|
|
مختارات تيوفيل غوتييه الشعرية - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 09:19
المحور:
الادب والفن
مختارات تيوفيل غوتييه الشعرية - ت: من الفرنسية أكد الجبوري اختيار وإعداد إشبيليا الجبوري - ت من الفرنسية أكد الجبوري
المحتويات 1- سيرة ذاتية موجزة؛ 2- إضاءة: تيوفيل غوتييه… قصيدة مغريات نقوش الحس اللامتناهي 3- المختارات الشعرية؛ 3.1. وداعًا للشعر 3.2. مقدمة 3.3. وردة الشاي 3.4. عيد الميلاد 3.5. الوصية الأخيرة 3.6. يا حمامة الحُزانى 3.7. جوهرة القلب 3.8. أول ابتسامة ربيعية 3.9. الرجل الأعمى 3.10. أغنية 3.11. مغازلة ما بعد الموت 3.12. كارمن 3.13. النبع 3.14. روندالا 3.15. الساعة 3.16. ألعاب المرأة الميتة 3.17. العيون الزرق 3.18. بعد انتهاء سلسلة الحلقات 3.19. الكاميليا والأقحوان 3.20. الفلاح (لوحة مائية للأميرة م…) 3.21. العُلّية 3.22. عضات القلب 3.23. العُري 3.24. الطائر الأسود 3.25. زهرة الربيع 3.26. صوت رنان 3.27. الوصية الأخيرة 3.28. يا حمامة الحُزانى 3.29. الحوريات 3.30. مساء الخير 3.31. فن 3.32. روابط سرية (أغنية وحدة الوجود) 3.33. قصيدة امرأة الرخام في باروس 3.34. سيمفونية بالبياض الفسيح 3.25. قلعة الذاكرة 3.36. ما تقوله السنونو. أغنية الخريف 3.37. عشاء الدروع 3.38. الحصون والمقابر 3.39. خيالات الشتاء 3.40. دراسة للأيدي 3.41. متغيرات على كرنفال البندقية
1- سيرة ذاتية موجزة؛
*تيوفيل غوتييه (1811-1872)().. شاعرًا وروائيًا وناقدًا وصحفيًا فرنسيًا. بلغ تأثيره محسوسًا بقوة في فترة تغير ميول الحساسيات في شغف الأدب الفرنسي - من الفترة الرومانسية المبكرة إلى الجمالية والطبيعية في نهاية القرن التاسع عشر. إذ عاش معظم حياته في باريس، حيث درس الرسم في بداياته. أصرّ على سيادة الجمال في أعماله، مثل رواية "الآنسة دو موبان" (1835)().. طوّر أسلوبًا شعريًا فريدًا في تسجيل انطباعاته الدقيقة عن الأعمال الفنية، كما في قصائده المتقنة "الصدف والرموش" (1852)().. ألهمته أسفاره بعضًا من أروع قصائده، مثل "إسبانيا" (1845)().، وأبهى نثره، مثل "رحلة إلى إسبانيا" (1845). كما كتب غزيرة في النقد الفني والمسرحي. ألهمت أعماله شعراءً كبارًا مثل شارل بودلير (1821-1867)().، الذي أهدى إليه ديوانه "أزهار الشر"، وأثر إنتاجه الغزير والمتنوع في الذوق الأدبي لعقود. إن شئتم.
عاش غوتييه معظم حياته في باريس. في كلية شارلمان()، التقى الشاعر الفرنسي جيرار دي نيرفال (1808-1855)() ونشأت بينهما صداقة متينة. درس الرسم، لكنه سرعان ما أدرك أن شغفه الحقيقي يكمن في الشعر. وتعاطفًا مع الحركة الرومانسية، شارك في الجدل الثقافي الذي أعقب عرض مسرحية فيكتور هوغو (1802-1885)() ("هرناني". 1830)() لأول مرة في باريس عام 1830(). وقد استذكر هذه الفترة بأسلوب فكاهي في كتابه ("تاريخ الرومانسية". 1874)() وفي كتابه ("صور معاصرة". 1874)()، حيث قدم وصفًا دقيقًا لصديقه أونوريه دي بلزاك (1799-1850). وسخر غوتييه من مبالغاته الشخصية، فضلًا عن مبالغات غيره من الرومانسيين، في كتابه ("فرنسا الفتية". 1833)(). يتناول كتاب "الغرائب" (1834-1836)() كتّابًا سابقين أقل شهرة، سبقت نزعتهم الفردية نزعة الرومانسيين.
ظهرت أولى قصائد غوتييه عام 1830(). ونُشرت قصيدته (النبيل)، وهي سرد طويل عن رسام شاب يقع في قبضة ساحر، عام 1832(). في ذلك الوقت، تخلى عن مبادئ الرومانسية وأصبح من دعاة الفن للفن. عبّرت مقدمة "ألبرتوس" وروايته ("الآنسة دو موبان". 1835)()عن آرائه، التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية لتجاهلها الأخلاق التقليدية وإصرارها على سيادة الجمال. تجلى تشاؤمه وخوفه من الموت في قصيدته السردية ("كوميديا الموت". 1838)().
في عام 1840، زار غوتييه إسبانيا(). استلهم غوتييه من ألوان الأرض وسكانها بعضًا من أروع قصائده، كما في مجموعة "إسبانيا" (1845)()، ونثره، كما في ديوانه ("رحلة إلى إسبانيا" (1845)(). بعد تلك الرحلة، وجد في السفر ملاذًا مُرحبًا به من ضغوط عمله الصحفي المُستمر، الذي كان يمارسه لإعالة نفسه وعشيقتيه وأبنائه الثلاثة، بالإضافة إلى شقيقتيه(). - من عام 1836 إلى عام 1855، كان يكتب أسبوعيًا في صحيفتي (الصحافة)() و (المراقب العالمي)()؛ - وفي عام 1851، أصبح رئيس تحرير مجلة (مجلة باريس)()؛ - وفي عام 1856، أصبح رئيس تحرير مجلة (الفنان).() إلى جانب هذا العمل، ساهم في العديد من الدوريات والصحف الأخرى. لطالما تذمر غوتييه من ظروف حياته؛ إذ شعر أن الصحافة تستنزف طاقته الإبداعية التي كان ينبغي أن تُخصص للشعر.
عززت أسفاره، ولا سيما في اليونان، نظريته الفنية وإعجابه بالأشكال الكلاسيكية. كان يرى أن الفن ينبغي أن يكون غير شخصي، متحرراً من عبء تعليم الدروس الأخلاقية، وأن هدف الفنان هو التركيز على بلوغ كمال الشكل. وقد طوّر أسلوباً في الشعر أطلق عليه اسم "نقل الفن"()، مسجلاً انطباعاته الدقيقة عند مشاهدة لوحة أو أي عمل فني آخر. تُعدّ هذه القصائد، المنشورة في ديوان ("المينا والنقوش البارزة". 1852)()، من أروع أعماله، وكان هذا الديوان نقطة انطلاق للشاعر الفرنسي تيودور دي بانفيل (1823-1891)() والشاعر الفرنسي لوكونت دي ليل (1818-1894)(). وقد أشاد شارل بودلير (1821-1867)() بجوتييه في إهداء مجموعته الشعرية ("أزهار الشر". 1861).
كان غوتييه يحظى بتقدير كبير من قبل العديد من معاصريه الذين كانوا أيضًا شخصيات أدبية بارزة: الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير (1821-1880)()، والناقد الفرنسي شارل أوغستان سانت بوف (1804-1869)()، والأخوان غونكور (الكاتب والناقد الأدبي الفرنسي إدموند دي غونكور (1822-1896)() والكاتب الفرنسي جول غونكور (1830-1870)()، والشاعر الفرنسي تيودور دي بانفيل (1823-1891)، وبودلير. في سنواته الأخيرة، أصبح صديقًا للكاتبة الفرنسية، الأميرة ماتيلد بونابرت (1820-1904)()، التي منحته وظيفة شرفية كأمين مكتبة لتخفيف أعبائه المالية.
إذ تتجلى براعة غوتييه الشعرية والخيالية في قصصه القصيرة، مثل قصة مصاص الدماء ("الموت العاشق". 1836)(). واستحضاره لمدينة بومبي القديمة في ("أريا مارسيلا". 1852)(). كان إنتاجه الأدبي غزيرًا، لكن نقده الفني والمسرحي وحده - الذي أعيد نشره جزئيًا في ("الفنون الجميلة في أوروبا". 1855)() وفي ("تاريخ الفن المسرحي في فرنسا منذ خمسة وعشرين عامًا، 6 مجلدات". (1858-1859)() - كفيلٌ بضمان شهرته. ولا يزال ناقدًا بارعًا للباليه. كما كتب مسرحيات، وبالتعاون مع الكاتب المسرحي الفرنسي فيرنوي دي سان جورج (1799-1875)()، كتب باليه ("جيزيل" الشهير (1841)().
- توفي في 23 أكتوبر 1872، نويي سور سين.().
2. إضاءة: تيوفيل غوتييه… قصيدة مغريات نقوش الحس اللامتناهي
تيوفيل غوتييه (1811-1872)(). شاعرًا وروائيًا وناقدًا وصحفيًا فرنسيًا. بلغ تأثيره محسوسًا بقوة في فترة تغير ميول الحساسيات في شغف الأدب الفرنسي - من الفترة الرومانسية المبكرة إلى الجمالية والطبيعية في نهاية القرن التاسع عشر. إذ عاش معظم حياته في باريس، حيث درس الرسم في بداياته. أصرّ على سيادة الجمال في أعماله، مثل رواية "الآنسة دو موبان" (1835)(). طوّر أسلوبًا شعريًا فريدًا في تسجيل انطباعاته الدقيقة عن الأعمال الفنية، كما في قصائده المتقنة "الصدف والرموش" (1852)(). ألهمته أسفاره بعضًا من أروع قصائده، مثل "إسبانيا" (1845)()، وأبهى نثره، مثل "رحلة إلى إسبانيا" (1845). كما كتب غزيرة في النقد الفني والمسرحي. ألهمت أعماله شعراءً كبارًا مثل شارل بودلير (1821-1867)()، الذي أهدى إليه ديوانه "أزهار الشر"، وأثر إنتاجه الغزير والمتنوع في الذوق الأدبي لعقود. إن شئتم.
تُشكّل أشعار تيوفيل غوتييه حلقة وصل بين الرومانسية ومدرسة بارناسوس في فرنسا. في شبابه، كان غوتييه عضوًا بارزًا في المجموعة المحيطة بالكاتب والعضو السابق في مجلس الشيوخ الفرنسي فيكتور هوغو (1802-1885)() في معركة هيرناني (1830)()، مسرحية هوغو التي أشعلت فتيل صراعٍ مفتوح بين الكلاسيكيين والرومانسيين. لاحقًا، ورغم أنه لم يتخلَّ رسميًا عن دعمه للرومانسية، ارتبط اسمه بمبدأ "الفن للفن"()، ويُذكر اسمه تحديدًا من خلال أفكاره.
جُمعت دواوين غوتييه الأولى في ديوانٍ بعنوان "قصائد"، نُشر لأول مرة عام 1830(). يُظهر هذا الديوان ميلًا واضحًا للعصور الوسطى، وحبًا للأماكن النائية، وشعورًا بالاغتراب - وهي جميعها مصادر إلهام تقليدية للشعراء الرومانسيين - ويجد هذا الديوان مكانًا له، مع أنه لا يتميز بأصالته.
... ظهرت قصيدة "الروح والخطيئة"()، وهي قصيدة سردية طويلة تصف افتتان رسام شاب بساحرة، والذي أدى إلى هلاكه، عام 1833(). لا تحظى هذه القصيدة بقراءة كبيرة اليوم، ولكن ما يستحق الذكر فيها هو استخدام غوتييه للعناصر المألوفة لدى كتّاب الرومانسية الأقل شهرة: الرخويات والضفادع، والأشباح ومصاصي الدماء.
أما قصيدة "كوميديا الموت"، وهي قصيدة طويلة صدرت عام 1838()، فتتألف من جزأين. - الجزء الأول، بعنوان "الحياة في الموت"، يتضمن حوارًا في مقبرة بين دودة وجثة. من الواضح أن الشاعر أراد أن يصدم قارئه.() - في الجزء الثاني، "الموت في الحياة"، يكشف غوتييه عن الجانب الغريب، وإن كان سطحيًا، من رومانسيته. يبدو أن إصرار الشاعر الشديد على أن الموت يُهيمن على الحياة كلها يوحي بتشاؤم عميق لدى غوتييه لم يُنسب إليه دائمًا. () يتعزز هذا الانطباع من خلال عدة قصائد في مجموعته الشعرية المتنوعة، التي نُشرت في مجلد واحد مع قصيدة "كوميديا الموت" (1838)(). ومن الجدير بالذكر بشكل خاص قصيدة قصيرة بعنوان "القافلة" (1845)(). يُوظّف غوتييه ببراعة رمز القافلة العابرة للصحراء الكبرى كرمزٍ لرحلة البشرية في هذا العالم. ويؤكد الشاعر أن الواحة الوحيدة، والمثوى الوحيد، هو المقبرة؛ وقد عبّر عن هذه الفكرة بأبسط العبارات: "غابة من أشجار السرو مُرصّعة بالحجارة البيضاء".
مع ذلك، لا تتسم جميع قصائد هذه المجموعة بالتشاؤم. فقصيدة "الخيال الصيني"() تُجسّد ولع غوتييه بالأراضي البعيدة والأشياء الغريبة. يؤكد الشاعر أن حبه ليس لجولييت ويليام شكسبير (1597)()، أو بياتريس دانتي (1294)()، أو لورا بترارك (حوالي 1310-1348)()، زوجة الكونت هيو دي ساد (1740-1814)(). بل هو يحب فتاة في الصين تعيش في برج من الخزف: حبيبتي الآن في الصين؛ تعيش مع والديها المسنين، في برج من الخزف الفاخر، على ضفاف النهر الأصفر، حيث تعيش طيور الغاق.
على الرغم من أنها ليست عميقة، إلا أن قصيدة "الصينية"() رائعة، وقد لُحِّنت لاحقًا. ومن الجدير بالذكر أنه حتى في هذه المرحلة المبكرة نسبيًا من تطوره، استطاع غوتييه أن يقدم رؤيته الحالمة في شكل دقيق ومتقن.
