فوز حمزة
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 21:01
المحور:
الادب والفن
ومرة أخرى مع رواية (رياح خائنة)
(ليست هناك صدفة في هذه الحياة، فالصدفة تحدث لتخبرنا أن ثمة حدثًا كان يجب أن يقع، ولو بالصدفة).
— فوز حمزة
(لا شيء في هذه الحياة يحدث صدفة، كل شيء مُعَدّ مسبقًا، وما علينا سوى المرور بجانبه ليحدث لنا).
— فوز حمزة
ما رأيكم بهاتين العبارتين اللتين طرحتهما الكاتبة فوز حمزة في روايتها رياح خائنة، لتتناول عبرهما سؤالًا حيّر البشر منذ بدء الخليقة:
هل ما يحدث لنا مرسوم بفعل القدر وسيقع رغمًا عنا، أم أننا نحن من نختار الطرق التي نسلكها؟!
الإجابة يعرفها كل مراقب جيد للحياة، وقد أكدتها دراسات علم النفس طويلًا؛ وهي أقرب إلى عبارة فوز الثانية.
نعم، هناك أقدار تقع خارج إرادتنا، لكنها لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من الحكاية، أما حصة الأسد فهي ردود أفعالنا تجاه تلك الأقدار.
لا شيء يحدث عبثًا.
فالقدر يأتي، ثم يترك لك حرية اختيار ما ستفعله بعد وقوعه، أما الجزء الأكبر من خارطة حياتك فأنت من يرسمه.
الكون يضع أمامك يوميًا عشرات الفرص والاحتمالات، لكنك لا ترى إلا ما ينسجم مع تركيزك الداخلي. فالدماغ يعمل وفق نظام الانتباه الانتقائي Selective Attention؛ يفلتر المعلومات، ويُبقي في وعيك ما تبحث عنه، بينما يلغي ما يعتبره غير مهم، وكأنه غير موجود أصلًا.
إذن نعم:
(كل شيء مُعَدّ مسبقًا، وما علينا سوى المرور بجانبه ليحدث لنا).
لماذا جمعت “الصدفة” في ذلك المطعم الزوجين الأمريكيين الثريين بـ(عائدة) العراقية وابنها ياسين، وبحضور المحامي وائل؟
لأنها ليست صدفة، بل فرصة وخيار.
فرصة للزوجة الأمريكية الثرية التي لم يكن ينقصها سوى طفل تضعه في ذلك الركن الجميل من منزلها، الركن الذي أسمته: (ركن أناليز العجيب)، حيث جمعت تذكارات من البلدان التي زارتها، وزينته بالألوان.
هذا الركن — برأيي — لم يُذكر اعتباطًا؛ بل يرمز إلى ركن الأحلام المحققة، وإلى فلسفة تلك المرأة التي تؤمن بأن السعادة هي الغاية الوحيدة للحياة، لا يهم كيف تتحقق، المهم أن تتحقق.
ورغم طفولتها المؤلمة، فإن إيمانها بحقها في السعادة جعلها تلتقط الفرص التي يطرحها الكون أمامها.
لكن لقاء المطعم كان أيضًا فرصة لعائدة، أم الطفل، لتختار كيف ستتصرف بعد القدر.
وأي قدر؟
ستكتشفون ذلك حين تربطون البناء النفسي لهذه المرأة بنشأتها، وبشعورها العميق بانعدام القيمة الذاتية.
فعائدة، في نظر نفسها، لا تساوي شيئًا، وما منحها بعض القيمة هو أن تصبح زوجة وأمًا. لكن شعورها الدفين بالنقص ظل يحفر أخاديده داخلها، حتى ظنت أن المال وحده قادر على ملء هذا الفراغ.
وأي معالج نفسي يعلم أن علاج مثل هذه الحالات لا يكون بالمال أو السلطة أو العلاقات، بل بإعادة بناء القيمة الذاتية من الداخل.
لهذا، ورغم أن عائدة “شربت ماء البحر كله”، فإن ملوحته لم تزِدها إلا عطشًا، وأضافت إلى صراعها الداخلي القديم صراعًا جديدًا مع الذنب والفشل.
وهنا يقف القارئ أمام السؤال الصادم:
كيف تتمكن أم من بيع ابنها الوحيد مقابل حفنة من الدولارات ليتبناه زوجان أمريكيان ويغادرا به إلى قارة أخرى؟!
وما التركيبة النفسية للأب الذي شاركها اقتلاع طفله من دفء بيته وعائلته وألعابه، دون أن يسأله أحد عن رأيه، لا والداه ولا الثريان اللذان اشترياه؟
لقد شُحن الطفل كبضاعة صامتة، أو كفسيلة اقتُلعت من تربتها لتُزرع قسرًا في أرض أخرى.
الأم الأمريكية “الأنيقة المهذبة” لم ترعِ طفلًا بقدر ما رعت حلمًا.
حلمًا زيّنته بالألماس والياقوت ووضعته في ركنها الجميل.
لذلك لم تنتبه إلى علامات الألم والانكسار التي كانت تصرخ داخل الطفل. لم تنتبه لملابسه الملطخة بالدماء بعد اغتصابه، ولا إلى التحولات النفسية والجسدية التي تلت ذلك.
أي أم حقيقية كانت ستلتقط تلك العلامات فورًا.
لم أقصد هنا سرد أحداث الرواية، فالقراءة تجربة فردية خالصة، لكن التركيب النفسي المعقد للشخصيات يدفعني لوضع بعض المفاتيح النفسية أمامكم.
وسيتساءل بعضكم باستغراب:
كيف صمت ياسين ـ آدم عن حادثة الاغت*صاب؟
كيف استمر في الخضوع لمغت*صبه حتى انحرفت فطرته، وصار متعلقًا به حتى بعد أن كبر وامتلك السلطة والمال؟!، أمر غير منطقي إطلاقا.
والجواب، ببساطة يأتيكم من داخل عيادة العلاج النفسي للمصابين باضطراب الإنحرافات الجن*سية:_
بلى ،بل هو منطقي جدا نفسيًا.
فالضحية بعد التعرض للاعتداء الجن*سي تعيش مشاعر متناقضة:
رفضًا وظلمًا، يمتزجان بالذنب والخزي وجلد الذات.
الضحية يتملكها شعور بأنها مذنبة ومشاركة في الفعل المشين ،لذا تصمت ولاتخبر به أحدا.
وهنا يكمن الفرق الهائل بين الذنب والخزي:
الذنب يقول لك: (لقد ارتكبت خطأ).
أما الخزي فيقول: (أنت الخطأ نفسه).
ومع التهديد والابتزاز والخوف من الفضيحة، تبدأ الضحية بالرضوخ، ثم بالتماهي مع الجلاد، لتتشكل ما يسمى بـ”الهوية الصدمية”، وهي هوية مزيفة تُدفن تحتها الهوية الحقيقية.
وهنا يحدث الانقسام الداخلي للشخصية.
وقد صورت الكاتبة هذا الانقسام بدقة في مشهد آدم مع خطيبته الأمريكية؛ إذ تستجيب رغباته الجسدية طبيعيًا، لكنه يختنق فجأة وينسحب مرتبكًا، ليقول لها:
“أنا آسف… ظننت أن الأمر سينجح، لكنه لا ينجح معك، ولا مع أي فتاة قبلك.”
فتجيبه بهدوء:
“افعل أي شيء يجعلك سعيدًا.”
ثم ترحل ببساطة.
وهنا تصور الكاتبة ذروة الانقسام النفسي الداخلي؛ فبعد أكثر من ثلاثين عامًا على حادثة اغت*صابه، يهرع آدم مباشرة إلى أمه الأمريكية ليخبرها بكل شيء، معترفًا بأنه لم يعد يعرف معنى اللذة إلا مع مغت*صبه فرانك، وأنه يشعر بالغثيان والاختناق أثناء العلاقة مع أي امرأة.
كانت تلك صرخة الهوية الحقيقية المدفونة داخله، صرخة لاواعية تطلب الخلاص، لكن الأم التي تبنته — أو اشترته — لم ترَ سوى فلسفتها الخاصة في الحياة، فأجابته ببرود:
“لقد فات الأوان يا آدم… كن سعيدًا فحسب.”
وفي هذه الجملة تحديدًا تلخص الكاتبة طريقة تفكير “أناليز”؛ حيث تصبح السعادة هي الغاية الوحيدة، بغض النظر عن الوسيلة، حتى لو خالفت الفطرة نفسها.
وربما لهذا نشاهد بعض المصابين بالانحرافات الجن*سية وهم يعيشون ذلك الانقسام النفسي علنًا؛ بين التلذذ بالسلوك، وكراهية الذات، والانهيارات والبكاء وجلد النفس.
الرواية مليئة بشخصيات تنزف من الداخل، تعاني جراحًا دفينة ومعتقدات عميقة بانعدام القيمة وضعف الأنا الأعلى.
كل شخصية رُسمت بحيث تراها أمامك: تسمع صوتها، تشم رائحتها، تحبها أو تنفر منها.
لكن عليك أن تربط بين صدمات الطفولة والمراهقة وبين السلوكيات المضطربة لاحقًا.
أما المحامي وائل، ذلك النموذج الانتهازي عديم الضمير، وفرانك الذي مارس انتهاكه للآخرين ليغطي شعوره الداخلي بالرفض والنقص، فسأترك لكم مهمة تشريحهما نفسيًا.
تقنيًا، نجحت الكاتبة في كسر رتابة السرد عبر التنقل بين الحاضر والفلاش باك، وهي تقنية أحب استخدامها شخصيًا في كتاباتي لما تمنحه من تشويق وفضول.
كما يمكن قراءة الرواية على مستويين:
مستوى مباشر، بوصفها حكاية إنسانية مؤلمة.
ومستوى رمزي أعمق، يشير إلى سياسات دول عظمى تعيد تشكيل مصائر شعوب أضعف منها، بمساعدة من يبيعون أوطانهم ومبادئهم مقابل المال والنفوذ.
ويتجلى هذا بوضوح في عبارة الثري الأمريكي:
(ما سيحدث لياسين في المستقبل من اختيارنا، فنحن من سيصنع تاريخه الجديد.)
ثم قوله:
(نعم، أنت الأب البيولوجي، لكن المستقبل سيُكتب هناك… بحبر أبيه الجديد الذي هو أنا.)
أما مشهد اغت*صاب الطفل ياسين ـ آدم في الصفحات الأخيرة، فقد كُتب بواقعية موجعة؛ وصفٌ للألم والخذلان والصدمة يجعل القارئ يطبق جفنيه كي لا تفيض عيناه.
صرخات الطفل، بكاؤه، شعوره بالقذارة والانكسار، وهو ملوث بمني صديقه المغت*صب، نازفا جريحا، فاقدا احترامه لذاته،مشمئزا منها ، مشهد يقشعر له البدن.
ويبقى كل ما كتبته هنا مجرد رأيي الشخصي وقراءتي الخاصة للرواية.
رأيي أولًا كقارئة استمتعت وتأثرت بما قرأت،
وثانيًا ككاتبة رأت أمامها رواية توافرت فيها عناصر السرد الروائي من تشويق وبناء نفسي متقن وربط ذكي بين الجراح النفسية والسلوك المضطرب بوصفه نتيجة لها.
وكعادتي مع أي رواية عراقية أجدها تستحق الاحتفاء، لن أعيدها إلى رفوف المكتبة قبل أن أقول كلمتي فيها.
أعتذر عن طول المقال لكن الرواية ثرية وهذا أقصى مايمكنني اختصاره في الكتابة عنها.
#تهاني_محمد
#رياح_خائنة
#فوز_حمزة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