محمد خالد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 10:00
المحور:
قضايا ثقافية
في فضاء الكتابة الفسيح ، حيث تتحول الحروف إلى مرايا تعكسُ قيم المجتمع وسلوكياته ،
يبرزُ نوعٌ من القراء نصبوا أنفسهم "قضاةً للنوايا" و"محللين نفسيين" بغير علم .
هؤلاء الذين ما إن يلمحوا نصاً أو منشراً ، حتى يسارعوا إلى نزع فتيل الفكرة من سياقها العام ،
ليزرعوا بدلاً منها قنبلة موجهة نحو "زيد" أو "عمرو"،
ممارسين بذلك دوراً لا يقل خطورة عن مشعلي الحرائق في حقول الفكر .
**جدلية الإسقاط وتزييف المقاصد**
يتسلل هؤلاء إلى بواطن العقول ، ويهمسون في مجالسهم الخاصة بأن "الكاتب يقصد فلاناً"،
معتبرين ظنونهم يقيناً لا يقبل الشك .
والحقيقة أن هذا المسلك هو **إدانةٌ للمتأوّل قبل أن يكون إدانة للمقصود**؛
فبمجرد أن يُسقط القارئ وصفاً ذميماً في نصٍ ما على شخصٍ معين ،
فهو يبصمُ بالعشرة على أن هذا الوصف يطابقُ ملامح ذلك الشخص وسلوكه .
هي شهادةُ حقٍ أراد بها باطلاً ، فإن أصاب الوصفُ أهله فلا لوم على الكاتب الذي رصد ظاهرة ،
وإن أخطأ فالتَبِعةُ تقع على من "حمّل الحروف ما لم تقله".
**متاهة التكهن: حين يضيقُ الأفق**
من الغريب أن تجد من يحاصرُ الكاتب بأسئلة الاستجواب:
هل تقصد فلاناً؟
"لا ؟ إذن تقصد علّاناً
"لا ؟ لا بد وأنه سنان إذن !
هذا التخبط في التخمين ليس إلا إفصاحاً عن عقليةٍ ترى القبح في كل زاوية ،
وإقراراً ضمنياً بأن الأوصاف المذكورة تتقاطع مع سلوكيات الكثيرين في محيطه .
إنهم يحوّلون السلوك العام إلى صراع أفراد ،
متناسين أن الأفكار تتغير بتغير المحيط ،
وأن السلوك البشري مادة للنقد والتقويم ،
لا للتشهير الشخصي .
**فلسفة التلميح: خطاب العقل لا رصاص الطيش**
إننا في مضمار٘ الحياة ، نتحرك بوعيٍ وإرادة نحو أهدافٍ وغايات .
وهنا تبرز براعة **"التلميح"** كأداة أدبية وأخلاقية تفوق **"التصريح"** بلاغةً وأثراً .
ففي التصريح قد يكمن الإحراج الذي يوصد أبواب العودة ،
أما في التلميح فثمة دعوة رقيقة ، وخطاب موجه بذكاء ليدرك "المعني" زلله فيتداركه قبل فوات الأوان .
**الخلاصة:**
إن الكتابة حين تنقد السلوك ، فهي تهدفُ لرفع مستوى الإدراك العام ،
لا لتصفية الحسابات الضيقة .
فالقبول والرفض يعتمدان على رقيّ الفهم ،
لا على حدة الصدام .
فلندع الحروف تتنفس بعيداً عن ضيق التأويل ،
ولنجعل من القراءة جسراً للإصلاح ،
لا منصةً لإطلاق الأحكام .
#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