في عام 1840()، أقام غوتييه في إسبانيا لمدة ستة أشهر. وصدرت الطبعة الأولى من "إسبانيا" عام 1845(). يُدرك القارئ من خلال هذا العمل أن قسوة المناظر الطبيعية الإسبانية ووضوحها، بالإضافة إلى اللوحات المعروضة في صالات العرض الفنية الإسبانية، قد صقلت ذوق غوتييه الفني.
في قصيدتيه "ريبيرا" (1845)() و"إلى زوربوران" (1844)()، وهما قصيدتان كُتبتا في إسبانيا بأسلوب التيرزا ريما، يُظهر غوتييه موهبةً فذةً في إضفاء الحياة الشعرية على لوحات هذين الفنانين الإسبانيين البارزين. علاوةً على ذلك، وفي محاولته فهم ولع الرسام والفنان التشكيلي الإسباني خوسيه ريبيرا (1591-1652)() بالقبح، وقسوة وعنف دراسات الرسام الإسباني فرانسيسكو دي زوربوران (1598-1664)() لشهداء المسيحية الأوائل، يُحوّل غوتييه نقده الفني إلى شكلٍ فنيٍّ قويٍّ بحد ذاته. وفي مواضع أخرى من هذه الطبعة، ربما يكون منهج غوتييه في تناول فنه أقرب إلى الفنون التشكيلية منه إلى الشعر. في قصيدة "أرض الصنوبر" (1840)() على سبيل المثال، فإن المشهد الذي يُرى هو الذي يستحضر الرمز، في حين أن الشاعر عادةً ما يبحث عن رمز لتوضيح فكرة ما.
يصف غوتييه كيف أن شجرة الصنوبر هي الشجرة الوحيدة التي تُرى في منطقة لاند بجنوب غرب فرنسا، وقد شُقّ جانبها ليُسكب صمغها في وعاء. يُبرز غوتييه القيمة الرمزية للشجرة ببراعة؛ فالشاعر، واقفًا منتصبًا وحيدًا، يُشبه الشجرة. فالشاعر معزول عن الآخرين بسبب شعوره بالتفوق وحسدهم. يقول غوتييه إنه ما دام سالمًا، فإنه يحتفظ بكنزه؛ يحتاج إلى جرح عميق في قلبه ليُطلق العنان لأعماله، دموعه الذهبية: “… دون أن يندم على دمه الذي يسيل قطرة قطرة، يسكب الصنوبر بلسمه وعصارته المتدفقة، ويبقى واقفًا منتصبًا على جانب الطريق، كجندي جريح يتمنى الموت واقفًا."()
هكذا يكون الشاعر في صحراء العالم؛ ما دام سالمًا، فإنه يحتفظ بكنزه. لا بد له من جرح عميق في قلبه ليُطلق أبياته، هذه الدموع الإلهية الذهبية!
قصيدة ("في سييرا"، (1852)()، التي نُشرت أيضاً في إسبانيا، تُوظّف المناظر الطبيعية كرمز. فغوتييه، المستوحى من جبال إسبانيا القاحلة، يُصرّ على تفضيله لها على السهول الخصبة. وقد صاغ غوتييه في هذه القصيدة مفهوماً جديداً يُعلي من شأن الجمال لذاته، ليُصبح بذلك منهجاً شعرياً جديداً.
تُشكّل مجموعة "المينا والنقوش البارزة"()، التي أُضيفت إليها قصائد في خمس طبعات بين عامي 1852 و1872()، نقلةً نوعيةً في شعر غوتييه؛ فهي المجموعة التي اشتهر بها، والتي تُجسّد مذهبه القائل بأن الفن للفن.
في وقتٍ مبكرٍ من عام 1832()، وفي مقدمة ديوانه الشعري، صرّح غوتييه بأن قيمة الفن تكمن في جماله لا في نفعه: فليس من شأن الفنان التأثير على العامة. وكتب: "بشكلٍ عام، ما إن يصبح الشيء نافعًا، حتى يفقد جماله". زعم غوتييه أن الفن ترفٌ يُقدَّم لفئةٍ صغيرةٍ من النخبة القادرة على فهمه. وفي مقدمة روايته "مدموزيل دو موبان" (1835-1836)()، ذهب إلى القول بأن الجمال لا يتحقق إلا بما لا يخدم غرضًا. وفي مقالٍ له في مجلة "الفنان"()، أصرّ على أن غاية الفنان الوحيدة هي تجسيد الجمال.
ربما تأثرت عقيدة غوتييه الشعرية بجانبين من حياته. فإخضاع الفكرة للشكل يُذكِّر بالفنون التشكيلية، وقد بدأ غوتييه مسيرته الفنية رسامًا. إضافةً إلى ذلك، كسب رزقه كصحفي وناقد مسرحي وفني في وقتٍ كان فيه الكاتب مُعرَّضًا لأن يصبح سلعةً، فريسةً للمحررين والناشرين عديمي الضمير. كان غوتييه مُدركًا تمامًا للصعوبات التي يواجهها الكاتب في محاولته الحفاظ على نزاهته. من جهةٍ أخرى، كان غوتييه ناقدًا لا يُمكنه تجاهل حقيقة أن أتباع الحركة الرومانسية، في سعيهم لاتباع جميع مبادئها، غالبًا ما يُضحّون بالدقة. أثر.
يمثل مجموعة "المينا والنقوش البارزة"() محاولة غوتييه للعودة إلى الدقة والوضوح، حتى على حساب الموضوع. عنوان المجموعة ذو دلالة؛ فالقصائد التي تحمله مصقولة للغاية، ومتقنة الصنع. يحدد التمهيد نبرة الطبعة. هنا يذكر غوتييه أنه كما انعزل العالم الألماني الموسوعي يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832)() عن العالم في فايمار ليكتب، كذلك هو، غوتييه، متجاهلاً العواصف التي تضرب نوافذه، ديوان "المينا والنقوش البارزة"().
إذا كان هدف غوتييه في الشعر هو الجمال، فإنه يشرح كيف يمكن للشاعر تحقيق هذا الأثر في قصيدة كتبها عام 1857 وأضافها كخاتمة لـ"المينا والنقوش البارزة"(). في مقال "الفن"()، يؤكد غوتييه أن الشعر، كالرسم والنحت، فن ومهارة يجب تعلمها. يجب على الشاعر، كحرفي، أن يتقن جميع موارد اللغة. إذا نجح في التغلب على مشاكل القافية والنحو والمفردات، أثناء الإبداع لا عوائق مصطنعة، فالعمل الفني يقاوم تقلبات الزمن كما لا يستطيع أي إبداع بشري آخر: "… كل شيء زائل. - الفن الراسخ وحده يملك الخلود؛ التمثال النصفي يبقى بعد زوال المدينة. حتى الآلهة تموت، لكن الشعر، سيد الموقف، يبقى أقوى من السيف."()
في هذه المجموعة، يُظهر غوتييه تمسكه الشديد بالشكل، مما ينتج عنه شعرٌ متقنٌ وراقٍ، يتسم عمومًا بطابعٍ أكثر حياديةً من أعماله السابقة. من جهةٍ أخرى، غالبًا ما تكون المواضيع بسيطة: "دراسة الأيدي"()، و"إلى ثوبٍ أحمر"()، و"زهرة الشاي"() عناوينٌ نموذجية.
في قصيدة "إسبانيا"() تحديدًا، سعى غوتييه إلى نقلٍ فني، محاولًا إعادة إنتاج التأثير الذي يُحدثه عملٌ فنيٌّ في وسيطٍ آخر، وذلك في قالبٍ شعري. في "المينا والنقوش البارزة"، تصبح هذه المحاولات أكثر طموحًا. ففي "متغيرات على كرنفال البندقية"، على سبيل المثال، يُقدّم الشاعر سلسلةً من أربع مقطوعاتٍ تنطلق من عبارةٍ موسيقيةٍ من أغنيةٍ فينيسية. في أبياتٍ إيقاعيةٍ زاهية الألوان، يرسم غوتييه صورةً للبندقية كما يتخيلها في الماضي.
في "سيمفونية في سلم أبيض كبير"()، يُحاول غوتييه مجددًا إجراء تحوّلٍ فني، مُظهرًا جميع دلالات اللون الأبيض ودلالاته. يُعدّ هذا عرضًا رائعًا للبراعة، لكن القصيدة تفتقر إلى التطور.
إن جاذبية كتاب "الطلاء والنقوش البارزة"() محدودة، لأن غوتييه، في محاولته عزل نفسه عن عمله، يُبدع ما يُمكن اعتباره شعرًا "باردًا". فبعزله عن العالم، يُقيّد بشدة اختياره للمواضيع. بل يُمكن القول إن اختيار غوتييه للفن لذاته يأتي على حساب المضمون، فجمال الشكل وحده لا يكفي.
لقد يدين شعر البرناسيين "غير الشخصي" بالكثير لغوتييه، وكانت تحويلاته الفنية ذات أهمية بالغة للشاعر والكاتب الفرنسي بودلير (1821-1867)() والرمزيين. وعلاوة على ذلك، فإذا كانت مواهب غوتييه الإبداعية محدودة، فإنه مع ذلك، من خلال احترامه لمهنته وللكلمة، جدد تقليدًا بدأ مع الشاعر والناقد الفرنسي فرانسوا ماليرب (1555-1628)(). ربما بالغ بودلير في مدح غوتييه، لكن عندما كتب أن غوتييه كان شاعراً لم يكن هناك ما لا يمكن التعبير عنه، فقد قدم لمواطنه مجاملة مستحقة.
أخيرًا. عود إلى بدء. تعتبر مجموعة أعماله الشعرية خاصة هامة والادبية عامة للكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه. بل بمثابة نقوش في الحس اللامتناهي. حس بليغ. يُجسّد هذا العمل من قصيدة أو عمل ادبي ما. فهي تشكيلة أعمال رفيعة المستوى. يأخذها النقاد؛ تحوّل غوتييه من الحركة الرومانسية إلى مبادئ البرناسية، ولا سيما مبدأ "الفن للفن". لا بل سعى غوتييه، الذي كان مرتبطًا سابقًا بشخصيات رومانسية بارزة، إلى إعطاء الأولوية للجمال في فنه، مُشيرًا إلى أن قيمة العمل الفني تكمن في جاذبيته الجمالية لا في استخدامه العملي. تتميز قصائده بحرفية رائعة وتركيز على الشكل، وغالبًا ما تستكشف موضوعات الجمال من خلال صور حية واقتباسات فنية من وسائط أخرى، كالموسيقى والرسم.
وعليه. تعكس مجموع أعماله. رسوخ. وملامح عمق إيمان غوتييه بأن الشعر، كالرسم، مهارة تتطلب إتقان اللغة والشكل. من بينها لا حصرها في القصائد البارزة في "المينا والنقوش البارزة" قصيدتا "متغيرات على كرنفال البندقية"() و"سيمفونية بالأبيض الكبير"()، (والتي سندرجها لاحقا في مجموعة مختاراته الشعرية. هنا على الموقع) اللتان تُبرزان قدرة غوتييه على استحضار تجارب بصرية وعاطفية قوية من خلال الشعر. على الرغم من صقل شعره، يرى بعض النقاد أن تركيز غوتييه على الشكل قد يؤدي أحيانًا إلى شعور بالانفصال العاطفي. ومع ذلك، فإن تأثيره على الحركات الأدبية اللاحقة، بما في ذلك الرمزية، يُبرز مدى ديمومة إسهاماته. بليغة وعميقة. في الأدب الفرنسي. إن شئتم.
3- المختارات الشعرية؛
3.1. وداعًا للشعر هلمّي أيتها الملاك الساقطة، أغلقي جناحيكِ الورديين؛ انزعي رداءكِ الأبيض، تلك الأشعة التي تُذهب السماء؛ عليكِ، من السماء التي صعدتِ إليها ذات يوم، أن تعودي، كشهابٍ ساقط، لتسقطي في النثر. الآن دعي أقدام طائركِ تستريح على الأرض؛ ليس هذا وقت الطيران: امشي! احتفظي بكنز موسيقاكِ في قلبكِ؛ دعي قيثارتكِ تستريح. يا طفلة السماء المسكينة، ستغنين عبثًا؛ لن يفهموا لغتكِ الإلهية؛ آذانهم مغلقة عن أصواتكِ العذبة! أتوسل إليكِ: يا ملاك العيون الزرقاء، قبل أن ترحلي، ابحثي عن حبيبتي الشاحبة، التي أعشقها، وقبّليها قبلة وداع طويلة على جبينها.
3.2. مقدمة
خلال حروب الإمبراطورية، وسط هدير المدافع الوحشي، أبدع غوته الديوان الغربي، واحةً منعشةً تتنفس فيها الفنون.
إلى نسامي، تاركًا شكسبير تعطّر بخشب الصندل وعلى وزنٍ شرقي دوّن لحن هدهد.
مثل غوته في حجرته في فايمار، انعزل عن كل شيء وقطفَ الورود من بتلات حافظ،
دون أن يكترث للإعصار الذي ضرب نوافذي المغلقة، صنعتُ الطلاء والمنقوشات.
3.3. وردة الشاي أكثر الورود رقةً، هي بلا شك وردة الشاي. برعمها ذو البتلات نصف المغلقة مُلوّنٌ بمسحةٍ خفيفةٍ من اللون القرمزي.
تبدو كوردةٍ بيضاء فراشةً غارقةً في شغفها قد تخجل من فرط خجلها وهي تُغازلها على الغصن
نسيجها الوردي الشفاف، يتمتع بملمسٍ مخمليٍّ كالبشرة؛ لها ملمسٌ مخمليٌّ كالبشرة؛ بجانبها، يبهت كل قرمزي. أو يتحول إلى ابتذال.
كبشرة أرستقراطية، يُظلم الحواجب التي لامست الشمس، ويُضفي على لونها الريفي الدافئ القرمزي الذي يميز أخواتها.
لكن، إذا ما قرّبتها يدكِ المرحة، في إحدى الحفلات، من أجل عبيرها، من خدكِ، فإن إشراقها المنعش يصبح عاديًا.
لا توجد وردة رقيقة بما يكفي على لوحة ألوان الربيع، سيدتي، دعها تجرؤ على ادعائها لمقاومة سنواتكِ السبعة عشر.
البشرة أثمن من البتلات، والدم النقي لقلب نبيل الذي يفيض على الشباب، ينتصر على كل الورود!
3.4. عيد الميلاد
السماء سوداء، والأرض بيضاء؛ - الأجراس تدق فرحًا! وُلد يسوع؛ - العذراء تنحني بوجهها البهيّ فوقه.
لا ستائر مزخرفة لتحمي الطفل من البرد؛ لا شيء سوى خيوط العنكبوت متدلية من عوارض السقف.
