أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - -لا تيأسن يا حسن: نشيد السرّ في زمن الطغيان-














المزيد.....

-لا تيأسن يا حسن: نشيد السرّ في زمن الطغيان-


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 12:12
المحور: الادب والفن
    


القصيدة التي كتبها الشاعر العراقي موفّق محمد في رثاء صديقه حسن عمران تعد واحدة من أكثر النصوص الشعرية وجعًا وصدقًا، وقد تحوّلت إلى بيان شعريّ سريّ كان يتداول همسًا بين الناس في العراق خلال التسعينيات، لما فيها من كشف مؤلم لجرائم النظام البعثي، والتعبير الحار عن مأساة العراقيين تحت الحكم القمعي.
تمهيد تاريخي ونفسي للنص:
كتب موفق محمد هذه القصيدة في وقت كانت البلاد تعاني فيه من الاستبداد المطلق لحكم صدام حسين، حيث السجون والمقابر الجماعية والحروب العبثية والحصار القاتل. وكانت الرقابة تلاحق كل حرف، وكان الشعر المقاوم يُعدّ "تخريبًا" أمنيًا يعاقب عليه الشاعر بالاختفاء أو الموت. لذلك لم تُنشر القصيدة رسميًا، بل تداولها الناس سرًا، منسوخة بخط اليد أو مسجلة بصوت خافت. وهي تُقرأ اليوم بوصفها وثيقةً أدبية وتاريخية في آنٍ واحد، تكشف ما حاولت الأجهزة القمعية أن تخفيه بالقوة.
تحليل القصيدة من حيث اللغة والبنية والمعاني:
اللغة والموسيقى: كُتبت القصيدة بالعامية العراقية، لكنها تنتمي إلى شعر التفعيلة بموسيقاها الداخلية، وغنائيتها الحزينة، وإيقاعها المستند إلى التكرار والتوازي.
تتكرر عبارة "لا تيأسن يا حسن" على هيئة لزمة حزينة، تُكسب القصيدة بعدًا إنشاديًا، وتحمل شحنة وجدانية موجعة، وكأن الشاعر يوصي صديقه الميت ـ أو نفسه ـ أو شعبه كله بعدم اليأس، رغم أن كل شيء يدعو لليأس.
المعاني والدلالات:
الخطاب الثنائي بين الشاعر والمخاطَب: يخاطب الشاعر صديقه الشهيد "حسن" بصيغة مباشرة:
"لا تيأسن يا حسن"
وهو خطاب ذو طابع وجداني، لكنّه أيضًا مسيّس. فـ"حسن" هنا ليس مجرد شخص، بل رمز لجيل أو وطن يعاني القهر والخذلان.
الصورة المأساوية للحياة تحت النظام: يقول:" زرنيخ صار العمر نكعد قبر يم قبر" صورة مقززة ولكن صادقة. الزرنيخ (السمّ) صار طعم الحياة. والموت بات عادة، والقبر ليس نهاية بل محطة تتكرر بجوار أخرى. الشاعر يرسم العراق كمقبرة ممتدة.
الخذلان والحسرة حيث يكرر مرارة الحيف الاجتماعي: "ما صارت ولا جرت، يا ريت عيني عمت" الأماني تحوّلت إلى عار، والبصيرة صارت نقمة. لو لم يرَ لكان أهون له.
صورة الفقر والإذلال: "شدنا بتبليه الفقر ويتشلبه يلقط صبر" فالحياة في الحصار والعزلة والجوع جعلت الإنسان كائنًا هشًا يتشبث بالصبر وكأنه فتات الخبز.
تداخل الحياة بالموت: الصمت، الصخر، القهر، الكفن، الطبر، القبور… كلها مفردات تدور حول ثيمة واحدة: الحياة تحت نظام البعث لا تختلف عن الموت.
الرمزية السياسية والاجتماعية: حسن ليس مجرد صديق رحل، بل هو رمز لكل ضحية سُحقت بسبب قمع الدولة. والعمر المشبع بسم الزرنيخ، والقبور المتلاصقة، والضيم الذي نحكيه لأنفسنا، كل ذلك يحيل إلى واقع سياسي مغلق، حيث لا يمكن التعبير إلا في المواربة أو الرمز.
والقصيدة تفضح الخراب الجماعي الذي عاشه العراقيون، وعسكرة الحياة التي حولت الإنسان إلى مجرد رقم في قائمة القتلى أو المسجونين.
أما الأسلوب الفني والبناء العاطفي: فالشاعر يعتمد على الوجدان المكثف، واللغة المجروحة، والتكرار المعنوي. كل سطر يحمل صورة وموقفًا ودمعة. و التناقض بين التوصية "لا تيأسن" والمضمون المليء باليأس، يعكس مفارقة فنية ذكية، وكأن الشاعر يريد أن يتمسك بأمل لا يراه، لكنه يحتاجه ليستمر في الصراخ.
أما القيمة الأدبية والتاريخية: فالقصيدة تعد وثيقة أدبية مقاومة، ليس فقط لأنها كُتبت في السر وهاجمت علنًا جرائم الدولة، بل لأنها تُبقي في الذاكرة صوت الضحية، ومطاردة الشاعر بسبب هذه القصيدة دليل على قوة الكلمة أمام الرعب، وهذا ما يخلّد النص في وجدان الناس.
لذلك فإن قصيدة "لا تيأسن يا حسن" ليست مجرد رثاء، بل هي مرثية وطن. فيها يتداخل الخاص مع العام، والفردي مع الجمعي، والحنين مع النقمة. وقد أصبحت مثالًا على كيفية مواجهة الطغيان بالشعر، وعلى دور الكلمة في فضح الظلم حين تعجز السياسة.
إنها من تلك النصوص التي تُكتب بالدم وتُتلى في الخفاء، ثم تُخلَّد في ذاكرة الشعب بوصفها نداءً ضد النسيان.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رثاء -إبراهيم الخياط-: موفق محمد يكتب مراثي بحجم وطن
- كامل الكناني شاعر من حقول الديوانية ومقامات الزمن النبيل
- ناصر أبو الورد حين يتكئ الشعر على وجعٍ يقظٍ ومجازٍ مشتعِل
- عباس الجراخ ناسكُ التراث في محراب الحرف
- فارس الخفاجي حين يستعير الطبيب قلب الشاعر
- توفيق المعموري... شاعرٌ حمل ظله ومضى في دروب الشعر والشتات
- الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة
- مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي
- محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - -لا تيأسن يا حسن: نشيد السرّ في زمن الطغيان-