أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريتا عودة - في حضرة الانتظار















المزيد.....

في حضرة الانتظار


ريتا عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 04:55
المحور: الادب والفن
    


في حضرة الانتظار:
تأمّلات وجدانيّةٌ وسيميائيّةٌ في روايةِ (إلى أن يُزهرَ الصبّارُ)
للروائيّةِ الفلسطينيّةِ ريتا عودة
كتبها: محمد خضير

شاعر وروائي فلسطيني – الأردن

تبدأُ الروائيّةُ الفلسطينيّةُ ريتا عودة رحلتَها السرديّةَ منَ النّقطةِ التي انتهى عندَها اليقينُ، حيثُ تفتحُ بوابةَ (إلى أن يُزهرَ الصّبارُ) على فضاءٍ أسطوريٍّ يستحضرُ ثنائيّةَ "آدم وحوّاء" لا بوصفِهما شخوصًا غابرةً، بل كحالتينِ شعوريّتينِ تتجسّدانِ في كلِّ عاشقٍ ومغتربٍ! إنّها حكايةُ الانشطارِ الأولِ، حيثُ يقفُ "آدم" في مهبِّ الذاكرةِ، باحثًا عن حوّائِهِ التي تسكنُ ضلوعَهُ قبلَ أن تسكنَ مدنَهُ... سيميائيًّا، يمثّلُ "الضِّلع" هنا المبتدأَ والخبرَ؛ هو أصلُ التكوينِ العاطفيِّ الذي يحاولُ البطلُ استردادَهُ ليحقّقَ اكتمالَ الدائرةِ، في محاولةٍ مضنيةٍ لاسترجاعِ "فردوسِ الحُبِّ" من براثنِ غوائلِ الشكِّ وقسوةِ الواقعِ السامِّ.
تتكئُ الروايةُ على مرجعيّةٍ نصيّةٍ عميقةٍ تُعيدُ تدويرَ الرّموزِ الكونيّةِ بذكاءٍ حادٍّ؛ فشجرةُ المعرفةِ هنا ليستْ تفاحةَ الغوايةِ، بل هيَ "الوعيُ الحادُّ بالذاتِ"؛ ذلكَ النورُ الذي حينَ يسطعُ يطردُ المرءَ من طمأنينةِ الجهلِ إلى عراءِ الحقيقةِ. والأفعى لا تأتي بجلدٍ مرقّطٍ، بل تتجسدُ سيميائيًّا في شخصيّةِ "ابنةِ العَمِّ" أو "الواشيةِ"؛ تلكَ التي تندسُّ كذبذباتٍ سامةٍ في أُذنِ الطمأنينةِ، وتنفثُ في روعِ اليقينِ غبارَ الرّيبةِ حتّى تستحيلَ الوعودُ رمادًا!
يتجلّى هذا السقوطُ التراجيديُّ في مشهدِ "الخُروجِ منَ القصرِ"؛ فالقصرُ في رؤيا ريتا عودة لم يعدْ حيّزًا مكانيًّا بأسوارٍ ماديّةٍ وقناطرَ شامخةٍ، بل هو سيميائيّةُ الأمانِ الروحيِّ وفردوسُ الثقةِ المطلقةِ... وحينَ ينهارُ هذا الحيّزُ بفعلِ الوشايةِ، يسقطُ الكائنُ في لُجّةِ التّيهِ، ويتحوّلُ الحبُّ من سَكينةِ "امتلاكٍ" هادئةٍ إلى "مكابدةٍ" وجوديّةٍ مريرةٍ، حيثُ يغدو الشكُّ "سوسًا" خفيَّ الخُطى، ينخرُ في عظامِ البداياتِ الشّفيفَةِ، ويُحيلُ نبضَ الوفاءِ إلى طعناتٍ من تساؤلاتٍ؛ كما نلمَسُ في تساؤلاتِ آدمَ الحارقةِ، التي تسيلُ كالحممِ على صفحاتِ بَوحِهِ، باحثةً عن مرسىً للوفاءِ في بحرِ خيانةِ الظنونِ.
ببراعةٍ فائقةٍ، ترسمُ ريتا عودة معالمَ "مدينةِ الرعبِ"؛ تلكَ الغابةَ الإسمنتيّةَ المزدحمةَ بأسلاكِ الانتماءِ الشائكةِ... المكانُ هنا يتجاوزُ الجغرافيا ليصبحَ قيدًا؛ فالمدنُ في الروايةِ تضيقُ بأهلِها حينَ تفرضُ "هوياتٍ قسريّةً"... يبرزُ ذلكَ بوضوحٍ في تناولِ الروايةِ لتابو "العلاقاتِ العابرةِ للأديانِ"؛ حيثُ يصبحُ العشقُ بينَ قطبينِ مختلفينِ فعلَ "مقاومةٍ" سيميائيًّا ضدَّ نظامٍ اجتماعيٍّ يرى في التعدّدِ تهديدًا لا ثراءً! الأفرادُ في هذهِ المدينةِ يمشون كـ"توابيتَ سائرةٍ"، وهيَ صورةٌ بليغةٌ تعكسُ الموتَ الروحيَّ لمن تنازلوا عن "حقِّ الحُلمِ" مقابلَ "أمانِ القطيعِ"، ولعلَّ صرخةَ "حياة" في وجهِ السُّلطةِ الأبويّةِ هيَ الإشارةُ السيميائيّةُ الأقوى لكسرِ هذا التابوتِ.