يرتجف على القش الطازج، هذا الطفل الصغير الحبيب يسوع، ولتدفئته في مِذْوَده، ينفخ عليه الحمار والثور.
ينساب الثلج على القش، لكن السماء تنفتح فوق السقف وجوقة الملائكة، بثيابها البيضاء، تُنشد للرعاة: "عيد ميلاد! عيد ميلاد!"
3.5. الوصية الأخيرة
أحببتكِ منذ زمنٍ طويل: يعود اعترافي هذا إلى ثمانية عشر عامًا! أنتِ وردية، وأنا شاحب؛ لي الشتاء، ولكِ الربيع.
أزهار الليلك البيضاء تفتحت قرب صدغيّ؛ قريبًا سأمتلك الباقة بأكملها لأظلل جبيني الذابل.
شمسي الخافتة، التي تغيب الآن، ستختفي وراء الأفق، وعلى التل الحزين أرى مثواي الأخير.
آه! ليت شفتيكِ تسقط، قبلة متأخرة، حتى أستطيع، في قبري، بقلبٍ مطمئن، أن أرتاح!
3.6. يا حمامة الحُزانى يا حمامة الحُزانى يا من تُهدهد دائمًا هل تُمدّين جناحيكِ لإنقاذ حبي!
مثلكِ، أيتها الحبيبة المسكينة، بعيدًا عن حمامتي، أبكي وأنوح عاجزة عن نسيانه.
حلّقي، ولتكن قدمكِ الوردية على الشجرة أو البرج لا تستريحي أبدًا، فأنا أتألم من الحب.
تجنّبي، يا حمامتي، مكان استراحة النخلة وجميع الأسطح حيث يتساقط عليها ثلج الحمام.
اذهبي مباشرة إلى نافذته، قرب قصر الملك، سلّميه هذه الرسالة وقبلتين لي.
ثم، على صدري المحترق الذي لا يهدأ، عودي، مع روحه، عودي للراحة.
3.7. جوهرة القلب كل عاشق، لحبيبته. على قلبه أو في درج مكتبه. يملك تذكارًا يعتز به في أيام الندم أو الأمل.
واحدة، بشعر داكن، شجعتها ابتسامة، التقطت خصلة متلألئة انعكاس أزرق كجناح طائر القيق.
أخرى، على رقبة بيضاء منحنية، مقطوعة من خلف ندفة ثلج، ملتوية وناعمة كالحرير، مُفرَزة من شرنقتها.
ثالثة، في قاع صندوق، مُخبأة للذكرى، تخفي قفازًا أبيض ضيقًا، حيث لا تتسع يد.
هذه الأخرى، لأصنع منها تميمة، في كيس صغير مزين برقم، تخيط زهور البنفسج، هدية طازجة تُستعاد عندما تذبل.
هذه تُقبّل النعل الذي فقدته سندريلا ذات مساء؛ وهذه تحتفظ بأنفاسها في لحية قناع أسود.
ليس لديّ خصلات شعر لامعة، ولا قفازات، ولا باقات زهور، ولا أحذية، لكنني أحتفظ، ببصمة عزيزة، دمعة على قطعة من الورق:
ندى صافٍ، قطرة واحدة، سقطت ذات يوم من سماء زرقاء، جوهرة لا تُقدّر بثمن، لؤلؤة ذابت في كأس حبي!
وبالنسبة لي، هذه البقعة الغامضة تتألق كصندوق أوفير، وتنفصل عن الرق الأزرق، كماسة فُقست من ياقوتة.
هذه الدمعة، التي تجلب لي الفرح، تدحرجت، ككنز غير متوقع، على أحد أبياتي، التي تغرقها، بعين لم تذرف دمعة قط!
3.8. أول ابتسامة ربيعية
بينما منشغلون البشر بأعمالهم الشريرة، يهرع البشر، لاهثين، يضحك مارس، رغم الأمطار الغزيرة، يُهيئ الربيع سرًا.
لأزهار الأقحوان الصغيرة، بخفة، بينما الجميع نيام، يكوي أطواقها وينحت زهور الحوذان الذهبية.
في البستان وفي الكرم، يذهب، كصانع شعر مستعار متخفٍ، بخصلة ناعمة كزغب البجعة، ليغطي شجرة اللوز بالصقيع.
الطبيعة تستريح في فراشها؛ ينزل إلى الحديقة المهجورة ويُزين براعم الورد بأوشحتها المخملية الخضراء.
طوال الوقت يُلحّن ألحانًا يُصفرها بهدوء للطيور السوداء يزرع زهور الثلج في المروج والبنفسج في الغابات.
على الجرجير بجانب النافورة حيث يشرب الأيل، آذانه مصغية، يُبعثر بيده الخفية أجراس زنبق الوادي الفضية.
تحت العشب، لتقطفها، يضع الفراولة بلونها القرمزي وينسج لك قبعة من الأوراق لتحميك من الشمس.
ثم، عندما ينتهي عمله، ويوشك عهده على الانتهاء، يُدير رأسه عند عتبة أبريل، ويقول: "أهلاً بالربيع، تفضل!"
3.9. الرجل الأعمى
رجلٌ أعمى عند عمودٍ على جانب الطريق، شاحبٌ كالبومة عند الفجر، على مزماره الصغير، بوجهٍ كئيب، يُخطئ في تحديد مكان الحفرة،
ويعزف لحنًا قديمًا، يعزفه بصمتٍ نشاز؛ يقوده كلبه عبر المدينة، شبحٌ نهاريٌّ بعينٍ نائمة.
تمر الأيام عليه دون أن تُشرق؛ كئيبًا، يسمع العالم المظلم وحياةً خفيةً تهمس كسيلٍ خلف جدار!
الله أعلم ما هي الأوهام المظلمة التي تسكن هذا العقل المُبهم! وما هي المجلدات غير المقروءة التي تكتبها الفكرة في هذا القبو!
وهكذا في آبار البندقية، سجينٌ شبه مجنون، خلال ليله الذي لا ينتهي، ينحت الكلمات بمسمار.
لكن ربما في ساعات الحداد، عندما يطفئ الموت الشعلة، سترى الروح، المعتادة على الظلام، بوضوح في القبر!
3.10. أغنية في أبريل، الأرض وردية كشباب وحب؛ لا تزال عذراء، بالكاد تجرؤ على دفع ثمن عودة الربيع.
في يونيو، وقد شحب لونها أكثر وقلبها مضطرب بالرغبة، مع سمرة الصيف التي اكتسبت لونًا بنيًا داكنًا، تختبئ بين سنابل القمح.
في أغسطس، كساحرة ثملة، تقدم للخريف صدرها، وتتدحرج على جلدها المخطط، تجعل دم العنب يتدفق.
في ديسمبر، امرأة عجوز صغيرة، بيضاء كالبودرة بفعل الصقيع، تستيقظ في أحلامها والشتاء يشخر بجانبها.
3.11. مغازلة ما بعد الموت عندما أموت، فليضعوا عليّ قبل أن يُغلقوا نعشي لمسة من أحمر الخدود على خدي لمسة من الكحل الأسود حول عيني.
لأنني أريد، في نعشي المغلق كما في ليلة اعترافها أن أبقى وردية إلى الأبد مع الكحل تحت عيني الزرقاء.
لا كفنًا من الكتان الفاخر بل لفّوني في طيات بيضاء من ثوبي القطني من ثوبي ذي الكشكشة الثلاث عشرة.
إنه زينتي المفضلة؛ كنت أرتديه عندما كنت أُرضيها. من النظرة الأولى قدّسها ومنذ ذلك الحين لم أرتدِها.
ضعني، بلا ثوب أصفر خالد بلا وسادة من دموع مطرزة على وسادتي المزركشة المبللة بشعري.
هذه الوسادة، في ليالٍ عاصفة شهدت جباهنا تتشابك وهي نائمة وتحت ملاءة الجندول السوداء أحصت قبلاتنا التي لا تنتهي.
بين يديّ الشاحبتين الجمعيتين المقيدتين بالصلاة أدير هذه المسبحة العقيقة المباركة من البابا في روما:
سأحصي حباتها في الفراش الذي لم يقم منه أحد بعد؛ نطق فمه على فمي كل صلاة أبانا وكل صلاة السلام عليك يا مريم.
3.12. كارمن كارمن نحيلة، كخصلة شعر بنية. عيناها محاطتان بهالة من ظلال الغجر. شعرها أسود قاتم. بشرتها سمراء مذهلة كالشيطان.
تقول النساء إنها بشعة، لكن جميع الرجال مفتونون بها: وأسقف طليطلة، يُصلي القداس عند ركبتيها؛
فعلى مؤخرة عنقها الكهرمانية، تتدلى كعكة شعر ضخمة، وحيث طويت، إذا انفكّت، تُشكّل في الكوة، عباءة لجسدها الفارع.
ووسط شحوبها، ينفجر، فمٌ بضحكة منتصرة؛ فلفل أحمر حار، زهرة قرمزية، تستمد لونها الأرجواني من دماء القلوب.
وهكذا خُلقت، الفتاة السمراء تتفوق على أجمل الفاتنات، ودفء عينيها يُشعل لهيب الشبع من جديد.
في قبحها الصارخ، تحمل ذرة ملح من ذلك البحر الذي ينبثق منه، عارياً ومثيراً، فينوس اللاذعة من الهاوية المُرّة.
3.13. النبع
ينساب نبعٌ قرب البحيرة بين حجرين، في زاوية؛ يتدفق الماء ببهجة وكأنه ذاهبٌ بعيدًا.
يهمس: يا للفرح! كان الظلام حالكًا تحت الأرض! الآن شاطئي أخضر تنعكس السماء في مرآتي.
أزهار لا تنساني الزرقاء تقول لي: لا تنساني! اليعاسيب، بذيلها تخدشني في لهوها:
يشرب الطائر من كوبي؛ من يدري؟ بعد بضع منعطفات ربما سأصبح نهرًا أغسل الوديان والصخور والأبراج.
سأطرز برغوتي جسورًا حجرية، وأرصفة من الجرانيت حاملًا الباخرة المدخنة إلى المحيط حيث النهاية.
هكذا يثرثر الربيع الفتيّ يرسم مئة خطة للمستقبل؛ كالماء يغلي في إناء لا يمكن احتواء تدفقه؛
لكن المهد يلامس القبر؛ يموت العملاق المستقبلي صغيرًا؛ بالكاد يولد، يسقط الربيع في البحيرة العظيمة التي تبتلعه!
3.14. روندالا طفلةٌ بهيبة إمبراطورة، حمامةٌ بنظرة صقر، تكرهينني، لكنها نزوةٌ مني، لأستقرّ تحت شرفتكِ.
هناك، أريد، قدمي على الرصيف. أقرص أعصابي، وأضرب الخشب، لأجعل زجاج نافذتكِ الكئيب يلمع، مصباحكِ وجبهتكِ في آنٍ واحد.
أمنع أي غيتار من العزف في الاقتراب. شارعكِ لي: - أمنعه من أن أغني فيه أغاني حبي وحدي،
وأقطع أذني أول من ينتقدكِ، الذي أمام الغرفة التي تحرسينها، يُلقي بيتًا شعريًا، حسنًا كان أم سيئًا.
في غمده، يتحرك سكيني؛ هيا، من يريد قرمزيًا؟ من يريد أحمرًا لربطة عنقه ليصنع زرًا من العقيق؟
دمي في عروقي ممل، فهو مُعدٌّ للظهور؛ الجو كئيب، احذروا المطر! أيها الجبناء، أسرعوا بالعودة إلى دياركم.
اخرجوا أيها الشجعان! اخرجوا أيها المتباهون! ساعدي مغطى بعباءتي، على وجوهكم الشبيهة بوجوه الأبقار سأرسم الصلبان بسكيني!
دعهم يتقدمون! فرادى أو جماعات، بخطوات ثابتة أنتظرهم. من أجل مجدكم، يجب أن أشق أنوف هؤلاء القادة.
عند النهر الذي يعيق تقدمكم والذي قد يلوث أقدامكم البيضاء، جسد المسيح! أريد أن أصنع فلكًا بأضلاع الشجعان.
لأثبت لكم كم أحبكم، قولوا لي، سأقتل من تشاؤون: سأهاجم الشيطان نفسه، إن كان لديّ كفنكم.
باب أصم! نافذةٌ مُغلقة! ومع ذلك، لا بدّ أن تسمع صوتي؛ أهدرُ كالثور الجريح، أُثيرُ الكلابَ للنباح!
على الأقلّ ادقّ مسمارًا في بابك: مسمارًا لأُعلّقَ عليه قلبي. ما فائدةُ أن أُزيله، مجنونًا من الغضب، مُحتضرًا من الخمول؟
3.15. الساعة
أنظر إلى ساعتي مرتين، ومرتين، أمام عينيّ الشاردتين، يظهر عقربها في المكان نفسه؛ إنها الواحدة... بعد ساعة.
وجه الساعة يضحك في الغرفة المجاورة، ويرن رنينها الفضيّ بإيقاعٍ متغيّر، دقتان تهتزان كجرس إنذار.
تسخر مني الساعة الشمسية، مشيرةً، بإصبعها الطويل، إلى المسار الذي على الجدار، رسم ظله المتزايد باستمرار.
برج الجرس، بسخرية، يخبر بالرقم الحقيقي، وبرج الأجراس، مستأنفًا النغمة المتوقفة، يبدو أنه يسخر مني.
انظر! المخلوق الصغير مات. لم أضعه حتى بالأمس، كان شرودي قويًا جدًا، في ثقب الياقوت، المفتاح الذهبي!
ولم أعد أرى، في علبتها، نابض البندول الرقيق يذهب، يأتي، يمينًا، يسارًا، كفراشة فولاذية.
هذا أنا حقًا! عندما أمتطي الهيبوغريف، في أرض الأزرق، يُطلق جسدي الخالي من الروح العنان، ويرحل كما يشاء الله!
تستمر الأبدية في دورانها حول هذه الساعة الصامتة، والزمن، أذنه على الغطاء، يبحث عن ذلك القلب الذي كان ينبض؛
ذلك القلب الذي يعتقد الطفل أنه حي، والذي تتبع كل نبضة منه في صدورنا اهتزازًا مماثلًا،
لم يعد ينبض، لكن أخاه الأكبر لا يزال ينبض بجانبي. - ذاك الذي لا يُشتت انتباهه شيء، بينما كنت نائمًا، قام بتدويره!
3.16. ألعاب المرأة الميتة
ماتت ماري الصغيرة، وتابوتها قصير جدًا لدرجة أنه يتسع تحت ذراع من يحملها كعلبة كمان.
