أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار- للكاتبة ريتا عودة














المزيد.....

فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار- للكاتبة ريتا عودة


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 14:05
المحور: الادب والفن
    


في قراءتي المتأنية لرواية "إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار" للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة، وجدتني أقف أمام "مانيفستو" وجوديّ وإنسانيّ يتجاوز حدود السرد التقليديّ ليعيد صياغة الوجع الفلسطينيّ بوعي كونيّ رصين، نصّ لا يكتفي بنقل الواقع، إنّما يعيد اختراعه عبر عدسة الأدب المقاوم. تبدأ أحداث الرواية الحقيقيّة من نقطة التمزّق والبحث؛ حيث نتابع قصّة "آدم" و"حياة" (حواء النصّ)، اللذين يجمعهما عشق استثنائيّ يتقاطع مع سيرة وطن وجغرافيا مثخنة بالجراح. تدور الرحلة السرديّة بين الناصرة وحيفا واللد، وتتعمّق في تفاصيل الذاكرة الفلسطينيّة بدءًا من مأساة الاقتلاع وصولاً إلى الهزات الكبرى مثل "يوم الأرض" ومظاهرات الطلاب في جامعة حيفا عام 1979. آدم، الذي يعاني من تيه الروح وفقدان "ضلعه" المفقود، يحاول استعادة "حياة" التي تمثل له الملاذ والوطن، بينما تخوض "حياة" معركتها الخاصّة مع الذاكرة والواجب والتحولات السياسيّة التي تعصف بهويتها في ظلّ القبضة الأمنيّة والمطاردات التي صبغت تلك المرحلة التاريخيّة من حياة الفلسطينيين في الداخل.
إنّ هذا التوسع في سرد الأحداث يقودنا مباشرة إلى تحليل "جدليّة الثقة والوشاية" التي تسيطر على مناخ الرواية وتمنحها بعدًا دراميًا عميقًا. فالكاتبة لم تكتف بتقديم قصّة حب، لكن جعلت منها "مختبرًا أخلاقيًا"؛ فنحن نتابع من خلال الرسائل المهربة واللقاءات الخاطفة كيف تتسلّل "الأفعى" (رمز الخيانة والاندساس) إلى الفردوس المناضل، مما يثير تساؤلات حارقة حول كيفيّة تشوّه الطهرانيّة النضاليّة بفعل الشكّ. هذا البعد "البوليسيّ" النفسيّ في الرواية يخدم المضمون السياسيّ ببراعة؛ فال- ........ لا يواجهنا من الخارج فقط، إنّما من خلال أدواته التي تحاول تفكيك نسيج الثقة بين الرفاق وبين العشاق. ومنذ العتبة الأولى للنصّ، تضعنا الكاتبة أمام ثنائيّة "آدم وحواء" في سياق معاصر وشديد الخصوصيّة، حيث تقول الرواية في اقتباس مفتاحيّ يختصر فلسفة الوجود: "ما زال آدم يبحث عن حوّائه هنا وهناك، دون أن يفطن أنّها داخل ضلوعه مقيمة. لا يكون العشق عشقا إلا حين تكتمل الدائرة بعودة حواء إلى القفص الصدريّ لآدم.. حيث الحنان.. حيثُ الأمان". إن تحليل هذا الاقتباس لغة ومضمونًا يكشف عن عمق المأساة؛ فـ "حواء" هنا ليست مجرّد امرأة، بل هي "الأرض المقتطعة" من جسد صاحبها، والعودة إليها ليست خيارًا عاطفيًا، بل هي "ضرورة بيولوجيّة" لاستقامة الحياة، مما ينقل الصراع من حيّز السياسة الجافّة إلى حيّز الجسد والروح، ويجعل القضيّة ال".........." قضيّة "كيان" لا قضيّة "حدود".
