أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - نور في العتمة














المزيد.....

نور في العتمة


فوز حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 8483 - 2025 / 10 / 2 - 12:06
المحور: الادب والفن
    


في مساء خريفي هادئ، وأنا جالسة أقرأ في كتابٍ على أريكتي المفضّلة، تلقّيتُ رسالة على هاتفي من ابنتي " ثريا ":
" ماما، سأصطحبكِ غدًا على العشاء إلى مطعم خاص جدًا، لا تسألي، هناك مفاجأة!
جهّزي نفسكِ عند السابعة".
ابتسمتُ، لطالما أدهشتني وأدخلتْ السعادةَ لقلبي.
وعلى غير عادتها، لم تهتمّ ابنتي كثيرًا بملابسها ولم تضع مكياجًا كما كانت تفعل حينما تذهب لمناسبة ما، وحينما أبدَيتُ استغرابي، قالت:
- سنذهبُ لمكانٍ لنْ أحتاجَ فيه سوى إلى رشةٍ من عطري المسائي.
لم أعلق على كلمة "مسائي" فلستُ في مزاجٍ للدخولِ في حواراتٍ لن أفهمَ منها شيئًا.
وأنا بانتظارِ أن تركنَ سيارتها، التفتُ نحو مبنى بسيط ذو واجهة زجاجية مظللة لا تحمل اسمًا واضحًا، فقط كلمة واحدة على لوحة خشبية " ظلام".
- هل سنتعشى في مطعم يدعى "ظلام" ؟!
ضحكتْ وقالت:
- ثقي بي، فقط تعالي.
ثم مسكتْ بيدي بحنانٍ، ومشينا نحو المدخل الذي يقفُ على جانبيهِ شابُّ وشابة، وما إن اقتربنا حتى ابتسما مع انحناءة بسيطة من الرأس ليفتحا الباب لنا، بعد أن طلبا منا غلق هواتفنا.
في هذه اللحظة، لولا أنها ابنتي، لظننتُ أنني أدخل في حبكة درامية غامضة!
وما إن خطونا داخل المطعم حتى غمرنا ظلامٌ تام.
لا أضواء، لا شموع، ولا حتى خيط نور من الخارج.
همستُ بقلقٍ:
- لا أرى أي شيء!
جاء صوتٌ ناعمٌ من الظلام:
- مرحبًا، أنا النادل آدم.
ثم طلب من ابنتي أن تمسك بكتفه ليقودنا إلى الطاولة.
شعرتُ بارتباكٍ؛ لأوّل مرة لا أجد حاجة كي ألتفتَ نحو الصوت. وضعتُ كفّي على كتفِ ابنتي، وكان قلبي يدق بإيقاعٍ غريب وكأنه يشعر أن شيئًا غير عادي ينتظرني.
حين وصلنا إلى الطاولة، دعانا آدم بلطفٍ للجلوس.
شيئ غريب من وسط العتمة بدأ يحدث - صوت الملاعق، رائحة الطعام، خطوات خفيفة، همسات متقطعة...
سألتُ ابنتي بشكٍ:
- ما الذي يحدث؟ إن كان هذا مقلبًا...
قاطعتني، وقد شعرتُ بأنفاسها تقترب مني:
- هذا المطعم يديره أشخاص من فاقدي البصر. الفكرة أن نعيش تجربتهم، لنرى العالم مثلما هم يروه، أي بحواسنا الأخرى.
لم أرُدّ، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، لم أكن أعرف أنني سآكل في عتمة كهذه.
فجأة، أدركتُ كم كنتُ أعتمدُ على عينيّ أكثر من باقي الحواس.
حين جاء الطعام، لم أستطع أن أرى ما آكله، لكني تذوّقته... بعمقٍ، وشعرتُ بكلِ نكهة كأنها تخاطبُ روحي.
الأصواتُ صارتْ أوضح، التنفّس صار أهدأ، والحضور صار حقيقيًا.
ثم، وفي لحظةِ سكون عابرة، سمعتُ صوتًا دافئًا، ومألوفًا كأغنية قديمة:
- معقول؟! أمينة؟!
تجمّدتُ.
- هذا صوتُ... سامي؟!
- ردّ الصوتُ من الطرف الآخر فيه بحة شوق:
- ما كنتُ متأكدًا... بعد كل هذه السنين نلتقي!
كان هذا سامي، زميلي في الجامعة، الرجل الذي سكن قلبي بصمتٍ وترك فيه فراغًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
الرجل الذي لم يودعني حين اختفى فجأة، ولم ألتقِ به بعدها قط.
تسللتْ رائحة غريبة إلى داخلي لأن الظلام أعفاني من ارتباك نظرات اللقاء الأول بعد كل تلك السنين.
شعرتُ بشيءٍ من الراحة لأنني لم أكن مضطرة لإخفاء مشاعري المضطربة لحظتها.
ضحكتْ ابنتي بدهشة وسألت:
- "هل تعرفان بعضكما؟"
قلتُ بسرعة محاولة إخفاء ما اعتراني من مشاعر:
- "كنّا زملاء في الجامعة و..."
لكن سامي قاطعني بلطفٍ يعرف طريقه إلى القلب:
- أنا أحد الشركاء المؤسسين لهذا المطعم.
- قالت ثريا باستغراب:
- لكن، حسب ما أخبرتني صديقتي، فإن كل من يعمل في هذا المطعم، من المالكين إلى العاملين، والطباخين هم من فاقدي البصر!
بدأتُ أسمعُ دقات قلبي بوضوحٍ، و فجأة قال سامي:
- وأنا منهم، لقد فقدتُ بصري قبل ثلاثين سنة، إثر حادث سيارة، لكن الحياة منحتني فرصة ثانية حين جمعتني بأشخاص يشبهونني، وفكّرنا: ما دمنا نملك أربع حواس أخرى، هل حقًا فقدنا كل شيء؟
صمتنا نحن الثلاثة، لكن بداخلي عاصفة من الذكريات والمشاعر.
في هذا الظلام، وجدتُ وجهه من جديد، لا في صالة أنيقة ولا عند غروب رومانسي، بل في عتمة، جعلتني أراه بقلبٍ لم ينسَ يومًا كيف كان يحبّه.
أحيانًا نحتاج نُطفئ النور، لنرى بقلوبنا حيث لا تخوننا المظاهر ولا تُربكنا العيون، بل تتحدث الأرواح فقط.



#فوز_حمزة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بالحبر الأحمر
- قرينتي السيدة ( لماذا )
- الطريق الثالث
- نفسي الأمارة
- بين نسق الخيانة وهبوب الذات الأنثوية .. قراءة في رواية ( ريا ...
- واقعية المكان في رواية ( رياح خائنة ) للكاتبة فوز حمزة .. مص ...
- غباء اصطناعي
- غمزة سعاد
- من قلة الخيل
- مُلهم من ورق
- جيران آخر زمن
- ( في العمق ) محاورة بين الكاتبة فوز حمزة والناقد أحمد مبارك ...
- رسالة إلى رجل لا أعرفه
- زوجي الخامس
- على ساحل فارنا
- سياحة ذهنية في عرض النص .. دراسة نقدية لرواية ( رياح خائنة ) ...
- انطولوجيا الجسد في مجموعة أمي وذلك العشيق أشواق النعيمي
- هل تصدقين ؟
- قراءة في المجموعة القصصية ( أمّي .. وذلك العشيق ) للقاصّة فو ...
- ثغرها والحياة


المزيد.....




- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية
- تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض ...
- تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا ...
- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - نور في العتمة