ينسابُ السّردُ بينَ "آدم" و"حياة" (حوّاءَ المُعاصرةِ) في تبادلٍ للأدوارِ يشبهُ المدَّ والجزرَ... "آدم" يمثّلُ الذاكرةَ الساكنةَ والحنينَ لزمنِ الفطرةِ، بينما تمثّلُ "حياة" إرادةَ التحررِ والبحثَ عنِ الكيانِ المستقلِّ. نجدُ في الروايةِ تفاصيلَ دقيقةً تصوّرُ "حياة" وهيَ تحاولُ فكَّ شيفراتِ "الرجلِ/القدرِ" لتصيغَ قدرَها الخاصَّ... هذا التعدّدُ يمنحُ الروايةَ بُعدًا ديمقراطيًّا؛ فالأنثى هنا ليستْ مجردَ صدىً لرغبةِ الرجلِ أو "ضلعًا قاصرًا"، بل هيَ "قصيدةٌ تحرّضُ على التأملِ"، كائنٌ يسعى بوعيٍ تامٍّ لكسرِ "زنزانةِ الشكِّ" ليعلنَ أنَّ الحياةَ "تحدٍّ" واختيارٌ، وليستْ قدرًا مكتوبًا بمدادِ الآخرينَ على هوامشِ الورقِ.
إنَّ لغةَ ريتا عودة هيَ البطلُ الدراميُّ الأولُ؛ فالحروفُ لديْها "فراشاتٌ ملونةٌ ترفرفُ" فوقَ حقولِ الوَجعِ، تارةً تداوي وتارةً تلسعُ! يتجلى الإبداعُ السيميائيُّ في اختيارِ "الصبّار" عنوانًا؛ فالصبّارُ في الوعيِ الجمعيِّ مرتبطٌ بـ "الصبرِ" و"الموتِ/المقابرِ"، لكنَّهُ في الروايةِ يتحوّلُ إلى رمزٍ لـ"الاكتفاءِ الذاتيِّ" و"الصمودِ"... فعلُ "الانتظارِ" المرتبطِ بإزهارِ الصبّارِ هو سيميائيّةُ "الأملِ المستحيلِ"؛ إنّها النّبتةُ التي تختزنُ دمعَها ماءً، وتمتطي أشواكَها لتحميَ سرَّ بقائِها... الأمثلةُ داخلَ الروايةِ التي تصفُ لحظاتِ ترقبِ "الزهرة" وسطَ الأشواكِ تعكسُ حالةَ الإنسانِ الذي يروّضُ الألمَ ليصنعَ منهُ جمالًا... إنّها لحظةُ الانعتاقِ من "عتمةِ الليلِ" إلى "فجرِ الجمالِ" الذي يولدُ من رحمِ الشدةِ.
تخلصُ الدراسةُ إلى أنَّ "العودةَ إلى الفردوسِ" في منظورِ ريتا عودة ليستْ نكوصًا نحو الماضي، بل هيَ استشرافٌ لمستقبلٍ يمرُّ حتمًا عبرَ بوابةِ "تطهيرِ الذاتِ" من رواسبِ الهزائمِ النفسيّةِ... سيميائيًّا، تصبحُ المواجهةُ معَ "أفاعي" المجتمعِ شرطًا وجوديًّا للعُبورِ؛ فالإزهارُ لا يتحقّقُ إلا باقتلاعِ أنيابِ الوصايةِ التي تحاولُ تدجينَ العاطفةِ... إنَّ روايةَ "إلى أن يُزهرَ الصبارُ" هيَ وثيقةٌ أدبيّةٌ وفلسفيّةٌ تعلنُ بوضوحٍ أنَّ الحبَّ ليسَ "خلاصًا فرديًّا"، بل هوَ فعلُ "تشاركٍ" لا يكتملُ إلا حينَ تصبحُ "حوّاء" شريكةً في "المنفى" و"الحلم" على حدٍّ سواءٍ! هنا، تتحولُ "الأسلاكُ" من عوائقَ ماديّةٍ إلى رموزٍ للتفتيتِ الشعوريِّ الذي يجبُ كسرُهُ لاستعادةِ وحدةِ الكائنِ.
وفي تحليلٍ أعمقَ لرمزيّةِ العنوانِ، يبرزُ "الصبّارُ" ليسَ كشاهدٍ على الوجعِ فحسبُ، بل كـ"مختبرٍ للصبرِ الاستراتيجيِّ"؛ فالنصُّ يطرحُ نبوءةً سيميائيّةً مفادُها أنَّ الشوكةَ التي تدمي اليدَ هيَ ذاتُها الحارسُ الأمينُ للزهرةِ القادمةِ... إنّها دعوةٌ لترسيخِ اليقينِ بأنَّ الفجرَ لم يكُن مجردَ وقتٍ زمنيٍّ، بل هوَ حالةٌ ذهنيّةٌ تسكنُ دائمًا في أشدِّ لحظاتِ الليلِ حلكةً، وأنَّ "إزهارَ الصبّارِ" هوَ الانتصارُ النهائيُّ للجوهرِ الإنسانيِّ الصلبِ على هشاشةِ الواقعِ المُحيطِ.

