أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - الذي لم يره أحد














المزيد.....

الذي لم يره أحد


عمر حمش

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 02:14
المحور: الادب والفن
    


لم يرَ القذيفة، ولم يسمع انفجارها. ابتسم فقط، وهو يراقب كيس الخبز يتأرجح في يد أبيه، والرغيف الأعلى يميل كل مرّة، ولا يسقط.
ثم اختفى الشارع.
كأنّ أحدًا اقتلع الصوت من العالم دفعةً واحدة.

***

حين عاد السمع، جاء صفيرٌ طويل، كصوت ماء يغلي داخل رأسه. ثم بدأت الأشياء تعود بالتدريج: بكاء. أقدام تركض. حجارة تتدحرج.
ورأى أمّه تناديه، بينما كان أبوه يحدّق في السماء ويصرخ.

***

أراد أن ينهض، ففوجئ أنّه واقف أصلًا.
كان خفيفًا بصورة غريبة.
نظر إلى يديه، لا دم، لا غبار، لا خدوش.
والجميع ينظرون إلى الأرض، لا إليه.
على بعد خطوات، كان طفلٌ بلا ذراع ممدّدًا قرب حجارة حائط متناثرة، قميصه مرفوع قليلًا، فمه ممتلئ بالتراب، وإحدى فردتي حذائه اختفت.

***

اقترب ببطء.
كان الوجه هناك يشبهه بطريقة سيئة.
انحنى فوقه.
اصحَ.
لكنّ صوته لم يخرج من فمه.
الجسد لم يتحرّك، غير أنّ شعرة صغيرة فوق الحاجب ارتجفت.
جلس قربه، الناس تجاوزوهما وهم يركضون، رجل مرّ حاملًا ذراع طفل، كأنّها شيء وجده ولم يعرف أين يضعه، وامرأة تشبه أمّه دفعت الجسد بقدمها دون أن تنتبه.
قال: هذا أنا.

***

اقترب أكثر.
الكتف مفتوح، وشيء أبيض يظهر داخله، لم يفهم ما هو.
ثم تذكّر فجأة أنّه كان جائعًا قبل قليل.
شاب ملثّم انحنى على الجسد. قلّبه بسرعة، ثم صاح:
ولد! هذا ولد!

***

تجمّعت الأيدي دفعةً واحدة:
يد ترفع الرأس، يد تمسح الوجه، يد تبحث في الجيب، ويد تصوّر بالهاتف.
وبقي هو واقفًا، لا يلمسه أحد.

ركضوا بالجسد، ورأسه يتدلّى. وكان يتبعهم، وفي كل اهتزازة يشعر أنّ رقبته ستنفصل.

***

الشارع بدا أطول من المعتاد. ومهشّمًا بطريقة لا تنتهي.
الأبنية مفتوحة من بطونها، خزائن معلّقة فوق الفراغ، أنصاف أسرّة داخل البيوت، وأنصافها الأخرى فوق الشارع، ودمية عالقة في سلك كهرباء، تتحرّك مع الريح ببطء.

***

في سيارة الإسعاف، وضعوا الجسد فوق رجل ينزف.
فتح الرجل عينيه بصعوبة. نظر إلى الطفل طويلًا، ثم همس:
سامحني. ظننتك حيًّا.
في المستشفى، لم يكن هناك مكان كافٍ للموتى.
الأرض مليئة بهم، تحت الجدران، وعند الأبواب، وفي الممرّات.
والصمت بينهم كشيءٍ حيٍّ يتمدّد.

***

أمّه كانت تكشف الوجوه واحدًا واحدًا. ترى وجهًا، فتنهار قليلًا، ثم تنتقل إلى غيره.
وحين وصلت إليه، توقّفت.
لم تصرخ.
مدّت إبهامها فقط، وأزاحت التراب عن حاجبه.
ثم قالت بهدوء، كأنّها توبّخه:
وعدتني أن تبقى.
اقترب منها بسرعة. أراد أن يمسك يدها.
لكنّه مرّ من داخلها.
وعبره بردٌ هائل.

***

في غرفة الغسل، ابتعد عن الجسد قليلًا.
الرجل الذي يستقبل الأطفال كان متعبًا، يحرّكهم كما لو أنّه يرتّب نومهم، والأقدام الصغيرة تصطكّ ببعضها.

***

هناك انتبه إلى شيء غريب:
الجثث لم تكن وحدها.
خلف كلّ جسد، كان يقف أحد.
صبي يحدّق في رأسه المفتوح. امرأة تلمس شعرها المحترق. ورجل عجوز يحاول عبثًا أن يغطي بطنه.
اقترب منه طفل يحمل عينه في يده.
سأله: جديد؟
أومأ.
فضحك الطفل، ثم ركض بين الجثث.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ يشعر أنّ وجهه يبتعد عنه.

***

حين كفّنوه، شعر بالغيرة.
أمّه تبكي فوق الجسد، أبوه يقبّل جبينه، وأخته تعدّل عند كتفيه الكفن.
أراد أن يقول لهم إنّه هنا.
لكنّ فمه صار أثقل من أن ينفتح.

***

في الجنازة، حملوا الجسد عاليًا.
وصعد هو معهم.
رأى المدينة من فوق للمرة الأولى:
أسطحٌ محطّمة، خزّانات ماء ممزقة، وغسيلٌ يتحرّك فوق بقايا بيوت مفتوحة.
عند زاوية الشارع، كان طفلان يعرفهما.
نظرا إلى النعش لحظة، ثم صرخ أحدهما باسمه.
حينها فقط، شعر أنّ موته الحقيقي بدأ.

***

في المقبرة، بدت الأرض مزدحمة أكثر من المدينة.
وقف عند قبره، وهو يفكّر بطريقة يعود بها إلى جسده.
وحين أنزلوه في التراب، ارتجف.
لا تتركوا التراب يدخل فمي.
قالها.
لكن لم يسمع أحد.
أمّه انحنت فوق القبر، وفي تلك اللحظة ظنّ أنّها رأته فعلًا.
ركض نحوها بسرعة.
لكنّهم كانوا قد أغلقوا القبر.
واختفى وجهها.



#عمر_حمش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع خيمتي
- اللؤلؤة المغادرة
- مع خيمتي
- لا أحد
- قد يكون هو
- ليالٍ لا ركن فيها
- خيطٌ في فمه
- سفر في الربع الخالي الجديد
- ضباب فوق جبل النجمة
- ثرثرة غزيّة
- المُتَّهم
- عدتً نازحا
- نتساريم مرة أخرى
- مُسن
- رسومٌ على جدار
- رنّآت هاتفي النقال
- موت جحا الفلسطيني
- مكتبٌ ومهجع
- المعكرونة ومولاي الشيخ جميل السلحوت
- حين ترحل


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - الذي لم يره أحد