادة هندسة العراق سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بطريقة تجعله دولة ضعيفة، تابعة، منقسمة، وعاجزة عن التحول إلى مركز سيادي مستقل في المنطقة. ومن هنا جاءت قرارات بول بريمر الأولى: حل الجيش، تفكيك مؤسسات الدولة، فتح الاقتصاد بالكامل، إعادة صياغة النظام السياسي على أساس المكونات، وتحويل الدولة من دولة مركزية سلطوية إلى دولة محاصصة ريعية طائفية.

إن الطائفية التي انفجرت بعد 2003 لم تكن ببساطة تعبيرًا عن “كراهية تاريخية” بين العراقيين، كما حاولت السرديات الاستشراقية والطائفية أن تروّج. لقد كانت جزءًا من إعادة تشكيل السلطة. جرى تحويل الانتماءات الدينية والقومية إلى أسس رسمية لتوزيع الدولة والثروة والمناصب والتمثيل السياسي. وبدل أن يُنظر إلى العراقيين بوصفهم مواطنين متساوين داخل دولة واحدة، جرى تعريفهم بوصفهم “مكونات” تحتاج إلى حصص وتوازنات وضمانات متبادلة. وهكذا تحولت الدولة نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي.

إن أخطر ما فعله الاحتلال لم يكن فقط تدمير البنية المؤسسية، بل تحويل الطائفية إلى نظام حكم. فالمحاصصة لم تكن انحرافًا مؤقتًا يمكن إصلاحه ببعض التعديلات القانونية أو الأخلاقية، بل أصبحت آلية كاملة لإدارة الاقتصاد والسياسة والإدارة والتمثيل. الوزارة تُدار بوصفها حصة، والمؤسسة بوصفها موردًا، والوظيفة بوصفها غنيمة، والدولة كلها بوصفها فضاءً لتقاسم الريع بين القوى المسيطرة.

وفي الوقت نفسه، أُعيد تشكيل الاقتصاد العراقي على أساس ريعي أكثر هشاشة وتبعية من السابق. فبدل بناء اقتصاد منتج بعد عقود الحروب والحصار، جرى تعميق الاعتماد شبه الكامل على النفط، مع تدمير الصناعة والزراعة، وفتح السوق بلا حماية، وربط العراق بشبكات استيراد هائلة تستفيد منها طبقات طفيلية داخلية مرتبطة بالخارج. وهكذا لم تعد الدولة تعتمد على الإنتاج الاجتماعي الداخلي، بل على تدفق الريع النفطي الذي يُعاد توزيعه عبر شبكات حزبية وطائفية ومالية.

إن الدولة الريعية ليست فقط دولة تعتمد على النفط، بل دولة تتغير فيها العلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين تصبح الدولة موزعًا للريع بدل أن تكون منظمًا للإنتاج، تتغير السياسة نفسها. يتحول المواطن إلى طالب وظيفة أو حصة أو حماية، ويتحول الحزب إلى وسيط، وتتحول الانتخابات إلى صراع على الوصول إلى موارد الدولة، لا إلى صراع بين برامج اجتماعية واقتصادية حقيقية. وهكذا تُنتج الريعية نوعًا من الوعي السياسي القائم على الانتظار والوساطة والزبائنية بدل التنظيم والإنتاج والصراع الطبقي.

وفي العراق، تداخلت الريعية مع الطائفية بصورة كثيفة. فالطائفة لم تعد فقط هوية ثقافية أو دينية، بل أصبحت قناة للوصول إلى الموارد والوظائف والحماية والتمثيل. ومن هنا اكتسبت الأحزاب الطائفية قوتها الفعلية، لا لأنها أقنعت الناس نظريًا فقط، بل لأنها ارتبطت بشبكات معيشية كاملة داخل مجتمع محطم اقتصاديًا وخائف اجتماعيًا.

كما أن الدولة الجديدة لم تكن مستقلة فعليًا في قرارها الاقتصادي والسياسي. فالعراق بعد 2003 دخل في شبكة معقدة من التبعية الخارجية: الولايات المتحدة، إيران، تركيا، الخليج، المؤسسات المالية الدولية، الشركات النفطية الكبرى، والسفارات والأجهزة الأمنية. ولهذا فإن الدولة العراقية بدت في كثير من الأحيان كأنها فضاء لتقاطع النفوذ الخارجي أكثر منها دولة ذات مشروع وطني متماسك.