على السجادة وعلى الطاولة يُلقى إرث الطفولة، أذرع متدلية، تبدو حزينة، مترقدة الدمية منهارة.
وإذا كانت الدمية أكثر صلابة، فذلك بسبب عصاها؛ في عينها تنهيدة، تنهيدة تملأ صندوقها الورقي المقوى (كرتونها).
طقم شاي مهجور، يختلط بأطباقه الخشبية المصقولة. مع الفرقة التائهة، من فرسان فرانكوني.
صندوق الموسيقى صامت؛ لكن، عندما يُلفّ الزنبرك، حيث كانت يدها الرقيقة تستريح، ينبعث منه همس حزين.
ترتجف المشاعر وتضطرب في: "آه! سأقول لكِ يا أمي!" تبدو رقصة الفرسان الرباعية حزينة كجنازة،
وتبلل الدموع خدّك عندما تتحرك دونا، على البكرة التي تدور وتعزف، وتلفظ أنفاسها الأخيرة بصوتٍ طويل.
يتألم القلب من هذا المزيج مؤلم كألم الأطفال، ألعاب الأطفال التي تركها الملاك، مهدٌ جعله القبر أجوفًا!
3.17. العيون الزرق امرأة غامضة، جمالها يُقلق حواسي، تقف صامتة، على حافة الأمواج الهادرة.
عيناها، حيث ينعكس لون السماء، تختلط بزرقتها المُرّة، مُزينة ببريق رطب، بألوان البحر الرمادية.
في خمول حدقتيها، تبتسم رقة حزينة؛ تُخمد الدموع الشرارات ويخفت الضوء؛
ورموشها، كالنوارس حيث تُحلق فوق الأمواج المُسطّحة، أجنحة مُرصّعة، مُضطربة، في مواجهة زرقة لا حدود لها.
كما في المياه الزرقاء العميقة، حيث ترقد أكثر من كنز غارق، هناك، من خلال الأمواج، يكتشف المرء كأس ملك ثيولس.
تحت شفافيتها الخضراء، تتألق بين الأعشاب البحرية، لؤلؤة كليوباترا الأخرى قرب خاتم سليمان.
التاج الذي أُلقي في الهاوية في قصيدة شيلر، لم يعثر عليه أي غواص، لا يزال يعكس صورته بوضوح هناك.
قوة سحرية تجذبني نحو هاوية تلك النظرة، كما أغرت حورية البحر في قلب المياه تجذب هارالد هارفغار بشعرها الاشقر.
روحي، بعنف رغبة لا تُقاوم، تقفز إلى وسط الهاوية نحو الظل الذي يستحيل الإمساك به.
تُظهر صدرها، وتُخفي ذيلها، حورية البحر بحنان تجعل بياضها الأزرق يتموج تحت مينا الموج النائم الأخضر.
ينتفخ الماء كصدر مع أنات العاطفة؛ الريح، في صدفتها البحرية، تهمس بتعويذة.
"آه! تعالَ إلى فراشي المرصع باللؤلؤ، ستحتضنك ذراعاي كالأمواج؛ ستذوب الأمواج، وتفقد مرارتها، وتنساب كالعسل على شفتيك.
دع البحر، الذي لا يهدأ، يهمس فوق رؤوسنا، وسنشرب نسيان العواصف في كأس قبلتي."
هكذا يتحدث الصوت الرطب لذلك النظرة الزرقاء، وقلبي، تحت الموجة الغادرة، يغرق ويكمل الزواج.
3.18. بعد انتهاء سلسلة الحلقات أعمدتي مُصطفّة عند رواق المسلسل؛ تحملُ باستسلامٍ عتبةَ الصحيفة الثقيلة.
حتى يوم الاثنين، أنا سيّد نفسي. إلى الجحيم بالروائع التي لم تُولد! لثمانية أيام، يُمكنني أن أسمح لنفسي بإغلاق الباب في وجهك.
خيوطُ الميلودراما لم يعد لها الحق في التسلل بين خيوطِ الحبكاتِ الحريرية التي تُحبّ نزواتي نسجها.
صوتُ الروحِ والطبيعة، سأستمعُ إلى أنينِكِ النقيّ، دون أبياتٍ مُتكلّفةٍ تُصمّ آذانِي بأجراسِها الرنّانة.
وفي كأسي المضلع، أحملُ صحةَ الأزمنةِ الغابرة، وأحلامي القديمة ضيوفًا، سأشربُ نبيذَ صنعتُه بنفسي:
نبيذُ فكري، مُطلقًا على كلِّ شرابٍ آخر، وليُسحقَ تحت وطأةِ الحياة، ليُذرِقَ عنبَ قلبي!
3.19. الكاميليا والأقحوان نُعجب بأزهار الدفيئة بعيدًا عن شمسها الأصلية، كالجواهر تحت الزجاج، تتألق تحت سماء صافية.
دون أن تلمسها النسائم بقبلاتها الغامضة، تولد وتعيش وتموت أمام النظرات الفضولية.
محمية بجدران شفافة، تفتح كنوزها، كغانيِات جميلات، يبيعّن نفسهن بثمن باهظ.
الخزف الصيني يستقبلها في مجموعات فاتنة، أو يد رقيقة ترتدي قفازًا ترميها في باقات في الحفل.
لكن غالبًا بين العشب الأخضر، تهرب من العيون، تهرب من الأصابع، مغطاة بالصمت والظل، تعيش زهرة في أعماق الغابة.
فراشة بيضاء ترفرف، نظرة خاطفة، تفاجئك على ساق الزهرة في بساطتها.
جميلة في بساطتها الريفية، تزهر في تناغم زرقة السماء، وتفوح بعبيرها الرقيق للعزلة ولله.
دون أن تلمس كأسها النقي الذي يثير فيك رجفة من الحياء، تستنشقها ببهجة روحها في عبيرها المنعش.
والزنبق بجماله الباهر والكاميليا التي اشتريتها بثمن باهظ. إذ بالزهرة الصغيرة تحت العشب تُنسى في لحظة!
3.20. الفلاح (لوحة مائية للأميرة م…)
نزوة ريشة خيالية. ولحظات من الترف الإمبراطوري، فلاحك، أبو الهول المقنّع، يطرح لغزًا للرغبة.
إنها موضة بالغة التقشف، هذا القناع وهذا الرداء الطويل؛ يثيران الفضول بغموضهما كل أوديبات الصالون.
ورثت إيزيس القديمة حجابها، لبنات النيل المعاصرات؛ لكن، تحت عصابة العينين، نجمتان، تتألقان بنار نقية رقيقة.
هاتان العينان، اللتان هما قصيدة كاملة، من الخمول والشهوة، تقولان، حلّاً للمشكلة، "كن حبًا، أنا الجمال."
3.21. العُلّية على البلاط حيث تغامر القطة، تراقب العصفور الشارب، من شرفتي، تلمح عُلّية بين أنبوبين...
لأُزيّنها بشعور زائف بالراحة، لو كنتُ أكذب ككاتب، لأمكنني تأطير نافذتها بزهور البازلاء الحلوة،
وأريكِ ريغوليت هناك، تضحك في مرآتها الصغيرة، التي يعكس بريقها الفضي المخطط نصف عينها الداكنة فقط؛
أو، فستانها لا يزال مفتوحًا، حلقها وشعرها في مهب الريح، مارغو تسقي من إبريقها حديقتها مزروعة في أصيص؛
أو شاعر شاب ينشد أبياته الغامضة، يتأمل خيال مونمارتر وطواحينها الهوائية.
للأسف، عُلّيتي حقيقية؛ لا يتسلق اللبلاب هناك، ويكشف زجاج النافذة عن لطخته، تحت ألواح خشبية خضراء لعوارض قديمة.
للبائعة والفنانة، للأرمل والعازب، العُلّية حزينة دائمًا: العُلّية جميلة فقط في الأغاني.
منذ زمن بعيد، تحت حافة السقف، انحنت الرؤوس لقبلة، الحب، راضيًا بسرير من الحبال، يأتي ليُحادث سوزون.
ولكن لنُخفف من فرحتنا، نحتاج إلى جدران مُبطّنة، أزهار من الدانتيل والحرير، أسرّة مُزخرفة من مونبرو.
في إحدى الأمسيات، لم تعد، مارغو تتجول على جبل بريدا، وريغوليت، التي يُرعاها زوجها، لم تعد تسقي شجيرتها.
منذ زمن طويل، الشاعر، متعبًا من التقاط القافية ارتجالًا، أصبح مراسلًا صحفيًا، تاركًا السماء إلى الطابق العلوي.
وكل ما يُرى من خلال زجاج النافذة امرأة عجوز نحيلة الملامح، قبل مينيه، يا لها من قصة، تشد خيطًا باستمرار.
3.22. عضات القلب تُحيي الخمول اللؤلؤي. من عينيكِ المنهكة والمنتصرة، في خيوط عطرٍ براقة، تُثني تعويذتين على شكل قلب.
لأراهما مستديرتين على خديكِ. تدور كراتهما بين أصابعكِ، تُشبهان العجلات الصغيرة، لعربة دمية المصنوعة من جوزة؛
أو قوس الحب، الذي تلاقت رؤوسه، ليُطلق سهم، في دائرة ذهبية، عند معبد الرامي الشاب.
لكنّ هاجسًا يُقلقني، ليس لي إلا قلب واحد، فلماذا، يا فاتنة، تُقيّدين قلبي بقلبين؟ فمن تُعلّقين إذًا هناك بجواري؟
أكثر الورود رقةً، هي بلا شك وردة الشاي. برعمها، بتلاتها نصف المغلقة، يكاد ينضح بلون قرمزي.
تبدو كوردة بيضاء قد تُخجلها فراشةٌ، غارقةٌ في شغفها، وهي تُداعبها على الغصن.
نسيجها الوردي الشفاف يُشبه ملمس المخمل، بجانبه، يتلاشى كل قرمزي أو يكتسب ابتذالًا.
كبشرةٍ أرستقراطية تُغمّق الحواجب المُسمّرة، وتُضفي على الريف لونًا قرمزيًا دافئًا كباقي الورود.
لكن، إذا داعبتها يدك، في حفلٍ ما، لعطرها، قرّبتها من خدّك، فأصبح إشراقها النضر مألوفًا.
لا توجد وردة رقيقة بما يكفي على لوحة الربيع، سيدتي، لتجرؤ على المطالبة بمقاومة سبعة عشر عامًا.
البشرة أثمن من البتلات، والدم النقي لقلب نبيل الذي يمتزج بالشباب، ينتصر على كل الورود!
3.23. العُري ترتفع سحابةٌ في الأفق، ترسمُ شكلها في زرقة السماء: تبدو كعذراء عارية تخرج من بحيرةٍ بجدولٍ صافٍ.
واقفةً في صدفتها اللؤلؤية، تبحرُ على الزرقة الصافية. كأفروديت أثيرية. مصنوعة من زبد الهواء؛
نرى جذعها، بخطوطه غير الواضحة، يتمايل في وضعياتٍ ناعمة، والفجرُ ينثرُ الورود، على كتفها الحريري.
يمتزج بياضُها الرخامي والثلجي، بحب، كما في تباين الضوء والظلام عند كوريدجو، جسدُ أمازونية أنتيوب النائمة.
تحومُ في الضوء، أعلى من جبال الألب أو الأبينيني؛ إلى جسدها، المكبوت عبثًا، على جناح الشغف، تحلق روحي إلى تلك السحابة، وتعانقها كما يعانق إكسيون.
يقول العقل: "دخانٌ غامض، حيث يظن المرء أنه يرى ما حلم به، ظلٌّ مشوّهٌ بفعل الريح، فقاعةٌ تنفجر وتتلاشى!"
إذ يجيب الشعور: "ما أهمية ذلك! ما هو الجمال في نهاية المطاف، شبحٌ ساحرٌ تحمله نسمة، وهو لا شيء، بعد أن كان!
افتح روحك للمثال الأعلى؛ املأ قلبك بسماءٍ واسعة، أحب سحابة، أحب امرأة، لكن الحب! - هو الجوهر!"
3.24. الطائر الأسود يُغرّد طائرٌ بين الأغصان ويقفز مرحاً، مفعماً بالأمل، على الأعشاب البيضاء من الصقيع، مرتدياً حذاءً أصفر، ومعطفاً أسوداً طويلاً.
إنه طائر الشحرور، مغرد ساذج، جاهل بالتقويم، يحلم بأشعة الشمس، ويتأمل ترنيمة أبريل في فبراير.
ومع ذلك تهب الرياح، وتمطر بغزارة، يحوّل نهر أرف نهر الرون إلى اللون الأزرق، وغرفة الاستقبال، المكسوة بأقمشة فارسية، تبقي جميع ضيوفها قريبين من النار.
الجبال على أكتافهم مُزينة بفراء القاقم، كقضاة يجلسون في المحكمة؛ محكمتهم البيضاء تنظر في قضية شتاء مُطوّل.
يمسح جناحه وهو يجففه، يُصرّ الطائر على تغريده، رغم الثلج والضباب والمطر، يؤمن بقدوم الربيع.
يتذمر من الفجر الكسول لبقائه في الفراش طويلاً ويوبخ الزهرة الذابلة، يستدعي الربيع.
يرى النهار خلف الظلال؛ كالمؤمن في المكان المقدس، المذبح المهجور، تحت صحن الكنيسة الكئيب، بإيمانه، يرى الله دائمًا.
يثق بالطبيعة، لأن غريزته تستشعر القانون. من يسخر من فلسفتك، أيها الطائر الأسود الجميل، أقل حكمة منك!
3.25. زهرة الربيع
أشجار الكستناء على الشرفة ستزهر قريبًا في سان جان، الفيلا التي تُطلّ على جبال زرقاء عديدة تعلوها قمم فضية.
الورقة، التي ما زالت مطوية من الأمس في غلافها الشتوي الضيق، تضع على الغصن غير المربوط أولى لمسات الخضرة.
لكن عبثًا تُحرّك الشمس عصارة الأغصان البطيئة النمو؛ المتأخرة في الإزهار تتردد في إظهار عناقيدها البيضاء.
ومع ذلك، شجرة الخوخ وردية بالكامل، وكأنها تتوق إلى التواضع، وشجرة التفاح، التي يرويها الفجر، تزهر ببراءتها.
يغامر نبات الفستق قرب زهور الحوذان في المروج، لمسات الطبيعة تُعجّل البراعم المطمئنة.
