أحمد كامل ناصر
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:07
المحور:
الادب والفن
د. أحمد كامل ناصر
ما إن ننتهي من قراءة هذه القصيدة للأستاذة ريتا، حتى نجد أنفسنا أمام صرخة وجودية مدوية، تستدعي الموروث الإنساني والديني لتصفع به وجه الواقع المتردي. لقد نجحت الشاعرة في تحويل النص إلى مرآة حادة، فاستخدامها لتقنية "التناص" في الافتتاحية: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا ضَمِيرْ.. فَلْيَرْمِنَا بِحَجَرْ"، يعد ضربة معلم؛ إذ قلبت الآية الإنجيلية الشهيرة لتعرّي فئة فقدت بوصلتها الأخلاقية. فبدلا من "بلا خطيئة"، جعلتها "بلا ضمير"، وكأنها تؤكد أن فقدان الضمير هو الخطيئة الكبرى التي تشرعن القتل بدم بارد، سواء كان ذلك "بحجر" أو بـ "بارود مزبد من الشرر".
جاءت لغة القصيدة هجومية، مباشرة، ونازفة؛ ترفض المواربة وتسمي الأشياء بمسمياتها. وحين تنتقل الشاعرة من العام إلى الخاص، تضع يدها على الجرح العربي النازف ببراعة تصويرية: "البيت ينهار.. وأنتم بالخناجر مشغولون". هذه الصورة السينمائية تلخص مأساة "الإخوة الأعداء" الذين انغمسوا في "لغة السب والردح" بينما الجسد الأساسي يتآكل. إن الأسلوب هنا يعتمد كليا على "أدب المكاشفة"، حيث لم يعد هناك متسع للرموز الغامضة؛ فالعدو الداخلي المتمثل في "أسواق الخيانة والتخوين" لا يقل خطرا عن المشانق والمقاصل.
أما الخاتمة، فقد جاءت كصدمة كهربائية للوعي؛ فاستحضار رمزية "القدس عروس عروبتكم" (تحية لمظفر النواب) ودمجها مع رمزية "ثلاثين من الفضة" (ثمن خيانة يهوذا الإسخريوطي للمسيح)، أضفى على النص أبعادا تراجيدية عميقة. الشاعرة هنا لا تذم فحسب، بل تحاكم تاريخيًا من باعوا القضية مقابل ثمن بخس.
ومن الناحية الشكلية، تمتاز القصيدة بإيقاع غاضب يلهث وراء الحقيقة، كما أن تكرار نداء "أنتم يا من..." خلق حالة من الحصار اللغوي للمخاطب، مما يشعر القارئ بضيق الخناق على المتاجرين بالدم.
إن ما قدمته ريتا في هذا النص يندرج بامتياز تحت ما نسميه "أدب الموقف"؛ ذلك الأدب الذي يرفض الوقوف على الحياد حين تمس الكرامة. إنها قصيدة لا تقرأ بالعين فحسب، إنّما تسمع كفعل مقاومة ورفض لزمن "أزقة الهمجية"، لتثبت أن الحبر قادر على أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم وسط "جدران الذم والقدح".
الطيرة 19.4.2026
#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