أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - في رثاء -إبراهيم الخياط-: موفق محمد يكتب مراثي بحجم وطن














المزيد.....

في رثاء -إبراهيم الخياط-: موفق محمد يكتب مراثي بحجم وطن


محمد علي محيي الدين
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


في واحدة من أكثر القصائد صدقًا وتأثيرًا في الذاكرة الأدبية العراقية الحديثة، كتب الشاعر موفق محمد نصًا باذخًا بالحزن والانكسار، يرثي فيه الشاعر والكاتب الراحل إبراهيم الخياط، الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، الذي رحل في حادث سير مأساوي عام 2019. القصيدة، التي حملت عنوانًا شعبياً عميق الدلالة "شاطي باطي"، لم تكن مجرد تأبينٍ لصديقٍ غالٍ، بل وثيقة شعرية تمور بالحس الإنساني، وتحمل في طياتها ملامح وطن جريح، يتقاطع فيه الشخصي بالقومي، والذاتي بالجمعي.
قصيدة بحجم القلب والوطن
"شاطي باطي" ليست مرثية تقليدية. إنها مزيج من البوح النثري، والبكاء الشعبي، والصرخة السياسية. يفتتح موفق محمد نصه بصوت لا يكاد يصدق رحيل "إبراهيم"، إذ يقول:
"ولأنّك لا شبيه لك، فأنّى لنا أنْ نجدَ إبراهيم الخياط بعدكَ"
منذ اللحظة الأولى، يُنصّب الشاعر رفيقه مقامًا لا يُشغل، ولا يُعوّض، مستندًا إلى حب صادق، وسيرة إنسان لم يكن شاعرًا وحسب، بل كان كما يصفه: "فلاحها"، في إشارة إلى "جمهورية البرتقال" التي اختارها إبراهيم الخياط رمزًا لنقاء الكلمة وصفاء الروح.
الشعر الشعبي.. لغة الوجدان العراقي
ما يميز النص هو مزج موفق محمد بين الفصحى والعامية العراقية، حيث تتخلل القصيدة مقاطع شعبية تختزن طاقة الوجع الشعبي، مثل قوله:
(يضربني بطبر ويكلي حياك
بعداك إلمن نعتني بعداك)
هذه اللغة اليومية تمنح القصيدة خصوصيتها العراقية، وتجعلها قريبة من الناس، لا تخاطب النخبة فحسب، بل تتنزل في قلوب عامة القرّاء الذين فقدوا، مثله، أصواتًا نزيهة كصوت الخياط.
رثاء يتقاطع فيه الوجع العام والخاص
في قلب النص، يتحول الرثاء من مخاطبة الغائب، إلى مواجهة مع الواقع القاسي:
"فما إخضَرّ عودٌ لشهيدٍ في العراق
فالمقابر تُحرَث وبيادر القتلى تتسع..."
هكذا يرسم موفق محمد لوحة دامية لواقع الموت في العراق، حيث لا تنبت الحياة، ولا تثمر الشهادة سوى مزيد من الحزن. الشهداء لا يورثون المجد، بل مزيدًا من اليتم، ويظل "السرّاكيل" يتفاوضون على أسعار الدم.
الخياط.. لا رئيسًا بل فلاح القلوب
في مقطع شديد العذوبة، يرسم الشاعر صورة "إبراهيم" ليس كرمز أو بطل أسطوري، بل كإنسان يشبه الأرض التي أحبها:
"فأنت فلاحها
الذي يعلّب دمه في جذورها
فيبتسم ورد الرمان في أغصانها"
هذا التشبيه يختزل علاقة الخياط بالثقافة والناس، فهو لم يكن متصدرًا، بل راعيًا، سخي القلب، نقي السريرة، يطعِم المكاريد من نبضه، ويجعل من الشعر فسحة للأمل لا وسيلة للمجد.
بين السياسة والمأساة: العراق في مرآة الفقد
القصيدة في عمقها تتعدى رثاء صديق. إنها خطاب حزين في وطن بلا ظل، حيث يقول موفق محمد:
"وأحب أن أخبرك بأن الجماعة باعونه
على الأخضر لعزرائيل..."
بهذه الكلمات، يحمّل الشاعر الطبقة السياسية مسؤولية الخراب، ويضع الخسارات في سياقها الأوسع: بلد يتاجر بالموت، ويسلّم أبناءه للهاوية، بلا خجل ولا حساب.
صرخة اليتيم في حضرة القبر
أقسى لحظات القصيدة حين يتحول الحوار من مناجاة روحية إلى نداء جسدي:
"افتح يا إبراهيم.. فلمَ لا تفتح؟"
وكأن الشاعر يرفض الاعتراف بالرحيل، يطرق باب الغائب، لا ليوقظه، بل ليحتمي به. صوت الشاعر هنا يشبه صوت طفل يتيم يبحث عن صدر أبيه في غرفة مهجورة.
دعاء يتيم لوطن مختطف
في ختام القصيدة، يرى الشاعر رفيقه وهو يفتح يديه بالدعاء للعراق. مشهد يحمل من الرمزية ما يتجاوز الموت، حيث يصبح "إبراهيم" ـ الغائب ـ آخر من يملك قلبًا يدعو لهذا الوطن:
"وأراك بعين القلب تفتح يديك بالدعاء
إلى العرااااااق.."
وتموت آمنا مطمئنا..
ان قصيدة "شاطي باطي" لا تبكينا فقط على إبراهيم الخياط، بل توقظ فينا الحزن المؤجل على عراق يُقتل كل يوم، ويُرثى في قصيدة بعد أخرى. لقد استطاع موفق محمد أن يجعل من المرثية مرآةً لمرحلة كاملة، وأن يقول ما لا يُقال في خطاب سياسي أو مقالة صحفية.
قصيدته ليست فقط أدبًا، بل شهادة. شهادة شاعر لا يكتب بالكلمات بل بالدم، في وطنٍ يكتب مراثيه بنفسه، كل صباح.