لا بد لي من العودة مجدداً إلى دائرة الجحيم التي أسكنها؛ يا أشجار الكستناء، أسرعي في التفتح وأبهري عينيّ المبتهجتين.
يمكنكِ الخروج للاحتفال بشمعداناتكِ دون خطر، السماء الزرقاء تُشرق على تاجكِ ومايو يُلاحق أبريل بالفعل.
امنحي الشاعر هذه الفرحة في أحزانه، حتى يرى قبل رحيله ألعابكِ النارية من الزهور.
يا أشجار الكستناء العظيمة على الشرفة، المتباهية بروعة صيفكِ، أريني جمالكِ الذي يسبق جمالكِ.
أعرف حُلّتكِ الفاخرة، عندما يطلّ أكتوبر، يُلبسكِ أثواباً أرجوانية، ويضع عليكِ تيجاناً من الذهب.
رأيتكِ يا ذات الأوراق البيضاء، كأنكِ النقوش التي يرسمها البرد في الليل، كأنه يلمس بأصابعه، على ألواح الفضة المطلية.
أعرف كل مظاهركِ الرائعة، أشجار عملاقة، أشجار كستناء عتيقة، لكنني لا أعرف حزمكِ النضرة ولا عبير ربيعكِ.
وداعًا، أرحل، وقد سئمتُ الانتظار؛ احتفظي بباقاتكِ المتألقة! زهرة أخرى حلوة ورقيقة، لا تُضيئ عينيّ إلا بروح الربيع.
دع مايو يأخذ سلته! هذه الزهرة تكفيني؛ دائمًا للروح وللنحلة، في قلبها عسل نقي.
في سماء زرقاء أو ضبابية، في فصول دافئة أو باردة، تبتسم، وتسحر، وتفوح عطرًا، بنفسج البيت!
3.26. صوت رنان في المتحف القديم، على سرير من الرخام المنحوت، تمثال غامض بجمالٍ مُقلق.
هل هو شاب؟ أم امرأة؟ إلهة، أم ربما إله؟ الحب، خوفًا من العار، يتردد ويكتم اعترافه.
في وضعيته المُشاغبة، يستلقي، مُديرًا ظهره أمام الحشد الفضولي، على وسادته المُبطنة.
لخلق جمالها الملعون، ساهم كل جنس بهديته. يقول كل رجل: إنها أفروديت! وتقول كل امرأة: إنه كيوبيد!
جنسٌ ذو أصلٍ غامض، لكن بجمالٍ أكيد، يبدو هذا الجسد المتردد كأنه ذاب في ماء النافورة، تحت قبلات سالماكيس.
يا له من خيالٍ جامح، يا له من جهدٍ عظيم، من الفن والشهوة، يا أيها الوحش الساحر، كم أحبك بجمالك المتعدد!
مع أن اقترابك ممنوع، تحت الثوب ذي الطيات المستقيمة، الذي تلتصق نهايته بقدمك، غاصت عيناي فيه مراتٍ عديدة.
يا حلم شاعرٍ وفنان، لقد شغلتَ لياليَ عديدة من حياتي، ونزواتي المستمرة ترفض الاعتراف بخطئها.
لكنها وحدها تُحوّل نفسها، وتنتقل من الشكل إلى الصوت، لتجد في تحوّلها الفتاة والفتى.
يا لروعة صوتك الغريب! صوتٌ مزدوج، رجلٌ وامرأةٌ في آنٍ واحد، صوتٌ كونترالتو، مزيجٌ عجيب، خنثى الصوت!
إنه روميو، إنها جولييت، يغنيان بصوتٍ واحد؛ الحمامة الصاخبة والهازجة جاثمين على شجيرة الورد نفسها؛
إنها سيدة القصر التي تسخر من خادمها الوسيم وهو يتحدث عن الحب؛ العاشق عند سفح الجدار، السيدة على شرفة برجها؛
الفراشة، بريقٌ أبيض، التي في التواءاتها وتقلباتها تطارد فراشةً وفية، إحداهما تحلق عالياً والأخرى منخفضة؛
الملاك الذي ينزل ويصعد على الدرج الذهبي، يرفرف الجرس، يمتزج في قلبه المنصهر صوت النحاس، صوت الفضة؛
اللحن والتناغم الأغنية والمصاحبة الموسيقية؛ للنعمة والقوة المتحدتين، السيدة تعانق حبيبها!
جالسة على طية ثوبها، الليلة، ستكون سندريلا تتحدث بجانب النار التي تعتني بها مع صديقها الصرصور؛
غدًا، أرساس الشجاع يطلق العنان لغضبه، أو تانكريد بدرعه، سيفه وخوذته الذهبية؛
ديسديمونا تغني عن الصفصاف، زيرلينا تخدع مازيتو، أو مالكولم بوشاحه على كتفه؛ أنتِ من أحب، يا مغنية الكونترالتو!
طبيعة ساحرة وغريبة ليباركك الله بسحرٍ مضاعف، أنتِ التي تستطيعين، مثل غلنار، أن تكوني كاليد لارا،
وصوتكِ، في رقته، يوقظ القلب النائم، يمتزج مع أنات المحبوبة بلهجة الصديق الأكثر رجولة!
3.27. الوصية الأخيرة
أحببتكِ منذ زمنٍ طويل: يعود اعترافي هذا إلى ثمانية عشر عامًا! أنتِ وردية، وأنا شاحب؛ لي الشتاء، ولكِ الربيع.
أزهار الليلك البيضاء تفتحت قرب صدغيّ؛ قريبًا سأمتلك الباقة بأكملها لأظلل جبيني الذابل.
شمسي الخافتة، التي تغيب الآن، ستختفي وراء الأفق، وعلى التل الحزين أرى مثواي الأخير.
آه! ليت شفتيكِ تسقط، قبلة متأخرة، حتى أستطيع، في قبري، بقلبٍ مطمئن، أن أرتاح!
3.28. يا حمامة الحُزانى يا حمامة الحُزانى يا من تُهدهد دائمًا هل تُمدّين جناحيكِ لإنقاذ حبي!
مثلكِ، أيتها الحبيبة المسكينة، بعيدًا عن حمامتي، أبكي وأنوح عاجزة عن نسيانه.
حلّقي، ولتكن قدمكِ الوردية على الشجرة أو البرج لا تستريحي أبدًا، فأنا أتألم من الحب.
تجنّبي، يا حمامتي، مكان استراحة النخلة وجميع الأسطح حيث يتساقط عليها ثلج الحمام.
اذهبي مباشرة إلى نافذته، قرب قصر الملك، سلّميه هذه الرسالة وقبلتين لي.
ثم، على صدري المحترق الذي لا يهدأ، عودي، مع روحه، عودي للراحة.
3.29. الحوريات لديّ لوحة مائية في غرفتي، غريبة، بريشة رسام لا ينسجم معه الوزن والقافية، - ثيوفيل كنياتوفسكي
على الزبد الأبيض المهدّب، غطاء البحر الرمادي المزرق، تتجمع في باقة غريبة، ثلاث حوريات، أزهار الهاوية المُرّة
كزنابق غارقة، الموجة ترسم في دوامتها الفضية أجسادهن الجميلة ترقص مع تدحرجها، ترفعهن، وتغمرهن
على رؤوسهن الشقراء، المزينة بالمحار والقصب، يختلطن، جنيات غزلان، بمشهد ونباتات المياه.
تُفرغ محارة اللؤلؤ عرقها، وتُرصّ كنزها الأبيض في حلقها، حيث يعلق المدّ المتصاعد المزيد من اللآلئ.
وحتى وركيها، مرفوعة بأذرع التريتونات المتوترة، تتألق، مغسولة بالزرقة، تحت الذهب الأخضر لشعرها الطويل.
في الأسفل، بياضها تحت الماء الأزرق يُقشعر بدنيها بقشعريرة لزجة، وينتهي جذعها بذيل، نصف امرأة، نصف سمكة.
ولكن من ينظر إلى الزعنفة؟ وإلى الخاصرتين بطياتهما المتقشرة، يرى التماثيل العاجية المصقولة بقبلة البحار؟
في الأفق، مزيجٌ مُغرٍ، من الخيال والواقع، تظهر سفينةٌ تُزعج جوقة البحر المذعورة.
علمها ثلاثي الألوان؛ مدخنتها تنفث البخار؛ مجاديفها تضرب الماء الهادر، والحوريات يغوصن في خوف.
تبعنها جحافل دون خوف، سفن الترايريم في الأرخبيل، والدلافين، تقوّس مؤخراتها، منتظرةً نداء أريون.
لكن السفينة البخارية بعجلاتها، كفولكان يضرب فينوس، ستصفع وجوههن الجميلة، وتجرح أطرافهن العارية.
وداعًا، أيها الأساطير الجديدة! تمر السفينة السياحية، ومن بعيد، يظن أنه يرى على الموجة المتسعة دلفينًا يتقلب.
3.30. مساء الخير
يا له من طقسٍ بائس! - تمطر، تتساقط الثلوج؛ سائقو العربات يرتجفون في مقاعدهم، أنوفهم زرقاء. في هذه الأمسية الشقية من شهر ديسمبر، كم سيكون من الممتع البقاء في الغرفة، بجوار المدفأة!
عند زاوية المدفأة، تمتد الأريكة المنجدة مُدّةً ذراعيها إليك وكأنها، بلمسة حانية، تقول لك، كعشيقة، "ستبقى!"
قصاصة ورقية وردية، كصدر أبيض تحت الدانتيل، تحجب نصف غطاء كرة المصباح اللبنية التي ينعكس ضوءها على السقف، الجميع نائمون.
لا يُسمع شيء في الصمت إلا صوت البندول وهو يتأرجح قرصه الذهبي، والريح تبكي وتتجول، تخطّ، لتدخل، الممر.
حفلٌ صاخبٌ في السفارة الإنجليزية؛ معطفي الأسود على الكرسي، ذراعاي متدليتان؛ صدريتي مفتوحةٌ على مصراعيها، وقميصي، يبدو وكأنه يرتفع، ليُلبس، أساورُه البيضاء.
الحذاء ذو المقدمة الضيقة يُظهر لمعانه البراق، موضوعٌ بجانب المدفأة؛ بجانب ربطات العنق الرقيقة، تطول كالأيدي المسطحة، القفازات الجليدية.
يجب أن أخرج! - يا له من عناء! أن أنضم إلى الصف عند المدخل وأتبعهم في خطواتهم عربات الجميلات المتغطرسات تحمل أبوابهن شعارات النبالة وسحرهن.
أن أقف أمام الباب لأشاهد حشد يندفع إلى الداخل الضيوف؛ الوجوه القديمة، والوجوه الشابة، فساتين ذات ياقات وأذيال طويلة. وصدريات. فتحات الرقبة مكشوفة؛
ظهورٌ حيث تتفتح فيها البثور، تغطي بشرتهم الحمراء بتولٍ خفيف؛ أنيقون ودبلوماسيون، على وجوههم الباهتة، لا يظهرون شيئًا.
عاجزون عن عبور سياج الأرامل ذوات العيون الثاقبة أو عيون النسور، ليذهب ويهمس في أذنها صغيرة، لؤلؤية، وقرمزية، كلمة حب!
لن أذهب! - وسأضع قصاصة رسالة في باقة زهورها، في دار الأوبرا. بين زهور البنفسج في بارما، تتلاشى روح الدعابة السيئة، ستأتي!
لديّ هنا فاصل لهاينه، و"توماس غراين دورغ" لتين، وجائزتا غونكور، الوقت، حتى الساعة التي تنتهي فيها الفكرة على الوسادة، في حلم، سيكون قصيرًا بالنسبة لي.
3.31. فن
نعم، العمل ينبثق أكثر جمالًا من شكلٍ قيد التشكيل متمرد، شعر، رخام، عقيق، مينا.
لا قيود زائفة! لكن فقط للسير باستقامة تلبسين، الإلهام، حذاءً ضيقًا.
بعيدًا عن الإيقاع المريح، كحذاءٍ كبيرٍ جدًا، مع الموضة التي تتخلى عنها كل قدم وتتبناها!
أيها النحات، ارفض الطين الذي يعجنه الإبهام عندما يتجول العقل في مكان آخر؛
كافح مع رخام كرارا، بالصلب ورخام باريان النادر، حراس الخطوط النقية؛
استلهم من سيراكوزا برونزها حيث يُطبع الخط الفخور والساحر بثبات الصارم
بيدٍ رقيقة اتبع في عرق العقيق ملامح أبولو.
أيها الرسام، اهرب من الألوان المائية، وثبّت اللون، هاهو هش للغاية، في سخونة الطلاء
اصنع صفارات زرقاء، تلوي بمئة طريقة، ذيولها. وحوش شعارات النبالة؛
في هالتها الثلاثية، العذراء ويسوعها، الكون مع الصليب عليها.
كل شيء زائل. - الفن الراسخ وحده الخالد. التمثال النصفي يبقى بعد زوال المدينة.
والميدالية البسيطة التي يجدها فلاح تحت الأرض تكشف عن إمبراطور.
الآلهة نفسها تموت. لكن الآبيات الخالدة تبقى أقوى من البرونز.
انحت، ابرد، انقش؛ دع حلمك العائم يُختم في الكتلة الصلبة!
3.32. روابط سرية (أغنية وحدة الوجود) في واجهة معبد قديم، كتلتان من الرخام، منذ ثلاثة آلاف عام، على خلفية زرقاء لسماء أتيكا، وضعتا أحلامهما البيضاء جنبًا إلى جنب؛
متجمدتان في عرق اللؤلؤ نفسه، دموع الأمواج تبكي على فينوس، لؤلؤتان غاصتا في الهاوية، كتبتا كلمات مجهولة لبعضهما البعض؛
تزهران في جنة العريف الباردة، تحت النافورة دائمة البكاء، في زمن أبو عبد الله، وردتان جعلتا أزهارهما تثرثر معًا؛
على قباب البندقية، حمامتان خشبيتان بيضاوان بأقدام وردية، في العش حيث يدوم الحب، في إحدى أمسيات مايو، حطتا.
رخام، لؤلؤة، وردة، حمامة، كل شيء يذوب، كل شيء يُدمر؛ تذوب اللؤلؤة، ويسقط الرخام، تذبل الزهرة ويطير الطائر بعيدًا.
مع افتراقهما، تدخل كل ذرة في بوتقة عميقة لتضخّم العجينة الكونية لتتشكل في صور يصهرها الله.
عبر تحولات بطيئة، يتحول الرخام الأبيض إلى لحم أبيض، وتتحول الأزهار الوردية إلى شفاه وردية وتُعاد صياغتها في أجساد متنوعة.
