أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - هيثم أحمد محمد - إعلام ما بعد الاحتلال... حين تتحول الشاشات إلى ساحات حرب ناعمة














المزيد.....

إعلام ما بعد الاحتلال... حين تتحول الشاشات إلى ساحات حرب ناعمة


هيثم أحمد محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 02:11
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يعد الإعلام في العراق مجرد وسيلة لنقل الخبر أو منصة للتعبير عن الرأي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى سلاح خطير يعيد تشكيل وعي المجتمع وفق أجندات سياسية وطائفية وعرقية، بعضها محلي يبحث عن النفوذ والسلطة، وبعضها خارجي يسعى لإبقاء العراق ساحة مفتوحة للصراع والفوضى، وما يخيم اليوم على المشهد الإعلامي العراقي ليس أزمة مهنية عابرة، بل أزمة هوية وطنية تدار عبر خطاب إعلامي مؤجج، يغذي الانقسام ويستثمر في الجراح القديمة، حتى بات المتلقي يعيش تحت وابل يومي من الرسائل المبطنة التي تصنع الولاءات وتعيد توجيه البوصلة بعيداً عن الوطن.
ومنذ عام 2003، دخل العراق مرحلة إعلامية غير مسبوقة من حيث الكم، لكنها افتقرت في كثير من الأحيان إلى الجودة والحياد والاستقلالية، فبعد سقوط مؤسسات الدولة وحل الجيش ووزارة الإعلام والأجهزة الأمنية، نشأت عشرات بل مئات الوسائل الإعلامية التي لم تولد من رحم مشروع وطني جامع، بل جاءت غالباً مرتبطة بأحزاب أو جهات ممولة أو مشاريع إقليمية ودولية، لكل منها حساباته ومصالحه الخاصة، فتحولت بعض القنوات والمنصات إلى أدوات تعبئة وتحريض أكثر من كونها مؤسسات تنوير وتثقيف.
لقد أدركت القوى التي احتلت العراق مبكراً أن السيطرة على الأرض لا تكتمل من دون السيطرة على العقول، لذلك لم تكن الفوضى الإعلامية التي أعقبت الاحتلال أمراً عشوائياً، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على تعميق الانقسام وإشغال المجتمع بصراعات جانبية وطائفية تبعده عن التفكير في جوهر الأزمة الحقيقية، وهي بناء الدولة واستعادة السيادة وصناعة مشروع وطني مستقل، فكلما انشغل المواطن بخلافات الهوية والانتماءات الضيقة، تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالفساد والنهب وتدمير مؤسسات الدولة.
ومع مرور السنوات، ترسخت ثقافة إعلامية خطيرة تقوم على إثارة الغرائز والانفعالات بدلاً من ترسيخ الوعي والمعرفة، فالكثير من المنابر الإعلامية باتت تعتمد خطاب الكراهية والتخوين والتضليل، وتسعى إلى صناعة جمهور منقاد عاطفياً، لا جمهور واعٍ قادر على النقد والتحليل، وأصبح المتلقي في أحيان كثيرة ضحية لعمليات تكرار ممنهج للرسائل الإعلامية التي تمرر السموم الفكرية والسياسية بطريقة ناعمة، حتى تتحول القناعات المصطنعة إلى حقائق راسخة في الوعي الجمعي.
الأخطر من ذلك أن هذا الإعلام ساهم في تحويل الانتماءات الفرعية إلى بديل عن الانتماء الوطني، فبدلاً من بناء جيل يؤمن بالعراق أولاً، جيل منفتح على العالم ويحمل مشروع التطور والعلم والتسامح وقبول الآخر، جرى تكريس خطاب يقوم على الانغلاق والتخندق والدفاع عن المصالح الضيقة، وهكذا وجد العراق نفسه بعد سنوات طويلة أمام مجتمع منهك بالصراعات النفسية والسياسية، فيما تراجعت قيم المواطنة والكفاءة والهوية الجامعة.
إن الحروب الحديثة لم تعد تحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل بالمعلومة والصورة والخبر وقدرة التأثير على الرأي العام، والإعلام الذي يفترض أن يكون سلطة رقابية تدافع عن الحقيقة، تحول لدى البعض إلى أداة لتمزيق المجتمع وإعادة إنتاج الأزمات، لذلك فإن معركة العراق الحقيقية اليوم ليست فقط مع الفساد أو الإرهاب أو التدخلات الخارجية، بل أيضاً مع الإعلام غير المهني الذي يعبث بعقول الناس ويزرع الشك والكراهية ويُغذي الانقسام.
العراق لا يحتاج إلى إعلام يرفع صوت الطائفة فوق صوت الوطن، ولا إلى شاشات تدار وفق مصالح الممولين، بل إلى مشروع إعلامي وطني مستقل يؤمن بأن بناء الإنسان أهم من صناعة الأتباع، وأن الحقيقة يجب أن تكون فوق المصالح السياسية والحزبية، فالعراق لا يبنى بخطابات التحريض، بل بثقافة الوعي والانتماء والتسامح، وإعلام يحمل رسالة تنوير لا مشروع فتنة.



#هيثم_أحمد_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول المتعة إلى صراع: التعصب الرياضي بين شغف الانتماء و ...
- دور الإعلام العراقي في التوعية بالمصالحة الوطنية ونبذ خطاب ا ...
- أزمة ثقة في زمن الهيمنة
- الخطاب الديني المتطرف في خطب الجمعة وتأثيره على الرأي العام ...
- التاريخ حين يُكتب بالسلطة… كيف صُنعت ذاكرتنا العربية؟
- الإعلام الطائفي وخطره على النسيج الوطني
- من يحمي مَن؟ حين تتحوّل محاربة الإرهاب إلى إدارة له
- عندما يصبح الأستاذ تلميذًا
- مستقبل خريجي كليات الإعلام في ظل التحول الرقمي: أزمة بطالة أ ...
- التطرف الإلكتروني ودور وسائل الإعلام في مواجهته: مقاربة تحلي ...
- العقل الجمعي… القوة الخفية التي تتحكم بقراراتنا دون أن نشعر
- الجمهور… من “اللاعب رقم 12” في الملاعب إلى “اللاعب رقم 1” في ...
- جيل تحت الضغط الرقمي… كيف تتحوّل الألعاب الإلكترونية إلى إدم ...
- بين نتائج الانتخابات… ودهاليز السلطة: هل يبدأ موسم الفوضى ال ...
- النموذج الأميركي في العراق وسوريا: مشروع تحديث أم استراتيجية ...
- عنوان المقالة: صيدلية الفيس بوك: بين وهم العلاج وغياب الرقاب ...
- بين ضوء القاهرة وخطى بغداد البطيئة: مقارنة نقدية بين الدراما ...
- المنهج المسحي في البحوث الإعلامية: الإطار المفاهيمي وتطبيقات ...
- خطة ترامب لغزة... سلام أم إذلال؟
- فن اختيار العينة: مفتاح المصداقية في البحوث الإعلامية


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - هيثم أحمد محمد - إعلام ما بعد الاحتلال... حين تتحول الشاشات إلى ساحات حرب ناعمة