#محمد_علي_محيي_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كامل الكناني شاعر من حقول الديوانية ومقامات الزمن النبيل
- ناصر أبو الورد حين يتكئ الشعر على وجعٍ يقظٍ ومجازٍ مشتعِل
- عباس الجراخ ناسكُ التراث في محراب الحرف
- فارس الخفاجي حين يستعير الطبيب قلب الشاعر
- توفيق المعموري... شاعرٌ حمل ظله ومضى في دروب الشعر والشتات
- الحلة في مرآة القصيدة – قراءة في نص موفق محمد انا أحب الحلة
- مقداد مسعود… سراجُ الكتب وجسرُ الشعر إلى الوعي
- محيي المسعودي في حضرة الكلمات وساحات النار
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن
- أفنيتَ عمرك- صدى الوجع الممتد عبر الزمن قراءة في قصيدة -لا ح ...
- جواد كاظم الحسون راوي الحكايات ومهندس الضوء المسرحي
- فـتاوى للإيجار- قصيدة عراقية تفضح فقه الذبح على الهوية
- زينب البياتي صعلكة الشعر على أكتاف الرماد
- عبد الحسين الجنابي شاعرٌ يسقي القوافي من جدول الفصحى
- القاص والروائي علي غازي غواية القصّ بعيون ناقدة
- عماد الحاج حسن باحث ينقّب في تراب المعنى ويجلو غبار النسيان
- علي أبو بكر شاعر العبور من الجمر إلى الغيم
- محمد كاظم جواد شاعر يغمس ريشته في دهشة الطفولة وحنين الإنسان
- علي تاج الدين شاعر الأسطورة والمجازات العالية
- عبود المهنا الناقد الذي نسج المسرح بالفكر، وقرأ الجسد بعيون ...


المزيد.....




- رحيل صادق الصائغ : الشاعر الحداثي والفنان المتمرد
- أثار جدلا واسعا حول معناه.. ظهور تمثال جديد للفنان -بانكسي- ...
- مفتتح فن الرواية.. هل تحمل -دون كيخوت- بصمة الأدب العربي؟
- ناد في البريميرليغ يستعين بخبير في الفنون القتالية.. ما القص ...
- هندسة الخطاب الصراعي: من السيولة اللغوية إلى التثبيت الميدان ...
- وثيقة غامضة تربك الرواية.. أين اختفت رسالة انتحار إبستين؟
- صورة لطائر في وجه رياح عاتية تفوز بجائزة اختيار الجمهور بمسا ...
- ليالي اوفير تجمع العالم علي المسرح
- بينهم كانسيلو وألونسو.. كيف أضعفت -حمى الهجوم- فنون الدفاع ا ...
- الفنان المجهول بانكسي يَنصب رجلا يخطو في الفراغ فجأة وسط لند ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد علي محيي الدين - في رثاء -إبراهيم الخياط-: موفق محمد يكتب مراثي بحجم وطن