يُغرّد الحمام البري من جديد في قلوب عاشقين شابين، وتُصقل اللآلئ لتصبح أسنانًا لإضفاء جو من الضحك الساحر.
ومن هنا تولد تلك المشاعر بحلاوتها الآسرة، التي بها تتعرف النفوس الفطنة على بعضها البعض كأخوات في كل مكان.
مستجيبة لنداء رائحة شعاع أو لون، تطير الذرة نحو الذرة كما تطير النحلة نحو الزهرة.
نتذكر الأحلام على الجملون أو في البحر، من أحاديث رقيقة قرب النافورة ذات التيار الصافي،
من قبلات ورفرفة أجنحة على القباب ذات الكرات الذهبية، والجزيئات الوفية وما زالت تبحث حب بعضها البعض.
يستيقظ حب منسي، يولد الماضي من جديد بشكل غامض، الزهرة على الفم القرمزي تتنفس وتتعرف على نفسها.
في عرق اللؤلؤ حيث يسطع الضحك، ترى اللؤلؤة بياضها من جديد على بشرة فتاة صغيرة، يشعر الرخام المتحرك بنضارته.
يجد الحمام البري صوتًا رقيقًا، صدى أنينه، تخف كل مقاومة، ويصبح الغريب عاشقًا.
أنتِ التي أحترق وأرتجف أمامها، أي موجة، أي جملون، أي شجيرة ورد، أي قبة عرفتنا معًا، لؤلؤة أم رخام، زهرة أم حمام بري؟
3.33. قصيدة امرأة الرخام في باروس
في يومٍ من الأيام، إلى الحالم الرقيق الذي أحبها، بينما كانت تستعرض كنوزها، تمنت أن تقرأ قصيدة، قصيدة جسدها الجميل.
مُترفة، رائعة ومنتصرة، أتت بثوبٍ فخم، تتمايل برشاقة أميرة، شلالٌ من المخمل اللؤلؤي:
أخبارها من على حافة مقصورتها تألقت في المسرح الإيطالي، تستمع إلى مديحها يُغنى في ألحان الموسيقيين.
بعد حين، بحيوية فنانة، تركت المخمل الثقيل ينسدل، في سحابة من الكتان، رسمت ملامحها الفخورة.
ينزلق من الكتف إلى الورك، القميص ذو الطيات العفوية، كحمامة بيضاء، ليستقر على بياضها أقدام.
لأبيلس أو لكليومينس، بدت كأنها رخام من لحم، في فينوس روح أناديومين، سيأتي شاطئ البحر عند بابكِ.
لآلئ فينيسية كبيرة تتدحرج بدلًا من قطرات الماء، حبيبات حليبية تلمع كشعاع ضوء، على نعومة بشرتها الحريرية.
يا لها من أشياء فاتنة، في عريها الإلهي، مع أبيات وضعياتها، أنشدت هذه الأنشودة الجمالية!
كأمواج تُقبّل الرمال تحت أشعة القمر المرتجفة، كانت رقتها لا تنضب في تموجات ناعمة.
لكن سرعان ما ملّت من الفن القديم، من فيدياس وفينوس، في مقطع نحتي آخر، تجمع مفاتنها العارية.
على سجادة كشميرية، هي سلطانة السراي، تضحك في المرآة التي تُعجب بها بضحكة مرجانية.
المرأة الجورجية الكسولة، مع نرجيلتها المرنة، تفرد وركها الممتلئ، قدم تحت الأخرى مُغطاة.
الجارية المتسكعة، تقوّس منحنياتها، رغم فضائلها الضئيلة، رغم حيائها الضئيل!
أيتها الجارية الكسولة، تنحّي جانبًا! ها هي اللوحة في ضوء النهار، الماس في ضوئه؛ ها هو الجمال في الحب!
يميل رأسها ويسقط للخلف، بألم، يرتفع صدرها، بين أحضان الحلم الذي يحتضنها، تسقط على وسائدها.
ترفرف جفناها كالأجنحة على كراتها الفضية المصقولة، ويرى المرء بؤبؤ عينيها يرتفع في نسل اللؤلؤ اللانهائي.
في كفنٍ من الدانتيل الإنجليزي، ليُغطَّى جمالها: أخذتها النشوة من على وجه الأرض؛ ماتت من النشوة!
لِتَذَكَّرْ أزهارُ البنفسجِ في بارما، بدلًا من أزهارِ الموتى الحزينة، حيث كلُّ لؤلؤةٍ دمعة، لتَبْكِرُ باقاتٍ على جسدها!
ولتُرْفَعْ برفقٍ على فراشها، قبرٌ أبيضُ ناعم، حيثُ يذهبُ الشاعرُ، عند حلولِ الليل، ليُصلِّي راكعًا.
3.34. سيمفونية بالبياض الفسيح
من أعناقهن البيضاء التي تُقوّس الخطوط في حكايات الشمال على نهر الراين القديم، تُرى نساء البجع يسبحن ويغنين قرب الضفة.
أواه، معلقات من غصن ما ريشهن الذي يكسوهن، يجعل بشرتهن تتألق ببياضٍ أشد من بياض زغبهن.
من بين هؤلاء النساء واحدة تنزل أحيانًا إلى أرضنا بيضاء كضوء القمر على الأنهار الجليدية في السماء الباردة؛
تدعو النظرة المسكرة لإزهارها الشمالي إلى ولائم من لحم لؤلؤي إلى انغماسات البياض!
صدرها، كالثلج المصقول على شكل كرة مقابل أزهار الكاميليا البيضاء والحرير الأبيض لفستانها يتحمل معارك ضارية.
في هذه المعارك البيضاء العظيمة تُهزم الأقمشة الحريرية والزهور وبدون سعي للانتقام يتحول اللون إلى الأصفر كالحسودين.
على بياض كتفها باروس حبيباتها المتلألئة كما في ليلة قطبية ينزل صقيعٌ خفيّ.
من أيّ فصوص تزجج الثلج البكر من أيّ لب قصب من أيّ قربان وأيّ شمعة صُنع بياض بشرتها؟
هل كانت قطرة الحليب تلون زرقة سماء الشتاء الزنبق بلبه الفضي زبد البحر الأبيض؛
رخام أبيض، لحم بارد شاحب حيث تسكن الآلهة؛ فضة باهتة، أوبال حليبي متلألئ ببريق خافت؛
عاج، حيث يداها. كأجنحة ومثل الفراشات البيضاء على أطراف نغمات رقيقة تعلق قبلاتها المرتجفة؛
ابن عرس، نقيٌّ لا تشوبه شائبة الذي، ليحتمي من برده القارس معاطفه بفروه الأبيض أكتافه وشعارات النبالة؛
الزئبق بأزهاره الساحرة نوافذه الزجاجية الملونة مزينة بأغصانه؛ الدانتيل الأبيض للأحواض دموع حورية الماء المتجمدة في الهواء؛
زعرور مايو، ينحني تحت صقيع أزهاره الأبيض؛ المرمر حيث يحب الحزن أن يستعيد شحوبه؛
زغب الحمامة الأبيض يتساقط الثلج على أسطح القصر والصواعد المتساقطة دمعة بيضاء من الكهف المظلم؟
من غرينلاند والنرويج هل تأتي مع سيرافيتا؟ هل هذه عذراء الثلج أبو الهول الأبيض الذي نحته الشتاء؟
أبو الهول المدفون تحت الانهيار الجليدي حارس الأنهار الجليدية المرصعة بالنجوم ومن يخفي، تحت صدرها الأبيض أسرارًا بيضاء متجمدة؟
تحت الجليد حيث ترقد بسلام، يا إلهي! من يستطيع أن يذيب هذا القلب! يا إلهي! من يستطيع أن يضيف لمسة من اللون الوردي إلى هذا البياض الذي لا يلين!
3.25. قلعة الذاكرة يدي على جبيني، وقدمي في الموقد، أتأمل وأسعى للعودة، إلى ما وراء الماضي الرمادي، إلى قلعة الذاكرة القديمة.
غشاوة من الضباب تُخفي الأشجار، والبيوت، والسهول، وسفوح التلال، والعين عند مفترق الطرق، التي تُضلل، تستشير الأعمدة عبثًا.
أتقدم بين الأنقاض لعالم مدفون بأكمله، في غموض الشفق، عبر غياهب النسيان.
لكن هنا، بيضاء شفافة، الذاكرة، على حافة الطريق، حيث تُسلمني، كأرشاد أشد قداسة، خيطها في يدي.
الآن الطريق واضح؛ تطل الشمس من جديد، ويرتفع برج القلعة البعيد فوق الغابة.
تحت القوس حيث يتلاشى النهار، يتساقط من ورقة إلى أخرى، لا يزال الدرب القديم في الطحلب يرسم شريطه الضيق.
لكن العليق يلتف حولي؛ تنشر الكرمة شبكتها، والغصن الذي أحركه يعود ويلسعني.
وأخيرًا، على حافة الفسحة، أكتشف أبراج القصر القديم ذات الشكل البيضاوي، والأسقف العالية التي تشبه طفايات الحريق.
على السطح، لا دخان يشق السماء بأخدود أزرق؛ ولا نافذة مضاءة واحدة بها شكل أو شعاع ضوء.
سلاسل الجسر مكسورة؛ عدس الماء في الخنادق، ببقعها الرمادية المخضرة، ينشر ستاره الكئيب.
لبلاب ملتف، يتغلغل في كل شق، يدفع ثمن البرج المضياف الذي يسنده... بخنقه.
الشرفة تتآكل بفعل ضوء القمر، الزمن ينحتها بطريقته الخاصة، والمطر يمحو ألوان شعاري.
متأثرًا بشدة، أدفع الباب مفتوحًا حيث ينفتح ويصرّ على مفصلاته؛ تهبّ نسمة باردة تحمل إليّ، رائحة خفيفة من الأقبية.
القراص ذو اللسعات الحادة، الأرقطيون ذو الأوراق العريضة، تحت أغصان الشوكران، تزدهر في زاوية الأفنية.
على تمثالي الرخام، حارسي الدرج الأخضر، يُلقي ظل شجرة. تنمو في غيابي.
رافعين مخالبهما كالمخالب الأنثوية، يقفان في وضع انتباه. نظراتهما البيضاء تستجوبني، لكنني أُفشي لهما السر.
وأمضي. - يرفع رأسه، ويعود الكلب العجوز إلى النوم، وتزعج خطواتي الصاخبة صدى الصوت الرابض في زاويته.
ينزلق يومٌ كئيبٌ غامض عبر الزجاج الأصفر لنافذة غرفة الرسم حيث تُصوَّر، بنقوش بارزة، مغامرات أبولو.
دافني، وركاها مغروسان في اللحاء، لا تزال تمد أصابعها الكثيفة؛ لكن بين ذراعي الإله الذي يُجبرها تتلاشى، كشبحٍ مشوش.
أبولو، في منزل أدميتوس، يحرس قطيعًا مُصابًا بالعث؛ الملهمات التسع، فرقةٌ منهكة، يبكين على بيندوس باهت؛
والعزلة، بثوبها، ترسم بإصبعها كلمة: "الهجر" في المسحوق الذي تنثره على رخام طاولة القاعدة.
على طول المنسوجات، أجد من جديد، كضيوف نائمين، ألوان باستيل باهتة، لوحات كئيبة، جميلات شابات وأصدقاء قدامى.
يدي المرتعشة تنزع قطعة من الكريب فأرى حبيبتي الراحلة، تنانير منتفخة، خصر نحيل، سيداليس بتسريحة بومبادور!
برعم وردة يتفتح نصفه على مشدّها المزين بشرائط، الذي يغطي دانتيله نصفه صدر أبيض كالثلج تتخلله عروق زرقاء.
عيناها تلمعان برطوبة كأوراق لدغها البرد، يرتفع اللون الأرجواني إلى وجنتيها، بريق خادع، مكياج الموت!
ترتجف عند اقترابي، ونظرتها، الحزينة والساحرة، تُثبّت عينيّ بقسوةٍ ممزوجةٍ بنظرةِ عتاب تملأني بالألم.
رغم أن الحياة تأخذني بعيدًا، اسمكِ محفورٌ في قلبي، زهرةٌ باستيلية، رقيقةٌ ذابلة، ظلٌّ في ثوبِ حفلةٍ مُقنّع!
طبيعةُ الفنّ الحسودَة، متمنيةً أن تتفوّق على موريلو، في باريس، ابتكرت المرأة الأندلسية التي تضحك في اللوحة الثانية.
بنزوةٍ شعرية، يُزيّن مناخنا الضبابي بسحرٍ غريبٍ ساحر هذه بيترا كامارا الأخرى.
درجاتٌ برتقاليةٌ دافئةٌ تُضفي على خدّها لونًا قرمزيًا ذهبيًا؛ جفونها السوداء الداكنة المُهدّبة تُصفّي أشعةَ الشمس.
بين شفتيها القرمزيتين يتألق بريق فضي، وينبثق جمالها الباهر كحبة رمان في الصيف.
على أنغام القيثارات الإسبانية طالما احتفى صوتي بها. أتت ذات يوم، وحيدة، وكانت غرفتي قصر الحمراء.
في مكان أبعد، حسناء قوية، بذراعين قويتين تحيط بهما خواتم ثقيلة، تزين تمثالها الرخامي باللؤلؤ والمخمل.
بملامح ملكة ضجرة، في أحضان حاشيتها، راكعة، رائعة وشرود الذهن، تستريح ويدها على علبة مجوهرات.
فمها الرطب الحسي يبدو أحمر بدماء القلوب، ومفعم بالشهوة القاسية، عيناها تحملان تحديات منتصرة.
هنا، لا مزيد من الرقة المؤثرة، بل سحرٌ آسر. إنها تُشبه فينوس الشريرة التي تُهيمن على العشق الكريه.
هذه فينوس، الأم الشريرة، إذ غالبًا ما هزمت كيوبيد. يا من كنتِ فرحتي المُرّة، وداعًا إلى الأبد... واغفري لي!
في إطارها، حيث الظل المتلألئ، بدلًا من أن يعكس ملامحي، ترسم المرآة من الذاكرة أقدم لوحاتي.
شبحٌ مُسترجعٌ يُضاعف نمطٌ مُحيَ إلى الأبد، يخرج من أعماق المرآة المضطربة ومن ظلام الماضي.
في سترته الوردية الساتان، المُلوّنة بذوقٍ جريء، يبدو وكأنه يبحث عن وضعية لبولانجر أو ديفيريا.