28.4.2026

___________________________

من صندوق التعقيبات:

هذه ليست قراءة انطباعية عابرة، بل نص نقدي واع، يمتلك لغته وأدواته، ويحسن الإصغاء لما وراء الكلمات.

د. عبد الجبار خليلية



#ريتا_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
- أيُّها الطُّغاة
- خبزُ الأوجاعِ الكونيّ
- عقيدةُ الأَرضِ
- Hillary Hitler Avy || بنغلادش
- هوانغ سانغ سون || شاعر كوري
- شُعَرَاء دَوْلِيُّون || كانغ بيونغ-تشيول
- ايلولُ يشبهُنا
- نبض فلسطيني لريتا عودة واياد شماسنة
- تحليل نقدي لقصائد ريتا عودة|| بروفيسور مختار زكلول
- احتفاليّة نقديّة بنصّ -رسالة إلى محمود درويش-
- رسالة إلى محمود درويش
- قراءة في قصيدة -أنا سائقة للألم التّاريخي-
- أَنَا سَائِقَةٌ لِلأَلَمِ التَّارِيخِيِّ
- في الثّلاثينَ..
- لا تَكْتُبْ!
- ​مُوَاطِنُونَ نَحْنُ أم نُزَلَاءُ..!
- بين إرث محمود درويش وإعادة التّشكيل المعاصر
- صوتان فلسطينيان معاصران في مواجهة الواقع: عودة ويونس
- فلسطين بين لغتين: نداء يونس وريتا عودة


المزيد.....




- -الدحيح- يحكي كيف تحولت تايلور سويفت من فنانة إلى ظاهرة اقتص ...
- مليونا أسير وذاكرة معلّقة.. معهد العالم العربي يعيد كتابة تا ...
- رحيل عبد الحميد نقره كار.. المعماري الذي بحث عن روح إيران في ...
- نظرة على الحملة التسويقية لفيلم -الشيطان يرتدي برادا 2-
- عمارة اليمن المستدامة.. هل تشكّل -ناطحات السحاب الطينية- مدن ...
- -تتويجا للشعرية-.. جائزة الأركانة العالمية للشعر تكسر قاعدته ...
- عدسة الغائب الحاضر.. -أوسكار الإنترنت- يتوج فيلم محمد سلامة ...
- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريتا عودة - في حضرة الانتظار