لكن اختزال كل شيء بالمؤامرة الخارجية وحدها يبقى قاصرًا أيضًا. فالنظام الجديد لم يكن ليستمر لولا وجود قوى محلية مستفيدة منه. لقد تشكلت أوليغارشية جديدة من رجال السياسة والمال والسلاح والدين والإدارة، راكمت ثروات ونفوذًا هائلين من داخل الدولة الريعية الطائفية نفسها. وهذه الطبقة الجديدة لا تمتلك مشروعًا إنتاجيًا أو وطنيًا، بل تعتمد على استمرار الضعف البنيوي للدولة وعلى استمرار تدفق الريع والفساد والمحاصصة.

ومن هنا، فإن أزمة العراق ليست فقط أزمة فساد، ولا فقط أزمة طائفية، ولا فقط أزمة احتلال وتدخل خارجي، بل أزمة بنية كاملة أُعيد تأسيسها بعد 2003. ولهذا فإن أي حديث عن الإصلاح من داخل هذه البنية يواجه حدودًا عميقة، لأن المشكلة ليست في سوء إدارة نظام سليم، بل في طبيعة النظام نفسه.

إن اليسار العراقي، إذا أراد أن يستعيد وظيفته التاريخية، لا يستطيع أن يتعامل مع هذا الواقع بلغة أخلاقية عامة فقط. لا يكفي الحديث عن النزاهة أو الدولة المدنية أو مكافحة الفساد بمعزل عن تحليل طبيعة الدولة الريعية الطائفية التابعة. المطلوب هو إعادة بناء تحليل طبقي ملموس للعراق المعاصر، يربط بين الاحتلال، والريع، والطائفية، والتبعية، والبطالة، والعمل الهش، والفساد، وانهيار الخدمات، بوصفها أجزاء من بنية واحدة لا ظواهر منفصلة.

ولهذا فإن معركة التغيير في العراق ليست معركة ضد حكومة محددة فقط، بل ضد نمط كامل من إعادة إنتاج السلطة والثروة والوعي. وهي معركة لا يمكن أن تُخاض بالحنين إلى الدولة القديمة، ولا بالذوبان داخل النظام الجديد، بل ببناء مشروع وطني–اجتماعي–طبقي جديد، يعيد ربط فكرة التحرر الوطني بفكرة العدالة الاجتماعية والإنتاج والسيادة الشعبية.

إن العراق بعد الاحتلال ليس عراقًا “فشل” بصورة طبيعية، بل عراق جرى تفكيكه وإعادة تشكيله ضمن شروط إمبريالية وإقليمية ومحلية محددة. وفهم هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لأي مشروع يريد أن يتجاوز مجرد الاحتجاج على النتائج إلى فهم الجذور العميقة للأزمة.

يتبع في الحلقة الرابعة:
الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة الهوية.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ...
- إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف ...


المزيد.....




- وسط غارات مكثفة.. الجيش الإسرائيلي يصنّف أجزاء واسعة من جنوب ...
- اتهامات لعراقجي بالخيانة وتهديدات بإسقاط الحكومة.. كيف يحاول ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يمهل طهران -فرصة وجيزة- وتصعيد إسرائي ...
- سوريا تفرج عن دفعة جديدة من موقوفي -قسد-
- الناتو أمام اختبار البقاء.. هل يتفكك الحلف الأطلسي من الداخل ...
- وثيقة -مفبركة- وتهديد بـ-إنهاء المهمة-.. ماذا نعرف عن مفاوضا ...
- ترامب غير راضٍ عن مقترحات إيران رغم تراجع خطر الحرب
- إسرائيل توسع عملياتها في لبنان وتعلن الجنوب -منطقة قتال-
- زيلينسكي يطلب من ترامب تعزيز دفاعات أوكرانيا الجوية
- فيديو مزعوم لـ-نشر حاملة مروحيات مصرية قبالة سواحل سلطنة عُم ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة إنتاج الهيمنة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثالثة