فوز حمزة
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 18:18
المحور:
الادب والفن
ما إن رآني حتى فرد جناحيه الأسودين وطار بعيدًا، تاركًا في الهواء رجفة خفيفة. تبعته بعيني حتى اختفى بين أغصان شجرة برقوق أحمر، وكانت السماء فوقه رمادية تبدو وكأنها خارجة للتو من ذاكرة قديمة.
شعرت بالتفائل كما تعلمت من الناس هنا لأنهم ينظرون إليه بوصفه طائرًا ذكيًا، حرًّا، يعرف كيف ينجو من العواصف، بينما كانت أمي، في الجهة الأخرى من العالم، تتعوذ كلما سمعت صوت الغراب أو رأته يحط بالقرب من نافذتنا.
كان وجهها يتبدل فورًا، وتغدو نظراتها معلقة عند الباب، كأن المصائب تحتاج فقط إلى جناحين أسودين كي تجد طريقها إلينا.
كبرتْ وأدركت أن أمي لم تكن تخاف الغراب بقدر ما كانت تخاف الحياة نفسها؛ تلك الحياة التي علمتها مبكرًا أن الأخبار السيئة تصل دائمًا دون موعد، وأن الفقد قد يتسلل إلى البيوت في هيئة صوت، أو حلم، أو طائر أسود يقف فوق الأسوار.
لم يكن الغراب سوى مرآة.
كلُّ إنسان يرى فيه صورته الداخلية؛ يراه المتعب نذيرًا، ويراه الناجي علامة نجاة، أما الذين تصالحوا مع الحياة، فيرونه مجرد طائر يعبر السماء دون نوايا.
نحن لا نخاف الأشياء لذاتها، بل نخاف المعاني التي علقها الحزن عليها داخلنا.
لهذا، حين اختفى الغراب بين الأغصان، شعرت بشيء يشبه المصالحة؛ لأنني لم أرث خوف أمي كاملًا، ولم أعد مضطرة لأن أرتعب من كل ما هو أسود، أو غامض، أو مجهول.
بعض الرحلات الطويلة لا تغير المدن التي نسكنها فقط، بل تغير حتى الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة.
#فوز_حمزة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