أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - قراءة في نص (تأريض) : الأستاذ الدكتور علاء العبادي














المزيد.....

قراءة في نص (تأريض) : الأستاذ الدكتور علاء العبادي


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 08:22
المحور: الادب والفن
    


تفكيك وإحياء الأزهار اليبيسة
قراءة في نص(تأريض) للشاعر مقداد مسعود
أ.د علاء العبادي
أن كتابات الشاعر مقداد مسعود أدخلتني في عالم شعري غريب
وساحر، لكنه كاشفٌ عن جوهرٍ نادرٍ، فالشاعر يزيل طبقات الوعي
الظاهر بمبضع جرّاح ويدخلني إلى الباطن الطاهر البريء والمكتوم عنوة ً.
يبدأ الشاعر مقداد مسعود نصه(تأريض) بسؤال حاد ومباشر
(أراك تطيل التحديق بين قدميك. مَن أوهمك: سماءٌ بين قدميك)
هذا السؤال ليس استفهاماً عابراً، بل هو تفكيك للمركزية البشرية التي تظن أنها تحمل السماء في كفيها، أو أنها تجد السماء تحت قدميها.
العنوان نفسهُ (تأريض) يحمل دلالة فيزيائية وكهربائية فالتأريض وسيلة حماية من الصعق، لكنه هنا يأتي بمعنى فلسفي أعمق:
تثبيت الذات في واقعها المكسور، وجعلها تتصل لا بالسماء الزائفة،
مما يشي بنزعة نقدية للخطاب المثالي أو المتعالي.
يتكون النص من مقطعين: بينهما علامة (*) بسيطة، لكن الوحدة العضوية بينهما قوية جداً. اللغة في هذا النص تميل إلى التكثيف الشعري مع تراكيب غير مألوفة مثل ( قائمة الآبار البكماء) و(الأشجار الخامدة... لم تتعلم من النجوم الميتة) هناك عدوان لغوي واضح على المألوف، وهدم للأنساق الجمالية التقليدية،
وكأن الشاعر يحاول أن يخلق لغة ً جديدة ً تتناسب مع رؤيته
الناقدة للواقع. في المستوى المضاميني، يقوم النص بعملية تفكيك واسعة للأوهام الجماعية والفردية. فجملة (مَن أوهمك : سماءٌ بين قدميك) تهدم فكرة أن الإنسان يمكن أن يكون مركزاً للوجود. ثم يتواصل التفكيك ليشمل أوهام الأمومة:( أنت لست من الأمهات، ولا قبسٌ منهن لديك)، فالنص يسحب من المخاطب أي شرعية أنثوية أو أمومية. كما يفضح وهم النار المقدسة (نارُك لينة ٌ أتلفتها مداخنهم) وأخير يفضح الصوت الفردي: (صوتُك أحاله النسّابة إلى قائمة الآبار البكماء) وفي نقد لا ذع للتبجح الوعظي يقول (المواعظ لم تعد راسخة، فالهواء مازال مشوهاً) فالموعظة بلا تغيير بنييوي لا قيمة لها على الإطلاق. يصل النقد إلى ذروته في
جملة عميقة(أنت لا تملك مثنوية الطين في الطراوة واليبوسة).
هذه إشارة إلى أن البطل(الرجل غالبا) قد فقد خاصية الأنوثة المرتبطة بالطين الحي الذي يجمع بين الطراوة واليبوسة، وتحوّل
إلى جمود ذكوري جاف لا يعرف كيف يكون مرناً. إنه نقد للذكورة
الناشفة التي فقدت قدرتها على الحياة والتجدد. لكن المفاجأة الكبرى تأتي في نهاية المقطع وبداية المقطع الثاني، حيث يقدم الشاعر حلا شعريا بديعاً( الأزهار اليبيسة أنت تمر بها كل يوم، أقطفها: حتى لا ينقطع نسلها. بالسبّابة والإبهام، أفركها وراكمها في علبة بخور فارغة، سوف تعود سيرتها الأولى في حديقة البيت) هذه استعارة
تحويلية مدهشة : اليابس ليس نهاية، بل بداية لنسل جديد إذا عرفنا
كيف نتعامل معه. اليابس يحتاج إلى عناية، إلى فرك باليدين، إلى تجميع في علبة فارغة، ثم يعود إلى الحياة. إنها كتابة ضد الموت، وإحياء للأشياء الميتة ثقافياً وفنياً وإنسانياً.
في المقطع الثاني، بعد هذا التفكيك العنيف، يأتي بناء غامض ورائع قائم على الطقوس الصغرى والتفاصيل اليومية. يبدأ بوصية
سلبية (لا تضرب شرشفا بالمكواة) أي لا تزيف الحياة ولا تحاول تنميقا قسراً. ثم يقول(الحضرة ممحاة) فالحضرة أو الوجود المقدس يمحو التفاصيل الصغيرة، فلا معنى للتباهي بالحضور. ثم (الليل بئرعميق لا تردمه بالنوم) أي واجه الوجود ولا تهرب منه بالنوم كحل سحري. ثم يقدم حلاً داخليا ( أقطف عنبا من قلبك، يزدهر البيت).فالخلاص يأتي من الداخل، من قلب الذات نفسها، ويختتم بسلسلة من الأفعال الصغيرة اليومية ( أقفل لسانك بالشفتين)( أغمض عينيك)( أبسط راحتيك)(سبّح بأناملك) (صلِ صلاة الأزهار)
وهذه الصلاة الأخيرة ليست صلاة دينية بالمعنى المؤسسي، بل هي صلاة وجودية صامتة، صلاة الأشياء، صلاة التأريض الحقيقي
إنها صلاة مَن لا يملك إلا يديه وأصابعه وزهرة يابسة يعيد إليها الحياة.
يكمن إبداع النص في قدرته على نقد الميتافيزيقيا المثالية والموروث الثقافي، مع تقديم بديل طقسي جمالي أرضي قائم على اليدين والتراب والزهرة اليابس. النص يؤسس لخلاص ترابي يومي : قطف الأزهار اليبيسة، فركها، تكديسها في علبة بخور ثم صلاة الأزهار. الشاعر مقداد مسعود ليس قديساً ولا ثائراً بالمعنى التقليدي، بل إنسانا بسيطاً يتأرض، يتصل بالأرض ويتعلم منها أن اليابس يمكن أن يزهر مرة أخرى إذا عرفنا كيف نلمسه بأيدينا



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأريض
- قراءة في (تخريم) للأستاذ الدكتور علاء العبادي
- تفكيك الواسع وسحر المتخيل/ بقلم الأستاذ الدكتور علاء العبادي
- تخريم
- الأرمن : الخلافة والدولة العثمانية وروسيا
- بيت مخضرم
- قصيدة محمد العابد
- ( الأرمن والدولة العثمانية) للباحثة نقية حنا منصور
- الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي ومقالة مقداد مسعود عن ...
- أصوات الروائي محمد عبد حسن
- الشاعر صادق الصائغ
- قصائد بلا أقفاص ولكل خريطة طيورها
- أولاد حاتنا / شرق المتوسط
- رسالة من الشاعر مجيد الموسوي
- الكاتب والباحث نبيل الربيعي : قراءة عميقة ومخلصة
- عربة القاص فرات صالح
- عيد العمال وسعدي يوسف
- الأستاذ الدكتور علاء العبادي: مقاربة تحليلية
- كأنها غسالة اليواخين
- يطوي سجاجيده ُ وينشرها


المزيد.....




- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - قراءة في نص (تأريض) : الأستاذ الدكتور علاء العبادي