أمّا لغة الرواية، فهي لغة "تحرّض على التأمّل"، لغة شاعرة تجمع بين رقّة البوح وصلابة الموقف، وقد اعتمدت الكاتبة أسلوب "الهايكو الروائيّ" و"الومضة المكثفة" التي ترفض الثرثرة السرديّة. نجدها تقول في إشراقة لغويّة: "حبيبتي.. هي الوردة التي أنا عطرها. من شرق الشوق كما الحلم أتت، ومن غروبه مع المغيب غابت ولمّا تعد". اللغة هنا لا تصف الغياب، لكنها "تجسده" عبر تضاد الاتجاهات (شرق/غرب) الذي يعكس التمزّق الجغرافيّ والزمانيّ. هذا التكثيف هو "الجديد" في الشكل والأسلوب، فهو يذهب مباشرة إلى "جوهر الوجع". كما أنّ استخدام تقنيّة "البوليفونية" (تعدد الأصوات) منح النصّ طابعًا ديمقراطيًا؛ حيث نرى الحكاية بعين "آدم" تارة، وبعين "حياة" تارة أخرى، مما يكسر سلطة "الراوي العليم" ويجعل القارئ شريكًا في استنتاج الحقيقة الضائعة بين ثنايا التاريخ والرسائل المهربة التي تحولت من أدب مراسلات غراميّ إلى "شفرات ثوريّة" تحمل همّ الجماعة.
وتتوسع الرواية في طرح قضيّة "المرأة المقاومة"؛ فـ "حياة" في النصّ ليست "ضلعًا قاصرًا" ينتظر الإنقاذ، بل هي الذات الفاعلة التي تقود المظاهرات وتصيغ البيانات وتواجه التحقيق بصلابة أسطوريّة، وهي بذلك "أنثى القصيدة" التي تحولت إلى "أنثى الميدان". هذا التحول هو ردّ اعتبار للمرأة الفلسطينيّة التي كانت دائمًا في قلب العاصفة. كما أنّ الكاتبة جعلت من "المكان" (الناصرة، حيفا، اللد) بطلاً أنثروبولوجيًا ينبض بالحياة، حيث تصف الشوارع والأزقة بأسلوب يجعلها تشارك في الأحداث، ترفض الغرباء وتتمسّك بأسماء أصحابها الأصليين وروائح زيزفونها وتينها. هذا البناء الفنيّ يعتمد بشكل أساسيّ على "التناص الواعي"؛ وحين تقتبس الكاتبة كلمات توفيق زياد: "كأننا عشرون مستحيل.. في اللدّ والرملة والجليل.. إنـَّا هنا باقون.. فلتشربوا البحر"، فإنها لا تستدعي الشعر للزينة، لكن لتؤكّد أنّ الأدب هو الحارس الأمين للذاكرة، وهو الجسر الزمنيّ الذي يربط جيل ال"......." بجيل الحاضر، مما يمنح الرواية استمراريّة تاريخيّة مذهلة.
الجديد في الرواية شكلاً ومضمونًا هو قدرتها على دمج "الصوفيّ" بالسياسيّ؛ فالأرض "مقدسة" والعشق "صلاة"، والمقاومة "فعل إيمان". وتأتي سيميائيّة "الصبّار" في العنوان لتلخص هذه الرحلة؛ فالصبر في الثقافة الشعبيّة هو "تحمل الألم"، لكنّه عند ريتا عودة "طاقة انفجار" مؤجلة، ولحظة "إزهار" تعني الانعتاق التام. وكما تقول الرواية في نبرة نبوئيّة صاعقة في خاتمتها: "أفضل أن يراجع المضطهد الحساب.. من قبل أن ينفتل الدولاب.. لكلّ فعل:- …اقرأوا ما جاء في الكتاب". إنّ هذا التحذير الموجّه لل"........" ليس مجرّد وعيد سياسيّ، إنما هو قراءة في "حتميّة التاريخ" التي صدّرت بها الكاتبة روايتها. وفي الختام، تبرز أهمية هذه الرواية في تحريك المشهد الأدبيّ لأنّها استطاعت أن تنقل "الرواية الفلسطينيّة" من حيّز "التوثيق" إلى حيّز "الفلسفة والجمال"، مؤكدة أنّ الحق الذي يقف وراءه أدب رفيع وتضحيات نبيلة هو حقّ لا يموت، وأنّ الصبّار سيزهر حتمًا حين تكتمل دائرة العشق بالعودة الحتميّة إلى "القفص الصدري" للوطن...

الطيرة – 28.4.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...
- غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر ...
- حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي ...
- البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد ...


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن يُزهِرَ الصَّبَّار- للكاتبة ريتا عودة