رعب البرجوازي الأصلع حليق الذقن، شعر كثيف، كشعر ملك فرانكي أو أسد أسمر، ينساب كالسيل حتى خصره.
يا له من رومانسي عنيد، جندي فن لا يزال يقاتل، هرع إلى المسرح عندما دوّى بوق هيرناني.
...يحلّ الليل، ومع الظلال، يجلب أهواله إلى زوايا النوم. المجهول، عامل مسرح كئيب، يرفع من رهبته.
انفجارات الشموع انفجرت فجأة على المشاعل! هالاتها المتسعة كمصابيح المقابر.
يد غامضة تفتح الباب دون أن تُصدر المفتاح صريرًا. مع ضيوفٍ شاحبين، يمتلئ الصالون.
تُرفع اللوحات عن الجدار، تمسح بمنديلها المصفر، وجوهها المتجعدة، بقشور الورنيش البنية.
يُضيئها انعكاسٌ أحمر، يدفئ الشريط أصابعه، ويُشكّل دائرةً حول الموقد، حيث يشتعل الخشب فجأةً.
الصورة، مفتونةً بالمقبرة، تفقد هيئتها الجامدة والجليدية؛ يعود أرجواني الحياة الدافئ، إلى عروق الماضي.
تستعيد الأقنعة الشاحبة لونها، كما كانت في الزمن الذي عرفتها فيه. يا من ينوح عليهم أسفي، يا أصدقائي، شكرًا لكم على حضوركم!
رجال عام 1830 الشجعان، أراهم من جديد كما كانوا. مثل قراصنة أوترانتو كنا مئة، والآن عشرة.
أحدهم يُظهر لحيته الحمراء كفريدريك على صخرته، والآخر يُلفّ ببراعة طرف شاربه المعقوف.
يُخفي معاناته السرية تحت كبرياء عباءته، بيتروس يُدخن سيجارة يُسميها بابيليتو.
هذا يُخبرني عن أحلامه، يا للأسف! لم تتحقق أبدًا، إيكاروس سقط على الشواطئ حيث ترقد الطائرات المكسورة.
هذا يُفضي إليّ بدراما مُصممة خصيصًا للسيد الجديد الذي، وهو ينسج كل شيء في نسيجه، يجعل موليير وكالديرون يتحادثان.
توم، وقد صدمه الهجر، يتلو "جهود الحب الضائعة"، ويشرح فريتز لسيداليس حلم ليلة والبورغيس لفاوست.
لكن النهار يشرق من النافذة؛ والأشباح، أقل ثباتًا، تسمح للأشياء بالتألق من خلالها في ضوئها الشفاف.
يذوب الشمع، ويحترق؛ تخمدُ النار تحت الرماد، يتصاعد الدخان من الأرض؛ وداعًا يا قلعة الذاكرة!
مرة أخرى، ديسمبر سيُدير الساعة الرملية. يدخل الحاضر غرفتي ويُخبرني عبثًا أن أنسى.
3.36. ما تقوله السنونو. أغنية الخريف
أكثر من ورقة جافة، تتناثر على المروج المصفرة؛ صباحًا ومساءً، النسيم بارد، يا للأسف! لقد ولت الأيام الجميلة!
نرى الأزهار تتفتح، حيثما تحتفظ بها الحديقة كآخر كنوزها؛ تتزين زهرة الداليا بزهرتها، وتتألق زهرة القطيفة بقبعتها الذهبية.
يتساقط المطر في الحوض؛ تعقد السنونو على السطح اجتماعاته السرية: ها هو الشتاء قادم، ها هو البرد قادم!
تتجمع بالمئات، تتشاور بشأن رحيلها. يقول أحدهم: يا له من جو لطيف في أثينا! إنه لأمر رائع على السور القديم!
والأخرى: "لي غرفتي الصغيرة في سميرنا، على سقف مقهى. يعدّ الحجاج حبات الكهرمان على العتبة، بجوار عارضة دافئة."
"أتردد ذهابًا وإيابًا، معتادًا على أبخرة الشيبوك الذهبية؛ ووسط أمواج الدخان، أحلق فوق العمائم والطربوش."
"أعيش في نقش ثلاثي على واجهة معبد في بعلبك. أعلق هناك، بمخلبي فوق صغاري بمناقيرهم العريضة.”
"كل عام أذهب إلى هناك وأبني عشي عند أعمدة البارثينون. عشي في الكورنيش ثقب قذيفة مدفع.”
والأخرى: "لي غرفتي الصغيرة في سميرنا، على سقف مقهى. يعدّ الحجاج حبات الكهرمان على العتبة، تحت شعاع ضوء دافئ.”
"أتردد ذهابًا وإيابًا، معتادًا على أبخرة الشيبوك الذهبية؛ ووسط أمواج الدخان، أحلق فوق العمائم والطربوش.”
وهذه: "أعيش في نقش ثلاثي على واجهة معبد في بعلبك. أعلق هناك، بمخلبي فوق صغاري بمناقيرهم العريضة.”
هذا: "هذا عنواني: رودس، قصر الفرسان؛ كل شتاء، أنصب خيمتي هناك تحت ظلال الأعمدة السوداء.
الخامس: "سأتوقف، فقد أثقلني العمر قليلاً، على المدرجات البيضاء لمالطا، بين الماء الأزرق والسماء الزرقاء.”
السادس: "ما أروع الراحة في القاهرة، فوق المآذن! أصنع زينة من الطين، ومأواي الشتوي جاهز.”
"عند الشلال الثاني، صنعت الأخير، عشي هنا؛ لقد حددت موقعه بدقة، في قبة ملك من الغرانيت.”
الجميع: "غدًا، كم من الأميال، ستقطع تحت سربنا، سهول بنية، قمم بيضاء، بحار زرقاء تزين أحواضها بالزبد!” "
مع صيحات ورفرفة أجنحة، على الحواف الضيقة، هكذا تُغرّد السنونو، وهي ترى الصدأ يغزو الخشب.
أفهم كل ما يقولونه، فالشاعر طائر؛ لكنه أسير، مُكبّل، بسبب شبكة غير مرئية!
أجنحة! أجنحة! أجنحة! كما في أغنية روكرت، لأطير معهم، تحت الشمس الذهبية، في الربيع الأخضر!
3.37. عشاء الدروع بيورن، راهب غريب، على هضبة صخرة جرداء، خارج الزمان والمكان، يسكن برج قلعة مهدمة.
من بوابتها، يرفع العقل الحديث، عبثًا، المطرقة. يغلق بيورن بوابته الخلفية، ويحصّن قلعته.
عندما تتجه الأنظار نحو الفجر، بيورن، جاثمًا على قمة قلعته، لا يزال يتأمل الأفق مكان غروب الشمس.
روحٌ غارقةٌ في الماضي، تسكن قلعته وفي الماضي؛ بندول ساعته، معطلٌ منذ قرون.
تحت أقواسها الإقطاعية، يتجول، موقظًا أصداءً، وخطواته، التي ترن على البلاط، تبدو وكأنها تتبعها خطواتٌ مماثلة.
لا يرى لا عامة الناس ولا رجال الدين، لا النبلاء ولا البرجوازيين، لكن صور أسلافه تُحادثه أحيانًا.
وفي بعض الأمسيات، ليُسلي نفسه إذ يجد تناول الطعام وحيدًا مملًا، بيورن، في نزوةٍ جنائزية يدعو أسلافه إلى العشاء.
الأشباح، حين تدق الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، تأتي مُسلحة من رأسها إلى أخمص قدميها؛ بيورن، الذي يرتجف رغماً عنه، يُحيّي برفع قدحه.
للجلوس، كل درع يُشكّل زاويةً بركبته، ينثني مفصله يُصدر صريراً كصوت مزلاجٍ قديم؛
وجميعها قطعةً واحدة، الدرع، لنعشٍ أيسر لجثةٍ غائبة، يُصدر همهمةً مكتومةً جوفاء يسقط بين ذراعي الكرسي.
الكونت لاندغرافز، راينغريفز، بورغريفز، يأتون من السماء أو الجحيم، جميعهم هناك، صامتون ووقورون، ضيوف الحديد الجامد!
في الظلال، يكشف شعاعٌ أسمر وحشًا، تنينًا مجنحًا، نسرًا ذا رقبتين، مأخوذة من كتاب شعارات الوحوش على شعاراتٍ مُنهكةٍ من الضربات.
من أفواه وحوشٍ مُشوّهة ترفع مخالبها المُتكبّرة، تنبثق ريشاتٌ ضخمة أغطيةٌ مُبهرجة؛
لكن الخوذات المفتوحة فارغة كشعارات النبالة؛ فقط لهيبان مُتوهجان يلمعان هناك بشكلٍ غريب.
كل الخردة مُكدّسة في قاعة القصر القديم، وعلى الجدار، الظل الغامض يُعطي كل ضيفٍ صفحةً سوداء.
الخمور على ضوء الشموع تكتسب لونًا أرجوانيًا مُريبًا؛ الأطباق، بصلصاتها المُحمرة، تتخذ مظهرًا فريدًا.
أحيانًا يلمع درع، يتألق غطاء الرأس للحظة؛ قطعةٌ تنفصل، تسقط بثقل على مفرش المائدة.
يُسمع خفقان أجنحة، خفافيش غير مرئية، ورايات الأعداء، ترفرف على الألواح الخشبية.
بحركاتٍ طريفة، تثني أصابعها النحاسية، تصب القفازات في الخوذات، جرعات من نبيذ الراين،
أو تقطع بالخناجر، خنازير برية على أطباق ذهبية. في هذه الأثناء، تمر أصوات مبهمة، عبر آلات الأرغن في الممر.
بصوتٍ لا يزال أجش، من رطوبة القبو، يُهمهم ماكس، في سُكرٍ مرح، أغنية جديدة، في ألف وثلاثمائة سطر.
ألنبيل، بنبيذه القوي، يتشاجر مع جيرانه، يضربهم ضربًا مبرحًا، أحدبًا ومتهورًا، كما فعل بالسرّاسنة.
الجريح، وقد استشاط غضبًا، يخلع خوذته، التي كانت تسكنها جمجمة، غير مدرك أنه بدون قناعه يبدو كجذع شجرة مقطوع الرأس.
سرعان ما يتساقطون في فوضى عارمة تحت الطاولة، بين الأباريق، رؤوسهم إلى الأسفل، تظهر نعالهم أحذيتهم منحنية كأنياب.
إنها ساحة معركة بشعة حيث تتصادم الأواني بالخوذات، حيث كل جثة، بجرح ما، تتقيأ طعامًا بدلًا من الدم.
وبيورن، قبضته على فخذه، يتأملهم، كئيبًا ومرهقًا، بينما، من خلال نافذة الزجاج السويسري الملون، يلقي الفجر بنظراته الزرقاء.
الفرقة، وقد اخترقها شعاع من ضوء الشمس، تتلاشى كشعلة عند الفجر، وأكثرهم سُكراً يسكب على نفسه ركاب القبر.
يصيح الديك، وتهرب الأشباح ويعودون إلى كبريائهم، على الوسادة الرخامية يستريحون رؤوسهم مثقلة من الوليمة!
3.38. الحصون والمقابر كان الهيكل العظمي غير مرئي، في أيام الفن الوثني الزاهرة؛ الإنسان، في هيئته الحسية، مكتفيًا بالجمال، لا يسعى لشيء.
لا جثة تحت القبر، شبح بشع للحبيب، كثوب يتساقط يُسلخ لحمه.
وعندما يتصدع الحجر، وسط الأهوال، يُكشف للعين التي تجرؤ على النظر هيكل من العظام؛
لكن مسروقًا من نار المحرقة قرصة بين الأصابع، بقايا خفيفة من الحياة، محصورة في الجرة الضيقة الجوانب؛
ماذا تترك فراشة الروح، غبارًا خلفها، وماذا يتبقى من اللهب على الحامل الثلاثي، عندما يمسك به!
بين الزهور وأوراق الأقنثوس. في الرخام، بفرح، رقصت كيوبيد، وإيجيبان، وباخوس حول النصب التذكاري؛
في أحسن الأحوال، عبقري صغير، أطفأ شعلة بقدمه؛ وسكب الفن تناغمه، على حزن القبر.
كانت المقابر فاتنة: كما يفعل المرء مع طفل نائم بصور حلوة ضاحكة، أحاطت الحياة بالموت؛
أخفى الموت وجهه بثقوب عميقة، بأنف أفطس، الذي يمحو بشاعته الساخرة أوهام الكابوس.
الوحش، تحت الجسد الباهر، أخفى شبحه المجهول، وذهبت عين العذراء الصريحة، إلى الشاب الوسيم العاري.
فقط من أجل الرغبة في الشرب، في مأدبة الجلوس على العرش، ظهرت يرقة لعبة عاجية،
آلهةٌ يُجلّها الفن دائمًا متّوجونة على عروشهم في السماء الرخامية، لكن أوليمبوس يتنازل للمحن الطويلة المؤلمة، وإله الرومان للناصري،
صوتٌ يقول: بان مات! - الظل ينتشر. - كما لو كان على ملاءة سوداء، على الحزن العميق والكئيب، يظهر الهيكل العظمي الأبيض،
يوقع على شواهد القبور، بتوقيعه المصنوع من عظام الفخذ، يعلق مسبحته المصنوعة من الفقرات، في المقابر، على طول الجدران،
يرفع غطاء التوابيت، بأذرعه المصنوعة من العظام المدببة، يرسم أضلاعه في دائرة، ويضحك بابتسامته العريضة،
يدفعهم إلى رقصة الموت، الإمبراطور والبابا والملك، ومن على حصانه الذي يثور، يُلقي بالفارس الشجاع، وقد غمره الرعب؛
يدخل حجرة العشيقة ويُقلّد تعابير وجهه أمام المرآة، يشرب شاي الأعشاب للمريض، يفتح درج البخيل؛
يُثير الخيول الجامحة، بعظمةٍ كعصا، الحراث على المحراث، يُنهي الأخدود في خندق؛
وبين الحشد المدعو، ضيفٌ غير متوقع، تحت المقعد، يسرق للعروس الشاحبة، شريط رباط ساقها.
مع كل خطوة، يكبر الحشد؛ يُصافح الشاب الرجل العجوز؛ رقصة الساراباند الساحرة، تُحرك البشرية.
الشبح عند الرأس يتمايل، يرقص ويعزف على الربابة، وعلى خلفية سوداء، باللون الأبيض، يرسمه هولباين بخطوط جافة.
عندما يصبح القرن تافهاً، يتبع الموضة؛ في برميل صغير، يرفع كفنه ويطير، ككبوبيد راقص.
عند أريكة قبر الماركيزات، اللواتي يرقدن، منهكات من الحب، في وضعيات رائعة، في مصليات بومبادور.
لكن غطِّ نفسك، أيها القناع بلا خدود، أيها الممثل الذي تنهشه الدودة، لقد لعبتَ طويلاً بما فيه الكفاية، مسرحية الموت.
عُد، عُد، أيها الفن القديم الجميل، مع باروس المتلألئة، غطِّ هذا الهيكل العظمي القوطي، والتهمه، أيها المحرقة المشتعلة!
إن كنا تمثالاً منحوتاً على صورة الله، فعندما يُهدم هذا التمثال، فلنُلقِ شظاياه في النار.
أنتِ، يا صورة خالدة، انهضي من جديد في اللهيب إلى منابع الجمال، دون أن تشعري بعار طينكِ وبؤس القبر!
3.39. خيالات الشتاء I أنف أحمر، وجه شاحب، على منبر من الجليد، يعزف الشتاء لحنه في رباعية الفصول.
يغني بصوت متقطع ألحان قديمة الطراز، مرتعشة؛ قدمه الجليدية تحافظ على الإيقاع ونعله في الوقت نفسه؛
ومثل هاندل، الذي فقد شعره المستعار مساحيقه وهو يرتجف، يرسل من رقبته الثلج المتطاير الذي كان يغطيه بالبياض.
II في حوض التويلري، علقت البجعة أثناء سباحتها، والأشجار، كما لو كانت في حكايات خرافية، مصنوعة من الفضة المشذبة.
المزهريات عليها زهور متجمدة، تحت العريشة ذات الزخارف البيضاء؛ وعلى الثلج، نرى تتبع بعضها بعضًا، خطوات الطيور المرصعة بالنجوم.
على القاعدة حيث وقفت فينوس، شبه عارية، بجانب فوكيون، وضع الشتاء تمثالًا لكلوديون المرتجف.
III. تمر النساء تحت الأشجار مرتديات فرو السمور والقاقم والسنجاب، والآلهة، كالكُري الرخامي البارد، ارتدين أيضًا ملابسهن الشتوية.
فينوس أناديومين ترتدي معطفًا من الفرو بغطاء رأس؛ فلورا، التي تداعبها النسمة، تدفن يديها في كمها.
ولهذا الموسم، راعيات كويزيفوكس وكوستو، إذ وجدن أوشحتهن خفيفة بما يكفي، يرتدين أوشحة من الريش حول أعناقهن.
IV في أزياء باريس يُلقي الشمال عباءاته الثقيلة، كما لو أن ندف يُغطي امرأة أثينية زغبًا بفرو دبّه.
في كل مكان تمتزج الزينة التي تُلبس بها تدمر الشتاء، بروعتها الروسية من الفراء، المُعطّرة بنجيل الهند.
وتضحك المتعة في الكوة، حينما، وسط كيوبيد العراة، من شعر وحش أسمر أحمر، يظهر جذع فينوس الأبيض.
V تحت الحجاب الذي يحميكِ، متحديةً نظرات الحسد، إذا تجرأتِ على الخروج في هذا الثلج، فاحشي بقدميكِ الأندلسية؛
يلتقط الثلج كالقالب، بصمة تلك القدم الرقيقة، التي، على السجادة البيضاء، تُشير، مع كل خطوة، إلى اسمكِ.
وهكذا، يستطيع الزوج الكئيب الوصول إلى العش الخفي حيث، ووجنتها لا تزال وردية من البرد، تحتضن النفس الحب.
3.40. دراسة للأيدي I (إمبيريا) في ورشة نحات، مصبوبة من الجبس، رأيتُ ذات يوم يدًا لأسباسيا أو كليوباترا، جزءًا نقيًا من تحفة فنية بشرية؛
أسرتها قبلة ثلجية كزنبقة عند الفجر الفضي، كشعر أبيض تفتحت بجمالها.
في بريق شحوبها غير اللامع، عرضت على المخمل أناقتها الرقيقة وأصابعها النحيلة ذات الخواتم الثقيلة.
قوس فلورنسي، بهيبة فخر جميلة، مرسومة بخط متعرج، يتحرك إبهامها الممدود بانسيابية.
هل لعبت في تجعيدات شعر دون جوان اللامع، أو على قفطانه المليء بالدمامل
أمشطت لحية السلطان؟ وحملت، عاهرةً كانت أم ملكة، بين أصابعها المنحوتة ببراعة، أم صولجان الملذات؟
لا بد أنها، متوترة ورقيقة، كثيراً ما كانت تتكئ على رقبة وعلى مؤخرة اللبؤة لخيالها الجامح.
أوهام إمبراطورية، حب الترف؛ هياج شهواني، أحلام المستحيل،
روايات وقصائد باذخة عن الحشيش ونبيذ الراين، سباقات محمومة في أحياء البوهيميين على ظهور خيول جامحة؛
كل هذا يظهر في سطور هذه الكف، كتاب فارغ حيث رسمت فينوس علامات لا يقرأها الحب إلا بارتجاف.
II (لاسينير) على النقيض، اليد المقطوعة للقاتل لاسينير، المُغْمَسة في مراهم قوية، الموضوعة بجانب وسادة.
يا للفضول المنحرف! لمستها، رغم اشمئزازي لا تزال آثار التعذيب بادية عليها هذا اللحم البارد ذو الزغب البني المحمر.
محنطة وصفراء بالكامل مثل يد فرعون، تمد أصابعها الشبيهة بأصابع الغزال مُقبوضة من الإغراء.
حكة من ذهب ولحم نيء تبدو وكأنها تدغدغ بأصابعها الجمود المتشنج، وتلويها كما في سالف الزمان.
كل الرذائل بمخالبها في ثنايا هذا الجلد، رسمت نقوشًا هيروغليفية مرعبة، يقرأها الجلاد بسهولة.
هناك يرى المرء أعمال الشرّ مكتوبةً في أخاديدٍ بنيةٍ، والأفران المشتعلة حيث يغلي الفساد؛
مجون كابري من أوكار القمار وبيوت الدعارة، الملطخة بالخمر والدم، كضجر الأباطرة القدامى!
لينٌ ووحشيٌّ في آنٍ واحد، له هيئته للناظر بجمالٍ بشعٍ، جمال المصارع!
أرستقراطيةٌ إجرامية، بالمسحاة أو المطرقة لحمها ليس قاسياً، لأن أداتها كانت سكيناً.
ندوبٌ مقدسةٌ من العمل الشريف، يسعى المرء إلى ختمك هناك عبثاً. قاتلٌ حقيقيٌّ وشاعرٌ زائف، كان مانفريد حثالة!
3.41. متغيرات على كرنفال البندقية
I في الشارع هناك لحن شعبي قديم تعزفه جميع الكمانات، على نباح الكلاب الغاضبة كأنوف جميع آلات الأرغن.
علب التبغ الموسيقية تضعه في ذخيرتها الموسيقية؛ بالنسبة للكناري، إنه لحن كلاسيكي، وجدتي، وهي طفلة، تعلمته.
على هذا اللحن، الصمامات، الكلارينيت، في قاعات الرقص بمهدها المغبر، تجعل البائعين وبائعات المتاجر يقفزون، وتهرب الطيور من أعشاشها.
الحانة، تحت عريشتها، من الجنجل وزهر العسل، تحتفل، وهي تردد اللازمة، بيوم الأحد السعيد والفضة...
الرجل الأعمى مع الباسون الأنين يعزفه بأصابع خاطئة؛ يصرّ على أسنانه، كلبه البودل بالقرب منه أنين خافت.
والصغير عازفو الغيتار، نحيلون تحت أثوابهم الرقيقة، يعزفون بأصواتهم الحزينة على طاولات المقاهي المُغنّية.
باغانيني، العجيب، في إحدى الأمسيات، كما لو كان بخطاف، يلتقط اللحن القديم بطرف قوسه الإلهي،
ويُطرز الشاش الباهت الذي لا تزال الخرق تُحمرّه، ويجعل زخارفه الذهبية تنساب على العبارة المُحتقرة.
II على البحيرات ترا لا، ترا لا، لا، لا، لا لا! من منا لا يعرف هذه النغمة؟ كانت تُسعد أمهاتنا، رقيقة ومبهجة، ساخرة وحزينة:
لحن كرنفال البندقية، حيث كان يُغنى على القنوات، وما حملته نسمة هواء عاتية إلى الباليه!
يبدو لي، حين تُعزف، أن أرى جندولًا ينساب في أخدوده الأزرق بمقدمته التي تشبه عنق الكمان.
على سلم موسيقي لوني، صدرها يتدفق باللؤلؤ، فينوس البحر الأدرياتيكي تخرج من الماء، بجسدها الوردي والأبيض.
القباب، على زرقة الأمواج تتبع اللحن بخطوطه النقية، تتضخم كحناجر مستديرة ترتفع بزفرة حب.
يقترب القارب وينزلني، يلقي بمرساته على العمود، أمام واجهة وردية، على رخام درج.
بقصورها، جندولاتها، أقنعتها على البحر، أحزانها الرقيقة، وبهجتها الجامحة، كل البندقية تنبض في هذا الهواء.
وتر رقيق يهتز يُعاد صنعه بنقرة، كما لو كان يومًا ما بهيجًا و مجاناً، مدينة كاناليتو!
III الكرنفال تتزين البندقية للحفل. متألقة بالترتر، تتألق وتعج بالثرثرة الكرنفال الملون.
المهرج، أسود بقناعه، الأفعى بألوانها الألف، مُخادع ذو نزعة غريبة كاساندرا، كبش فداء له.
يُرفرف بكمه كالبطريق على الشعاب المرجانية، المهرج الأبيض، ذو الوجه الأبيض، يلتقط رأسه ويغمز.
يُواصل الطبيب البولوني حديثه الرتيب بصوت جهير مُطوّل؛ بانشينيلو، الذي يغضب، يجد لنفسه خطافًا بدلًا من أنفه.
يصطدم بتريفلان، الذي ينفخ أنفه بصوت مُبالغ فيه، سكاراموش يُعيد مروحته أو قفازه إلى كولومبين.
على إيقاعٍ منتظم، انزلقت قطعة دومينو، كاشفةً عن لمحةٍ خاطفةٍ من خلف جفونها السوداء اللامعة.
آه! لحيةٌ رقيقةٌ كدانتيل الدانتيل، حركتها نسمةٌ صافية، أخبرتني هذه النغمة: إنها هي! رغم تنكركِ، أنا متأكدٌ من ذلك،
وتعرفتُ عليها، ورديةً ونضرةً، تحت ذلك المظهر الكرتوني البشع، شفتها بشعرها الناعم، وشامة الجمال على ذقنها.
IV ضوء القمر العاطفي عبر الضحكات الجامحة التي يرسلها القديس مرقس إلى ليدو، يرتفع سلم موسيقي كصاروخ، كنافورة في ضوء القمر.
إلى الهواء الذي يثرثر بنبرة هزلية ويهز أجراسه في الريح، ندم، كحمامة برية تُخنق، يختلط أحيانًا بنحيبها.
في البعيد، في الضباب الرنان، كحلم كاد يُمحى، رأيتُ مجددًا، ما زلتُ شاحبًا وحزينًا، حبي القديم من العام الماضي.
تذكرت روحي الباكية أبريل، عندما كنا نراقب في الغابة زهرة البنفسج عند وصولها، تحت العشب تشابكت أصابعنا.
نغمة فطر الشانتريل، تهتز كآلة هارمونيكا، إنه الصوت الطفولي الرقيق، سهم فضي... لسع.
الصوت زائف جدًا، رقيق جدًا، ساخر جدًا، حلو جدًا، جدًا قاسية، باردةٌ كالنار، حارقةٌ كالنار، حتى أن سماعها يُشعر المرء بلذةٍ قاتلة،
وقلبي، كالقبو الذي تذرف مياهه الدموع في حوض، يُسقط قطرةً قطرة دموعه الحمراء على صدري.
مرحةٌ وحزينة، آه! يا لحن الكرنفال القديم، حيث يُجيب الضحك الدموع، كم آلمني سحرك!
ــــــــــــــــــــ Copyright © akka2026 المكان والتاريخ: طوكيـو ـ 05/07/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تَرْويقَة: -الوصية الأخيرة-/بقلم تيوفيل غوتييه*- ت: من الفرن
...
-
تَرْويقَة: وردة الشاي/بقلم تيوفيل غوتييه*- ت: من الفرنسية أك
...
-
تَرْويقَة: -كارمن-/بقلم تيوفيل غوتييه*- ت: من الفرنسية أكد ا
...
-
حلف الناتو والانفاق الدفاعي عبر الثقافة السينمائية/ الغزالي
...
-
سينما - فيلم: -أطفال البشرية- - ت: من اليابانية أكد الجبوري
-
تَرْويقَة: سيمفونية بالبياض الفسيح/بقلم تيوفيل غوتييه*- ت: م
...
-
إضاءة: تيوفيل غوتييه… قصيدة الحس اللامتناهي- ت: من الفرنسية
...
-
-الجمهورية التكنولوجية-/أبوذر الجبوري - ت: من اليابانية أكد
...
-
تَرْويقَة : ظل ثيستيس/بقلم سينيكا* - ت: من الإيطالية أكد الج
...
-
تَرْويقَة: وداعًا للشعر/بقلم تيوفيل غوتييه* - ت: من الفرنسية
...
-
تَرْويقَة : هل يمر الربيع إلى هذه الحقول المسلوبة؟/لشاعر الل
...
-
تَرْويقَة : هل يمر الربيع إلى هذه الحقول المسلوبة/للشاعر الل
...
-
تَرْويقَة : الحارس الميت/بقلم زينوبيا كامبروبي أيمار* - ت: م
...
-
مراجعة كتاب:مشاركة المنظور/ بقلم إيمانويل ألوا /شعوب الجبوري
...
-
ممارسة الصحافة والسينما.. تعايش الإشكالية المستدامة (2-2)/ ا
...
-
ممارسة الصحافة والسينما.. تعايش الإشكالية المستدامة/ الغزالي
...
-
تَرْويقَة : قصائد/للشاعر الصيني ليي بَاي* - ت: من الألمانية
...
-
تَرْويقَة: حكاية المطر/بقلم بيلا أخاتفونا أحمدولينا* - ت: من
...
-
صراع المحاكاة بين -السلطة- الروحية والدنيوية/الغزالي الجبوري
...
-
تَرْويقَة : إلى الشمس/للشاعر الصيني آي تشينغ* - ت: من الألما
...
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|